الضاحية.. «السجن» مقابل الأمن

لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...
لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...
TT

الضاحية.. «السجن» مقابل الأمن

لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...
لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤ...

لم تخفّف عبارة «لسلامة الأهل والوطن» الصفراء، التي تتصدر حواجز حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، من انزعاج قسم من سكان الضاحية.. كما لم تخفِ اعتذارات رجال أمن الحزب المتكررة، استياء بعض السكان وزائريها، نتيجة الحواجز المتكررة والمكثفة على مداخل المنطقة. التدابير الأمنية المكثفة في المنطقة، تؤكد أن الحزب أجبر على ارتداء قميص الأمن، وهو قميص، بحسب المقولة اللبنانية الشهيرة، «قميص متسخ»، يضع من يرتديه في الشارع على تماس مباشر مع الناس وما يستتبع ذلك من مشكلات و«تجاوزات». فالتجربة برهنت على أن من يمسك بملف الأمن في الشارع معرض للأخطاء، التي بدأت تظهر تباشيرها مع تجاوزات بحق صحافيين، واشتباكات مع عائلات وعشائر، بالإضافة إلى اشتباكات مع الحلفاء على غرار ما جرى مع مخيم برج البراجنة الفلسطيني.
في الضاحية اليوم، حيث معقل حزب الله، تمتد طوابير السيارات وقت الذروة، بعد الظهر، أكثر من 150 مترا قبل الحواجز التي يجري فيها تفتيش دقيق للسيارات، وتدقيق ببطاقات السائقين الشخصية. ويعيد مشهد الشوارع المغلقة في الضاحية، وانتشار رجال الأمن على حواجز ثابتة ومتنقلة، إلى الأذهان صورة المربع الأمني الذي دمرّته إسرائيل في حرب يوليو (تموز) 2006.
اليوم، باتت المنطقة بأكملها مقفلة، ولم تعد محصورة في نطاق جغرافي محدّد كان محصورا بمراكز حزب الله السياسية ومنازل قياديه. لقد رسم الحزب بإجراءاته التي اتخذها بعد تفجير الرويس في أغسطس (آب) الماضي حدود منطقته جغرافيا، بنشره حواجز أمنية تدقق في حمولة السيارات وهويات العابرين إلى المنطقة الخاضعة لنفوذه، وذلك لأول مرة منذ تأسيسه في عام 1982.
وعلى حدّ وصف رجل ستيني يقيم في المنطقة، فإن الضاحية باتت بأكملها «أشبه بمربع أمنيّ»، بعد انفجار بئر العبد الذي أسفر عن وقوع 54 جريحا في 9 يوليو (تموز) الماضي، وانفجار الرويس في 15 أغسطس (آب) الذي أسفر عن وقوع نحو 30 قتيلا وأكثر من 300 جريح. وإذا كان تدقيق حزب الله قبل حرب تموز محصورا بمربعه الأمني في حارة حريك، نتيجة تهديدات قيادييه، فإن «الضاحية بأكملها اليوم باتت تحت التهديد، وتستدعي هذه الجهود والتدابير»، يقول الرجل نفسه.
ويلقى حزب الله معارضة كبيرة على تطبيقه الأمن الذاتي في منطقته، وهو ما رفضه معظم المسؤولين في لبنان، وأبرزهم وزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل، فضلا عن معارضي الحزب، بصفته خرقا لسياسة لبنان، في وقت تعتبر فيه مهام الأمن من اختصاص الدولة. لكن للحزب، ما يبرّر إجراءاته المشددة. ويقول عضو كتلة «الوفاء للمقاومة»، التي تضم حزب الله وحلفاءه في البرلمان اللبناني النائب وليد سكرية لـ«الشرق الأوسط» إن عمل حزب الله الأمني «لم ولن يكون بديلا عن عمل القوى الأمنية إذا قامت الأخيرة بدورها على أكمل وجه»، موضحا أن «هذا الأمن لن يكون موجودا في أي حال من الحالات إذا كانت الدولة قادرة على تأمين الأمن بشكل كامل والقيام بكل المهمات بما فيها تأمين حماية عناصر المقاومة وحزب الله، لكن أمام عجز الدولة وأنظمتها عن القيام بدورها، فمن الطبيعي أن يتولى الحزب هذه المهمة». ويشير إلى أنه «طالما أن إسرائيل وجهات أخرى تستهدفه، لا بد لحزب الله أن يستنفر أحاسيسه وعيونه وتنفيذ كل الخطط الأمنية الوقائية التي تضمن أمنه وأمن من معه». وانطلاقا من هذا الواقع، يضيف سكرية، «لا يمكن القول إن حزب الله هو دولة خارج الدولة اللبنانية، لا في الضاحية ولا في الجنوب ولا في البقاع ولا في أي منطقة أخرى، ولا سيما حيث تقوم القوى الأمنية بمهماتها والجهات المختصة بأعمالها».
