المخدرات تجتاح سوريا من جنوبها إلى شمالها

معارضون يتحدثون عن «تورط» أطراف بينها «حزب الله» والميليشيات الإيرانية

فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)
فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)
TT

المخدرات تجتاح سوريا من جنوبها إلى شمالها

فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)
فصائل معارضة تعتقل متهمين بتجارة المخدرات شمال سوريا (الجيش الوطني السوري)

لم تعد مناطق جنوب سوريا منطقة عبور للمخدرات وحسب، بل أصبحت أيضاً مستهلكة لها، وقد تصبح منتجة للمخدرات إذا استمر انتشارها وتعاطيها دون حسيب أو رقيب كما هو الحال الآن، لا سيما مع غياب الجهود لمنع تفاقم هذه الظاهرة.
وقال الصحافي ريان معروف من السويداء لـ«الشرق الأوسط»» إنه حتى اليوم، على الأقل، لا مؤشرات على وجود معامل لإنتاج المخدرات في جنوب سوريا، إنما تنتشر مراكز لتجميع هذه المواد في بعض القرى الحدودية، أبرزها قريتا الشعاب وأم شامة، جنوب شرقي السويداء، وقرى حدودية أخرى في ريف درعا الغربي، يستقطب فيها تجار ومهربو المخدرات شباب المنطقة ويزجونهم في عمليات تجارة المخدرات وفق مهام مختلفة، مثل تهريب المخدرات إلى الأردن، أو نقلها بين مراكز التجميع في القرى الحدودية، أو تسليحهم لحماية شحنات المخدرات، أو توزيعها على المروجين في المنطقة.
وتعتبر قرية الشعاب أبرز مناطق تجميع وتهريب المخدرات إلى الأراضي الأردنية، بحسب تعبيره، ومراكز التهريب فيها عبارة عن بيوت سكنية قريبة من الحدود يجتمع فيها المهربون قبل الانطلاق لنقلها.
وأوضح معروف أن عملية التهريب تتشارك فيها شبكات منظمة ذات ارتباطات أمنية، وتنقسم إلى مجموعات، وتلعب كل مجموعة دورها في هذه العملية، إذ تقوم مجموعة بحماية وتأمين الطرقات، وتقوم مجموعة أخرى مسلحة بمرافقة شحنات المخدرات أثناء عملية نقلها بين الحدود، أو إيصالها للمروجين المحليين في المنطقة.
وأشار إلى أن شحنات المخدرات تصل إلى المنطقة عبر طرق عدة مختلفة، المعروف منها طريق البادية التي تربط بين مناطق ريف دمشق ومناطق دير الزور وبادية حمص، ومعظم الشحنات المخدرة تسلك تلك الطرق البعيدة في البادية لتغطية وتأمين عملها ووصولها إلى المناطق المراد الترويج فيها، ومعظمها قادم من لبنان عبر مناطق القلمون والمناطق الأقرب للحدود السورية اللبنانية، حيث توجد مجموعات تابعة لـ«حزب الله» لتصل أرياف دمشق وحمص، وتنقل بعدها إلى طرق البادية عبر جماعات مسلحة متعددة الولاءات، بحيث يحصل تسليم دوري من مجموعة إلى أخرى، وصولاً إلى الوجهة النهائية في مراكز التجميع جنوب سوريا، وتعد بعدها للترويج أو التهريب. وتعبر تلك الجماعات نقاط التفتيش التابعة للنظام بطرق مختلفة، منها الرشوة أو الارتباط المباشر بقوى أمنية وعسكرية تابعة للنظام تؤمن لهم العبور دون تفتيش.
وتحدث الناشط شادي العلي من مدينة درعا جنوب سوريا عن ارتفاع مؤشر الجريمة الناتجة عن تعاطي المخدرات في مناطق درعا جنوب سوريا، والذي يتمثل بعمليات القتل العمد والسرقة بالإكراه والخطف، إلى جانب ارتفاع مؤشر سرقة السيارات، وكلها ينفذها سارقون يتعاطون المخدرات وعجزوا عن شرائها، ووجدوا أن هذا الطريق هو الأنسب والأسهل والأسرع لإرضاء إدمانهم، وسط غياب تام لجهود تبذل من قبل قوات النظام السوري في مكافحة العرض والترويج للمخدرات، والتي يقتصر عملها على ضبط بعض شحنات المخدرات في الوقت الذي تصل شحنات أخرى وتوزع وتهرب دون رقابة حقيقية، إضافة إلى غياب الوسائل الطبية وتقديم العلاج للمدمنين وإيوائهم في مصحات علاجية متخصصة.
