مجيد طوبيا... جعل فكرة السفر والترحال موازية لفعل الكتابة

مجيد طوبيا... جعل فكرة السفر والترحال موازية لفعل الكتابة
TT

مجيد طوبيا... جعل فكرة السفر والترحال موازية لفعل الكتابة

مجيد طوبيا... جعل فكرة السفر والترحال موازية لفعل الكتابة

ظل يتمتع ببصيرة روائية مسكونة بالإنسان منفتحاً على همومه في العيش الكريم والبحث عن الأمان والحرية والعدل

انشغل الكاتب المصري مجيد طوبيا، في مشواره الأدبي بفكرة السفر والترحال، داخل المكان، وداخل الشخوص، وداخل الحياة، حتى أصبحت هذه الفكرة موازية لفعل الكتابة نفسه، وبمثابة قانون داخلي، فأنا أكتب إذن أنا أسافر داخل الذات والشخوص والمكان والزمان والواقع والحياة، ودون ذلك سيظل المشهد السردي قاصراً، قصار جهده أن يناور على السطح دون التوغل في العمق والإمساك بحقيقة الصراع وجذوره المتشعبة في مرايا الذات والوجود.
تلازم الفكرة نفسها حياة الكاتب، وتمتد من قوس الميلاد في 25 مارس (آذار) 1938 بمحافظة المنيا بصعيد مصر، والتحاقه بكلية المعلمين، وبعد حصوله على البكالوريوس يسارع للالتحاق بمعهد السينما، ويحصل على دبلوم في فن كتابة السيناريو، ثم يمد حبال السفر والمغامرة ليحصل على دبلوم الدراسات العليا في الإخراج السينمائي من المعهد نفسه عام 1972، وفي يوم الخميس الماضي 8 أبريل (نيسان) من الشهر الحالي، وبعد صراع مع أمراض الشيخوخة يضع قوس النهاية النقطة الأخيرة في الكراس، حيث غيبه الموت بمسكنه بالقاهرة عن عمر يناهز 84 عاماً، تاركاً مسيرة أدبية حافلة بالعطاء والتجدد، مثل الكثير من أقرانه الذين شكلوا متن جيل الستينيات الأدبي في مصر.

آثر مجيد طوبيا ألا تزاحمه في الحياة زوجة أو حبيبة أو أطفال موفراً لذاته فضاءً فسيحاً للإبداع، يمنحه القدرة على التأمل الصافي من دون عقد أو حواجز تفرضها الضرورة الاجتماعية. وفي كل هذه المحطات من السفر والترحال ظل يتمتع ببصيرة روائية مسكونة بالإنسان، منفتحاً على همومه في العيش الكريم، والبحث عن الأمان والحرية والعدل، وكانت الكتابة سلاحه الأكثر ألفة وحميمية والتصاقاً بالنفس والحياة. كما شكلت بوصلة الاتزان وضابط إيقاع التنوع بين أشكال مختلفة من الإبداع خاض غمارها بشغف وحب. اكتشفت الناقدة الدكتورة سهير القلماوي بذرة هذا التنوع في مجموعته القصصية الأولى «فوستوك يصل إلى القمر» (1967)، التي قدمت لها، مشيرة إلى أنها تبشر بكاتب موهوب، وهو ما تحقق لاحقاً في رواياته ومجموعاته القصصية.
لكن اللافت في مغامرة التنوع، هذا التنقل السلس بين أنماط شتى من الكتابة، فبروح تبحث عن التجديد كتب: القصة القصيرة والرواية، والسيناريو والحوار والنص السينمائي أحياناً، بل المشاركة كعنصر مساعد في الإخراج أحياناً أخرى، وبالروح نفسها كتب الدراما التلفزيونية، واليوميات وأدب الاعتراف، وهو ما تجسد على نحو لافت في كتابه «مأساة ديانا وفضائح مونيكا»، ومحاولة القبض على اللحظة الخطرة الهاربة من سلطة الجسد وسطوة الواقع، راصداً تداعياتها في علاقة عشق جمعت بين أربعة أفراد، بينهم من كان يتربع على هرم السلطة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً في بلاده والعالم، وفي رواية «الهؤلاء» جعل من وهم الخرافة والكبت واقعاً ملموساً، مجسداً أحد مآزق المثقفين والحياة الثقافية تحت سقف نظام متسلط وديكتاتوري، حيث اختراع الوهم يصبح هو البديل لمواجهة تعسف وقمع وترصد السلطة الحاكمة، وعيونها المتلصصة المندسة في كل مفردات الحياة، وتصبح «أيبوط» ليس مجرد بلد وهمية، إنما واقع حي وملموس، جاثم على أهلها، يحاصرهم في خطواتهم وأنفاسهم، واقع كابوسي، يسير دائماً في عكس عقارب الساعة والحياة. كما احتفى بالضحك كقيمة إنسانية مجردة في مواجهة شرور العالم وأمراضه، مجسداً ذلك في مسرحية هزلية جعل عنوانها «بنك الضحك»، وداعب الأطفال في «مغامرات عجيبة» و«كشك الموسيقى»، وهما روايتان قصيرتان أعلى فيهما من شأن الخيال كعتبة أساس للمعرفة والترويح أيضاً.

