ميكولاييف تنتظر رتلاً روسياً بعد تدمير مبنى إدارتها

جزء من مبنى مشفى الأطفال بعد تعرضه للقصف في التاسع عشر من الشهر الحالي (الشرق الأوسط)
جزء من مبنى مشفى الأطفال بعد تعرضه للقصف في التاسع عشر من الشهر الحالي (الشرق الأوسط)
TT

ميكولاييف تنتظر رتلاً روسياً بعد تدمير مبنى إدارتها

جزء من مبنى مشفى الأطفال بعد تعرضه للقصف في التاسع عشر من الشهر الحالي (الشرق الأوسط)
جزء من مبنى مشفى الأطفال بعد تعرضه للقصف في التاسع عشر من الشهر الحالي (الشرق الأوسط)

«أهلا بك في ميكولاييف» يقول ضابط الجيش بعد أن تمعن في كل الأختام على جواز السفر ودقق في بطاقة الاعتماد الصحافية الصادرة عن الجيش الأوكراني، وبحركة شبه مسرحية يشير لنا لنتابع الطريق نحو المدينة التي تعرضت منذ دقائق لقصف صاروخي أدى إلى انهيار ثلث مبنى الإدارة الإقليمية.
الطريق إلى ميكولاييف يقول الكثير عن مجريات الحرب، يكاد يخلو من الحواجز المركزية من جهة أوديسا، ما عدا حاجز مدخل المدينة الساحلية، الذي يدخل من خلاله الناس والبضائع. وفي هذا الجانب تغيب حواجز المتطوعين، وهناك فقط نقطة واحدة يشغلها هؤلاء من المدنيين الذين ينظمون حركة السير دون أن يوقفوا أي عابر.
طوال الطريق الممتد على مسافة 133 كيلومتراً تمرّ شاحنات للجيش الأوكراني، أغلبها يحمل ذخائر وإمدادات غذائية وأخرى تحمل آليات ثقيلة وعربات مدرعة، النقص الأكبر الذي تعاني منه القوات الأوكرانية المدافعة عن نيكولاييف والمهاجمة لقرى وقعت في قبضة الروس، والتي تحاول منع القوات المعادية لها من إحاطة المدينة بأي ثمن.
تتعطل إحدى شاحنات النقل الثقيلة، فينزل طاقم الجنود العربة المدرعة عن متنها ويقودونها مباشرةً على الإسفلت نحو المدينة. حركة الجنود تزداد كلما اقتربت من المدينة، خصوصاً مع ورود معلومات في الصباح الباكر عن تقدم رتل روسي من خيرسون باتجاه نيكولاييف ومحيطها. الخنادق التي كانت تختبئ فيها الدبابات على طول الطريق قد خلَت الآن، بعد أن أُعيد انتشار الدبابات في المحيط الأبعد لصد أي تقدم خارج المدينة ومحاولة عبور نهر باغ الجنوبي (بيفدنيي باغ). بعض السواتر الترابية والخنادق على جانبي الطريق أيضاً خلَت من الجنود، وبقي فقط الملتحقين حديثاً بالقوات المسلحة يديرون الحواجز ويفتشون الشاحنات الآتية من الاتجاهين.
الكثير من المواقع خارج المدينة أصبحت جاهزة للقتال، ولم تعد الكتل الإسمنتية وبعض أكياس الرمل وحدها ما يعوّل عليه الجنود لحمايتهم من رصاص القادمين. وعلى مسافات مختلفة امتدت حفر وخنادق مغطاة وجاهزة للوقاية من القصف المدفعي ولحماية المقاتلين من الرصاص المباشر، كما الكثير من التحصينات تحت أرضية على مسافات متفاوتة عن الطريق لمنع تقدم المشاة والآليات المعادية عبر الطريق أو الحقول على حد سواء.
هذه المنطقة ومن على مسافة 80 كيلومتراً من ميكولاييف (من تخوم بلدة كوبليف) تتعرض لقصف متفرق وشبه عشوائي، بعض الطرق والجسور هنا تضررت جزئياً من هذا القصف، وكلما اقتربت أكثر أصبحت المناطق أكثر عُرضة لنيران المدفعية الروسية.
في الجزء الغربي من ميكولاييف يحتشد السكان قبل الساعة التاسعة صباحاً لتأمين حاجياتهم اليومية، وينتظر بعضهم الحافلات لتقلّهم إلى مناطق مختلفة من المدينة، وتمر قافلتان من الحافلات ترفع أعلام الصليب الأحمر وتنقل نازحين من مناطق مختلفة إلى خارج المدينة المهددة. وعلى الرغم من مرافقة سيارات
