وثائق دمشق في مفاوضات جنيف: التحريض ضد النظام خيانة عظمى... والمسّ بالجيش جريمة

«الشرق الأوسط» تنشر أوراق وفود الحكومة والمعارضة وتعديلاتها لاجتماعات «الدستورية السورية»

وثيقة قدمها وفد الحكومة السورية في جنيف  -  وثيقة قدمها وفد «هيئة التفاوض» المعارضة في جنيف
وثيقة قدمها وفد الحكومة السورية في جنيف - وثيقة قدمها وفد «هيئة التفاوض» المعارضة في جنيف
TT

وثائق دمشق في مفاوضات جنيف: التحريض ضد النظام خيانة عظمى... والمسّ بالجيش جريمة

وثيقة قدمها وفد الحكومة السورية في جنيف  -  وثيقة قدمها وفد «هيئة التفاوض» المعارضة في جنيف
وثيقة قدمها وفد الحكومة السورية في جنيف - وثيقة قدمها وفد «هيئة التفاوض» المعارضة في جنيف

«أنت لست صديقي ولا أخي، أنت مجرد زميل»... كان هذا تعليق أحد أعضاء الوفد القادم من دمشق على وفد «الطرف الآخر» في اجتماعات اللجنة الدستورية في جنيف، التي انتهت مساء أول من أمس.
هذا شفوياً، أما خطياً، فإن الأوراق المضادة التي قُدمت وحصلت «الشرق الأوسط» على نصها، كشفت عن عمق الهوة بين المشاركين. وذهبت وثيقة قدمها رئيس الوفد «المسمى من الحكومة» أحمد الكزبري، إلى القول إن «المساس بنظام الحكم السياسي، عبر استخدام القوة أو بالتهديد بها أو التحريض عليها أو التشجيع على العدوان على أراضي الدولة والتواصل مع جهات معادية والتعامل مع أي طرف خارجي، بأي طريقة تضرّ بالمصالح الوطنية، يُدان بتهمة الخيانة العظمى».
وزاد في ورقة أخرى: «يجرّم القانون كل من يدعو إلى تكريس الهويّات دون الوطنية التي تمسّ بوحدة المجتمع وأمنه، ويصون الدستور التنوّع الثقافي في إطار الوحدة الوطنية»، لافتاً إلى أن المسّ بالجيش «جريمة يعاقب عليها القانون».

بيدرسن
وكانت أعمال الجولة السابعة من «الدستورية» انتهت الجمعة، من دون أن يعلن المبعوث الأممي غير بيدرسن موعداً جديداً للجولة الثامنة، التي أبدى وفد دمشق استعداده لأن تكون في نهاية مايو (أيار). وواكب المبعوث الرئاسي الروسي ألكسندر لافرينييف، والمبعوث الأميركي إيثان غولدريش، ونظيره التركي سادات أونال ومسؤولون غربيون آخرون، أعمال اللجنة، التي نص القرار 2254 على أنها «ملكية وقيادة سورية».
وقال بيدرسن، الذي تجنّب عقد مؤتمر صحافي كما جرت العادة: «ناقش أعضاء اللجنة في الأيام الأربعة الأولى مبادئ دستورية أساسية، هي أساسيات الحكم، مقدمة من المعارضة، وهوية الدولة مقدمة من بعض مرشحي المجتمع المدني، ورموز الدولة مقدمة من الحكومة، وتنظيم السلطات العامة ومهامها، مقدمة من المعارضة».
وفي اليوم الخامس، وتماشياً مع «الاتفاق» قبل الدعوة للجولة السابعة، كان متوقعاً أن تقدم الوفود مراجعات تعكس محتوى المناقشات خلال الأيام الأربعة الماضية. وأوضح بيدرسن: «قدمت جميع الوفود على الأقل بعض التنقيحات على بعض النصوص المقدمة، وبعض هذه التعديلات المجسدة تشير إلى محاولة لعكس مضمون المناقشات وتضييق الخلافات بين الأطراف، فيما لم يتضمن البعض الآخر أي تغييرات».

