البرهان: كسرت طوق «اللاءات الثلاث» لمصلحة بلدي... ولا زيارات سرية إلى تل أبيب

أكد لـ أن زعزعة أمن المملكة نسف لاستقرار المنطقة... و{نستعد لاستقبال استثمار سعودي كبير}

الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)
الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)
TT

البرهان: كسرت طوق «اللاءات الثلاث» لمصلحة بلدي... ولا زيارات سرية إلى تل أبيب

الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)
الفريق البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني (تصوير: بشير صالح)

كشف الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عن مبادرة سعودية استثمارية ضخمة سيعمل السودان على تهيئة البيئة المناسبة لاستيعابها قريباً، مشدداً على أن هجمات الحوثيين المتكررة على المملكة، تتجاوز زعزعة أمن واستقرار المملكة إلى كل المنطقة، مؤكداً وقوف الخرطوم إلى جانب الرياض، واستمرار تعاونهما الاستخباراتي والأمني والسياسي لدرء أي عمل إرهابي وتأمين ملاحة البحر الأحمر.
وأقرّ البرهان في حوار مع «الشرق الأوسط» في الرياض بالاختلالات والتشوهات السياسية والاقتصادية والأمنية التي استطالت مع تمدد الحكومة الانتقالية، لكنه عزاها إلى التشاكس والتشظي السياسي، مؤكداً: «إننا منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، مددنا أيدينا للإخوة في القوى السياسية والقوى الوطنية بمختلف أطيافها من أجل الجلوس معاً، بهدف وضع خريطة طريق لإكمال المرحلة الانتقالية»، معرباً عن التزامه التام بعملية التحول الديمقراطي وإكمال عملية الانتقال إلى المرحلة الانتخابية بالتعاون مع كل الشركاء «الوطنيين الحادبين على مصلحة السودان».
وحول الإجراءات التي اتخذتها حكومته بشأن الضالعين في قتل الشباب بالشارع، قال البرهان: «هناك إجراءات تجري على قدم وساق، إذ إن هناك عدداً من المتحفظ عليهم سواء من الأجهزة الرسمية ومن غيرها من المشتبه بأنهم نفذوا عمليات قتل لبعض الضحايا من الجهات الأخرى، ومن المؤكد أن هناك طرفاً ثالثاً في عمليات قتل بعض المتظاهرين في الشارع السوداني، سواء كان ذلك بقصد أو من خلال عمليات الدفع المختلفة عند الاشتباك بين المتظاهرين وأطراف أخرى»، مؤكداً أن السلطات التنفيذية والسيادية لن تتدخل في العمل القضائي، لافتاً إلى أن الإجراءات القضائية والعدلية تسير بالصورة العادية.
وعن جمود العلاقة بين الحكومة الانتقالية الحالية والمكون المدني، قال: «ليس هناك أمام القوى السياسية خيارات كثيرة للحلول، إما نتوافق أو ننتظر حتى انطلاق الانتخابات، ومتى ما جلست هذه القوى معاً ووصلت إلى تفاهم وتوافق بينها، حينها سنعلن استعدادنا للجلوس والتفاهم معها أو نقدم لها كل ما يعينها من قبل المكون العسكري»، مبيناً أن مقترح بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، أكثر مقبولية لكثير من شرائح المجتمع السوداني، ما يعني أنه يمكن الاجتماع حولها، والدفع بها نحو رؤية شاملة للأزمة.
ومع أنه قطع بعدم نيته في الترشح في الانتخابات المزمعة، التي زعم أن 80 في المائة من استحقاقات مؤسساتها اكتملت، فإن البرهان أقرّ بأن عمل حكومته من دون رأس تسبب في مشكلات كثيرة، مستبعداً عودة حمدوك لموقعه الذي غادره منذ شهور، معرباً عن اعتقاده بأن بلاده تتعرض لتشويش وتضليل إعلامي ممنهج ومتعمد من قبل بعض الجهات، مدافعاً عن اتفاقية جوبا للسلام، التي لا يرى أي رابط بينها وبين ما يحدث في شرق السودان، مشيراً إلى أن موقف بلاده من الأزمة الروسية - الأوكرانية يقف عند الحوار والتفاوض.