الشرطة للقافلة فإنه يتم التدقيق في هويات النازحين عند النقاط العسكرية المركزية، كما تُفتش حمولة الحافلات قبل أن يُسمح لها بمتابعة سيرها. وما إن تعبر جسر «ضباب فارفاريفسكي» حتى تقفر الشوارع من الساكنين، لا أحد يتجول في هذا الجزء من المدينة، خصوصاً بعد الضربة الصاروخية التي تعرضت لها.
نصف ساعة تماماً بعد انفجار الصاروخ بمبنى الإدارة الإقليمية في ميكولاييف، أحاطت قوات الشرطة والجيش بكل المداخل المؤدية إلى المبنى، تعزل الشارع وتمنع السكان والصحافيين من الاقتراب. «يمكنكم أن تسألوا المدنيين عن مشاهداتهم» يقول أحد ضباط الجيش الذي وصل إلى المكان، ولكنه يمنع تماماً التقاط الصور للجنود أو لما بعد طوق الشرطة.
لحظتها كانت آخر سيارات الإسعاف تُخرج مصاباً من المكان، وتصل لتحل مكانها سيارات أخرى، ورجال الإطفاء راحوا يزيلون الركام بحثاً عن مفقودين، وأعلن في البداية عن مقتل ثلاثة أشخاص وفقدان ثمانية تحت الركام، ومع تقدم ساعات النهار ارتفع عدد القتلى المسجل إلى سبعة.
عمال الإغاثة والشرطة وعمال البلدية بزيها الأخضر بدأوا في العاشرة صباحاً يزيلون الركام ويخرجون من المكان لتنشق الهواء وكانوا مغطين بالغبار، فيما الصحافيون يحاولون الحصول على معلومات من السكان عن تفاصيل ما حصل.
غير بعيد يقف دونالد (69 عاماً) الكندي الذي يحمل إقامة أوكرانية دائمة بعد أن تزوج من امرأة أوكرانية منذ عدة أعوام. دونالد كان في منزله على مسافة عشرات الأمتار من المكان حين وقع الانفجار الصاروخي بالمبنى، ولا يذكر أنه سمع دوي انفجار، فقط رأى غباراً وتناثر زجاج المنزل وشعر بضغط شديد.
الجميع كان يحتشد في شارع نيكولسك، على مسافة 150 متراً من المبنى المدمَّر حين بدأت تعليمات الشرطة تصل تباعاً بوقف أعمال الصحافيين في المكان، بالكاد صافحنا الرجل الخمسيني وسألناه عن مكان وجوده حتى شدته زوجته قائلة: «الشرطة قالت ممنوع الكلام»، صمت الرجل وأدار ظهره ومضى بعيداً برفقة زوجته. بدأت عناصر الشرطة تقترب من مكان وجود الصحافيين تطلب وقف التصوير والابتعاد عن المكان. لحظات ودوّت صفارات الإنذار في المدينة معلنةً عن إمكانية تعرضها لضربة جديدة.
الحياة مختلفة في ميكولاييف، على عكس المدينة القريبة أوديسا، وبينما تبحث ميكولاييف بين الركام عن ناجين من الضربة الصاروخية، كانت أوديسا تعيش ازدحامها الصباحي في الشوارع والمتاجر على حد سواء.
مع انطلاق صفارات الإنذار في ميكولاييف بدأ الناس يختفون من الشوارع، فرق الصحافيين دخلت إلى مقهى صغير تحت الأرض، والمارة سارعوا إلى أقرب ملجأ. فما زالت المدينة تذكر الضربة القاسية التي تلقتها منذ عشرة أيام حين تعرض مستشفى الأطفال (رقم واحد) في المدينة إلى صاروخ روسي أُطلق من مكان قريب وقتل عشرات من المواطنين، حسبما أُعلن حينها.
الصواريخ التي تسقط على هذه المدينة عادةً ما تأتي من مواقع إطلاق قريبة، مثل محيط خيرسون، وهو الأمر الذي يجعل من المستحيل إطلاق صفارات الإنذار لإعطاء وقت كافٍ يسمح للسكان بالانتقال إلى الملاجئ، وهو ما قاله حاكم المدينة أولكسندر سلكفيتش، يوم التاسع عشر من شهر مارس (آذار) الحالي بعد ضرب مستشفى الأطفال.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