ووفق مصدر حكومي في إدارة الأمن الجنائي في درعا، وصل عدد القضايا المتصلة بالمخدرات إلى أرقام مرعبة، حيث سجل في العام الفائت 2021 أكثر من 940 قضية، اتهم فيها أكثر من 1700 شخص، وهي جرائم متنوعة منها الاتجار بالمخدرات وتعاطيها وترويجها، وأخرى تتعلق بالمخدرات أيضاً، كالسرقة والقتل العمد والقتل الخطأ والخطف، وهي النسبة الأكبر من هذه القضايا. وأفاد المصدر نفسه أن النسبة الأكبر من المتهمين هم من فئة الشباب اليافعين في عمر العشرينات، ومنهم النساء والفتيات اليافعات أيضاً، وتتراوح أعمارهم ما بين 15 إلى 40 عاماً.
ونظراً لحساسية المنطقة، التي دخلت في تسويات عدة ولا تزال تشهد حالة عدم استقرار ونشاطات استهدفت القوات الحكومية السورية، فإن عمل القضاء والشرطة المدنية لا يزال محدوداً في المناطق التي تشهد السيطرة الفعلية في مناطق درعا، فيما ترتكب أغلب تلك الجرائم في أرياف المحافظة التي لا تزال السيطرة الحكومية فيها شكلية أو شبه شكلية، وأغلب المتورطين في هذه الأعمال مسلحون، ومنهم من يتمتع بسلطات واسعة.
أحد الأطباء في درعا قال لـ«الشرق الأوسط» إن انتشار المخدرات في درعا ناتج عن عوامل عدة، أولها وصولها إلى المنطقة بكميات كبيرة وبأسعار عادية في متناول حتى العامل العادي ومحدودي الدخل. وأوضح أنه بحسب الحالات التي عاينها فإن نوعية المواد المخدرة المنتشرة في المنطقة ذات نوعيات رديئة، ولهذا السبب تباع بأسعار عادية في متناول الجميع، ولها آثار سيئة جداً، وتعمل على إتلاف المعدة والكولون والكبد بالدرجة الأولى، كما سجلت حالات وفاة عدة لشبان في درعا نتيجة الإصابة بسرطان القولون أو المعدة بشكل مفاجئ، كانوا يتعاطون هذه المواد، التي تؤدي أيضاً إلى فقدان الشهية للطعام وبالتالي ضعف المناعة ومقاومة الجسم، هذا عدا المخاطر الخاصة بالمخدرات على الجهاز العصبي والدماغ والقلب، وهذا يضعف إلى حد كبير القدرة على العلاج من حالة الإدمان. مشيراً إلى وجود حالات لا يمكن التعامل معها في العيادات الطبية وتحتاج مصحات خاصةً ومتقدمة لمعالجة المدمنين.
واعتبر اختصاصي نفسي في درعا يدعى «جهاد» أن عوامل عدة ساعدت على انتشار المخدرات في المنطقة، منها التفكك الأسري في المجتمع، والإحباطات والاضطرابات العقلية ورفاق السوء والبطالة وتردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والأمنية، مشيراً إلى أن معظم المدمنين يعانون من الاضطرابات العقلية.
وأشارت معلومات إلى انخفاض سن تعاطي المخدرات بين الشباب. فبعد إن كانت هذه الظاهرة منحصرة في الفئة العمرية فوق سن 30، أصبحت تضم من هم في عمر 11 - 14 سنة نتيجة انتشارها الكبير في المجتمع، لا سيما مع تدهور الواقع الاقتصادي وتفاقم الفقر والبطالة، ما دفع نسبة كبيرة إلى استخدام المخدرات أو الاتجار بها، إما للهروب من الواقع الذي يعيشه المتعاطي أو لتوفير موارد مالية، هذا إضافة إلى الأمية والجهل الذي انتشر نتيجة سنوات الحرب.
وفي شمال سوريا، أطلق «الجيش الوطني السوري» المدعوم من أنقرة، والعامل في ريف حلب الشمالي ومناطق النفوذ التركي، حملة أمنية واسعة ضد تجار ومروجي المواد المخدرة، أسفرت عن اعتقال أكثر من 40 شخصاً، ومصادرة كميات كبيرة من الحبوب المخدرة وإتلافها.
