روسيا تضيق الخناق على ماريوبول بعد انتهاء «مهلة الاستسلام»

هجمات صاروخية متفرقة على كييف ومدن أوكرانية أخرى

محاولة إطفاء حريق بعد قصف على أحد مباني مدينة خاركيف أمس (أ.ب)
محاولة إطفاء حريق بعد قصف على أحد مباني مدينة خاركيف أمس (أ.ب)
TT

روسيا تضيق الخناق على ماريوبول بعد انتهاء «مهلة الاستسلام»

محاولة إطفاء حريق بعد قصف على أحد مباني مدينة خاركيف أمس (أ.ب)
محاولة إطفاء حريق بعد قصف على أحد مباني مدينة خاركيف أمس (أ.ب)

أعطت روسيا الجنود الأوكرانيين المتحصنين في ماريوبول بجنوب شرقي البلاد مهلة لإلقاء أسلحتهم والاستسلام، والتي قالت موسكو إن قواتها تسيطر عليها بالكامل تقريباً، وستكون بذلك أول مدينة كبرى تسقط في أيدي القوات الروسية في الحرب المستمرة منذ نحو شهرين. وبعد عدة ساعات من الموعد النهائي الذي حددته موسكو للاستسلام صباح أمس الأحد، لم يكن هناك ما يشير إلى استسلام المقاتلين الأوكرانيين المتحصنين في مصانع الصلب العملاقة في آزوفستال المطلة على بحر آزوف.
وبعد فشله في التغلب على المقاومة الأوكرانية في الشمال، منذ بدء الغزو الذي أمر به الرئيس فلاديمير بوتين في 24 فبراير (شباط)، أعاد الجيش الروسي التركيز على منطقة دونباس في شرق أوكرانيا، مع مواصلة الضربات بعيدة المدى على مناطق أخرى من أوكرانيا بما فيها العاصمة كييف.
وقالت روسيا إن قواتها طهرت المنطقة الحضرية في ماريوبول، الميناء الرئيسي في منطقة دونباس. وشهدت المدينة بعض أعنف المعارك وأسوأ معاناة للمدنيين، إذ تناثرت الجثث في الشوارع، واحتمى الآلاف في ظروف مروعة تحت الأرض. وأصبح مصنع «آزوفستال»، وهو واحد من أكبر مصانع التعدين في أوروبا، ويوجد به عديد من المباني وأفران صهر المعادن وخطوط السكك الحديدية، ملاذاً أخيراً للمقاتلين الأوكرانيين الذين تفوقهم القوات الروسية عدداً.

                                            جانب من الدمار في ماريوبول المحاصرة من الجيش الروسي (رويترز)

قتال حتى النهاية
وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان: «تعرض القوات المسلحة الروسية على مقاتلي الكتائب القومية والمرتزقة الأجانب وقف أي أعمال قتالية، وإلقاء السلاح بدءاً من الساعة 6 صباحاً (بتوقيت موسكو) في 17 أبريل (نيسان) 2022». وذكرت أن «كل من يلقي سلاحه سينجو بحياته»، مضيفة أن المدافعين يمكن أن يغادروا المصنع بحلول الساعة العاشرة صباحاً، من دون أسلحة أو ذخيرة.
من جانبه، قال رئيس الوزراء الأوكراني دينيس شميغال، في مقابلة بثتها الأحد قناة «إيه بي سي» الأميركية، إن آخر المدافعين الأوكرانيين عن ماريوبول ما زالوا يسيطرون على أجزاء من المدينة و«سيقاتلون حتى النهاية». وأضاف: «لا، المدينة لم تسقط. قواتنا العسكرية وجنودنا ما زالوا هناك. سيقاتلون حتى النهاية. بينما أتحدث إليكم، ما زالوا في ماريوبول».

خطة الربط بالقرم
لم يرد أي تعليق بعد من كييف على المهلة، رغم أن الجيش الأوكراني قال إن الضربات الجوية الروسية على ماريوبول استمرت جنباً إلى جنب مع العمليات الهجومية بالقرب من الميناء. واتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا، أول من أمس السبت «بمحاولة القضاء عمداً على الجميع» في ماريوبول، وقال إن حكومته على اتصال بالمدافعين عن المدينة الساحلية. لكنه لم يتطرق إلى ادعاء موسكو بأن القوات الأوكرانية لم تعد موجودة في مناطق حضرية.
وأكد أن قتل قواته سينهي جهود السلام. وقال زيلينسكي لبوابة «أوكرانسكا برافدا» الإخبارية: «جنودنا محاصرون والجرحى محاصرون. هناك أزمة إنسانية... ومع ذلك الرجال يدافعون عن أنفسهم». وإذا تأكدت سيطرة روسيا على المدينة الساحلية، فستكون أول مدينة أوكرانية كبرى تسقط منذ بدء الغزو، وستشكل مكسباً استراتيجياً لموسكو، إذ تربط الأراضي التي تسيطر عليها في دونباس بشبه جزيرة القرم التي ضمتها في 2014.

خسائر الطرفين
وتصف روسيا تحركها في أوكرانيا بأنه «عملية عسكرية خاصة» تهدف إلى نزع سلاح البلاد، وتطهيرها ممن تعتبرهم قوميين خطرين مدعومين من حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي له أغراض توسعية. ويتهم الغرب وكييف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشن اعتداء غير مبرر. وقالت روسيا إن أوكرانيا خسرت أكثر من 4 آلاف جندي في ماريوبول، حتى أول من أمس السبت.
وتقول كييف إن ما يتراوح بين 2500 و3000 جندي قتلوا حتى الآن في الحرب في البلاد بأكملها. ولم يعرف كم عدد الجنود الذين كانوا في مصنع الصلب. وأظهرت صور بالأقمار الصناعية ألسنة لهب ودخان تتصاعد من المنطقة التي تنتشر فيها الأنفاق. وقال بيترو أندريوشينكو، وهو مساعد لرئيس بلدية ماريوبول، إن الروس يعطون تصاريح لمئات من المدنيين للسماح لهم بالتحرك في الأجزاء الوسطى من المدينة.

