مئوية التركتاتوس... رسالة فلسفية للإلهام وليس للجدل

برتراند راسل كتب مقدمة ترجمتها الإنجليزية

مئوية التركتاتوس... رسالة فلسفية للإلهام وليس للجدل
TT

مئوية التركتاتوس... رسالة فلسفية للإلهام وليس للجدل

مئوية التركتاتوس... رسالة فلسفية للإلهام وليس للجدل

ما زال تأثير «التركتاتوس» للفيلسوف النمساوي - البريطاني لودفيخ فتخنشتاين كبيراً جداً، حتى خارج نطاق الفلسفة. فكيف لهذه الفلسفة الصعبة والمجردة والمنطقية فلسفياً أن تحظى بهذا الاهتمام بعد مرور مائة سنة على طرحها؟
يقول راي مونك في حوار له مع الصحافية لورا مولنار، بأن الرسالة - الترَكتاتوس كتاب صعب، مبهم، فلسفي منطقي، وهو العمل الرئيسي لِفتخنشتاين، ويرجع سر بقائه إلى القوة الشعرية للكتاب.
ويضيف مونك، أنه واجه صعوبة في فهم الرسالة عندما قرأها لأول مرة، وهو في أوائل العشرينات من عمره. يقول عن ذلك «لم أفهم الرسالة على الإطلاق. إلا بعد أن درست ميتافيزيقا التراكتاتوس في الجامعة».
واشتهر مونك، الذي عمل أستاذاً في جامعة ساوث هامبتون في إنجلترا، بعد كتابته سيرة حياة فتخنشتاين، تحت عنوان «واجب العبقرية».
لقد أنهى فتخنشتاين كتابه «تراكتاتوس» في عام 1918، لكنه واجه صعوبة كبيرة في العثور على ناشر. لم يكن هذا بسبب الوضع المالي الصعب في النمسا مباشرة بعد الحرب العالمية الأولى، ولكن كان بسبب محتوى الكتاب نفسه. كتب إلى ناشر مُحتمل «يتكوَّن كتابي من جزأين: الجزء الأول موجود هنا... الجزء الآخر بالتحديد هو المهم». وما نستنتجه عند دراسة هذا الفيلسوف هو أنه قد أحدث تحولاً كبيراً في فلسفته، لدرجة أن المرء يتحدث عن فتخنشتاين الأول وما بعده.
ظهرت الرسالة باللغة الألمانية عام 1921، ثم تلتها الترجمة الإنجليزية بعد عام، بفضل تعاون برتراند راسل، الذي كتب مقدمة الكتاب بصفته فيلسوفاً معروفاً وصديقاً لفتخنشتاين. أما العنوان فهو إشارة إلى عمل سبينوزا الموسوم «رسالة في اللاهوت والسياسة Tractatus Theologico - Politicus» الصادر عام 1870.
يتكون التراكتاتوس من 7 مقترحات رئيسية. وكل اقتراح رئيسي (ما عدا السابع) مزود بتفاصيل وتعليقات، هي نفسها مزودة بالتفاصيل والتعليقات. أعطى للمقترحات الرئيسية عدداً صحيحاً (من 1 إلى 7)، وللتعليقات على المقترحات الرئيسية رقماً عشرياً واحداً (1.1، 1.2 إلخ...). أما التعليمات فتحتوي على رقمين عشريين (2.12، 1.12 إلخ...). وهذا يؤدي إلى إنشاء ترتيب صارم. لذلك؛ لا يبدو العمل كتاباً فلسفياً «عادياً» على الإطلاق.
لم تكن الظروف التي كتب فيها فتخنشتاين العمل مثالية. فقد بدأ به خلال الحرب العالمية الأولى أثناء خدمته جندياً (ولاحقاً ضابطاً) في الجيش النمساوي. وأكمل العمل عندما سُجن في معسكر أسرى حرب إيطالي في نهاية الحرب. وكان قد بدأ بالفعل في وضع الأفكار الرئيسية للكتاب، بعد دراسة الفلسفة على يد راسل في كمبردج لمدة عام ونصف العام فقط، ثم غادر إلى النرويج في عام 1913، أي قبل عام من اندلاع الحرب العالمية الأولى، للعمل على فلسفته في عزلة في كوخ بناه بنفسه.
وفقاً لفتخنشتاين؛ فالهدف من الفلسفة هو التوضيح المنطقي للأفكار. كما أن الفلسفة ليست عقيدة، بل نشاط. وهي لا تؤدي إلى «الافتراضات الفلسفية»، بل إلى توضيح الافتراضات. ويجب على الفلسفة أن توضح وتحدد بدقة الأفكار الغامضة، وأن تحدد ما يمكن تصوره وما لا يمكن تصوره، وتشير إلى ما لا يوصف، من خلال التعبير عن ما يمكن قوله بوضوح.
