قرى مهجورة وجثث وحطام على أطراف كييف

مزارعون فقدوا منازلهم وآخرون رفضوا المغادرة

سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)
سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)
TT

قرى مهجورة وجثث وحطام على أطراف كييف

سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)
سيارات تمر بجانب دبابة روسية محترقة في إربين 9 مارس الحالي (أ.ب)

عندما استهدفت القوات الأوكرانية دبابة روسية بصاروخ «جافلين» أميركي الصنع على أحد الطرق السريعة في الأطراف الشمالية للعاصمة كييف، كان الانفجار ضخماً لدرجة أنه أدى لسقوط برج الدبابة وتحطيم بقية المركبة ووفاة الرجال الذين كانوا موجودين بداخلها.
وظلت أشلاء الجنود الروس المحترقة تتحلل على الأسفلت بعد مرور ثلاثة أسابيع، إلى جانب الحطام المعدني المتناثر للدبابة والذخيرة، وكان حذاء من النوع المفضل للروس على مدى قرون في القرى المتجمدة، ملطخا بالسواد بين المخلفات.
وقال القائد الأوكراني، نائب قائد «اللواء 72»، الذي كان يسيطر على المنطقة، والذي طلب عدم الكشف عن هويته إلا بالاسم الحركي «سوليم»، وهو ينظر للحطام: «هجوم جيد»، مشيراً إلى القطع السوداء المتناثرة على الطريق والخاصة بالجنود الروس الذين قتلوا في الهجوم المضاد، ثم أضاف «سوليم» ذو الـ40 عاماً: «كل شيء كان سريعا للغاية، لقد جاءوا إلى هنا أربع مرات، فليأتوا مرة أخرى، فأنا أنتظرهم».
وعلى مدى أسابيع، حاول الجيش الروسي دخول هذه المنطقة، مراراً وتكراراً، في محاولة لاختراق القرى والضواحي الواقعة حول كييف، فيما أصبح معركة في المناطق التي يمكن استخدامها لدخول العاصمة أو تطويقها وقصفها.
رافق إعلاميون أوكرانيون عدة مجموعات من الصحافيين، الجمعة الماضية، في زيارة نادرة عبر القرى القريبة من الخطوط الروسية الواقعة على أطراف كييف لإظهار بعض الأضرار الناجمة عن المرحلة المبكرة من القتال، وكذلك نجاح المقاومة والهجمات المضادة التي قام بها الجيش الأوكراني.
ولم تكن القرى التي تمت زيارتها من بين القرى التي تم تحريرها مؤخراً بفضل الهجوم الأوكراني المضاد المستمر، لكنها تعرضت للهجوم عندما حاولت القوات الروسية الاستيلاء عليها قبل أسبوعين، ويتم الآن شن معارك مماثلة فيها بشكل يومي.
كانت هذه المنطقة الواقعة تحت مراقبة «سوليم»، على أطراف قرية موجودة على الطريق السريع المؤدي إلى كييف، هي المكان الذي وضع حداً للتقدم الروسي. ووفقاً للقائد الأوكراني، تعرضت دبابتان روسيتان إحداهما من طراز «تي - 90» والتي تم قصفها من قبل صاروخ «جافلين» الأميركي، والأخرى من طراز «تي - 72»، لكمين على الطريق في 2 مارس (آذار)، أي خلال الأسبوع الأول من الحرب. كما تضمن الحطام الناتج عن عدة مناوشات ست عربات مدرعة محترقة بجانب مجموعة من المنازل المحترقة أيضاً.
وكانت معظم القرى الواقعة على خط المواجهة مهجورة، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الرجال والنساء الذين يحرسون المنازل ويرعون ماشيتهم، إذ أصيب الخط الأول من المنازل المواجهة للطريق حيث تسببت معركة الدبابات في أضرار بالغة من جراء قذائف المدفعية.
ويقول مزارع أوكراني يدعى فاليري (62 عاماً) والذي كان يرعى أبقاراً وأغناماً على الطريق، إنه فقد نصف ماشيته في القتال. وأضاف: «لقد تم تدمير كل شيء، وأتذكر أن الأمر كان في الصباح، حيث كنت قد أطعمت الحيوانات عندما جاءت الدبابة. وكانت على بعد حوالي 100 ياردة مني، ولكني ذهبت للاختباء في مكان بعيد».
وتابع المزارع، الذي لم يذكر سوى اسمه الأول حتى لا يتم الكشف عن هويته، أنه التقى لاحقاً ببعض الكشافة الروس في الغابة، ولكنهم تركوه يرحل.