مثلت رباعيته الروائية «تغريبة بني حتحوت»، التي اختيرت ضمن أفضل مائة رواية عربية في القرن العشرين التجلي الأمثل لفكرة السفر والترحال، فعلى مستوى الزمن تدور أحداث الرواية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حينما كانت مصر خاضعة لحكم المماليك والعثمانيين ثم احتلها الفرنسيون لثلاث سنوات في حملة نابليون بونابرت الشهيرة. وتتنوع الرباعية على مستوى المكان، فهناك الرحلة إلى بلاد الشمال والجنوب، ثم إلى البحيرات، وبلاد سعد. هذا المزيج من التاريخ والجغرافيا بكل محمولاته التراثية من الأعراف والتقاليد أكسب الرواية طابعاً ملحمياً، انعكس على فكرة الترحال نفسها، فبدت وكأنها محاولة لاستكشاف الذات والمجهول، متخذة من تغرب شخصين من عائلة حتحوت بقرية «تلة» بصعيد مصر محور ارتكاز لرحلة تتنوع دفتها بين الشمال والجنوب، بينما يمثل نهر النيل شاهداً وراوياً ضمنياً على مآلات تلك الرحلة، حيث عمل الاثنان على مركب لنقل الأفراد والبضائع عبر نهر النيل من الصعيد إلى الوجه البحري، فتحكى الرواية ما رأياه من فظائع وأهوال حلت بمصر على يد حكامها في تلك الفترة، وتروي كيف أصبح كرسي الحكم وحاشيته عجينة مملة ومتكررة ورمزاً للعسف والظلم والطغيان.
في كل هذا التنوع لعب مجيد طوبيا، على فضاء الثنائيات الضدية للوجود، وتحديداً في المسافات البينية الرخوة فيما بينها، حيث الأشياء في منطقة الظل قابلة للوضوح والغموض، للظهور والتخفي، حينئذ تصبح مهمة الكتابة ليس فقط تعرية أقنعة هذه المراوحة، وإنما أن يبني من خلالها الكاتب جسوراً للإبداع. لذلك لم يحيد هذه الثنائيات، ولم يقم بينها تصالحاً زائفاً في أعماله، بل تعامل معها بوعي وبصيرة كاشفة، مشربة أحياناً بروح من السخرية البناءة، والفكاهة الاجتماعية والسياسية اللاذعة، وفي كل الأحوال كان حريصاً على أن يبقى التمردُ الشعلة التي تحرك جدلية الصراع وتكشف أبعاده، وتحيله إلى نسق سردي مهموم بأشواق الإنسان ومعاناته من أجل غد أفضل. ويتم هذا بالقدرة على المصارحة ومساءلة الذات، ومواجهة اللحظات المصرية بشجاعة. وهو ما تكشف في روايته «أبناء الصمت»، التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير، يجسد واقع حرب الاستنزاف والصراع