أوروبا رجل إطفاء في أحد المواقع التي استُهدفت بقنابل روسية موجهة في سلوفيانسك (د.ب.أ)

أوكرانيا: مقتل أربعة أشخاص في ضربة روسية... وزيلينسكي يبحث تحسين الدفاعات الجوية

قتل أربعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة جوية روسية استهدفت مدينة بوغودوخيف في شرق أوكرانيا، وفق ما أفاد مسؤول أوكراني الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير 2026 (رويترز)

موسكو: الطريق لا يزال طويلاً أمام السلام الأوكراني

هوّن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أوروبا وأوكرانيا، مشيراً إلى أن الطريق لا يزال طويلاً أمام تحقيق.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا جنود روس في شبه جزيرة القرم (رويترز - أرشيفية)

رئيس استخبارات إستونيا: لا يمكن لروسيا مهاجمة «الناتو» هذا العام... لكنها تخطط لتعزيز قواتها

قال رئيس استخبارات إستونيا إن روسيا لا تستطيع شن هجوم على حلف «الناتو» هذا العام، لكنها تخطط لزيادة قواتها بشكل كبير على طول الجناح الشرقي للحلف.

«الشرق الأوسط» (تالين)
أوروبا جنود أوكرانيون يطلقون صواريخ من نظام متعدد باتجاه القوات الروسية بالقرب من بلدة بوكروفسك الواقعة على خط المواجهة بأوكرانيا يوم 9 ديسمبر 2025 (رويترز) p-circle

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن... الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية

بين «ضمانات» موسكو و«مهلة» واشنطن: الميدان يكتب سطور التفاوض قبل الدبلوماسية، والكرملين لم يحدد موعداً لمحادثات أوكرانيا ويرى أن «الطريق لا تزال طويلة».

إيلي يوسف (واشنطن) «الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي ببروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي: سنقترح قائمة بالتنازلات الروسية في إطار اتفاق سلام

قالت كايا كالاس، ​مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إنها ستقترح قائمة بالتنازلات التي ‌على أوروبا ‌مطالبة ⁠روسيا ​بتقديمها لإنهاء ‌الحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
TT

عشرات القتلى والجرحى بإطلاق نار لدى مدرسة في غرب كندا

رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)
رجال الشرطة في محيط حادث إطلاق نار في منطقة تومبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية (متداولة)

أفادت شبكة «سي بي سي نيوز» بمقتل عشرة أشخاص، بينهم المشتبه به في إطلاق النار، إثر حادث إطلاق نار في منطقة تامبلر ريدج بمقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية يوم الثلاثاء.

وعُثر على ستة جثث داخل مدرسة ثانوية، وجثتين أخريين في منزل تعتقد الشرطة أنه مرتبط بالحادث، وتوفي شخص آخر في طريقه إلى المستشفى، وفقًا لما ذكرته «سي بي سي نيوز»، مضيفةً أنه تم تأكيد وفاة المشتبه به في وقت سابق. وأفادت الشبكة نقلاً عن الشرطة، أن 25 شخصا آخرين يتلقون العلاج من إصابات في مركز طبي محلي.

