نزول الفلسفة إلى الشارع

«أحفاد سقراط» لعلي حسين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

نزول الفلسفة إلى الشارع

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

لا غرابة في أن يضمحل مع مرحلتنا ما بعد العولمية كثير من الفلسفات الحداثية وما ارتبط بها من حركات فكرية، وتحل محلها فلسفات وحركات ما بعدية، تبدلت بسببها مواقع القوى والتأثير، وبات ما هو متعالٍ وتخصصي متراجعاً أمام ما هو شعبوي وعمومي.
وما تخلت الفلسفة عن تعاليها وقنعت بشعبويتها إلا لأن ما هو نظامي ومنطقي فيها لم يعد فاعلاً بقدر ما هو «معيق واستثنائي». وواحدة من تبعات النزول بالفلسفة إلى الشارع أن صار المجال مفتوحاً لهواة قراءة كتب الفلسفة، ممن يقرأونها بحثاً عن المعرفة ولا يريدون من وراء ذلك تخصصاً أو تكريساً لمجال فلسفي بعينه، أن يدخلوها متوغلين بالعموم نحو ما يثير الاهتمام ويفضي إلى التفكر، وكل بغيتهم التجول سائحين ومتفرسين فيما عالجه الفلاسفة من قضايا ومفاهيم شغلت بالهم على مرِّ الدهور ومتمتعين في الوقت نفسه بما تدرّه عليهم تلك السياحة وهذا التفرس من أفكار أو ألغاز إزاء ما يستعصي عليهم فهمه من مستغلقات يكابدونها عن طيب خاطر، قانعين بما لديهم من إمكانات، غير متطلعين سوى إلى الانتفاع بأكبر قدر من الاتجاهات والإلمام بأهم الأسماء الفلسفية، ومتعرفين إلى أهم المخاضات التي واجهوها أولئك الفلاسفة في حياتهم وما تركوه من آثار؛ بعضها معروف، وبعضها الآخر غير معروف. فيحصدون كثيراً أو قليلاً من المجتبيات والاقتناءات، ما يمكنهم هضمه وتمثله أو ما لا يمكنهم معه سوى الفرجة والاطلاع.
وهو ما نجده، في كله أو بعض منه، متجلياً في كتاب «أحفاد سقراط» للكاتب علي حسين، الصادر عام 2021. وفيه قدّم الكاتب نفسه بوصفه هاوياً لكتب الفلسفة وقارئاً محباً للفلاسفة، بلا تعيين لمدرسة بعينها أو اتجاه أو مرحلة ما، ومن دون انشغال بقضية أو نظرية وحدها.
وهذا العموم في حب الفلسفة والتعاطي مع مجالاتها هما اللذان يجعلان الكتاب واحداً من الأمثلة على نزول الفلسفة من متعالياتها ليغدو الفعل الفلسفي عاماً كفعل قراءة يومي، فتتجلى الفلسفة شعبوية؛ أولاً في صورتها القرائية بوصفها «قصة الغرام» التي تتناقلها الأجيال من أرسطو حتى ميرلوبونتي. وثانياً في اختزاليتها المعرفية، بكونها فعل إدهاش تفلسفي (أنا أندهش إذا أنا أتفلسف)، وبه يتواصل الدرس الفلسفي إلى ما لا نهاية. وثالثاً في توارثية الفعل الفلسفي من أجداد مؤسسين إلى أحفاد بناة، تجمعهم تعايشية جينالوجية وامتدادية معرفية عامة.
وقد تمثلت في كتاب «أحفاد سقراط» فاعلية الفلسفة في شعبويتها بصور عدة، منها هوايةُ مرافقة الفلاسفة. ومنها الأسئلة التي أثارها الكاتب وهو يقرأ الفلسفة كفعل إدهاش جمالي يتعدى حدود الانبهار والاستغراب إلى التأمل والاستقراء، متجاوزاً مواضعات التلقي الاستهلاكي إلى التفكر الإنتاجي، كتساؤلات تتمخض عنها إجابات تأتي في شكل اقتباسات، أو ككتابات تتوالد عن محطات من الاستذكار والاسترجاع والتأمل، أو كحصيلة تفاعلات تتقلص فيها المسافة ما بين الإدهاش والتفكر، فيتقارب الشك مع التساؤل ويتلاقى، عن دون قصد، الفكر الفلسفي مع الهواية القرائية، والمبتغى هو بلوغ الحقيقة عبر مصاحبة الفلاسفة.
ولأن التفلسف والفلسفة سيّان، لا حاجة إلى التخصصية، كما لا تفضيل لأقطاب معرفية بعينها دون غيرها، بل هي المداومة بأفقية لا فرق فيها بين السطحي والباطني، أما قوة المداومة فتتحدد بحسب ما تثيره الفلسفة في الذات القارئة من إدهاش.