مع العدو الإسرائيلي، في مشهدية سردية مليئة بالشجن، والتشبث بالأرض وإرادة الحياة، تتبدى بقوة في ملامح مجموعة من الجنود هبطوا خلف خطوط العدو بسيناء في مهمة خاصة، وتكشف فجوات القلق والتوتر في الحوار بينهم عن مدى الشفافية والمصارحة، ومساءلة الذات بشجاعة حول أسباب الهزيمة في حرب 1967، والقدرة على العبور والانتصار. ليتحول المكان من خندق ضيق بمسرح المعركة إلى فضاء رحب يسع الوطن كله. كتب مجيد طوبيا السيناريو والحوار للفيلم، وأخرجه سيد راضي، وشهد الفيلم ميلاد كوكبة من النجوم، من أبرزهم أحمد زكي، وصنف «أبناء الصمت» ضمن أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية.
من الملامح المهمة أيضاً في أعمال مجيد طوبيا التعامل مع الجمال من منظور إنساني يتمتع بصفة الديمومة والخلود، فهو وعاء للحب، وفعل وجود وحياة، وليس محض علاقة سطحية عابرة. هذا الوعي يطالعنا في روايته الأولى «دوائر عدم الإمكان»، حيث تتحول عناصر البساطة والألفة بفعل الجمال نفسه إلى نوستالجيا خلاقة، تومض في حزن بطلها الفلاح البسيط الذي لا تغادره صورة زوجته الفاتنة الجميلة بعد أن فارقت الحياة، فظل يرفض تصديق أنها ماتت، في دلالة لافتة على أن الجَمال لا يموت.
يعزز هذه الإحساس الفارق بقيمة الجمال، الوقوف في صف المرأة ضد سطوة الرجل والمجتمع. ففي «ريم تصبغ شعرها»، التي تحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان «قفص الحريم»، تسعي ريم إلى التحرر من سطوة الأب، العمدة كثير الزواج، ونظرته الدونية إلى أمها، وإلى النساء باعتبارهن مجرد حريم، وبعد بتر ساق أمها إثر حادث أليم، ومفارقتها الحياة، تستطيع ريم من خلال الإقامة مع جدتها أن تتحرر من هذه السطوة، وتكمل دراستها الجامعية بعيون مفتوحة على غد أكثر عدلاً، يحفظ كرامتها، وحقوقها كشريك في المجتمع والحياة.
تبقى في هذه الإطلالة على عالم مجيد طوبيا الثري الخصب، الإشارة إلى أنه حصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1979، وجائزة الدولة التشجيعية في الآداب في العام نفسه، وفي عام 2014 حصل على جائزة الدولة التقديرية للآداب، وبرغم ابتسامته الوقور الخجول عاش الحياة محباً للضحك وللبشر، وغادرها بعد أن ترك أثراً يبقى.