يذكر أن حوادث إطلاق النار في المدارس نادرة في كندا.

وتقع بلدة تامبلر ريدج، التي يبلغ عدد سكانها حوالي 2400 نسمة، على بعد أكثر من 1000 كيلومتر شمال فانكوفر، بالقرب من الحدود مع ألبرتا. وقالت الشرطة الملكية الكندية في بيان: «كجزء من الاستجابة الأولية لإطلاق النار، دخلت الشرطة المدرسة لتحديد مصدر التهديد. وأثناء البحث، عثر الضباط على عدة ضحايا. كما عثر على شخص يعتقد أنه مطلق النار ميتا بجروح يبدو أنها ناجمة عن إصابة ذاتية».


حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
TT

حكومة كيبيك تضع مصير آلاف المهاجرين على المحك

علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)
علم إقليم كيبيك الكندي يرفرف بمدينة كيبيك (رويترز - أرشيفية)

تخاطر الحكومة في مقاطعة كيبيك الكندية التي يقودها «حزب التحالف من أجل مستقبل كيبيك» بوضع آلاف المهاجرين الوافدين أمام مصير مجهول عبر إصلاح نظام الهجرة؛ ما يقلل فرصهم في البقاء والحصول على الإقامة الدائمة، وفق تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

ويجد كثير من الطلبة الأجانب والعمال الوافدين مع عائلاتهم من شمال أفريقيا ومن أنحاء العالم، أنفسهم اليوم عالقين في المفترق بعد أن خسروا ما يملكون في دولهم بحثاً عن فرص أفضل للعمل والحياة في المقاطعة الناطقة بالفرنسية.

وعلّقت حكومة المقاطعة رسمياً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 «برنامج الخبرة الكيبيكية» الذي يتيح للطلبة المتخرجين الجدد والعمال الوقتيين الذين يتقنون اللغة الفرنسية، مساراً واضحاً للتقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد استيفاء معايير محددة.

وبدلاً من ذلك طرحت الحكومة البرنامج الجديد، «برنامج اختيار العمال الكيبيكيين المهرة» الذي يعتمد على نظام النقاط من بين معايير أخرى، كسبيل وحيد للتقدم بطلب الإقامة الدائمة.

ويعني هذا التحول في سياسات الهجرة أن مصير الآلاف من المهاجرين الذين وصلوا إلى كيبيك قبل سنوات قد بات على المحك مع حالة عدم اليقين بشأن إمكانية البقاء.

ولا يطرح البرنامج الجديد ضمانات فعلية للإقامة الدائمة لاحقاً، على الرغم من حاجة قطاعات حيوية في كيبيك إلى اليد العاملة، والزيادة المطردة في نسب التهرم السكاني.

ووفق موقع «كندا نيوز»، أُجبرت عائلة مكسيكية على مغادرة كيبيك بعد رفض منح الأم تصريح عمل لها بعد التخرج، إثر فشلها في اجتياز اختبار اللغة الفرنسية بفارق نقطة عن الحد الأدنى المطلوب.

مسافرون في أحد مطارات كندا (رويترز - أرشيفية)

وعززت تصريحات وزير الهجرة الكيبيكي جان فرانسوا روبرج مشاعر القلق مع وضعه سقفاً لعدد المهاجرين الذين سيتم قبولهم سنوياً، وفق الشروط الجديدة عند 45 ألف على أقصى تقدير.

وأوضح مكتب الوزير لراديو كندا أنه يتفهم «مخاوف البعض بشأن انتهاء برنامج الخبرة الكيبيكية، لكننا لا ندرس إضافة بند إضافي، وسنواصل معالجة الطلبات الواردة قبل تعليق البرنامج».

ويقابل هذا التصريح بشكوك واسعة، حيث نقلت تقارير إعلامية في كيبيك عن مصادر حكومية، أنه لن تتم معالجة جميع الطلبات.

وينظر معارضو الخطة على أنها تخلٍّ غير إنساني عن المهاجرين بعد سنوات من الانتظار والاستنزاف المالي لمدخراتهم.

