تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية

تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية
TT

تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية

تغير المناخ يربك إيقاع الطبيعة ويهدد النظم البيئية

تتعرض بلاد الشام، منذ منتصف مارس (آذار) الماضي، إلى منخفضات قطبية متتالية غير معتادة في مثل هذا الوقت من السنة. وتقترن هذه الفترة في الموروث الشعبي للمنطقة بانتهاء فصل الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وإزهار النباتات وانتهاء السُبات الشتوي، حيث يُقال: «إذا طلع سعد السعود، ذاب كل جمود، واخضرّ كل عود، وانتشر كل مبرود»، كما يُقال أيضاً: «بسعد الخبايا، بتطلع الحيايا، وبتتفتَّل الصبايا».
وبحسب الموروث الشعبي، يمتد فصل الشتاء في بلاد الشام إلى خمسين يوماً، تتوزع على أربع فترات زمنية متساوية (سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الخبايا)، تصف المشاهدات المعتادة لأحوال الجو ودورة الطبيعة والكائنات الحية. ولجميع الشعوب خبراتها وتجاربها الخاصة التي تصف مظاهر الحياة المقترنة بالمناخ؛ ففي الولايات المتحدة يُقال مثلاً: «عندما ترى الحور يُزهر في جبال روكي، احذر الدببة الرمادية التي تنهض من سباتها».
المناخ ودورة حياة الكائناتيدرس الفينولوجيا، أو علم الظواهر الطبيعية (Phenology) العلاقة بين المناخ والظواهر الأحيائية الدورية، كتاريخ ظهور الأوراق والزهور، وبدء الطيور هجرتها، وتوقيت تغيُّر ألوان أوراق الأشجار وتساقطها، وفترة وضع الطيور والبرمائيات لبيضها، وموعد تكاثر الحيوانات.
ونظراً لأن العديد من هذه الظواهر حساسة جداً للتغيُّرات الصغيرة في المناخ، خاصة درجات الحرارة، يمكن للسجلات الفينولوجية أن تكون بديلاً مفيداً لبيانات درجة الحرارة في علم المناخ التاريخي، لا سيما في دراسة تغيُّر المناخ والاحترار العالمي. فمنذ سنوات، جرى استخدام سجلات زراعة الكروم في أوروبا، التي تعود إلى أكثر من 500 سنة، لإعادة تكوين سجل لدرجات حرارة موسم النمو الصيفي.
وفي اليابان، يعلن إزهار الكرز البري (ساكورا) عن بدء فصل الربيع، وهو حدث رئيسي في الثقافة اليابانية. ويعود تاريخ الاحتفال بإزهار الكرز إلى نحو عام 712 الميلادي، حيث تحتفظ اليوميات والسجلات القديمة في مدينة كيوتو بمواعيد ومشاهدات الإزهار منذ عام 812. وعلى مدى 1200 سنة، كان الإزهار يبدأ من أواخر مارس (آذار) ويمتد حتى أوائل مايو (أيار). ولكن منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، أصبح الإزهار يحصل في مواعيد أبكر بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
ويتسبب تغيُّر المناخ في إبطاء أو تسريع إيقاع الطبيعة على نحو قد يهدد التنوُّع البيولوجي. ففي تقريره عن القضايا الناشئة ذات الاهتمام البيئي الذي صدر قبل أسابيع، يلفت برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) النظر إلى دور تغيُّر المناخ في إرباك أنماط دورة حياة الأنواع النباتية والحيوانية، ويدعو إلى معالجة هذه المشكلة من خلال استعادة التواصل البيئي والتنوُّع البيولوجي وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
ويشير التقرير إلى أهمية التوقيت في الطبيعة، إذ يُفترض بصغار الطيور أن تفقس عندما يكون هناك طعام متاح لتغذيتها، وتصبح الحشرات نشطة عندما تزهر النباتات المضيفة، وتغيّر الأرانب الثلجية لونها من الأبيض إلى البني مع ذوبان الثلوج. ونظراً لأن درجات الحرارة لها تأثير واضح على هذه الإشارات، فإن التحولات الفينولوجية طيلة العقود الماضية هي من بين أكثر نتائج تغيُّر المناخ العالمي وضوحاً، خاصة في المناطق المعتدلة والقطبية.