على حد الاتفاق
العقدة في الجولات السابقة كانت تتعلق باليوم الخامس من الجولة، ذلك أن وفد دمشق كان رفض الوصول إلى صياغات مشتركة مع وفد «هيئة التفاوض» برئاسة هادي البحرة. وتطلب هذا جولات مكوكية لبيدرسن إلى موسكو ودمشق وعواصم أخرى، إلى أن جرى التفاهم على أن يجري تبادل الأوراق المضادة في اليوم الخامس. وفسّر البعض أن هذا يعني الوصول إلى نصوص مشتركة، فيما فسّرته دمشق بأنه يقضي فقط بتقديم تعليقات خطية، بموجب فهمها لرسالة الدعوة التي وجهها بيدرسن إلى المدعوين إلى الجولة السابعة.
وبالفعل، جرى تقديم 15 ورقة رداً على 4 وثائق قدمت خلال الأيام الأربعة من الجولة السابعة. وكشفت هذه الأوراق، التي حصلت «الشرق الأوسط» على نصوصها، عن عمق الفجوة بين الأطراف والنظرة الإشكالية تجاه «الآخر».
وبعد تعليق اجتماعات الجلسة الصباحية من اليوم الخامس، استؤنفت الاجتماعات في الجلسة الثانية برئاسة الكزبري، الذي «خصص ٣٠ دقيقة لمناقشة كل مبدأ من مبادئ الأيام الأربعة الماضية والأوراق التعديلية المقترحة».
وعبّر أعضاء من «الوفد المسمى من الحكومة»، صراحة، عن أن الوفد «ارتأى أن جوهر النقد الذي وجه لورقته هو إحالة رموز الدولة للقوانين، وهذا الأمر مرفوض بالنسبة له»، واعتبر أن «التعديلات المقدمة من الوفد المسمى من قبل المعارضة بقيت في إطار الشكلية ولم تغير في جوهر المفاهيم والمصطلحات». ورفض الكزبري أي تعديلات على أوراقه، لكنه قدم مقترحات لـ«تطوير باقي الأوراق».

رموز الدولة
وقال الكزبري في إحدى الوثائق: «تابع وفدنا جميع النقاشات التي دارت خلال اليوم الثالث من الاجتماع حول مبدأ رموز الدولة، وكذلك المقترحات المقدّمة من الأطراف الأخرى حوله، ويبدي وفدنا عدم قناعته بأي نقاشات أو مقترحات مقدّمة لتعديله، ويؤكد تمسكه بالمبدأ المذكور كما تم تقديمه من قبله وهو كالآتي:
تمثل رموز الجمهورية العربية السورية قيماً وطنية عليا وحضارية راسخة، وتعبّر عن تاريخها وتراثها ووحدتها، وهي كلٌّ غير قابل للتعديل:
1 - علم الجمهورية العربية السورية الذي يتألف من ثلاثة ألوان: الأحمر والأبيض والأسود، وفيه نجمتان كلّ منهما ذات 5 شعب لونها أخضر، ويكون العلم مستطيل الشكل، عرضه ثلثا طوله، يتكوّن من ثلاثة مستطيلات متساوية الأبعاد بطول العلم، أعلاها باللون الأحمر، وأوسطها باللون الأبيض، وأدناها باللون الأسود، وتتوسّط النجمتان المستطيل الأبيض.
2 – (حماة الديار عليكم سلام) هو النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية.
3 - اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية العربية السورية.
4 - الليرة السورية هي عملة الجمهورية العربية السورية ووحدة قياس نقدها.
5 - شعار الجمهورية العربية السورية هو ترس عربي نُقش عليه العلم الوطني للجمهورية العربية السورية بألوانه، ويحتضن التّرس عُقاب يمسك بمخالبه شريطاً كُتب عليه بالخط الكوفي (الجمهورية العربية السورية)، وفي أسفل الترس سنبلتا قمح، ويكون العُقاب والشريط وسنبلتا القمح باللون الذهبي، وتكون الكتابة وخطوط الأجنحة باللون الفاتح البنّي».
وكان وفد «الهيئة» قدم وثيقة تخص «رموز الدولة»، نصها: «تاريخ العلم السوري: يظهر للمتتبّع له أنه تعرض للتبديل والتعديل مرات عدة، بسبب أحداث أو تغييرات في الدولة، كانت بنظر المعنيين تستدعي تغيّر العلم أو تعديله أو العودة لاعتماد علم استعمل غيره بدلاً عنه لسبب يتعلق بسياق الأحداث التاريخية.
ولأن الدستور نص له روح، يستمدها من الواقع الذي وُلد وعاش فيه، لوجود علاقة تأثير متبادلة بين الدستور والواقع، علاقة جدلية تتمثّل في تأثُّر الواقع السياسي في النصوص المكتوبة، وكذا تطويع نصوص الدستور للتطور السياسي ومتطلبات الواقع.
ونحن في سوريا الآن لدينا علمان من سلسلة أعلامنا التاريخية معتمدان لدى ملايين السوريين، فريق يرى أن علم الاستقلال يمثله (22/2/1932) وفريق يرى أن علم الوحدة يمثله (1/1/1958) اعتمده (الرئيس المصري) جمال عبد الناصر.
وفي تقديرنا، أن الثورة التي انطلقت بمظاهرات سلمية منذ مارس (آذار) 2011، تطوّرت أحداثها لما نعلمه جميعاً، هذه الأحداث والظروف جديرة بأن تكون سبباً في طرح مسألة تغيير العلم من جديد لدى ما يزيد على نصف تعداد الشعب السوري.
وبالعودة والنظر لسياقات الدساتير السورية، نجد أن العلم والشعار والنشيد أُحيلت لقانون خاص يبينها:
- ففي المادة السادسة من دستور 1950
(يُبَيّنُ شعارُ الجمهورية ونشيدُها الوطني بقانون).
- وفي دستور 1973 المادة السادسة منه تقول:
(يبينُ القانونُ علمَ الدولة وشعارَها ونشيدها والأحكامَ الخاصة بكل منها).
ففي هذه الإحالة مندوحة عن التقرير في أمر يهم شعبنا الواحد، وهو في حالة تستدعي تأخير البت بشأن رموز الدولة لفترة متأخرة نسبياً.
وهذا ينسحب على الرموز كلها: العلم والنشيد والشعار وغيره.
نحن نمر بمرحلة تاريخية تستدعي التغيير، وكما هو مقرر تاريخاً وواقعاً فليس من دستور يبقى على حاله، بل يتغير بتغيّر ظروف العقد الاجتماعي الذي أنشأه أصلاً. ونحن بلا شك أمام صناعة عقد اجتماعي جديد».