ومع إقراره بأنه تجرأ على كسر قيد لاءات الخرطوم الثلاث أمام تل أبيب، فإنه عزا ذلك إلى تقديم مصلحة السودان وشعبه في ظل متغيرات الأحداث ما بين زمن اللاءات الثلاث التي صعدت في سماء الأمة العربية العنوان الأبرز لقمة الخرطوم الشهيرة في 29 أغسطس (آب) 1967 على خلفية هزيمة عام 1967، رافضاً توصيف الزيارات المتبادلة بين الخرطوم وتل أبيب بالسرية، إذ لا تخرج عن كونها زيارات تهدف لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمعلوماتية ولا تحتاج إلى إعلان ولا إخفاء، متفائلاً بحلّ لأزمة سد النهضة، مشدداً على أنه ليس هناك ما يعكر صفو العلاقة بين الخرطوم وجوبا على خلفية ملف أبيي.
والآتي نص الحوار:
> في زيارتكم للعاصمة الرياض... كيف لمستم أجواء العلاقات السعودية - السودانية؟
- أحيي القيادة السعودية على وقفتها إلى جانب السودان في كل الظروف الصعبة التي مر بها. فالمملكة دولة محورية في المنطقة بشكل عام وعلى المستوى السوداني، وهي دولة شقيقة وصديقة وبيننا علاقة تاريخية طيبة. ولنا أن نفخر بأن الجالية السودانية في أرض الحرمين تتجاوز المليون، حملوا معهم كل الصفات الطيبة، والملك سلمان أثنى عليها بأنها جالية متميزة وتمتعت طيلة وجودها على أرض المملكة بالصدق والأمانة والإخلاص، وهذه شهادة نعتز بها جميعاً.
> حفلت الزيارة بلقاءين مع خادم الحرمين وولي عهده... ماذا بحثتم خلال هذين اللقاءين؟
- الهدف من الزيارة أولاً، كان إطلاع القيادة في المملكة على مجريات الأحداث في السودان، و«إعلان تضامننا الكامل مع المملكة ضد هجمات الحوثيين المتكررة على البلاد. ونحن بطبيعة الحال ندين هذه الهجمات، لأننا على يقين بأن زعزعة أمن المملكة زعزعة لأمن السودان وأرق أمني لدول الإقليم.
خلال اللقاءين، أطلعنا خادم الحرمين وولي العهد على أحوال السودان، وطلبنا منهما استمرار الدعم لبلادنا وللفترة الانتقالية، إذ للمملكة حضور قوي فاعل في المجتمع الدول، من خلال الرباعية (الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والسعودية والإمارات)، فضلاً عن فاعليتها في محيطها الإقليمي، ولما لها من أيادٍ بيضاء دوماً نحو السودان.
> ألم يشتمل برنامج اللقاءات على أي مبادرات سياسية واقتصادية واستثمارية تخاطب الحالة السودانية الحالية؟
- المملكة مستعدة دوماً للاستثمار في السودان، فقط مطلوب مننا في السودان أن نعمل على تهيئة البيئة المناسبة لاستيعاب الاستثمار السعودي وتوفير الضمانات الكافية لحمايته، خصوصاً أن رأس المال يحتاج إلى بيئة آمنة حتى يستطيع أن يعمل بشكل يعظم عوائده وفوائده. ولكن على الرغم من الظروف الصعبة في السودان فإن القيادة السعودية أبدت استعدادها لإطلاق استثمار في السودان بمبالغ لا سقف لها. والتزم ولي العهد بتقديم خدمات للشعب السوداني يستفيد منها بشكل مباشر من خلال مشاريع مختلفة.
> في ظل التهديدات الأمنية للملاحة البحرية، هل تطرقت المحادثات إلى بلورة تعاون محدد لتفعيل اتفاقية الدول المشاطئة للبحر الأحمر؟
- هناك تعاون مستمر بين السودان والمملكة بشأن تأمين البحر الأحمر، ونعمل معاً من خلال توظيف أجهزتنا الاستخباراتية والأمنية، حيث سبق أن تعاونّا معاً في إحباط كثير من العمليات الإرهابية التي كانت موجهة ضد البلدين. لذا هذا الأمر طروح للنقاش على الدوام لأهميته من خلال التواصل والتعاون بصورة جيدة.
> الشعب السوداني ما زال يعاني تردياً اقتصادياً وخللاً أمنياً في كثير من المناطق. ما أدواتكم للتعاطي مع هذا الوضع؟ وما خطتكم لمعالجة هذه الاختلالات؟