وتولى حزب الله مهمة أمن المنطقة، بشكل علني، بعد انفجاري بئر العبد والرويس في الضاحية. باتت إجراءاته علنية، واتسعت لتشمل كافة مناطق الضاحية، وتتميز بقدر كبير من التنظيم، إذ منح كل حاجز رقما خاصا مدونا على العارضة الحديدية الصفراء المكتوب عليها «لسلامة الأهل والوطن». غير أن تبريراته، لا تقنع معارضي الحزب. ويرى القيادي في تيار المستقبل مصطفى علوش لـ«الشرق الأوسط» أن حزب الله «لم يقلع» القميص الأمني «الوسخ أصلا». ويقول إن «الجزء الأساسي من عمله، هو أمني، بحيث تتخطى نسبة مهامه الأمنية الـ80 في المائة من عمله السياسي والدبلوماسي والاجتماعي، وهي غطاء لأعماله الأمنية، وصولا إلى عمله المقاوم»، معتبرا أن الحزب، بإجراءاته الأمنية، «يقوم بدوره الطبيعي».
ولا يخفي علوش أن حزب الله يواجه تحديات على صعيد الاحتفاظ بجمهوره، ويخوض اختبار الحفاظ عليه، نظرا لحساسية التجربة. ويرى أن الحزب، بخياراته العسكرية والأمنية، «يخوض معركة حياة أو موت، وسط أسئلة عن قدرته على حماية جمهوره، في وقت يواصل فيه عناده وتدخله بالمعركة في سوريا». كما يلفت علوش إلى أسئلة عن قدرته على «تغطية الخسائر البشرية والمادية في صفوف جمهوره»، لافتا إلى أن «كل تلك الأسئلة مطروحة، بانتظار أن تتضح الإجابات عليها».
ولجأ حزب الله إلى الأمن الذاتي، «مجبرا»، علما أنه استفاد إلى حد كبير من تجربة منظمة التحرير الفلسطينية الأمنية في لبنان، وانعكاساتها على جمهوره. ونفذ تلك الدروس طوال مسيرته منعا لإثارة معارضة السكان ضده. وقبل انفجاري الضاحية، كانت الإجراءات مقتصرة على بعض مباني الحزب والشوارع المعروفة أمنيا، قبل أن تتسع لتشمل جميع طرقات الضاحية. أمام الشوارع المؤدية إلى المقار الدينية، فإنها تقفل بشكل كامل في أوقات المناسبات، ويتولى عناصر بلباس مدني إقفالها بالسواتر الحديدية.
وينقسم سكان الضاحية بين مؤيد للتدابير المشددة التي يتخذها حزب الله إلى جانب الجيش اللبناني، منعا لوقوع تفجيرات مماثلة، وآخرين يعارضون المبالغة بالإجراءات. وينتقد أحمد (33 عاما) الإجراءات المكثفة «وغير المدروسة»، التي تؤدي إلى زحمة سير خانقة أثناء وقت الذروة. يقول: «لا أفهم الغرض من تفتيش دراجتي النارية مرتين، الأولى على حاجز الجيش اللبناني، والثانية على حاجز لحزب الله على بعد 100 متر من حاجز الجيش.. هل حملت المتفجرات خلال هذه المسافة؟» ويبدو الرجل، مثل آخرين، غاضبا من عمليات تفتيش للآليات، والتدقيق ببطاقته، والسؤال عن أوراق السيارة. يضيف: «صحيح أنهم يتعاطون مع المارة بلطف واحترام، ويكثرون من عبارات الاعتذار، لكن مسافة الطريق من العمل إلى المنزل، باتت تستغرق 45 دقيقة، عوضا عن 15 دقيقة كنت أحتاجها للوصول إلى المنزل قبل الإجراءات الأمنية».
وتنتشر حواجز تفتيش للجيش اللبناني على أربعة مداخل رئيسة للضاحية، على الأقل، في منطقة الغبيري، مدخل أوتوستراد هادي نصر الله الشمالي، وعلى مدخل جادة عماد مغنية، وهي مدخل الضاحية الغربي، وعلى رأس الطريق السريع الذي يربط منطقة بعبدا بطريق المطار على مدخل الضاحية الشرقي، فضلا عن حاجز في منطقة الكفاءات - الحدث. وعلى مسافة قريبة من حواجز الجيش، ينتشر رجال أمن حزب الله، حيث يقيمون الحواجز على المسارب الرئيسة للضاحية، فيما يغلقون مداخل الشوارع التي تتضمن مراكز دينية وأمنية، ويظهرون بلباس مدني ويحملون أجهزة كشف عن المتفجرات، كما يقوم آخرون بدوريات في سيارات مغلقة بزجاج داكن، بين الشوارع.