«هوية الدولة»
وجاء في وثيقة وفد دمشق أنه «رغم أن وفدنا يرى أنه ليس هناك مبدأ مستقل يُسمى (هوية الدولة) بالمعنى الدستوري، بل هناك مبادئ أو مواد في الدستور تعكس هوية الدولة، ولكنه من باب التفاعل مع الطروحات والنقاشات التي جرت، فإننا نقدّم الرؤية المعدّلة الآتية:
1 - إن العروبة هي الأساس والأصل التاريخي والهوية الجامعة لكل أبناء المنطقة، كما أنها الإطار الموحّد لكل مواطني الجمهورية العربية السورية، ثقافياً واجتماعياً وحضارياً وإنسانياً. فهي ليست خياراً تحكمه مصلحة أو هدف، بل هي انتماء أوسع من أن يُحصر بعرق أو دين أو مذهب أو لغة أو مصلحة.
2 - إن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للجمهورية العربية السورية، وتكفل الدولة بمؤسساتها كافة، خاصة التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية، تعزيزها وترسيخها كأحد أسس هويتها الوطنية.
3 - إن الشعب السوري بنسيجه الاجتماعي المتنوّع هو جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، يعتز بانتمائه العربي ويفخر بأمته ورسالتها الحضارية الخالدة عبر التاريخ، في مواجهة جميع المشاريع الاستعمارية والانفصالية والإرهابية التي تهدف لتفتيت الدول.
4 - يجرّم القانون كل من يدعو إلى تكريس الهويّات دون الوطنية التي تمس بوحدة المجتمع وأمنه، ويصون الدستور التنوّع الثقافي في إطار الوحدة الوطنية».