وأفاد ناشطون أن «الجيش الوطني السوري» وجهات أمنية أخرى نفذت خلال الأيام الأخيرة الماضية حملة واسعة داهمت فيها منازل ومقار عدد كبير من تجار المخدرات في مناطق أعزاز وعفرين ومناطق أخرى تابعة لها في ريف حلب الشمالي، وتمكنت خلالها من إلقاء القبض على عدد من الأشخاص ومصادرة كميات كبيرة من الحبوب والمواد المخدرة والحشيش، وذلك بعد أن لاقت تجارة المخدرات وتعاطيها رواجاً واسعاً في مناطق ريف حلب الشمالي وباتت ظاهرة خطيرة تهدد المدنيين والأمن في المنطقة.
وأوضح الرائد يوسف الحمود، الناطق العسكري باسم «الجيش الوطني السوري» وغرفة القيادة الموحدة (عزم)، أن «فصائل تابعة للجيش الوطني السوري وجهات أمنية أطلقت في 12 مارس (آذار) حملة أمنية واسعة استهدفت في مرحلتها الأولى نحو 40 تاجراً ومروجاً للمواد المخدرة والحشيش والحبوب المخدرة في مدينة عفرين، وفي المرحلة الثانية استهدفت 9 تجار آخرين في مدينة أعزاز بريف حلب الشمالي، ومصادرة كميات كبيرة من الحبوب المخدرة أثناء عمليات المداهمة لعدد من الأبنية التي يتخذها تجار المخدرات أماكن لتخزين المواد المخدرة».
ولفت الحمود إلى أن «الحملة الأمنية ضد تجار ومروجي المخدرات في ريف حلب الشمالي انطلقت استناداً إلى دراسة أمنية دقيقة أعدها المكتب الأمني في غرقة عمليات القيادة الموحدة (عزم)، ومعلومات حول هوية التجار والمروجين وأماكن إقامتهم، ووضعت خطة أمنية محكمة بناءً على تلك المعلومات، وجرى مداهمة أوكار وأماكن إقامة التجار والمروجين للمخدرات، واعتقال عدد كبير منهم، فيما لا تزال الحملة مستمرة حتى إلقاء القبض على آخر تاجر ومروج للمخدرات في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني السوري شمال سوريا».
- انتحار تاجر
وقال ناشطون إن أكبر تاجر مخدرات في مدينة عفرين أقدم على الانتحار يوم الأحد 13 مارس (آذار)، أثناء مداهمة عناصر من غرفة عمليات (عزم) لمنزله، حيث أقدم التاجر على الفور بالهرب إلى شرفة منزله ورمى نفسه من الطابق الثالث إلى الشارع ليلقى حتفه على الفور، وهو يعتبر من كبار تجار المخدرات، جاء إلى عفرين مهجراً من مدينة عندان شمالي حلب، فيما لاذ عدد من مروجي ومتعاطي المخدرات بالفرار، ولا تزال القوى الأمنية وفصائل «الجيش الوطني السوري» تبحث عنهم لإلقاء القبض عليهم.
أما فيما يتعلق بمصادر المخدرات في شمال سوريا فيقول الناشط أدهم العلي إن «الكمية الأكبر من المواد المخدرة، كالحبوب المخدرة مثل الكبتاغون والترامادول والهيدروكسي، في مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة فصائل الجيش الوطني السوري والنفوذ التركي، مصدرها مناطق النظام السوري، حيث يجري نقلها عن طريق الميليشيات الإيرانية وعملائها من لبنان، وصولاً إلى مناطق ريف حلب المتاخمة لمناطق سيطرة المعارضة السورية في ريف عفرين، ويجري تسلمها من قبل تجار في مناطق المعارضة والاتجار بها في المنطقة».
وأشار العلي إلى أن «الشرطة العسكرية وفصائل تابعة للجيش الوطني السوري في بلدة جنديرس داهمت مؤخراً معملاً لصناعة المخدرات والاتجار بها في برج عبد الو قرب بلدة الباسوطة التابعة لريف عفرين، وخلال عملية المداهمة ألقت الشرطة العسكرية القبض على 4 أشخاص من العاملين كانوا داخل المعمل، بينما لاذ الآخرون بالفرار إلى جهات مجهولة».