                                                                     جثة أحد سكان ماريوبول (رويترز)

قصف كييف
في مناطق أخرى في أوكرانيا، تحدثت تقارير أمس الأحد عن ضربات روسية متفرقة حول المراكز الرئيسية. وذكرت وسائل إعلام محلية أن انفجاراً وقع في العاصمة كييف؛ لكن نائب رئيس بلدية العاصمة، ميكولا بوفوروزنيك، قال إن أنظمة الدفاع الجوي أحبطت هجمات روسية.
وقالت وزارة الدفاع الروسية أمس، إنها قصفت مصنعاً عسكرياً خارج كييف، بينما تكثف موسكو هجماتها على العاصمة الأوكرانية.
وأفادت الوزارة في بيان على «تلغرام»: «خلال الليل، دمرت صواريخ جو عالية الدقة مصنعاً للذخيرة قرب بلدة بروفاري في منطقة كييف». وقال إيغور سابوجكو، رئيس بلدية بروفاري القريبة من كييف: «إن هجوماً صاروخياً ألحق أضراراً في بعض عناصر البنية التحتية التي تعرضت للقصف» في الساعات الأولى من صباح الأحد.
لكن أحد مراسلي وكالة «الصحافة الفرنسية» في بروفاري لم يشاهد آثار أي دمار أو دخان أو حريق. وشنت القوات الروسية خلال الأيام الثلاثة الماضية عديداً من الضربات على مصانع عسكرية في كييف ومنطقتها. وقالت روسيا إنها دمرت مصنعاً للذخيرة قرب العاصمة؛ وفقاً لما نقلته وكالة الإعلام الروسية.

هجمات متفرقة
وقال حاكم المنطقة، أوليه سينهوبوف، إن القصف المدفعي الروسي على أحياء متعددة في خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، أدى إلى إصابة 31 شخصاً، بينهم 4 أطفال. وأبدلت روسيا خططها بعد أن قاوم الجيش الأوكراني التقدم البري في الشمال خلال المراحل الأولى من الحرب. وأظهر الجيش الأوكراني مرونة أكبر، ونشر صواريخ مضادة للدبابات حصل عليها من الدول الغربية، وتصدى بها لقوافل مدرعة روسية كانت تتحرك ببطء على الطرق الموحلة.
وعلى الرغم من الوضع اليائس في ماريوبول، قالت أوكرانيا إنها تمكنت حتى الآن من صد القوات الروسية في بقية مناطق دونباس ودونيتسك ولوغانسك. وقالت الشرطة الأوكرانية في دونيتسك، إن القوات الروسية فتحت نيران الدبابات وقاذفات الصواريخ والمدفعية الثقيلة على 13 مستوطنة خاضعة للسيطرة الأوكرانية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، ما أسفر عن مقتل مدنيين اثنين.

50 مليار دولار
وقال أوليه أوستينكو، المستشار الاقتصادي لزيلينسكي، إن أوكرانيا التي تضرر اقتصادها بشدة من الحرب، طلبت من مجموعة الدول السبع الغنية، تقديم 50 مليار دولار من الدعم المالي. وشكلت العقوبات الغربية ضغطاً على الاقتصاد الروسي؛ لكنها لم تفلح في عزل بوتين. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، لصحيفة «بيلد أم زونتغ» الألمانية، إن العقوبات الإضافية التي سيفرضها الاتحاد الأوروبي قريباً على روسيا ستستهدف بنوكاً، من بينها «سبيربنك» الحكومي، إضافة إلى قطاع النفط.


مقالات ذات صلة

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية (لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الروسية-أ.ب) p-circle

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

نقلت وكالة ​أنباء «إنترفاكس» الروسية عن جهاز الأمن الاتحادي القول إن محاولة اغتيال ‌الجنرال فلاديمير ‌أليكسييف ‌جرت بأوامر ​من ‌جهاز الأمن الأوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أواكرنيون نجوا من قصف روسي على حي في كراماتورسك غرب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ثلاثة قتلى في غارات روسية ليلية على أوكرانيا

قُتل ثلاثة أشخاص جراء غارات جوية روسية خلال الليلة الماضية على منطقتي خاركيف في شرق أوكرانيا وأوديسا في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف المسؤول بالمخابرات العسكرية الروسية («أ.ب» نقلاً عن وزارة الدفاع الروسية) p-circle

بوتين يشكر رئيس الإمارات على اعتقال مشتبه به في إصابة جنرال روسي

أعلنت روسيا، الأحد، أن الرجل الذي يُشتبه في إطلاقه النار على مسؤول المخابرات العسكرية الكبير الجنرال فلاديمير أليكسييف اعتقل في دبي وجرى تسليمه إلى موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (حسابه عبر منصة «إكس»)

زيلينسكي: واشنطن تريد نهاية الحرب بحلول يونيو

كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، عن أن الولايات المتحدة منحت روسيا وأوكرانيا مهلةً حتى بداية الصيف المقبل للتوصُّل إلى اتفاق لإنهاء الحرب الدائرة

«الشرق الأوسط» ( لندن)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.