وعن الروس، يقول فاليري: «لقد أتوا إلى منزلنا وحاولوا فرض أوامرهم، ولكن كيف يمكنهم فعل ذلك؟ هذا أمر لا ينبغي القيام به أبداً، فكيف أذهب إلى منزلك وأملي عليك ما تفعله؟ فالوضع الصحيح هو أنهم هم من أتوا إلينا ولذا فإنه يجب أن يتصرفوا وفقاً لقواعدنا».
وقال القائد الأوكراني إنهم عثروا على 10 جثث لجنود روس من المعركة، مشيراً إلى أنه لم يكن هناك أي سجناء، ولذا قامت القوات الأوكرانية بنقل خمس جثث فيما دفن القرويون المحليون الجثث المتبقية. وقد انفجرت عرباتهم المدرعة بقوة كبيرة تسببت في تناثر الأبواب المصنوعة من الصلب الثقيل في اتجاهات مختلفة، وفي الوادي حيث تحطمت وحرقت ناقلتا جنود مصفحتان.
وأعرب العديد من الجنود الأوكرانيين الموجودين في المنطقة عن شكرهم للولايات المتحدة لتقديمها صواريخ «جافلين» المحمولة المضادة للدبابات ولبريطانيا لإرسالها أسلحة من الجيل التالي من الأسلحة الخفيفة المضادة للدبابات. ولكن رغم نجاح هذه الأسلحة في نصب كمين للمدرعات والدبابات الروسية، فقد كانت القوات الأوكرانية حذرة من القوة النارية للجيش الروسي وأبقت الزيارة إلى مواقعها العسكرية قصيرة.
وكرر «سوليم» دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) لفرض منطقة حظر جوي فوق البلاد لإنقاذ مدنها من الضربات الجوية، قائلاً: «نريد إغلاق الأجواء، فالروس يقصفون المدنيين والنساء والأطفال»، ووجه سؤالاً إلى السكان الروس قائلاً: «هل تريدون منا أن نقوم بقصفكم؟».
ويضيف القائد الأوكراني، الذي خدم في العراق في عدة جولات كجزء من قوات حفظ السلام الأوكرانية، إنه من منطقة في أوكرانيا قريبة من الحدود الروسية، مشيراً إلى أنه تعامل كثيراً مع الضباط الروس بعد بدء القتال في شرق أوكرانيا في عام 2014. وتابع: «لقد أخبرتهم أنه إذا كانت روسيا قد عرضت حياة أفضل، لكان قد دعم الاتحاد بين البلدين بسهولة، ولكنها لم تقدم شيئاً جيداً، وهو ما اتفق معي فيه الضباط الروس، فهم لا يعيشون بشكل جيد هناك، إذ أنهم يعيشون جيداً فقط في موسكو وسان بطرسبرغ، ولكنهم بالكاد يعيشون في أي مكان آخر».
وفي قرية ثانية، تسبب صاروخان روسيان قويان في حفر حفرة عميقة تمتد على مسافة طويلة للغاية بجانب الطريق، وفي تدمير المنازل والمباني الزراعية الممتدة على مساحة واسعة. وقال ضباط في الجيش الأوكراني إن صاروخين باليستيين من طراز «إسكندر» أصابا القرية في الأسبوع الأول من الحرب، وصحيح أنه ربما كانت الصواريخ تستهدف مواقع عسكرية أوكرانية في القرية، لكنها أضرت في الأساس بمنازل الناس ومزارعهم.
وكان يوري يونيفيتش (51 عاماً) وعائلته نائمين في المنزل عندما سقطت الصواريخ في الثالثة صباحاً، على مقربة من منزلهم. ويقول: «كل شيء تحرك من مكانه مثل الموجة، فقد تكسرت جدران المنزل وتطاير سقفه، وباتت الأبقار مستلقية وسط الطوب المكسور بعد تحطيم الأكشاك التي تعيش فيها».
وبعد هذه الواقعة، أرسل يونيفيتش زوجته وأولاده بعيداً، لكنه قال إنه لا يستطيع المغادرة، لأنه كان لا بد من حلب أبقاره وإطعامها بشكل يومي، كما أن كلبته كانت على وشك الولادة، مشيراً إلى أنه يعطي اللبن واللبن الرائب للجنود الأوكرانيين لأن الوقت الحالي ليس مناسباً لبيع منتجاته.
وبينما كان يتحدث يونيفيتش، انطلقت رصاصة قنص من موقع أوكراني قريب. وقال الجنود إن المواقع الروسية تقع على بعد ميل واحد، ورفض يونيفيتش أي اقتراح للعيش بسلام في ظل وجود الروس، قائلاً: «لن نسمح للجيش الروسي بالدخول، فهذه أرضنا».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في الاجتماع العاشر لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا في بروكسل يوم 5 أكتوبر 
2026 (إ.ب.أ)

