قائد الجنجويد ينفي ارتكاب أعمال وحشية في دارفور أمام «الجنائية الدولية»

تتعلق ب 31 جريمة حرب تتراوح بين القتل والتعذيب والاغتصاب

علي شكيب في قاعة المحكمة أمس (إ.ب.أ)
علي شكيب في قاعة المحكمة أمس (إ.ب.أ)
TT

قائد الجنجويد ينفي ارتكاب أعمال وحشية في دارفور أمام «الجنائية الدولية»

علي شكيب في قاعة المحكمة أمس (إ.ب.أ)
علي شكيب في قاعة المحكمة أمس (إ.ب.أ)

بهدوء وابتسامة مخفية، دخل القائد السابق لميليشيا الجنجويد علي عبد الرحمن، المعروف بعلي شكيب، إلى قاعة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي ليصبح أول مسؤول سوداني يواجه تهماً بارتكاب جرائم حرب في دارفور قبل أكثر من 17 عاماً.
وبدا شكيب البالغ من العمر 65 عاماً، أنيقاً ببذلته ذات اللون الأزرق الداكن وربطة عنق حمراء، لا يشبه «المجرم» الذي صوّره الادعاء العام في افتتاح محاكمة وصفها بـ«التاريخية». وجلس شكيب الذي يمكث بسجن في هولندا منذ عامين، بعد القبض عليه في أفريقيا الوسطى وتسليمه إلى لاهاي، داخل قاعة المحكمة مع فريق الدفاع عنه الذي يرأسه المحامي سيريل لاوتشي المعيّن له من قبل المحكمة.
وخلال الجلسة كان علي شكيب يستمع إلى القاضية والادعاء، الذي أفرد له اليوم الأول لعرض قضيته، عبر سماعات تحمل إليه الترجمة باللغة العربية. وبعد دقائق من انطلاق المحاكمة، تحدث شكيب رداً على سؤال من القاضية، لينفي التهم الـ31 الموجهة إليه، والتي تشكل جرائم حرب، وتتراوح بين القتل العمد وتوجيه هجمات ضد المدنيين والاغتصاب، وتعذيب المئات من سكان إقليم دارفور المنتمين بشكل أساسي إلى قبيلة الفور. وقال شكيب باللغة العربية: «كل التهم مرفوضة وأنا بريء منها جداً».
وبدأت الجلسة بتلاوة التهم الموجهة إلى شكيب باختصار من قاضية المحكمة جوانا كورنر، تبعها عرض من المدعي العام كريم خان لقضيته استغرق اليوم الأول بأكمله. ووصف خان اليوم بأنه «تاريخي» لأهالي الضحايا الذين قُتلوا في دارفور على أيدي الجنجويد بين العامين 2003 و2004، وقال: «هذا يوم تاريخي لأنه يوم انتظره ملايين السودانيين، ولكي يعود هناك في نهاية المحاكمة حكم مستقل وعادل» للجرائم التي ارتُكبت في دارفور.
وركّز المدعي العام في عرضه على تأثير الجرائم على الأطفال في الإقليم، الذين قال إنهم استُهدفوا من قوات الجنجويد بقيادة علي شكيب. وأعطى أمثلة عدة على ذلك، استناداً إلى شهود ستستمع المحكمة إليهم تباعاً في الأسابيع المقبلة. ومن بين الأمثلة التي أعطاها، نقلاً عن أحد الشهود، دخول ميليشيا الجنجويد إحدى القرى وانتزاعهم طفلاً رضيعاً من بين ذراعي والدته، ورميه أرضاً ما أدى إلى قتله.
وعرض الادعاء مجموعة من الأشرطة المختصرة لبضع ثوانٍ داخل المحكمة قال إنها لا تشكل جزءاً من الأدلة، ولكنها تذكِّر بأحداث دارفور. ومن بين ما عرضه شريط عُرض في برنامج بانوراما على «بي بي سي» يتضمن مقابلة مع سيدة من قبيلة الفور، نجت من إحدى هجمات الجنجويد على بلدتها، وكانت تقول إن الهجوم على بلدتها كانت خلفيته عِرقية.
وحرص الادعاء على الربط بشكل مباشر بين عمليات الجنجويد والقوات السودانية المسلحة والحكومة السودانية، وقال إن الحكومة كان تموّل وتسلِّح الميليشيات بهدف معين، هو قمع كل أشكال التمرد في الإقليم. ورغم إشارة المدعي العام إلى أن الحرب كانت بين السودانيين العرب بشكل أساسي والسودانيين في دارفور من قبائل من الفور والمزاليت والزاغور، فإنه حرص على الإشارة إلى أنه ليس كل العرب في دارفور كانوا من مؤيدي العملية العسكرية ضد القبائل غير العربية.