ومهما كانت درجة الإدهاش، فإن الوجود هو واحد في ذاته، وهو ما مثَّل له علي حسين بحادثة طاليس المالطي الذي رفع بصره ينظر إلى النجوم فانتهت به قدماه إلى السقوط في حفرة وتلا فعل السقوط ضحكة امرأة. ولعل أولى دلالات هذه الحادثة أنه إذا كانت السماء هي مادة الإدهاش العليا، فإن الضحك هو مادته الدنيا، ومن ثم يكون طاليس أول فيلسوف في التاريخ، وتكون المرأة أول ناقدة للفلسفة. وبتراتبية فعل الإدهاش، ثم النقد، تكون الرؤية هي الفعل الحياتي السابق على الفعل الفلسفي المتأتي عن طريق الإدهاش الذي بسببه يكون الإنسان دائم التفكر في الحياة من ناحيتي فوضويتها ولا أباليتها.
ولقد وجد علي حسين في الصحافة مجالاً رحباً لأن تكون هي ملح الفلسفة، مصمماً على إدخال الفلسفة من باب الصحافة بوصفها أوسع الأبواب تماساً مع الحياة في مجريات واقعها المتسارع والمتضارب والشعبوي، فتغدو من ثم أكثر قرباً ومقروئية من لفيف عريض من القراء...
وقد تبدو مثل هذه الرغبة في تمازج الفلسفة بالصحافة تهويمية وغريبة بعيدة عن الواقعية، لكنها في غرابة ما ترتئي فعله لا تقل غرابة عما نعيشه من واقع هو نفسه لا واقعي، تحاصره النزاعات وتمزقه الفتن وتتفوق عليه الروبوتات وتهجم عليه الفيروسات بلا سابق إنذار وتشتعل فيه الحروب فجأة وتنطفئ فجأة وقد تحتدم المستجدات داخله بسرعة فائقة، يكاد الإنسان معها لا يجد وقتاً في مجاراة ركبها.
والسؤال هنا هو؛ كيف وازن علي حسين بين التفلسف بوصفه اقتباسات كتابية من شتى الفلسفات على تفاوت مدارسها وطول عصورها، وبين فعل الكتابة الصحافية التي لها مواضعاتها السريعة ومعالجتها الآنية التي لا شأن لها بالفلسفة التي تقتضي أول ما تقتضي التأني والتعمق؟ الجواب يكمن في المقالة كجنس أدبي ذي قالب معياري وتصنيفي خاص ومستقل، وللمقالة أنواع وأشكال وأنماط. ومن أنواعها؛ المقالة الأدبية والمقالة العلمية. ومن أنماطها؛ العمود الصحافي والمقالة القصيرة والطويلة والمتسلسلة. ومن أشكالها؛ المقامة والرسالة والخاطرة.
وتتفاوت نسبة توظيف الأنواع المقالية، لكن المقالة الأدبية هي أكثرها توظيفاً في الصحافة نظراً لما تضمّه داخلها من شعر وسرد وتاريخ واقتصاد واجتماع وسياسة ودين وفلسفة. ولأسلوب الكاتب أثر مهم في جعل عملية تضمين المعارف مشوقة ولا إثقال فيها.
وكلما كان الأسلوب مشوقاً كان الإتقان واضحاً في توصيل قدر معين من المعارف الفلسفية، بها تكون المقالة الأدبية قد أدت غرضها. وتعد الفلسفة الميدان الذي أتقن علي حسين تضمينه في مقالاته الأدبية، محشِّداً فيها كثيراً من أسماء الأعلام والمدارس والمفاهيم والتيارات. ومما ساهم في جعل مقالاته مشوقة اختيار عناوين جذابة تُنتقى بناء على ما في المتن من طرح لقضية أو حادثة أو حكاية، حولها تدور المقالة، والجمع بين ما هو تراثي ومعاصر، وما هو أدبي وفلسفي، ما يعطي للمقالة نكهة التنوع، فتذهب المقالة مثلاً إلى الجاحظ وما يرويه عن الكندي، ثم تعود من الكندي وسيرته الأسرية إلى رسائله وما وصل إليه صيت هذه الرسائل ترجمة وتأثيراً، ولمزجه في المقالة بين العرض المنساب بإسهاب والتعمق المحدد بإيجاز كشرحه لمشروع فكري أو طرحه لأسئلة كبرى، والارتكاز على السرد في توصيل بعض الأفكار الفلسفية، تارة عن طريق قص حكايات غريبة نقلها التاريخ الفلسفي عن هذا الفيلسوف أو ذاك، وتارة أخرى في سرد سيرة حياة فيلسوف ما، وهذا غالب على الكتاب برمته.



وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود
TT

وود: الحكم الإسلامي في مناطق الرومان كان فترة تطور ثقافي

فيليب وود
فيليب وود

قد يفاجأ من يلتقي بالباحث في الكتابات التاريخية، فيليب وود، بصغر سنه، خصوصاً إذا كان اطّلع على قائمة ما أنجزه من كتب، وأوراق بحثية، وقيادته لعدد من مشاريع البحث الأكاديمي، وما أثارت أفكاره من نقاشات في العديد من الجامعات البارزة في العالم الأنجلوساكسوني بالدرجة الأولى، وانعكست عبر الكثير من المجلات الأكاديمية المتخصصة في التاريخ الروماني-البيزنطي.

لقد صدر كتابه الأول القائم على أطروحة الدكتوراه عام 2010 عن دار نشر جامعة أكسفورد، أي إن البروفسور وود كان في سن السابعة والعشرين، ولا بد أن صدوره تطلب انتظاراً لعامين على الأقل، أي إنه كان قد حاز درجة الدكتوراه وهو ربما في سن الخامسة والعشرين.

استعار وود جزءاً من عنوان كتابه من شعار رفعه سكان مدينة الرُّها (أورفا التركية حالياً) خلال الحصار الذي فرضه الشاه الساساني قُباذ الأول حول أسوارها عام 503 ميلادية مطالباً بفتح أبوابها، وفيه عبروا عن معارضتهم للملوك الأغراب، سواء كانوا ببيزنطيين، أو ساسانيين: «لا ملك عندنا غير المسيح».

كتب المؤرخ الكندي جفري غريتريكس من جامعة أوتاوا الأميركية في دورية «بي إم سي آر» في عددها الصادر يوم 31 مايو (أيار) 2011 مراجعة للكتاب جاء فيها: «يُعدّ كتاب فيليب وود عملاً أولاً لافتاً للنظر، ويختلف كثيراً عن معظم الأعمال المقتبسة من رسائل الدكتوراه. فالكتاب واسع الأفق، ومقتصد في استخدام الهوامش، ومحفّز فكرياً في الصورة التي يرسمها للمشرق الروماني في القرنين الخامس والسادس الميلاديين».

ورأى آدم شور المؤرخ المتخصص بأواخر العصر القديم Antiquity والأستاذ في جامعة ساوث كارولاينا الأميركية في مراجعة أخرى أن أهمية الكتاب «تكمن في أنه لا يدرس اللاهوت وحده، بل يدرس تشكل هوية سياسية وثقافية سريانية مستقلة داخل عالم تهيمن عليه الإمبراطورية الرومانية المسيحية».

