معركة الحسم في ماريوبول تمهد لتوسيع الهجوم شرقاً

معركة الحسم في ماريوبول تمهد لتوسيع الهجوم شرقاً
TT

معركة الحسم في ماريوبول تمهد لتوسيع الهجوم شرقاً

معركة الحسم في ماريوبول تمهد لتوسيع الهجوم شرقاً

أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أمس، أن بلاده «لن توقف القتال» لدفع المفاوضات مع الجانب الأوكراني، وجدد طرح الشروط الروسية لإنهاء العملية العسكرية. ووجه لافروف رسائل حازمة إلى الأوكرانيين، شدد فيها على أن روسيا «لن توقف القتال لدفع المفاوضات» خلافا لقرار سابق لموسكو بتخفيف وتيرة العمليات القتالية لتشجيع الأوكرانيين على التقدم في محادثات السلام. وقال الوزير الروسي أمس، إنه لا يرى أي سبب لعدم مواصلة المحادثات مع أوكرانيا، لكنه أصر على أن موسكو لن توقف عمليتها العسكرية عندما يجتمع الطرفان مرة أخرى.
وأوضح أن الرئيس الروسي «أمر بتعليق العمليات العسكرية خلال الجولة الأولى من المحادثات بين المفاوضين الروس والأوكرانيين في أواخر فبراير (شباط) الماضي، لكن موقف موسكو تغير منذ ذلك الحين». وأضاف «بعد أن أصبحنا مقتنعين بأن الأوكرانيين لا يخططون لإبداء حسن نية عبر دعم مسار المفاوضات، اتُّخِذ قرار بأنه خلال الجولات المقبلة من المحادثات لن يكون هناك وقف للعملية العسكرية، ما دام لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي».
واتهم لافروف الأسبوع الماضي كييف بتقديم مسودة اتفاق سلام «غير مقبولة» لموسكو تخرج عن الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان في السابق. ورفضت كييف تصريحات لافروف في ذلك الوقت ووصفتها بأنها نهج لتقويض أوكرانيا أو لتحويل الانتباه عن الاتهامات الموجهة للقوات الروسية بارتكاب جرائم حرب.
وأشار لافروف أيضاً إلى أن الدعوات التي وجهها جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، إلى التكتل لمواصلة تسليح كييف تمثل «منعطفاً خطيراً للغاية» في السياسة الأوروبية. ورأى أن حديث المسؤول الأوروبي بشأن «حتمية» الحسم العسكري للصراع في أوكرانيا، «خارج عن المألوف» و«يغير قواعد اللعبة بشكل كبير».
انعطاف خطير
وزاد لافروف أن تصريح بوريل يشير إلى أنه «تم اتخاذ كييف نقطة انطلاق لإخضاع روسيا» قائلاً: «هذا انعطاف خطير للغاية حتى في السياسة التي اتبعها الاتحاد الأوروبي والغرب ككل تحت قيادة الولايات المتحدة، وهي سياسة تعكس الغضب، وحتى الشراسة في بعض مظاهرها». وتزامن حديث لافروف في هذا الشأن، مع تحذير مسؤولين في وزارة الخارجية الروسية أمس، من أن «الاتحاد الأوروبي يميل لأن يصبح منظمة عسكرية على غرار الأطلسي بدلاً من أن يكون تكتلا اقتصاديا».
وأشار لافروف إلى أن العملية الروسية في أوكرانيا من شأنها «وضع حد لنهج واشنطن الهادف للهيمنة على العالم». وأوضح في حديث تلفزيوني أن «عمليتنا العسكرية تهدف لوضع حد لتوسع الولايات المتحدة ونهجها المتهورين نحو الهيمنة الكاملة، مع بقية الدول الغربية الخاضعة لها، في الساحة الدولية»، ملاحظاً أن هذه الهيمنة «يجري بناؤها بأبشع انتهاكات للقانون الدولي، ووفق قواعد غامضة لا يكفون عن ترديدها وتطويرها على هواهم».
تحقيقات الغرب
وفي إشارة إلى اتهامات كييف لبلاده بارتكاب جرائم حرب، لم يستبعد لافروف أن ينظم الجيش الأوكراني بدعم مباشر من أجهزة المخابرات الغربية «استفزازات جديدة»، لتشويه سمعة روسيا. مشيراً إلى أن موسكو سترد عليها «بحقائق» في المقام الأول. في غضون ذلك، رفضت موسكو دعوات غربية لتشكيل مجموعة دولية في إطار الأمم المتحدة للتحقيق في أحداث بلدة بوتشا. وأكدت أنها «لا تثق» بأي تحقيقات يجريها الغرب وأوكرانيا. وقال النائب الأول للممثل الدائم لروسيا لدى الأمم المتحدة دميتري بوليانسكي إنه «لا يوجد حديث حتى الآن عن تشكيل فريق تحقيق دولي في إطار الأمم المتحدة للتحقيق فيما حدث في بوتشا».