ويشارك الآلاف من المتظاهرين من بينهم ممثلون عن المجتمع المدني، في مظاهرات يومية في مونتريال وكيبيك سيتي وشيربروك، للمطالبة بالإبقاء على «برنامج الخبرة الكيبييكية» وتطبيق المعايير الجديدة على من قدموا حديثاً إلى المقاطعة.

وقال المحامي والنائب في برلمان المقاطعة عن حزب «كيبيك سوليدار» جيوم كليش ريفار: «أمر سيئ أن يتم تغيير قواعد اللعبة في الوقت الذي بات فيه المهاجرون مؤهلون. هم هنا في كيبيك ومندمجون».

وتابع ريفار الذي أطلق عريضة لإسقاط برنامج الهجرة الجديد في مقطع فيديو نشره على حسابه: «تفتقد هذه الخطوة رؤية واضحة والاحترام، وتُخِلُّ بالتزامات كيبيك».

وفي حين تستقطب المظاهرات زخماً متزايداً في الشوارع، تتمسك الحكومة الإقليمية بالقطع نهائياً مع سياسات الهجرة السابقة.

وترى حكومة التحالف أن «برنامج الخبرة الكيبيكية» يهدد قدرة المقاطعة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين وانتشار اللغة الفرنسية، كما يضاعف الضغوط على الخدمات العامة بما في ذلك سوق السكن.

وفي المقابل، تشير منظمات المجتمع المدني إلى أن الأسباب المباشرة للأزمة الحالية تعود إلى تقاعس الحكومة في زيادة الاستثمار في مجالات الإسكان والتعليم والصحة.

ويقول فلوريان بيجيار الذي يعمل مستشاراً للمهاجرين الفرنكوفونيين في مونتريال في وقفة احتجاجية أمام مكتب الهجرة في الكيبيك «يمكن تفهم سياسات الهجرة التي تريد وضعها الحكومة في المقاطعة، لكن من غير المقبول عدم إخطار المهاجرين مسبقاً بهذه الخطوة، ووضع الآلاف من المهاجرين أمام الأمر المقضي».

وهدد فلوريان بتحريك دعوى قضائية ضد الحكومة في حال فشلت المحادثات مع وزير الهجرة في الكيبيك.

وتابع المستشار: «من المهم التعامل مع المهاجرين باحترام وحماية صورة كندا في العالم».


فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
TT

فرنسا: خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برفقة زوجته بريجيت يحمل رضيعة خلال زيارته لمستشفى روبرت ديبري للأطفال في باريس (رويترز)

تعتزم الحكومة الفرنسية تشجيع جميع المواطنين البالغين من العمر 29 عاماً على الإنجاب «طالما لا يزال في استطاعتهم ذلك»، في خطوة تهدف إلى تفادي مشكلات الخصوبة في مراحل لاحقة من العمر، وما قد يرافقها من ندم لدى الأزواج بقولهم: «ليتنا كنا نعلم ذلك من قبل»، بحسب «سكاي نيوز».

ويقول مسؤولون صحيون إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع الوعي بمخاطر تأجيل الإنجاب، في ظل تراجع معدلات الخصوبة في فرنسا، على غرار عدد من الدول الغربية الأخرى.

خطة حكومية من 16 بنداً لمواجهة تراجع المواليد

وتندرج هذه المبادرة ضمن خطة وطنية من 16 بنداً تهدف إلى تعزيز معدل الخصوبة في فرنسا، في وقت تتراجع فيه أعداد المواليد بشكل مقلق في دول عدة، من بينها المملكة المتحدة.

وأثار هذا الاتجاه مخاوف حكومية بشأن القدرة على تمويل أنظمة التقاعد، والرعاية الصحية مستقبلاً، في ظل شيخوخة السكان، وتراجع أعداد دافعي الضرائب من الفئات العمرية الشابة.