يركّز الكتاب على الكيفية التي بدأت بها الجماعات المسيحية السريانية في سوريا الكبرى وبلاد ما بين النهرين في تطوير هوية دينية-سياسية خاصة بها داخل الإمبراطورية البيزنطية، وهذا التطور الفكري والثقافي ساهم لاحقاً في تهيئة بعض الجماعات المسيحية الشرقية للتكيّف مع الحكم العربي الإسلامي بعد الفتح، لأن ولاءها الديني والثقافي لم يكن مرتبطاً بالكامل بالإمبراطورية البيزنطية.

فخلال المرحلة الأولى من نشوء الدولة الأموية استمر السِّريان في إدارة الدواوين، وخصوصاً في الشام، وكانت الإغريقية والسريانية مستخدمتين في بعض الدواوين قبل تعريبها في عهد عبد الملك بن مروان.

أما خلال عهد العباسيين، فقد بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية، خاصة في بغداد، حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى في بيت الحكمة، إذ ترجموا هناك الكثير من كتب الفلسفة اليونانية، والطب، والرياضيات، والمنطق، وعلوم الطبيعة. وغالباً ما كانت الترجمة تمر من اليونانية إلى اللغة الآرامية (السريانية)، ثم إلى العربية.

كان حُنين بن إسحاق من أعظم المترجمين في التاريخ الإسلامي، فهو من ترجم جالينوس، وأبقراط، وأرسطو. وهناك ثابت بن قرة الذي هو من أسرة سريانية-صابئية في حران، وأسهم في الرياضيات، والفلك، وفي بغداد كان يوحنا بن ماسويه من أشهر أطبائها.

سنوات التأهيل

كان السؤال الذي دار في بالي عند لقائي بأستاذ الديانات المقارنة والباحث في الكتابات التاريخية فيليب وود هو التالي: كيف جاء اهتمامك بتاريخ الآراميين السريان في العراق وسوريا؟

وكانت المفاجأة أن ذلك الولع جاء بفضل سفرة بحرية قام بها وهو في سن الحادية عشرة من خلال المدرسة الابتدائية التي كان يتلقى تعليمه فيها. «يعود اهتمامي هذا أولاً إلى وقوعي في حب سوريا. حين كنت طالباً في المدرسة ذهبت إلى شرق المتوسط لوحدي من دون والديّ. وتلك الرحلة كانت مهمة. تأثير السفر برؤية العالم لا من خلال عيون الوالدين. والداي التقيا أولاً في ماليزيا، وكنا هناك، أنا رافقتهما في السفر إلى إندونيسيا، والصين، وماليزيا، وتايلاند. كنت دائماً معهما. لكن تلك الرحلة في الباخرة كانت المرة الأولى لي في مكان آخر، لذلك فأنا ذهبت من دون أي مساعدة إلى فلسطين، ومصر، وكريت، وقبرص لوحدي، في رحلة بحرية. وأظن أنه كان مهمّاً أن أرى هذه الأماكن من البحر للمرة الأولى بدلاً من الوصول إليها إلى مطاراتها بالطائرة».

ثم خلال المرحلة الأولى الجامعية درس وود تاريخ الحروب الصليبية على يد أستاذ اسمه جوناثان رايلي سميث. «كان إنساناً إنجليزياً تقليدياً، وقد تنقل خلال رحلاته داخل سوريا في كل مناطقها، وأراني كل الصور التي التقطها هناك».

وفي عام 2002 حين لم يبلغ بعد سن العشرين لم يكتفِ وود بزيارة سوريا فقط. وقد حاول آنذاك إقناع بعض الأصدقاء لمرافقته، ولكن لا أحد رغب في ذلك.

«في عطلة عيد الميلاد، اشتريتُ تذكرة إلى دمشق، وفي بداية عام 2003 ذهبت إلى دمشق، وحلب، وتدمر، ومن هناك تنقلت بين المدن الأخرى عن طريق إيقاف السيارات العابرة. قضيت وقتاً رائعاً، وكان شعوري في دمشق أن المدينة حافظت على تركيبها كمدينة رومانية».