وأضاف «من الناحية العملية، لم يتم النظر في هذه القضية بعد، وأشك في إمكانية إيجاد أي حل في هذه القضية». لكنه شدد في الوقت ذاته، على أنه «من دون تفويض واضح من الأمم المتحدة لا يمكن فتح أي تحقيق بالقضية». وأوضح أن «بعض الدول عبرت عن رأي مفاده أنه ينبغي التحقيق في هذا الحادث من حيث المبدأ، لكن ليس من الواضح من الذي ينبغي أن يفعل ذلك وكيف».
معركة ماريوبول
ميدانياً، أكد زعيم الانفصاليين الموالين لموسكو في منطقة دونيتسك دينيس بوشيلين أمس (الاثنين) أن قواته سيطرت بشكل كامل على منطقة المرفأ في مدينة ماريوبول الساحلية الاستراتيجية الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا والتي يحاصرها الجيش الروسي منذ أكثر من شهر. وقال بوشيلين وفق ما نقلت عنه وكالات الأنباء الروسية: «فيما يخص مرفأ ماريوبول، فقد أصبح تحت سيطرتنا»، فيما أكد ممثل الجيش الانفصالي إدوار باسورين أن آخر المدافعين الأوكرانيين يتركزون حالياً في مصنعَي «أزوفستال» و«أزوفماش» الضخمين.
وتسارعت التحركات لحسم معركة ماريوبول بعد مرور أكثر من شهر على حصار المدينة الاستراتيجية الواقعة في جنوب أوكرانيا. وتزامن إعلان القوات الروسية عن تقدم ملموس على عدد من المحاور في وسط المدينة، واقتراب «ساعة الصفر» لإعلان السيطرة عليها بشكل كامل، مع إعلان الجيش الأوكراني، أمس، أنه يستعد لـ«معركة أخيرة» في ماريوبول. وقال الفوج السادس والثلاثون في البحرية الأوكرانية «اليوم (أمس) ستكون على الأرجح المعركة الأخيرة لأن ذخائرنا تنفد... سيكون مصير بعضنا الموت وبعضنا الآخر الأسر».
آلاف القتلى
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قال أمس، إن عشرات الآلاف قُتلوا على الأرجح في الهجوم الروسي على مدينة ماريوبول، مطالباً بتقديم مساعدات عسكرية لبلاده. وفي خطاب عبر الفيديو إلى نواب برلمان كوريا الجنوبية، قال زيلينسكي: «ماريوبول دُمرت وهناك عشرات الآلاف من القتلى، لكن رغم ذلك فإن الروس لم يوقفوا هجومهم». وبدا من تصريحات الطرفين الروسي والأوكراني أن إحكام السيطرة على مدينة ماريوبول سوف يشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في العمليات القتالية يتم تعزيز التوجه فيها على طول مناطق الشرق والجنوب في أوكرانيا.
في الأثناء، أعلنت وزارة الدفاع الروسية حصيلة عملياتها في الساعات الـ24 الماضية، وأفاد الناطق باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف أن سلاح الجو الروسي أصاب 78 هدفا عسكريا أوكرانيا خلال اليوم الماضي، تضمنت مراكز قيادة ودفاعات جوية ومستودعات ذخيرة ومواقع تمركز للقوات الأوكرانية. وزاد في إيجاز صحافي يومي، أن الدفاعات الجوية الروسية أسقطت طائرتين أوكرانيتين من طراز «سوخوي - 25» في مقاطعة خاركوف، إضافة إلى 4 طائرات مسيرة في خاركوف ودونيتسك ونيكولايف. كما تم إسقاط مروحية من طراز «مي - 24» في مقاطعة خيرسون.
تدمير صواريخ روسية
وقال كوناشينكوف إنه خلال الليلة الأخيرة، دمرت صواريخ روسية عالية الدقة أطلقت من الجو ورشة لإصلاح الأسلحة والمعدات العسكرية لقوات الدفاع الجوي الأوكرانية واقعة في مقاطعة دونيتسك، بما فيها من منظومات صواريخ مضادة للطائرات. وقال إن ضربات عالية الدقة في مقاطعة دونيتسك، أسفرت عن تدمير 9 دبابات و5 مدافع ذاتية الحركة و5 أنظمة راجمات صواريخ، إضافة إلى مقتل نحو 60 عنصرا من كتائب القوميين المتطرفين.
وبلغ إجمالي الأهداف التي تم تدميرها منذ بداية القتال في أوكرانيا، وفقا للبيانات الرسمية الروسية 129 طائرة و99 مروحية و243 منظومة للدفاع الجوي من طرازات مختلفة، و441 طائرة من دون طيار، و2079 دبابة ومدرعة أخرى، و239 راجمة صواريخ، و909 قطع من المدفعية الميدانية ومدافع الهاون، إضافة إلى 2003 مركبات عسكرية خاصة.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