غير أن تجارب دولية سابقة أظهرت أن السياسات الرامية إلى رفع معدلات الخصوبة حققت نتائج محدودة، فيما يرى منتقدو الخطة الفرنسية أن تحسين سياسات الإسكان، ودعم الأمومة قد يكونان أكثر فاعلية.

وتتضمن الخطة إرسال «معلومات مستهدفة ومتوازنة ومستندة إلى أسس علمية» إلى الشباب، تتناول قضايا الصحة الجنسية، ووسائل منع الحمل، وفق ما أفادت به وزارة الصحة الفرنسية.

وأكدت الوزارة أن هذه المواد «ستشدد أيضاً على أن الخصوبة مسؤولية مشتركة بين النساء والرجال».

توسيع مراكز تجميد البويضات وتعزيز البحث العلمي

وفي إطار الخطة، تسعى الحكومة إلى زيادة عدد مراكز تجميد البويضات من 40 إلى 70 مركزاً، مع طموح لجعل فرنسا رائدة في مجال أبحاث الخصوبة.

ويتيح النظام الصحي الفرنسي حالياً خدمة تجميد البويضات مجاناً للنساء بين 29 و37 عاماً، وهي خدمة تبلغ تكلفتها نحو 5 آلاف جنيه إسترليني للجولة الواحدة في المملكة المتحدة.

أرقام مقلقة... ولكن أفضل من دول أخرى

ويبلغ معدل الخصوبة في فرنسا حالياً 1.56 طفل لكل امرأة، وهو أقل بكثير من المعدل البالغ 2.1 اللازم للحفاظ على استقرار عدد السكان.

ومع ذلك، يبقى هذا المعدل أعلى من المعدلات المتدنية جداً في الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وكذلك في المملكة المتحدة، حيث أظهرت أحدث البيانات أن المعدل انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.41 في إنجلترا وويلز بحلول عام 2024.

صدمة ديموغرافية ونقاش سياسي أوسع

وقال البروفسور فرنسوا جيمين، المتخصص في قضايا الاستدامة والهجرة في كلية إدارة الأعمال بباريس، إن «الديموغرافيين كانوا على دراية بهذا الاتجاه منذ فترة، لكن تسجيل عدد وفيات يفوق عدد الولادات في فرنسا العام الماضي شكّل صدمة حقيقية».

وأضاف أن «القلق الديموغرافي» في فرنسا يتفاقم بفعل طبيعة نظام التقاعد، إلى جانب «الهوس بقضية الهجرة والخوف من الاستبدال السكاني».

حملات توعية

وتشمل الخطة أيضاً إطلاق حملة تواصل وطنية جديدة، وإنشاء موقع إلكتروني بعنوان «خصوبتي» يقدم إرشادات حول تأثير التدخين، والوزن، ونمط الحياة، إضافة إلى إدراج دروس مدرسية حول الصحة الإنجابية.

واعترفت وزارة الصحة بأن معدلات وفيات الأمهات والرضع في فرنسا أعلى من تلك المسجلة في دول مجاورة، مشيرة إلى بدء مراجعة شاملة لخدمات رعاية ما يتعلق بالولادة لمعالجة هذا الوضع «المقلق».

قرار تحكمه عوامل اجتماعية واقتصادية

من جانبه، قال تشانا جايسينا، أستاذ الغدد الصماء التناسلية في كلية إمبريال بلندن، إن تأخر سن الأمومة نتيجة التغيرات الاجتماعية يعد عاملاً أساسياً في تراجع الخصوبة لدى النساء.

وأشار إلى أن السمنة تمثل عاملاً خطيراً، إذ تزيد من مخاطر الإصابة بتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة لدى النساء، كما تشكل عامل خطر رئيساً للرجال أيضاً.

بدوره، قال ألان بايسي، أستاذ علم الذكورة في جامعة مانشستر، إن قرار الإنجاب لدى معظم الناس «يرتبط بعوامل غير طبية، مثل التعليم، والفرص المهنية، والضرائب، والسكن، والتمويل»، مضيفاً أن «الطب لا يمكنه معالجة هذه الجوانب».