ولا تعدّ درجات الحرارة المتغيّر البيئي الوحيد الذي يؤثر على الفينولوجيا، فعند خطوط العرض العليا هناك متغيّر حرج آخر هو الفترة الضوئية أو طول النهار، الذي يتباين كثيراً بتغيُّر المواسم. ففي المناطق الواقعة عند هذه الخطوط تحتاج بعض النباتات والحشرات إلى موجة من درجات الحرارة المنخفضة (تبريد شتوي) للاستجابة جيداً لدرجات الحرارة الأكثر دفئاً. كما ترتبط هجرة الأسماك بدرجة حرارة الماء وفترة الضوء. وتُبدي الأنواع الحية في المناطق الاستوائية استراتيجيات فينولوجية متنوعة، حيث يمكن أن تؤدي العوامل المختلفة، بما في ذلك المطر والجفاف وتوافر الرطوبة والتعرض الغزير لأشعة الشمس، إلى بدء دورة حياة جديدة تقل عن 12 شهراً. استجابات متباينةمما يثير القلق حول التغيُّرات الفينولوجية والاستجابة لتغيُّر المناخ أن الأنواع المترابطة في نظام بيئي معيّن قد لا تتحول في الاتجاه ذاته أو المعدل نفسه. وكانت دراسات تفصيلية حول مراحل دورة الحياة المختلفة عبر مجموعة واسعة من الأنواع النباتية والحيوانية كشفت عن وجود تفاوتات فينولوجية كبيرة. وعلى سبيل المثال، يؤثر عدم التطابق بين المفترس والفريسة داخل شبكة الغذاء على نمو الأفراد وتكاثرهم ومعدلات بقائهم، وينعكس ذلك على تعداد الأنواع الحية وسلامة النظم البيئية ككل.
تم الكشف عن التحولات الفينولوجية بسبب تغيُّر المناخ في مجموعة متنوعة من دورة حياة الكائنات، بما فيها التكاثر والإزهار والبرعمة والإيراق والانسلاخ والسبات والهجرة وغيرها. وتأتي البيانات الداعمة من الدراسات التي تقارن التحولات الفينولوجية بين مجموعات كبيرة من الأنواع الحية التي تم تسجيل الأحداث الفينولوجية الخاصة بها على فترة زمنية طويلة في نصفي الكرة الأرضية.
وتقدم الدراسات التي أجريت على الطيور دليلاً وافياً على عدم التطابق الذي يؤثر على التكاثر الناجح. فعلى سبيل المثال، تحتاج أنواع من الطيور، مثل خطّاف الذباب الأبقع والقرقف الكبير، إلى أن تفقس فراخها عندما تكون إمداداتها الغذائية من اليرقات أكثر وفرة. وعندما تكون فترة ذروة الإمداد الغذائي قصيرة تمتد لبضعة أسابيع، يصبح التوقيت الصحيح بالغ الأهمية. وتحتاج طيور أخرى إلى تحديد توقيت تكاثرها بدقة مع الهجرة الشاطئية لفرائسها الرئيسية، مثل أسماك الطُعم الصغيرة.
وتُظهر الأبحاث أن الاستجابات الفينولوجية لتغيُّر المناخ تحدث بشكل أسرع في البيئات البحرية منها على اليابسة. وتستجيب المجموعات البحرية المختلفة، من العوالق إلى المفترسات الأعلى، للتغيُّرات الفينولوجية بمعدلات مختلفة، مما يشير إلى أن تغيُّر المناخ قد يسبب عدم تطابق في مجتمعات المحيط الحية بأكملها.
ويؤثر الاحترار عبر النظم البيئية الأرضية ونظم المياه العذبة والبحرية، مما ينعكس في نهاية المطاف على الأنواع الحية التي تعتمد على النظم البيئية المختلفة، مثل الأسماك المهاجرة بين الأنهار والبحار والعديد من الحشرات والبرمائيات والطيور، التي تعتمد مراحل دورة حياتها على كل من النظم الأرضية والمائية.
وفي حين أن الاستجابات لتغيُّر إيقاع الطبيعة بفعل تغيُّر المناخ موثقة إلى حدٍ بعيد، فإن آثارها على تعداد المجموعات الحية وعواقبها على النظم البيئية تتطلب اهتماماً أكبر. ففي القطب الشمالي، مثلاً، تسبب الاحترار في تسريع ذوبان الجليد وتبكير ظهور الغطاء النباتي الذي تتغذى عليه إناث وصغار الوعول، ومع ولادة الإناث في موسمها الاعتيادي تراجعت أعداد الوعول بنسبة 75 في المائة لقلّة الغذاء.
وتشكّل الاستجابات الفينولوجية في المحاصيل للتغيُّرات الموسمية تحدياً لإنتاج الغذاء في مواجهة تغيُّر المناخ. وعلى سبيل المثال، يؤدي إزهار أشجار الفاكهة في موعد مبكر ثم تعرضها للصقيع في آخر الموسم إلى خسائر اقتصادية كبيرة لأصحاب البساتين. كما تؤدي التحولات الفينولوجية إلى تعقيد التكيُّف الزراعي الذكي مناخياً للمحاصيل الرئيسية في جميع أنحاء العالم.
لا يمكن تحديد التحولات الفينولوجية إلا من السجلات طويلة الأجل. وتعمل مؤسسات علمية وجامعات وحكومات ومنظمات غير حكومية على جمع البيانات الفينولوجية، التي تسمح بتحديد الأنواع الحية والمواقع الأكثر عرضة للخطر. كما توفر البيانات نظرة استشرافية حول معدلات الاحترار المسموح بها للنظم الإيكولوجية من أجل دعم الأهداف المعلنة في اتفاقية باريس لمواجهة تغيُّر المناخ.
إن الحفاظ على سلامة التنوُّع الحيوي وإيقاف تدمير الموائل ومتابعة استعادة النُظم البيئية، كلها عوامل تساعد في دعم الموارد الطبيعية التي نعتمد عليها. ولن تؤتي تدابير الحفظ هذه ثمارها ما لم يكن هناك عمل مؤثر في الحدّ من انبعاثات غازات الدفيئة، وإعطاء الطبيعة وقتاً كي تسترجع إيقاعها وتحقق تناغمات جديدة.



فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».