مقالات ذات صلة

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أوروبا رسائل الهاتف المشفرة تُستخدم في تجارة الكوكايين بالأخص (رويترز)

بلجيكا تكشف عن «حجم مخيف» لتجارة المخدرات بالرسائل المشفرة

أعلنت سلطات بلجيكا، الجمعة، التعرف على هويات 5 آلاف مشتبه بهم، وتوقيفات في دبي والمغرب ومنطقة البلقان، في تحقيق ضد مستخدمي رسائل الهاتف المشفرة بتجارة المخدرات.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
يوميات الشرق الأمير هاري وزوجته ميغان يزوران مركز الملك حسين للسرطان برفقة وفد من منظمة الصحة العالمية في عمّان (رويترز)

رسالة الأمير هاري للمتعافين: لا عيب في الإدمان... «شاركوا شجاعتكم»

في إطار زياراته الإنسانية للأردن، وجّه الأمير البريطاني هاري رسالة تضامن واضحة إلى المتعافين، مؤكداً أن الإدمان ليس وصمة عار، بل تحدٍ يمكن تجاوزه بالإرادة.

«الشرق الأوسط» (عمان)
الولايات المتحدة​ جندي يظهر بجانب مركبة متفحمة بعد إضرام النار فيها بولاية ميتشواكان المكسيكية في أعقاب وفاة زعيم أحد الكارتلات (أ.ب)

10 ملايين دولار... مكافأة أميركية للقبض على شقيقين يقودان عصابة «سينالوا»

كشفت وزارة الخارجية الأميركية أمس إنها ستدفع ما يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقال أو إدانة شقيقين تم تحديدهما كزعيمين لعصابة «سينالوا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص توزيع مساعدات إنسانية لنحو 800 عائلة من الوافدين في عدة قرى بريف السويداء الثلاثاء (سانا)

خاص دمشق لتطبيق سيناريو الشمال على السويداء خلال شهرين وحرص على «اندماج سلمي»

مسؤول: ستكون هناك خصوصية إدارية للسويداء، إضافة إلى استكمال تطبيق «خريطة الطريق» التي تم الاتفاق عليها بين الدولة السورية والولايات المتحدة والأردن

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الورشات الفنية والهندسية تواصل تنفيذ مشروع تأهيل مطار دير الزور المدني (الهيئة العامة للطيران المدني السوري)

الاتحاد الأوروبي يدرس تعديل نظام العقوبات على سوريا دعماً للمرحلة الانتقالية

يتضمن المقترح استهداف جماعات مسلحة، ومنتهكي حقوق الإنسان، وأطرافاً فاعلة متورطة في الفساد المرتبط بإعادة الإعمار

«الشرق الأوسط» (لندن)

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.