«كيف ذلك؟» أسأله محفزاً. «أظن أنه هناك كثيراً من كتابات المستشرقين التي أكدت أن دمشق كانت المدينة الرومانية المثالية، ولكنها تحت الحكم الإسلامي شُوِّهت، وفقدت طابعها، ولكنني لم أشعر بذلك أبداً، بل كنت أشعر دائماً أن المدينة الإسلامية هي تطوُّر للمدينة الرومانية. وهذا ما جعلني مقتنعاً بأن ذلك ينطبق على الكثير من المناطق المدينية في سوريا، وأناضوليا. بل وأرى أن بقاء النمط المعماري الروماني أكثر في تلك المناطق مما هو قائم في الغرب. وهذا ينطبق على لبنان أيضاً، إذ تجد أن هناك استمرارية في نمط العمارة الذي تشاهده في الإمبراطورية الرومانية، وهذا أكثر بكثير مما نجده في الغرب».

هذا الجانب كان أحد المواضيع التي شغلت د.فيليب، آنذاك وقد توصل إلى قناعة أن سيادة المجتمع الإسلامي في المناطق التي كانت تحت حكم الرومان لفترات طويلة لم تكن عنصر تحلل وتفكك في مجال العمارة، بل فترة تطور وتكيف لما كان موجوداً سابقاً، سواء كان ثقافياً، أو بما يخص الأنظمة المدنية.

«ثم درستُ التاريخ في جامعة كمبردج، حيث حصلت على شهادة البكالوريوس فيه. وهذا تضمن دراسة مواضيع أخرى مثل تاريخ الفكر السياسي، والتاريخ الاستعماري. وأنا قمت بالعديد من البحوث المتعلقة بالأثنوغرافيا الاستعمارية. (الأثنوغرافيا هي دراسة الحياة اليومية للمجتمعات ضمن سياقاتهم الثقافية)».

إضافة إلى ذلك درس وود خلال المرحلة الجامعية الأولى عالم روما في مرحلته الأخيرة، وكتب أطروحته عن المانوية. وهذا ما جعل كل من كان يعرفه يعتبر اختياره جنونياً. يعلق وود ضاحكاً: «وربما كانوا على حق!».

بدء مرحلة التخصص

يشكل التاريخ الروماني البيزنطي حقلاً أساسياً في العديد من الجامعات العريقة مثل كمبردج، وهذا يعود إلى كون الإمبراطورية الرومانية الغربية انهارت في القرن الخامس الميلادي في حين أن قسمها الشرقي الذي عاصمته القسطنطينة (إسطنبول لاحقاً) ظل قائماً حتى سقوط هذه المدينة بيد العثمانيين عام 1453، رغم فقدانها آنذاك كل أراضي الشرق الأوسط قبل قرون عديدة.

«اخترتُ حقل الدراسات البيزنطية للماجستير، ومع هذا الاختيار بدأتُ في تعلم الإغريقية (اليونانية) والسريانية، ومن هنا بدأت رحلتي مع اللغات».

بلغ دور السريان ذروته الثقافية والعلمية خلال عهد العباسيين خاصة في بغداد حيث كانوا العمود الفقري لحركة الترجمة الكبرى

ولا بد أن وود كان محظوظاً أن يدرس على يد أستاذ حريص على اتباع أسلوب قديم في التدريس يدعى جيمس هوارد جونسون، ومعه درس موضوع الإمبراطورية البيزنطية، وكان هذا الأستاذ مهتماً بالجيوش، وبنى الدولة، وهذا ما قاده إلى الأدب الآرامي (بلهجته السريانية). «وتحت تأثير تلك الفترة من دراستي للماجستير، اتخذتُ قراراً أن تكون الدكتوراه في خريف التاريخ الروماني مع البروفسورة أفيرِل كاميرون التي كانت من بين الأوائل التي طبقت كتابات ميشيل فوكو على أواخر العصر الكلاسيكي القديم».