وكانت الإجراءات، قبل مطلع الأسبوع الماضي، مقبولة إلى حد كبير، قبل أن تصل إلى إغلاق جوانب الطرق حيث تركن سيارات السكان، بالأعمدة الحديدية والجنازير المعدنية. وعوضا عن أن يكون عرض الطريق 10 أمتار، بات أقل من ستة أمتار، بالكاد يتسع لمرور سيارتين. وأكثر ما أزعج السكان، إقفال أماكن ركون سياراتهم. يسأل قاسم (55 عاما): «أين أركن سيارتي؟ إذا كانوا يريدون اتخاذ تلك الإجراءات، بالتعاون مع بلديات الضاحية، عليهم تأمين البديل». ويضيف: «ليس منطقيا السيطرة على مواقف سياراتنا بحجة الضرورات الأمنية من غير توفير أماكن ركن أخرى».
ويذهب رجل آخر إلى أبعد من ذلك، بالسؤال عن كيفية استقبال الزائرين إذا أوجدوا حلا لسيارات السكان. يقول: «بفضل هذه الإجراءات، بات من الصعوبة أن نستقبل ضيوفا، ذلك أن الضيف المقبل لزيارتنا بات عاجزا عن إيجاد موقف لسياراته»، معربا عن خوفه «من أن نصبح معزولين عن الناس».
واستفاق السكان الأسبوع الماضي على ورشة عمل في الشارع، حيث يحفر العمال في الطرق، ويزرعون أعمدة حديدية قصيرة على جانبي الطريق في مناطق بئر العبد، حارة حريك، الشارع العريض، الرويس، ما لبثوا أن أضافوا إليها الجنازير المعدنية التي تمنع ركن السيارات. وتعد هذه الشوارع تجارية، وتشهد اكتظاظا على مدار العام، ومن شأنها أن تقوّض الحركة التجارية فيها.
وإذا كانت هذه الإجراءات تقوّض الحركة المرورية والاقتصادية في أكثر المناطق اللبنانية حركة تجارية نشطة، فإن الحزب يولي أهمية للأمن. ويقول النائب سكرية: «ما يقوم به حزب الله في الضاحية، لا يخرج عن إطار تأمين الأمن لهذه المنطقة المستهدفة، حيث من الطبيعي أن يكون له أعين أمنية ساهرة على حماية قياداته وعناصره من أي اختراق أو أي عمل تخريبي كمثل التفجيرين اللذين استهدفا المنطقة الشهر الماضي وأوقعا مئات الجرحى والقتلى. لذا، فإن عمل الحزب هو لمؤازرة القوى الأمنية وليس بديلا عنها». ويؤكد أن «الأولى هي التي تقوم بمهمة التفتيش حيث تكون موجودة في الطرق الرئيسة، بينما عناصر الحزب يحمون بأعينهم وبلباسهم المدني وليس بسلاحهم». وبالتالي، يضيف سكرية، «لا تختلف مهمة حزب الله الأمنية لحماية (بيته)، عن الحماية التي يقوم بها أي شخص لحماية منزله من أي استهداف أو اختراق. ونحن بكل تأكيد نثق بالقوى الأمنية، لكن علينا أن نكون واقعيين في هذا المجال، ونعلم أن سرية من القوى الأمنية، وإن وصل عددها إلى 300 عنصر، لن تكون قادرة على حماية أمن الضاحية بشكل كامل. حواجز القوى الأمنية تقوم بواجبها على الطرقات الرئيسة من دون تدخل أي جهة، لكن من يضبط أمن الطرقات الفرعية». وتتفاوت التقديرات بشأن المهام التي يقوم بها الحزب، إذ يرفض المقربون منه أن يقوم الحزب بمهام الأمن الذاتي. ويقول الخبير الاستراتيجي المقرب من الحزب أمين حطيط لـ«الشرق الأوسط» إن «اتهام الحزب بالأمن الذاتي، هو من أكبر الأكاذيب»، موضحا أنه «وجد في منطقة مستهدفة من قبل مجموعات إرهابية، فقام في ظل عدم قيام الدولة بواجباتها، بتعيين أهالي من المنطقة بمهام تفتيش السيارات، تحت إشرافه، وذلك لا يعد أمنا ذاتيا»، ويشير حطيط، وهو عميد متقاعد من الجيش اللبناني، إلى أن ما يقوم به الشبان «يعتبر يقظة اجتماعية وشعبية للحفاظ على المنطقة، وعلى السلامة العامة»، مؤكدا أن «الأمن هو حلقة شاملة، وما يتم تنفيذه لا يتعدى «1 من 40» إجراء يتمم المهام الأمنية، كون الشبان يراقبون السيارات حيث استهدفت المنطقة».