70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.


«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية
TT

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

«ألف باء الفن» لإريك غريزيمكوفسكي بالعربية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن كتاب «ألف باء الفن» للكاتب الأميركي إريك غريزيمكوفسكي، بترجمة محمد السعدي، في إصدار عربي يقدّم للقارئ مدخلاً واسعاً وميسّراً إلى عالم الفن وتاريخه ومدارسه وأبرز فنانيه، ويتنقل بين النظريات والحركات الفنية والمتاحف والأعمال التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن وتحوّلاته عبر العصور.

ينطلق غريزيمكوفسكي في كتابه من فكرة أساسية تتمثل في تحرير الحديث عن الفن من الشعور بالرهبة الذي قد تثيره الكتب الفنية المتخصصة لدى القارئ الذي لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في هذا المجال. ويشير في مقدمته إلى أن كثيراً من الكتب تفترض مسبقاً معرفة القارئ بمفاهيم مثل المنظور ونظرية اللون والخطوط والأشكال، في حين يسعى «ألف باء الفن» إلى البدء من هذه الأسس نفسها، وتقديم الأساليب والحركات والوسائط الفنية بطريقة يسهل فهمها، بالتوازي مع سرد حكايات عدد من أبرز الفنانين والتعريف بالمصطلحات الضرورية لفهم الأعمال الفنية ومناقشتها.

ويمنح هذا التصور الكتاب طابعاً موسوعياً مبسطاً، إذ لا يتعامل مع تاريخ الفن كسرد زمني متصل بقدر ما يفتحه أمام القارئ على هيئة موضوعات مستقلة ومترابطة في الوقت نفسه، بحيث يستطيع الانتقال بين الفنانين والمدارس والمفاهيم والمتاحف وفق اهتمامه الخاص. ويشبّه المؤلف الكتاب، في مقدمته، بمتحف يضم «قاعات» مختلفة لموضوعات تنتمي إلى أمكنة وأزمنة متباينة، بما يسمح للقارئ بالدخول إلى الفن من أبواب متعددة، من دون اشتراط معرفة مسبقة أو مسار قراءة صارم.

ويتوزع الكتاب على عشرات الموضوعات التي ترسم خريطة واسعة للفنون البصرية، بدءاً من نظرية اللون، وباوهاوس، والعلاج بالفن، والفن الجديد، والدادائية، والانطباعية، مروراً بالتكعيبية، والسريالية، والفن الحديث، والفن التجريدي، وفن عصر النهضة والمستقبلية، والباروك، والفن الشعبي، وصولاً إلى موضوعات مثل المنظور، ونظرية الجشطالت، وعناصر الفن ومبادئه، والنحت، والتصوير الضوئي، والألوان المائية، ورسومات الكهوف، وفن الجسد، والنسبة الذهبية وتحطيم الأيقونات.

ومن بين الموضوعات التي يتوقف عندها الكتاب «نظرية اللون»، إذ يشرح موقع اللون بين العناصر الأساسية للعمل الفني، وعلاقته بالخط والخامة والشكل، وكيف يستخدمه الفنان في توجيه عين المشاهد وبناء المزاج البصري للعمل، ثم ينتقل إلى مزج الألوان والألوان المتكاملة والجمعية والطرحية ودرجات اللون وتأثيراتها. كما يتناول مدرسة باوهاوس، التي أسسها والتر غروبيوس في ألمانيا عام 1919، ويشرح فلسفتها القائمة على الجمع بين الفنون الجميلة والحرف والتصميم، وعلاقتها بالصناعة والإنتاج الحديث، وصولاً إلى أثرها اللاحق في التصميم والعمارة.

ولا يتوقف «ألف باء الفن» عند الأعمال التي استقرت مكانتها في تاريخ الفن، إذ يفتح النقاش أيضاً على الأسئلة والخلافات التي رافقت بعض التجارب الفنية. ويخصص، على سبيل المثال، فصلاً لبانكسي تحت عنوان «بانكسي: فنان أم تهديد؟»، بما يضع القارئ أمام النقاش حول فن الشارع وحدود المؤسسة الفنية، كما يتناول إعادة التوظيف الفني وفن الجسد والفن العام، وهي موضوعات تكشف عن اتساع مفهوم الفن وتحولاته المستمرة.

ويستفيد الكتاب من الصور والرسوم في تقريب موضوعاته، إذ تحضر نماذج من أعمال فنانين ومدارس مختلفة إلى جانب الشروح، من «ليلة النجوم» لفنسنت فان غوخ وأعمال بول سيزان ومان راي وجورجيا أوكيف إلى أعمال دييغو ريفيرا وإدوارد هوبر وصور أنسل آدمز، بما يمنح القارئ فرصة للربط بين المفهوم النظري والمثال البصري.