«أساسيات في الحكم»
وقدم وفد «هيئة التفاوض»، يوم الاثنين، ورقته باسم «أساسيات نظام الحكم»، واقترح أن يكون «جمهورياً يقوم على سيادة القانون، واحترام الكرامة الإنسانية وإرادة الشعب، والالتزام الكامل ببناء مجتمع حر وعادل ومتضامن». وجاء فيها: «السيادة للشعب يمارسها عبر وسائل الاقتراع المقرّرة في الدستور، بما يسمح له بالتعبير الحر والديمقراطي عن إرادته في اختيار من يمارس السلطة نيابة عنه، على المستويين الوطني والمحلي، في إطار التعدّدية السياسية والتداول السلمي للسلطة.
تُعبّر الأحزاب السياسية عن التعددية السياسية وتُسهم في تكوين وإبداء الإرادة الشعبية، كما تُعد وسيلة أساسية للمساهمة السياسية. ويتم إنشاء الأحزاب وتمارس نشاطها بحرية في إطار القوانين الناظمة لعملها بما لا يتعارض مع أحكام الدستور».
وقدم الكزبري ورقة مضادة، جاء فيها: «بما أن العنوان المقدّم من الطرف الآخر المسمّى «أساسيات في الحكم»، لا يشكّل مبدأً دستورياً، وقد أوضح وفدنا ذلك خلال الاجتماعات، فإننا نتقدّم بالرؤية المعدّلة التالية لهذا البند من منطلق مفاهيمي وليس دستورياً:
«يصون الدستور نظام الحكم السياسي في الدولة، وأي مساس به بأي شكل غير شرعي، خاصة عبر استخدام القوة أو بالتهديد بها أو التحريض عليها أو التشجيع على العدوان على أراضي الدولة والتواصل مع جهات معادية والتعامل مع أي طرف خارجي بأي طريقة تضرّ بالمصالح الوطنية، يُدان بتهمة الخيانة العظمى.
الولاء للدولة ومؤسساتها وجيشها العربي السوري وقواتها المسلّحة هو واجب على كل مواطن، وأي استقواء عليها بالخارج أو النيل من هيبتها أو من دورها أو محاولة تغيير بنية مؤسسات الدولة بهدف إضعافها، هو جريمة يعاقب عليها القانون.
تعبّر الأحزاب السياسية عن التعددية السياسية وتُسهم في تكوين الإرادة الشعبية، وأي نشاط سياسي خارج الأحزاب المرخّصة هو نشاط محظور بموجب القانون، ويكون إنشاء وتمويل الأحزاب والتنظيمات محكوماً بالقوانين والأنظمة الوطنية، ولا يجوز إنشاء أي أحزاب أو تنظيمات أو تجمّعات على أساس ديني أو طائفي أو مناطقي أو عرقي أو ولاء خارجي».
ورداً على ورقة أخرى تخص «عمل المؤسسات»، قدم وفد دمشق ورقة فيها: «إن عنوان تنظيم وعمل السلطات العامة هو عنوان عام وليس مبدأً دستورياً، ولا يمكن الحديث عنه قبل تعريف واضح لمهام وواجبات السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، والهيئات والمؤسسات المنبثقة عنها».

تشنج وهدوء
وتراوحت المناقشات التي كانت تتم بـ«رقابة» روسية وأميركية وإقليمية وغربية، بين الهدوء والتشنج، وسط غياب لـ«أي دفء في المناقشات»، وحرص القادمون من دمشق على «الزمالة ورفض الصداقة أو الأخوة». وظهرت مطالبات بـ«التركيز على غنى النقاش وتطور الأفكار، حتى وإن لم يكن هناك استعداد بعد لترجمة التقدم في الحوار في صيغة المقترحات النهائية».
وأكد بيدرسن على هذه النقطة الأخيرة، حيث اعتبر أنه صار «أكثر تفاؤلاً في نهاية الجلسة الأخيرة من بدايتها»، حيث لحظ رغبة أكبر في النقاش والحوار وسماع الآراء. لكنه أشار أيضاً إلى أن «المسافة تبقى كبيرة بين المواقف، وأن روح الحوار المطلوبة من أجل الوصول إلى توافق بحسب ورقة المعايير والقواعد الإجرائية الناظمة لعمل اللجنة الدستورية ما زالت غائبة رغم التقدم في النقاشات». وقال إنه سيسعى قريباً، بعد المشاورة مع الرئيسين المشتركين، لتحديد موعد الجولة المقبلة في مايو، وإنه سيتواصل مع الحكومة و«هيئة التفاوض» لإعادة التقييم بعد 7 جولات لتطوير مقترحات أكثر عملية لتحسين مسار العملية.
وحسب بيدرسن، بعد عامين ونصف العام من إطلاق اللجنة، هناك «حاجة واضحة لتجسيد الالتزام في عملها»، وأن تبدأ اللجنة في التحرك «بشكل جوهري إلى الأمام، بشأن ولايتها لإعداد وصياغة إصلاح دستوري للموافقة الشعبية».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.