- كل هذه الاختلالات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تتحدث عنها حالياً، ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تراكمات قديمة زادت خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ففي طبيعة الحال، إن أي دولة غير مستقرة سياسياً ستعاني حتماً اختلالاً في وضعها الاقتصادي والأمني. ولذلك فإننا منذ 25 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، مددنا أيدينا للإخوة في القوى السياسية والقوى الوطنية بمختلف أطيافها من أجل الجلوس معاً، بهدف وضع خريطة طريق لإكمال المرحلة الانتقالية.
ومن هذا المنبر، نؤكد التزامنا بعملية التحول الديمقراطي، ونعلن التزامنا بإكمال عملية الانتقال إلى المرحلة الانتخابية، وبأن نعمل على عبور السودان فترة انتقالية تعقبها عملية انتخابات بالشراكة والتعاون مع كل الشركاء الوطنيين الحادبين على مصلحة البلد.
> هناك شبه جمود في العلاقة بين الحكومة الانتقالية الحالية والمكون المدني، الذي يضم قوى الحرية والتغيير. هل هناك مستجدات لتجسير العلاقة بين المكونين لقيادة الفترة الانتقالية إلى الانتخابات بسلام؟
- كنا وما زلنا ندعو إلى التوافق بين مختلف المكونات. وقلنا أكثر من مرة إن التوافق هو الطريق الوحيدة للخروج من الأزمة الحالية، إذ ليست هناك خيارات كثيرة للحلول، إما نتوافق أو ننتظر حتى تقوم الانتخابات. ونحن نرى أن التوافق المطلوب هو التوافق بين كل القوى المدنية على الجلوس معاً. ومتى ما جلست هذه القوى معاً ووصلت إلى تفاهم وتوافق بينها، سنكون مستعدين للجلوس والتفاهم معها أو نقدم لها كل ما يعينها من قبل المكون العسكري.
> إلى أي حدّ أحدث مقترح بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي اختراقاً لعملية لمّ الشمل السوداني؟
- بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، لديهما مبادرة محددة بهدف جمع الصف الوطني. وبالمقابل نحن أيضاً في الحكومة الانتقالية ندعو إلى جمع الصف الوطني، إذ إن هناك تباعداً بين القوى السياسية وفقداناً للثقة بين المكونات السياسية. أعتقد أن للمنظمتين الأممية والأفريقية مقبولية أكبر لدى كثير من شرائح المجتمع السوداني، ما يعني إمكان الاجتماع حولها، والدفع بها نحو رؤية شاملة للأزمة لإيجاد مخرج لها.
> هل من محاولات جارية لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة؟
- في الأساس، هذه المحاولات لم تنقطع يوماً وما زالت مستمرة. ونحن دوماً نبادر لإحداث أي شكل من أشكال التقارب مع أي جهة كانت، خصوصاً إذا كانت لديها الرغبة للعمل من أجل مصلحة السودان.
> السودان حالياً من دون رئيس حكومة... كيف تواجهون هذه المعضلة؟
- إن عدم اكتمال تشكيل الحكومة سبّب كثيراً من المشاكل. نحن نتطلع إلى التوافق وننتظر قدوم رئيس وزراء للمرحلة المقبلة، يكون قد حصل ولو على الحد الأدنى من توافق القوى المدنية والسياسية. نحن لا نريد العمل بمفردنا لذلك أعلنا منذ الأيام الأولى أننا لا نريد أن نعمل بمعزل عن القوى السياسية والوطنية.
> هل تم تحديد شخصية معينة لتولي رئاسة الوزراء؟
- ليس بعد.
> هل اقتربتم من ذلك؟
- نعتقد أننا متى تمكنا من الجلوس معاً سنتجاوز هذه المعضلة.
> ما صحة الإشاعة عن عودة الدكتور عبد الله حمدوك لموقعه رئيساً للوزراء؟
- لم نناقش هذا الأمر لأننا لسنا في موقف يجعلنا نقرر لوحدنا، بل نسعى لنقرر جميعاً مع كل القوى السياسية والوطنية.
> إلى متى ستقودون الحكومة الانتقالية من دون رئيس وزراء؟
- نتمنى أن ينتهي هذا الأمر قريباً.
> نسمع عن انتخابات، هل هناك استعداد لإقامة انتخابات؟ هل تم تكوين مؤسسات للعملية الانتخابية؟ وماذا فعلتم حتى تصل الحكومة الانتقالية بالفترة الحالية إلى الانتخابات بشكل سليم؟