وكانت د.كاميرون قد ألفت كتاباً ترك أثراً كبيراً على طالب الدكتوراه فيليب عنوانه: «المسيحية والخطاب الإمبراطوري». وكانت مهتمة باستكشاف كيف أن التوحيد (الإيمان بإله واحد) تفاعَلَ مع الثقافات الحضرية في الشرق الأوسط، وهذا ما حدد، كما رأت، ملامح أواخر العصر القديم، «وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرى نوعاً من الاستمرارية ابتداء من الإمبراطور قسطنطين... وهذه هي المنطقة التي تجذبني... هذه الوحدة... لديك إمبراطورية عالمية، وثقافة حضرية وتوحيد... وضمن هذا السياق لم يكن قدوم الإسلام مخالفاً لما هو قائم... إنه كان حركة جديدة ضمن السيمفونية نفسها. فهو لم يكن اقتحاماً، بل قطعة موسيقية متواصلة».

كتب فيليب أطروحته مع أستاذته أفيرِل كاميرون، وأكملها في عام 2007 «أتذكر أن مخطط أطروحة الدكتوراه حضرني وأنا هناك، كنت جالساً في سوق النحاسين بمدينة أورفة (الرُّها سابقاً) وأنا أستمع إلى أصوات المطارق المعدنية المتواصلة حولي. وعلى ورقة كبيرة خططت الكتاب كاملاً».

وكان هذا الكتاب عن المسيحيين السريان في سوريا الكبرى قبيل الفتح العربي-الإسلامي.

يقول وود موضحاً: «كان مهيَّأ لي إلى حد ما كتابة تاريخ برؤية حديثة، لذلك حاولت تطبيق الأسئلة نفسها التي يستخدمها المؤرخون الذين يتناولون العصر الحديث حول الاعتزاز بالهوية الوطنية والدولة، لكن طرح هذه الأسئلة على الإمبراطورية الرومانية. لذلك فنحن لدينا عالم خالٍ من أية نزعة انفصال قومية، ولكن مع ذلك ما زال لدينا عالم يعبّر الناس فيه بوضوح عن كل أنواع الاستقلال الثقافي».


المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض
TT

المرجعية الجغرافية والتاريخية للأدب الخليجي

جانب من لقاء ثقافي في الرياض
جانب من لقاء ثقافي في الرياض

يُعد الأدب أحد أهم العوامل الثقافية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات وتوثق تحولات الإنسان في المكان والزمان، ولذلك ارتبطت دراسة الآداب العالمية والعربية بمفهوم المرجعية الجغرافية والتاريخية بوصفهما عنصرين أساسيين في فهم النصوص الأدبية وتأويلها. فالنص الأدبي لا يُنتج في فراغ، بل يتشكل داخل بيئة جغرافية محددة وسياق تاريخي معين ينعكسان على لغته وصوره ورموزه وقضاياه. ومن هذا المنطلق تبرز أهمية تدريس الأدب الخليجي في الجامعات الخليجية، باعتباره تعبيراً عن تجربة ثقافية وحضارية نشأت في فضاء جغرافي وتاريخي خاص، وأسهمت في إثراء المشهد الأدبي العربي المعاصر.

تمثل الجغرافيا الخليجية العربية أحد أهم مكونات الهوية الأدبية في المنطقة؛ فالبحر والصحراء والموانئ القديمة وطرق التجارة والغوص على اللؤلؤ ليست مجرد عناصر مكانية، بل تحولت إلى رموز ثقافية شكّلت الوعي الجمعي لسكان الخليج العربي، وانعكست بصورة واضحة في الشعر، والرواية، والقصة القصيرة، والمسرح. ومن خلال دراسة الأدب الخليجي العربي يتعرف الطالب إلى العلاقة بين المكان والإبداع، ويدرك كيف أسهمت البيئة المحلية في تشكيل الرؤية الأدبية والإنسانية للكاتب الخليجي.

أما المرجعية التاريخية فتتمثل في قدرة الأدب الخليجي على توثيق التحولات التي شهدتها المنطقة عبر مراحلها المختلفة؛ من الحياة التقليدية قبل النفط، إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت بناء الدولة الحديثة، وصولاً إلى التحديات الثقافية المرتبطة بالعولمة والتحول الرقمي. وبهذا المعنى يصبح الأدب مصدراً معرفياً يوازي الوثيقة التاريخية؛ لأنه يرصد تفاصيل الحياة اليومية ومشاعر الأفراد وتصوراتهم تجاه الأحداث والتحولات الكبرى.