وعرض الادعاء كذلك مدى سطوة شكيب وسلطته في دارفور ووصوله إلى المسؤولين السودانيين في الحكومة، قائلاً إنه كان يتمتع بعلاقة شخصية قوية مع وزيري الدفاع والداخلية آنذاك. وقال إن شكيب «كان أحد كبار القادة في الجنجويد الذين اعتمدت عليهم حكومة السودان بشكل كبير، واعتمدت عليه شخصياً بشكل كبير، وهو كان مشاركاً في تلك الجرائم وعلى علم بما يحدث». وأضاف موضحاً: «كانت لديه السلطة والسطوة وكان يستمتع بسمعته بأن الآخرين يخشونه». وأعطى الادعاء أمثلة أخرى كذلك، نقلاً عن شهود، تؤكد تورط شكيب في عمليات إذلال السجناء وتعذيبهم وقتلهم حتى شخصياً. ومن بين الأمثلة التي تحدث بها أنه «كان يضرب المسنين شخصياً في إحدى الزنازين بهدف كسر إرادة الأهالي... وكان يأمر رجاله بحرق بشرة مساجين، في تجاهلٍ لإنسانية هؤلاء». وأضاف المدعي العام أن شهوداً أكدوا أن شكيب كان يعتمد أساليب لإذلال السجناء «مثل الوقوف على ظهورهم».
وإضافةً إلى ذلك عدَّد الادعاء مجموعة من الجرائم ارتُكبت بقيادة شكيب شخصياً، منها الهجوم على قدوم وبن ديسي في 15 و16 أغسطس (آب) 2003، حيث اغتُصبت 16 فتاة وقُتل عشرات المدنيين، وتمت سرقة ممتلكاتهم أو تدميرها. ومن بين الهجمات الأخرى التي قال الادعاء إن شكيب متورط بها شخصياً، الهجوم على مكجار في مارس (آذار) 2004، حيث دخل الجنجويد مركزاً للشرطة، وضرب شكيب نفسه عدداً من المعتقلين، وأصدر أوامر بنقل وإعدام 122 رجلاً من قبيلة الفور وبعض الأطفال.
وأشار المدعي العام إلى أن هؤلاء الضحايا «لم يكونوا إلا مزارعين أو تجاراً أو مدنيين». فيما تحدث الادعاء كذلك عن دور مباشر لشكيب في الهجوم على ديلينغ في 5 إلى 7 مارس 2004، حيث كان يضرب المعتقلين الرجال «وقتل الرجال السجناء بنفسه بسلاح كان يحمله، وراقب عملية النقل القسري للمعتقلين إلى مكان لقتلهم، وأعطى أوامر بقتل قرابة 137 رجلاً من قبيلة الفور».
كما عرض الادعاء على شاشة المحكمة الكبيرة وثائق صادرة عن الحكومة السودانية، تنصّ على قرارات حكومية لخطة تهدف إلى وأد التمرد في دارفور. وتتحدث الخطة عن قتل واستهداف القادة والمؤثرين من القبائل. واستنتج الادعاء بالقول إن الجرائم التي حصلت في دارفور على يد ميليشيات الجنجويد والقوات السودانية المسلحة كانت «قراراً سياسياً اتخذته الحكومة السودانية آنذاك لقمع أي تمرد قادم من الإقليم».
كما تحدث الادعاء كذلك عن خلفية الصراع قائلاً إنه في عام 2003 واجهت حكومة السودان «مشكلة خطيرة تتمثل بتمرد مسلح في دارفور»، وعدد من الجماعات المتمردة منها «حركة العدالة والمساواة» و«جيش تحرير السودان» التي قال إن أبرز أعضائها كانوا من قبائل الفور والمزاليت والزاغور. وأشار إلى أن هؤلاء المتمردين كانوا يشنون هجمات على القوات الحكومية، فكان رد الحكومة باعتماد خطة للقضاء على التمرد. وأضاف الادعاء أن الخطة تضمنت «هجوماً وحشياً على السكان المدنيين في دارفور»، وأن الحكومة عدّت المنتمين لتلك القبائل يدعمون المتمردين، ما دفعها إلى بدء هجوم على البلدات تلك مستخدمةً ميليشيات الجنجويد إلى جانب القوات العسكرية. وشدد الادعاء على أن «الهجوم على المدنيين لم يكن أعمال عنف متفرقة بل كان موقفاً لسياسة حكومية وضعتها الحكومة في مقاطعتي وادي صالح ومكجار، ولُب هذه السياسة الرسمية انعكس في خطة الأمن الوطنية لعام 2004، والتي اشتملت على استهداف القبائل وقراهم في دارفور وقتل زعماء وعمداء المجتمعات المحلية».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.