- فيما يتعلق بالانتخابات، فإن الأجهزة المعنية بها موجودة أصلاً، كما أن هناك جزءاً كبيراً من اللوجيستيات ذات الصلة متوافر حالياً، حيث إن 80 في المائة من مطلوباتها محفوظة لدى مفوضية الانتخابات، ونعني بها المفوضية السابقة. لذلك يقيني أنه متى حصل شكل من التوافق الوطني بين القوى السياسية، فإنها لا تحتاج إلى أكثر من عام أو عام ونصف العام. لكن نظراً إلى وجود رؤى أخرى مطروحة من قبل بعض الأصوات وبعض القوى السياسية تتحدث عن ضرورة تغيير نظام الحكم في السودان، فلو حدث توافق وطني من القوى السياسية على ذلك واختارت نظاماً رئاسياً، فإنه حتماً سيكون الجهد المطلوب لتنفيذ الانتخابات أقل وأسرع.
> هل لديك رغبة للترشح في الانتخابات المنتظرة؟
- أنا شخصياً ليست لدي رغبة للترشح في الانتخابات.
> الشارع السوداني ما زال يضج بحركة الشباب والثوار ويطالب بإزالة الحكم القائم بينما يواجهون بالرصاص القاتل... ما تعليقكم؟
- أولاً أحب أن أؤكد أن الشباب الذين يخرجون في المظاهرات هم القوى الحقيقية التي خلقت التغيير، القوى الحقيقية المفترض أن تكون صاحبة الصوت الأعلى لبناء المرحلة الانتقالية، لأنهم يعملون لوحدهم ولفترات طويلة من دون أن يروا مستقبلاً للسودان مختلفاً عما كان عليه في الماضي.
> هل أنتم تتحملون مسؤولية سقوط ضحايا المظاهرات؟ أم أن هناك جهات معينة تحملونها المسؤولية؟
- كثيراً ما جلسنا مع أعداد من هؤلاء الشباب، ونحن نقدر الجهد الذي يبذلونه من أجل صناعة التغيير، كما أننا نتطلع إلى أن ينالوا حقهم وحظهم بأن يكونوا موجودين في هذه المرحلة الانتقالية بفاعلية، ونتأسف بشأن الضحايا الذين سقطوا في مظاهرات الشعب السوداني. ويقيننا أنه في نهاية الأمر المسؤولية هي مسؤولية الدولة إذا كان الفاعل من القوات النظامية أو من أي طرف. على الدولة أن تقوم بواجبها نحو ذلك بالعمل على اعتقال أولئك الذين يزهقون الأرواح.
> ماذا تم حتى الآن بشأن الضالعين في قتل الشباب بالشارع السوداني؟
- هناك إجراءات تجري على قدم وساق، وهناك عدد من المتحفظ عليهم من الأجهزة الرسمية ومن غيرها من المشتبه بأنهم نفذوا عمليات قتل لبعض الضحايا.
> ما حيثيات اشتباهكم بطرف ثالث لاختراق صفوف المتظاهرين في الشارع؟
- من المؤكد هناك طرف ثالث في عمليات قتل بعض المتظاهرين في الشارع السوداني، سواء كان ذلك بقصد أو من خلال عمليات الدفع المختلفة عند الاشتباك بين المتظاهرين وأطراف أخرى.
> ما زال الشعب ينتظر محاكمات معلنة ونتائج مقبولة للمحاكمات لبعض رمز النظام السابق... ما تعليقكم؟
- السودان يتمتع بإرث قضائي قديم مشهود له باستقلاليته، حيث إن السلطات التنفيذية والسيادية لن تتدخل في العمل القضائي على الإطلاق، ولذلك فإن الإجراءات القضائية والعدلية تسير بالصورة العادية.
> ما مبررات تحفظكم على لجنة التمكين المنحلّة؟
- هناك لجنة راجعت ملف لجنة التمكين المنحلة، ووجدت مخالفات يجري التحقيق بشأنها الآن.
> كيف تبرر للشعب السوداني إقدامك على كسر طوق لاءات الخرطوم الثلاث مع تل أبيب؟
- أبرر للشعب السوداني بأن مصلحة السودان في تلك الفترة، التي رفعت فيها الخرطوم لاءاتها الثلاث في وجه إسرائيل، كانت مختلفة عما عليه مصلحة السودان اليوم، إذ إن مصلحة السودان اليوم واضحة للعيان، حيث إننا نبحث عن مصالح من أجل مستقبل البلاد.
> لماذا تتسم الجولات والزيارات المتبادلة بين الخرطوم وتل أبيب بالسرّية؟
- ليست هناك زيارات على مستويات عالية، إذ إن كل الزيارات التي تتم حالياً لا تخرج عن كونها زيارات تهدف لتبادل المعلومات الاستخباراتية والمعلوماتية ولا تحتاج إلى إعلان أو إخفاء.