وتشير مراجعة أولية لعدد من الخطط الدراسية المعلنة في الجامعات الخليجية، والمتاحة عبر الأدلة الأكاديمية الإلكترونية (Course Catalogs)، إلى أن الأدب الخليجي لا يزال يحظى بحضور محدود مقارنة بالأدب العربي العام. فبينما تستحوذ مقررات الأدب العربي القديم والحديث والنقد الأدبي على ما يقارب 80-90 في المائة من إجمالي المقررات الأدبية، لا تتجاوز نسبة المقررات المتخصصة مباشرة في الأدب الخليجي ما بين 3 في المائة و8 في المائة في معظم البرامج الأكاديمية. كما يدرس الطالب في المتوسط ما بين 20 و30 مقرراً أدبياً خلال مرحلته الجامعية، مقابل مقرر واحد أو مقررين فقط يتناولان الأدب الخليجي بصورة مباشرة. وتكشف هذه المؤشرات عن أن الأدب الخليجي غالباً ما يُقدَّم بوصفه جزءاً تكميلياً داخل السردية الأدبية العربية العامة، لا بوصفه مجالاً معرفياً يمتلك مرجعيته الجغرافية والتاريخية الخاصة.

- كاتب وناقد كويتي


قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون
TT

قصة لإديث وارتون عن الحرب ترى النور بعد نحو 100 عام

إديث وارتون
إديث وارتون

في قصة لم يسبق نشرها للكاتبة إديث وارتون، كانت هناك مأدبة عشاء داخل قصر فرنسي خلال صيف عام 1918، مع اقتراب الحرب العالمية الأولى من نهايتها، في حين يُسمع دويّ المدافع من بعيد.

تحمل القصة القصيرة التي لم يسبق نشرها من قبل، اسم «الرجال الذين أنقذوا العالم»، وهي من إبداعات وارتون الحائزة جائزة «بوليتزر»، وقد ظهرت بعد وفاتها، تحديداً قبل أسبوعين في مجلة «ذا ستراند» الفصلية.

ويُعتقد أن القصة، التي يعتقد أنها كتبت في يوليو (تموز) 1918، على أقصى تقدير، قد تخلت وارتون عنها وظلت محفوظة في «مكتبة بينيك للكتب والمخطوطات النادرة»، التابعة لجامعة ييل.

تدور أحداث القصة، الموجودة في مخطوطتين مطبوعتين غير مؤرختين، ويبدو أنهما مسودتان مختلفتان، حول مأدبة عشاء أُقيمت على الطاولة نفسها، التي كان جرّاح في الجيش قد أجرى عليها عمليات بتر في وقت سابق من الحرب.

وخلال تلك المأدبة، كان لا بد من إعادة ترتيب زهور الأوركيد، بعدما اهتزت بفعل الاهتزازات الناجمة عن الانفجارات.

جاء في إحدى الفقرات: «هناك، في تلك الساعة نفسها، كان الرجال يسقطون بالآلاف لجعل العالم آمناً... من أجل هذا!». وجاء كذلك: «وكان بعض الضباط الشباب، الذين بدأ الضيق يتسلل إلى مضيفهم بسبب تأخرهم، قادمين مباشرة من قلب تلك المشاهد».

اللافت، أنه بعد نحو قرن، لا يزال موضوع القصة يلقى صدى، حسب أندرو غولي، المحرر الإداري لمجلة «ذا ستراند»، ومقرها في رويال أوك، بولاية ميشيغان.

يقول غولي: «تقرأ عن حرب تدور رحاها في الخارج، لكن لم تشعر يوماً بأنها تمسُّك شخصياً، لقد شاهدتها فقط على شاشات التلفاز فحسب»، مضيفاً أن القصة تُصوّر «شيئاً عالمياً مشتركاً، حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد، لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها».