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الاثنين)، إن روسيا تشكل خطراً على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد توربينات غازية تابعة لشركة «سيمنس» الألمانية (الموقع الإلكتروني لشركة سيمنس إنرجي)

«نافتوغاز» الأوكرانية تدرس شراء ضواغط توربينية غازية من «سيمنس» الألمانية

ذكرت وزارة الطاقة الأوكرانية، يوم الاثنين، أن شركة النفط والغاز الحكومية الأوكرانية «نافتوغاز» تدرس شراء خمس وحدات ضغط تعمل بالتوربينات الغازية من شركة «سيمنس».

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوقعان على علم لجنود الحرس الوطني الأوكراني في كييف الأحد (د.ب.أ)

صفقة عسكرية ألمانية بقيمة 1.5 مليار دولار لدعم أوكرانيا

وقّعت أوكرانيا وألمانيا صفقة أسلحة بقيمة 1.5 مليار دولار للمساعدة في التصدي للهجمات الروسية، فيما تزامنت زيارة للمستشار الألماني ميرتس مع ضربات جديدة في كييف.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف (الكرملين - د.ب.أ) p-circle

ميدفيديف يحذر من «حرب فضائية» حال تعطيل الأقمار الاصطناعية الروسية

حذر نائب رئيس مجلس الأمن دميتري ميدفيديف من «حرب فضائية شاملة» وسط دعوات أوكرانية لحجب خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الروسية الجديدة «راسفيت».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا يتفقد عناصر الشرطة الأضرار الناجمة عن هجوم بطائرة مسيّرة روسية استهدف «الجسر الشمالي» في كييف (أ.ف.ب)

روسيا ستكثّف ضرباتها على أوكرانيا رداً على تهديدات زيلينسكي

أعلنت روسيا أنها ستكثّف ضرباتها على البنى التحتية الأوكرانية، رداً على تصريحات للرئيس فولوديمير زيلينسكي توعّد فيها بزيادة هجمات كييف على مصافي النفط الروس.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
TT

رئيس وزراء ساموا يعتذر لقوله «يحيا هتلر» قبل 20 عاما!

رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)
رئيس وزراء ساموا لاأولي ليواتيا شميدت (أرشيفية)

قدم رئيس وزراء ساموا اعتذارا الاثنين، بعد انتشار مقطع فيديو له يظهره وهو يهتف «هايل هتلر» (يحيا هتلر) ويؤدي تحية نازية.

وقال لاأولي ليواتيا شميدت في بيان إن اللقطات تعود لتجمع عائلي جرى قبل نحو 20 عاما، ولم يكن مفترضا أبدا أن تظهر للعلن. وأوضح «تُظهر اللقطات ترديدي لعبارة هايل هتلر وقيامي بحركة مرتبطة بألمانيا النازية خلال تجمع عائلي خاص (...) لم يكن موجها للعامة».

وأضاف «مهما كان السياق أو القصد خلال هذا التجمع قبل عشرين عاما، فإنني أدرك أن تلك الكلمات والحركة كانتا غير لائقتين ومن شأنها أن تسببا الإساءة والألم، ولذا فإنني أعتذر عن استخدامها».

وكان شميدت قد أعرب سابقا عن دعمه القوي لإسرائيل، وتعهد بفتح سفارة في القدس قبل نهاية العام. وقال «أنا أرفض النازية ومعاداة السامية والعنصرية وجميع أشكال التطرف السياسي».

وكان شميدت قد ارتدى شال الصلاة اليهودي عند أدائه اليمين الدستورية رئيسا للوزراء عام 2025، حيث دخل القاعة على وقع صوت بوق الشوفار الاحتفالي. وقال حينها وفقا لوسائل إعلام محلية «أنا أقف إلى جانب إسرائيل، أرض الله». وتابع «ستقف ساموا وتدعم أرض الله المقدسة».

وتؤمن دول المحيط الهادئ الشديدة التدين مثل ساموا، بنبوءات العهد القديم التي تقول إن اليهود مقدر لهم أن يعودوا يوما ما إلى أرض إسرائيل.


النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.