> هل يمكن القول إن الخرطوم وتل أبيب وصلتا إلى مرحلة التطبيع؟
- حالياً العلاقة بين الخرطوم وتل أبيب في طور التشكل.
> هل يعني أن التطبيع قائم لا محالة؟
- ربما الحكومة المقبلة تستطيع القيام بذلك.
> هل تعتقدون أن الحكومة الانتقالية بشكلها الحالي حظيت برضا دولي، وعلى وجه التحديد رضا أميركي وأوروبي؟
- حالياً أصبح معلوماً للجميع أن السودان يتعرض إلى عملية تشويش وتضليل إعلامي ممنهج ومتعمد من قبل بعض الجهات، التي ترى مصلحة السودان بعين ربما حزبية ضيقة لتحقيق مصالح شخصية، ولكن من المؤكد أن السودان حتماً سيعود وسينطلق وسيرى أبناؤه وشبابه المستقبل زاهراً.
> بعض المراقبين يرون أن اتفاقية جوبا للسلام لم تأتِ بسلام للسودان... ما تعليقكم؟
- أعتقد أن اتفاقية جوبا للسلام حققت كثيراً من استحقاقات السلام في السودان، وتبقى هناك استحقاقات. ونحن نعمل مع الجمبع لتحقيق ما تبقى لاكتمال عملية السلام.
> أليس ما يحصل في شرق السودان من قطع للطرق بسبب خلل في اتفاقية السلام؟
- ما حدث في شرق السودان لم يكن له صلة باتفاقية جوبا، وإنما كان ذلك نتاج مطالب رفعها أهالي المنطقة، ومعظم هذه المطالب تعد مشروعة. وتم التحاور مع كثير من المجموعات التي ترفع هذه المطالب، ونحن نتفق على أن حقوقهم يجب أن تجد طريقها للتنفيذ.
> زرتم جوبا قبل أيام قليلة. ماذا كان لملف أبيي والحدود وأزمة ضخ النفط عبر الشمال من نصيب في المحادثات؟
- طبعاً جنوب السودان تعد دولة شقيقة، وبالتالي علاقتنا معها لا تحتاج إلى حديث. فنحن في الشمال والجنوب إخوة، ولذلك لا ننظر إلى الخلافات الحدودية أو قضية أبيي على أنها نواة لمشكلات معطلة للعلاقات بين الخرطوم وجوبا، بل ننظر إليها كواقع يحدونا للتكامل والتلاحم والوحدة. ولذلك كل المطروح عن خلافات في البلدين بسبب الحدود أو منطقة أبيي هي أحاديث لا تحمل التوصيف الصحيح لوضع العلاقة بين البلدين، إذ إننا نعمل في البلدين على معالجة واحتواء بعض الأفكار لنخرج بواقع يعزز تكاملنا ووحدتنا.
> ماذا عن ملف سد النهضة ومستجدات القضية؟
- بدأت عملية التشاور تدور من جديد حول المشكلات العالقة حول سدّ النهضة، ونتمنى أن تكلل بنجاح ونصل إلى توافق يرضي الأطراف ذات المصلحة.
> أديس أبابا اتهمت الحكومة الانتقالية السودانية بدعم التيغراي في حربهم الأخيرة. إلامَ أفضت المفاوضات التي جرت أخيراً بين البلدين؟
- إثيوبيا دولة شقيقة وجارة وبيننا امتدادت تاريخية وإثنية وتداخل من قديم الزمان، ولذلك نسعى بكل ما أوتينا من قوة إلى جعل الحوار والتوافق منهجاً لحل المشكلات في العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا.
> بخصوص الأزمة الروسية - الأوكرانية، ما موقفكم منها؟ وهل لمستم من أثر اقتصادي وسياسي مباشر على السودان؟
- في السودان، نحن دائماً مع السعي إلى حلول الأزمات عبر الحوار والتفاوض. وبطبيعة الحال فإن السودان كغيره من الدول التي تقع ضمن المنظومة العالمية والإقليمية، سينال حتماً نصيبه من انعكاسات الأزمة الروسية - الأوكرانية ضمن محيطه الجغرافي الجيوسياسي.
> أوروبا تتحدث عن احتمال وقوع مجاعة ونقص في الغذاء والطاقة والوقود... إلى أي حد يشكل ذلك وضعاً جديداً تجاه القارة الأفريقية؟
- بطبيعة الحال، فإن أفريقيا تعد مستودعاً لكنز من الخيرات والموارد الطبيعية والطاقات البشرية والإمكانات التأهيلية، لذا ستكون محط أنظار العالم بعد اندلاع الأزمة الروسية - الأوكرانية، وبالتالي فإن الوضع الحالي بشكل عام، يوفر فرصة جديدة للاتحاد الأفريقي ليطلق مبادرة تتمحور حول كيفية توظيف موارد دوله والاستثمار فيها، بشكل يحقق المصلحة للجميع اقتصادياً وسياسياً.



لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.


اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)

في وقت تتسارع فيه مؤشرات التدهور الإنساني في اليمن، كثَّفت الحكومة الشرعية تحركاتها مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين لاحتواء أزمة الغذاء المتفاقمة، في حين تواصل الجماعة الحوثية حجب البيانات المتعلقة بأعداد المحتاجين للمساعدات في مناطق سيطرتها؛ الأمر الذي يزيد من صعوبة تقدير حجم الاحتياجات الفعلية ويعقّد جهود الاستجابة الإنسانية.

وتأتي هذه التحركات الحكومية بالتزامن مع تحذيرات أممية متزايدة من ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية، في ظل تراجع التمويل الدولي المخصص للعمليات الإنسانية، واستمرار القيود المفروضة على الوصول إلى السكان المحتاجين في عدد من المناطق.

وأكدت مصادر عاملة في قطاع الإغاثة لـ«الشرق الأوسط» أن الوكالات الأممية لم تتمكن للعام الثالث على التوالي من تنفيذ مسوحات ميدانية شاملة لرصد مستويات انعدام الأمن الغذائي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ بسبب القيود المفروضة على أنشطتها.

ووفق المصادر، فإن المنظمات الدولية باتت تعتمد على مؤشرات جزئية وبيانات تقديرية توفرها بعض الجهات الإنسانية العاملة على الأرض؛ وهو ما يجعل صورة الاحتياجات الحقيقية غير مكتملة رغم وجود مؤشرات واضحة على تفاقم الأزمة.

متسولات في صنعاء بجانب صورة لخامنئي رفعها الحوثيون (إعلام محلي)

ويرى مختصون أن غياب البيانات الدقيقة لا يعني تراجع الاحتياجات الإنسانية، بل يزيد من صعوبة توجيه المساعدات إلى الفئات الأكثر تضرراً، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية للأسر اليمنية.

وقال مصطفى نصر، رئيس مركز الإعلام الاقتصادي (منظمة يمنية)، إن سكان مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون مزيجاً من الجوع والخوف نتيجة السياسات الاقتصادية التي ألحقت أضراراً كبيرة بالنشاط الاقتصادي خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن آثار تلك السياسات باتت تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.