وضاعفت الإجراءات المكثفة، القلق في الضاحية من أن التهديد لا يزال قائما، كما قيّدت إلى حد بعيد حرية التنقل والعيش في منطقة تعرف باكتظاظ سكاني بالغ. وعشية بدء موسم المدارس، حيث يزداد الازدحام، يرتفع منسوب القلق من تأثير الإجراءات على حركة الناس. وفي المقابل، بدأ سكان الضاحية بخطوات جدية للرحيل منها، حيث تدفق المتمكنون منهم ماديا باتجاه مناطق الأشرفية وعين الرمانة وبعبدا والحازمية ذات الأغلبية المسيحية، بالإضافة إلى مناطق بيروت الإدارية. وازدادت لافتات البيوت المعروضة للإيجار في المنطقة، بعدما أخلاها عدد من السكان بسبب الإجراءات الأمنية والقلق والمخاوف من تفجيرات جديدة، وامتداد تداعيات الضربة الأميركية المحتملة على سوريا، على الضاحية.
وكانت هذه المنطقة شهدت إقبالا كثيرا على المنازل المعروضة للإيجار بعد حرب يوليو (تموز) 2006، وكان، حتى مطلع الصيف، من الصعب العثور على منازل شاغرة للإيجار، رغم ارتفاع قيمة الإيجارات بشكل جنوني. كما أثرت الإجراءات على الحركة التجارية، إذ تقلصت أكثر من 50 في المائة. ويقول صاحب مطعم لـ«الشرق الأوسط» إن إنتاجه «تدنى إلى حد كبير بفعل الإجراءات أمام المحال التجارية، حيث يتسبب إقفال مواقف السيارات بزحمة سير خانقة، تمنع الزبائن من الركون أمام المتجر».
والى جانب التداعيات الاجتماعية والاقتصادية على الضاحية، حصلت عدة إشكالات بين عناصر الحزب الموكلين مهام الأمن، وبعض السكان، إذ سجل إطلاق نار على حاجز في الكفاءات من قبل أفراد من عشيرة لبنانية، قبل أن يحصل إشكال آخر مع عناصر فلسطينية كانوا على متن سيارات في زفة فرح، أدى إلى سقوط قتيل فلسطيني. وبعدها، سُجل إطلاق نار على حاجز للحزب في منطقة مار مخايل من قبل عناصر من عشيرة آل شمص، ردا على توقيف الصحافي حسين شمص على الحاجز. وقبل عدة أيام، اشتكت الصحافية اللبنانية مها الرفاعي من إهانتها على حاجز في منطقة غاليري سمعان.
هذه المشكلات، يضعها العميد المتقاعد حطيط في إطار «المفتعلة»، معتبرا أن «بعض العناصر الموتورة من لبنانيين وفلسطينيين، التي تستغلها أجهزة المخابرات، تفتعل المشكلات لإبرازها إعلاميا». ويرى أن التحديات الاقتصادية «فرضتها المتفجرات والعمليات الإرهابية وليس الإجراءات الأمنية الآيلة إلى مراقبة الداخلين، بهدف منع المتفجرات».
ووسط تلك التحديات، كان الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله أعلن أن الأجهزة الأمنية أبلغت الحزب عجزها عن حماية الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكدا أنه «ليس لدينا أمن ذاتي ولا نؤمن بالأمن الذاتي»، وذلك على خلفية إثارة أطراف سياسية ووسائل إعلامية قضية الحواجز الأمنية التي يقيمها حزب الله على مداخل الضاحية لحمايتها إثر استهدافها مرتين بسيارات مفخخة في الأشهر القليلة الماضية.
ورد قاسم على الاتهامات بشأن حلول حزب الله مكان الدولة وأجهزتها في مناطق نفوذه بالقول: «لم نعمل يوما لنكون مكان الدولة لا في المسألة الأمنية ولا في المسألة السياسية ولا الاجتماعية ولا في أي مسألة أخرى»، موضحا أن «الأمن مسؤولية الأجهزة الأمنية اللبنانية، ونحن نؤمن بأن القضاء مسؤولية القضاء اللبناني، وإدارة الدولة مسؤولية أجهزة الدولة، وهذا ما مارسناه وقمنا به بشكل عملي».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.