من جهتها، نشأت وارتون، التي تتضمن أعمالها «عصر البراءة» و«إيثان فروم» و«بيت المرح»، في صفوف نخبة مدينة نيويورك، أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وغالباً ما ضمّنت قضايا الطبقة الأرستقراطية في كتاباتها.

لقد كانت في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، وكرّست نفسها لأعمال الإغاثة، بما في ذلك تنظيم مساكن للاجئين، وافتتاح مستشفى لعلاج السل.

وفي عام 1916، نالت وسام جوقة الشرف الفرنسي؛ تقديراً لجهودها خلال الحرب.

في سياق متصل، تقول إميلي أورلاندو، أستاذة اللغة الإنجليزية، في جامعة فيرفيلد بولاية كونيتيكت، ومؤلفة كتاب «إديث وارتون والفنون البصرية»، والتي درست أعمال وارتون لعقود: «القراءة التقليدية لأعمال وارتون توحي بأنها مجرد مؤرخة للطبقة الأرستقراطية في نيويورك فقط»، منوهة بأن: «الكثير من عامة الناس لا يدركون عملها الإنساني المذهل على الخطوط الأمامية».

وأضافت أورلاندو، متحدثةً عن القصة المنشورة حديثاً: «حتى من خلال أعمالها الروائية، تُسلّط وارتون الضوء على الحرب العالمية الأولى من خلال منظورها النقدي».

ويذكر أن إيزابيل بارسونز، أستاذة الأدب الإنجليزي في الجامعة المفتوحة بإنجلترا، كتبت تحليلاً نقدياً لقصة «الرجال الذين أنقذوا العالم» عام 2023.

ومع ذلك، قال غولي إنه لم يعثر على أي دليل على نشر القصة للجمهور، قبل ظهورها على صفحات مجلة «ذا ستراند».

تصوّر القصة «حقيقة عالمية مشتركة... حيث يمكن للناس مشاهدة الحرب من بعيد... لكنهم لا يستطيعون حقاً الشعور بتداعياتها»

في عام 2016، اكتشف باحثون مسرحية لوارتون أيضاً بعنوان «ظل الشك»، التي عُرضت بوقت لاحق على خشبة المسرح. وأوضح غولي أن مجلة «ذا ستراند» تُعدّ الوريث الروحي للمجلة البريطانية التي تحمل الاسم نفسه.

وقد بدأت نسختها الحالية بالصدور عام 1998، ونشرت قصصاً لم تُنشر سابقاً لكتاب مرموقين، بينهم ريموند تشاندلر وإرنست همنغواي.

يقول غولي إن وارتون كانت ضمن قائمة الكُتّاب، الذين ظل يبحث عن أعمالهم، وقد تلقى بالفعل عدداً من المواد من «مكتبة بينيكي»، وقضى شهوراً في دراستها بجدية؛ بحثاً عن مواد جديدة. لكن الكثير من المواد، كما يذكر، كان مكتوباً بخط اليد؛ ما يُصعّب فك رموزه: «ربما نحتاج إلى خبراء خطوط يعملون لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي؛ لمحاولة فك رموز ما كانت تكتب وارتون». ويقول عن العثور على قصة «الرجال الذين أنقذوا العالم»: «قرأتُ القصة لم تُنشر من قبل، وقلت في نفسي: (حسناً، هذا العمل الأنسب في الوقت الراهن، ولن يكون هناك جدل حول استخدام الفاصلة أو علامة الاستفهام)».

ومع أن القصة القصيرة غير مكتملة، تظل عناصرها السردية والموضوعية متماسكة. وربما تكون هذه القصة واحدة من بين الكثير من أعمال وارتون الأخرى التي لم تر النور بعد. وتؤكد هذا الاحتمال أورلاندو بقولها: «هناك الكثير من المواد الأخرى، التي جرى اكتشافها. ولا تزال هناك اكتشافات أخرى في انتظارنا. هذا ليس الاكتشاف الأخير، لكنه يبقى إنجازٌ عظيمٌ لأي باحثٍ معني بأعمال وارتون».

* خدمة «نيويورك تايمز»