وأضاف أن الجماعة تواجه اليوم نتائج تراكمات اقتصادية طويلة، في وقت تستمر فيه بعض القيادات في إنكار حجم الأزمة رغم المؤشرات المتزايدة على اتساع المعاناة الإنسانية.

أوضاع معيشية صعبة

تحدث رجال أعمال يمنيون ومواطنون قدموا من مناطق سيطرة الحوثيين عن أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، مؤكدين أن شريحة واسعة من السكان أصبحت تواجه تحديات يومية في توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.

وأشار أحد رجال الأعمال إلى أن كثيراً من الأسر باتت تعتمد على المساعدات أو التحويلات المالية من الخارج لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لافتاً إلى أن استمرار التدهور الاقتصادي قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية خلال الفترة المقبلة.

وحسب تقديراته، فإن كتلة الرواتب الشهرية للموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين لا تتجاوز 30 مليار ريال شهرياً، وهو مبلغ لا يواكب الارتفاع المستمر في الأسعار وتكاليف المعيشة.

ويؤكد مراقبون أن اتساع فجوة الدخل وتراجع فرص العمل وفقدان مصادر الرزق أدت إلى زيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق الحضرية التي كانت تعتمد في السابق على النشاط التجاري والخدمي.

لقاءات يمنية أممية لمناقشة أزمة الغذاء (الأمم المتحدة)

في المقابل، وصفت الحكومة اليمنية الوضع الغذائي في البلاد بأنه دخل مرحلة حرجة تتطلب استجابة استثنائية، داعية الأمم المتحدة والمانحين الدوليين إلى إعطاء ملفي الأمن الغذائي وسوء التغذية أولوية قصوى خلال الفترة المقبلة.

وخلال لقاء جمع نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي نزار باصهيب مع المنسقة الوطنية لقطاع الأمن الغذائي والزراعة في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أبيجيل نيوكوري، تمت مناقشة التحديات التي تواجه الاستجابة الإنسانية، وفي مقدمتها فجوة التمويل المتسعة.

وأكد الجانب الحكومي أهمية توجيه الموارد المتاحة نحو البرامج الأكثر تأثيراً واستدامة، بما يضمن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالغذاء والتغذية وسبل كسب العيش.

وأوضحت المسؤولة الأممية أن التراجع الحاد في التمويل انعكس بصورة مباشرة على أعداد المستفيدين من المساعدات؛ إذ انخفض عدد الأشخاص الذين شملتهم تدخلات المنظمة خلال النصف الأول من العام الحالي إلى نحو 1.8 مليون شخص، مقارنة بـ3.4 مليون خلال العام الماضي.

واتفق الجانبان على عقد اجتماع طارئ مع الجهات المعنية لوضع خريطة طريق عاجلة لمعالجة أزمة نقص الغذاء وتعزيز فعالية التدخلات الإنسانية خلال المرحلة المقبلة.

تحذيرات أممية

من جهتها، أكدت الأمم المتحدة أن الأزمة الإنسانية في اليمن تتجه نحو مزيد من التدهور، مشيرة إلى ارتفاع نسبة الأشخاص غير القادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية خلال فترة قصيرة.

وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر إن أكثر من 18 مليون يمني يعانون حالياً الجوع الحاد، محذراً من أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التفاقم إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتعزيز الاستجابة الإنسانية.

وأوضح أن نحو خمسة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على الوصول الإنساني تحد من القدرة على تقييم الاحتياجات في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

الحوثيون منعوا جمع البيانات الإنسانية... لكن الاحتياجات كانت أكثر وضوحاً (إعلام محلي)

وشدد فليتشر على أن غياب البيانات لا يعني غياب المعاناة، مؤكداً أن ملايين اليمنيين ما زالوا في حاجة إلى دعم عاجل ومتواصل لتجنب الانزلاق نحو مستويات أشد خطورة من الجوع.

كما حذَّر من أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون سوء تغذية حاداً، وأن كثيرين منهم معرَّضون لآثار صحية طويلة الأمد ما لم يحصلوا على الرعاية والدعم اللازمين.