لطالما كان هدف الفلسفة في زمنه، هو البحث عن إجابات لكل هذه المشكلات الفلسفية الأساسية، عن طريق خلق أنظمة ميتافيزيقية مختلفة ومعقدة، كما في أنظمة أفلاطون وسبينوزا وشوبنهاور وكانط وإلى حد ما نيتشه أيضاً، على سبيل المثال. كل من ساهم في الفلسفة عبر التاريخ يوافق على هذا. كان هذا الاتفاق بمثابة أساس الجدل الفلسفي منذ العصور الكلاسيكية.
لكن فتخنشتاين يعارض هذا الرأي بشكل جذري؛ إذ يدعي أنه ليس هناك مشاكل فلسفية على الإطلاق، وكل ما يسمى بالأسئلة الفلسفية الأساسية التي حاول الفلاسفة عبر العصور إيجاد إجابات لها من خلال جميع أنواع الأنظمة الميتافيزيقية هي في الواقع مشاكل خاطئة.
وقد توصل إلى هذا الاستنتاج بملاحظة أن كل ما يسمى بالمشكلات الفلسفية الأساسية والأنظمة الميتافيزيقية المرتبطة بها تشترك في صفة أساسية واحدة، «أنها جميعاً مطروحة في اللغة». أو بتعبير أدق؛ يتمُّ طرحها جميعاً في لغة عامية طبيعية. والسبب في أن كل هذه المشكلات هي مشكلات زائفة، ناتجة من استخدام غامض أو خاطئ أو حتى غير مناسب للغة.
يقول مونك «الدافع الأصلي لكتابة التراكتاتوس هو تناقض واجَهَه الفلاسفة برتراند راسل وغوتلوب فريج... إذ حاول راسل وفريج بناء الرياضيات على المنطق لإعطائها أساساً لا شك فيه. وذلك بتشكيل هذا المنطق بشكل مختلف، لكنهما لم يتمكنا من فهمه تماماً. ويضيف «كانت فكرة فتخنشتاين أن راسل وفريج واجها تناقضات لأنهما كانا يحاولان قول شيء لا يمكن قوله». فإن ما يمكن قوله عن طريق التعبير، لا يمكن قوله دون اصطدام بالحدود التي ترسمها لنا اللغة، والأقوال التي نعبر بها عن عالمنا دون مراعاة هذه الحدود تكون عادة هراءً، فكان الأجدر بنا التزام الصمت عندما يتعذر علينا التعبير بوضوح».
إنه يريد أن يظهر أن المشكلات الفلسفية ليست سوى سوء فهم بشأن منطق اللغة، من خلال رسم خط واضح بين ما يمكن الحديث عنه وما لا يمكن الحديث عنه. وهو يضع الحدود بوعي مع اللغة وليس مع الفكر؛ لأنه من أجل رسم الحدود، يجب أن نختبر جانبي هذه الحدود. ويلخص فتخنشتاين ذلك في بيانه المعروف «ما يمكن قوله يمكن قوله بوضوح؛ وما لا يمكن الحديث عنه، يجب على المرء أن يصمت». فالصمت الذي كان قد دعا إليه لا يعدّه مشكلة وإنما علامة على ممارسة سليمة للفلسفة وموقف يلتزم باحترام حدود اللغة. لكن المشكلة تكمن في عدم تحملنا التزام الصمت، بخصوص القضايا التي لا نستطيع التعبير عنها بوضوح. وقد سعى، في مرحلته الثانية، إلى وضع الحدود التي تجعل اللغة تلتزم الصمت، حيث يجب الصمت. علماً بأن فتخنشتاين ميّز بشكل مهم بين القول والعرض؛ ففي بعض الحالات لا يمكنك التحدث عن شيء ما، بل يمكنك فقط إظهاره. وهكذا أحدث اختراقاً في عمله الفلسفي من خلال ما يسمى بـ«نظرية الصورة في اللغة». وهو أن العبارة أو الاقتراح هما صورة للعالم «فالتركيب المنطقي للجمل يعكس البنية المنطقية للواقع». هذه الفكرة في حد ذاتها لم تكن جديدة، لكن فتخنشتاين أضاف عليها بأن ما تشترك فيه اللغة والواقع لا يمكن التعبير عنه بالكلمات نفسها.
ونخلص أن الجاذبية الدائمة لهذه التحفة الفنية تتجاوز في الأساس أسلوبها أو محتواها الفلسفي. إن أطروحاته تعدّ نتاجاً للإلهام أكثر منه للجدل. ويبدو أن هذا الإلهام هو الشيء الرئيسي الذي استمدّه ملحنون وفنانون، من عمله؛ على سبيل المثال لا الحصر، الملحن والموسيقي الأميركي ستيف رايش والرسام والنحات الأميركي بارنيت نيومان وغيرهما. لقد جسّدوا الصمت، الذي فرضه فتخنشتاين، كل واحد على طريقته.* كاتبة مغربية



فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.