علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

ركز في أميركا على الأعراق وفي بريطانيا على فقراء المدن

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟
TT

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

علم تحسين النسل... ضرورة بشرية أم خرق لأخلاقيات العلم؟

استعرضت الصحف البريطانية أخيراً كتاباً مهماً بعنوان صارخ «التحكم: التاريخ المظلم والحاضر المقلق لعلم تحسين النسل» لمؤلفه آدم راذرفورد، المتخصص في علم الجينات والإعلامي في ميدان العلوم، أحد الذين أدرجت أسماؤهم في قائمة أفضل الكتاب لصحيفة «صنداي تايمز». وكان قد ألف كتابا سابقا بعنوان «كيف تناقش شخصا عنصريا».
يتناول الكاتب جوانب علم تحسين النسل، الذي يمتاز بتاريخ متناقض من نظريات وتطبيقات طرحها علماء متفائلون بخير البشرية، وآخرون من العلماء العنصريين والفاشست. ولأن عالم اليوم يشهد نجاحات كبرى في أبحاث «الانتقاء الجيني» الموجهة لتحسين صحة المواليد الجدد من العيوب الجينية، فإن هذا الميدان الواعد قد يساء استخدامه لإنتاج أجيال من «المواليد المحسنة النسل».
سعى الناس على مر التاريخ، إلى تحسين المجتمع من خلال تقليل المعاناة أو القضاء على المرض أو تعزيز الصفات المرغوبة لدى أطفالهم. لكن هذه الرغبة كانت تسير إلى جانب الرغبة في فرض السيطرة على من يمكنه الزواج، ومن يمكنه الإنجاب ومن يُسمح له بالعيش. وعززت أفكار داروين حول النشوء والارتقاء، المحاولات الجديدة لفرض السيطرة على بيولوجية الإنسان «الجامحة في النمو».
وقد تم تبني علم تحسين النسل بقوة في عشرات البلدان، ومثلت أفكاره أيضاً حجر الزاوية في الآيديولوجية النازية، وشكلت مساراً أدى مباشرة إلى أبواب معسكرات الموت.
واليوم، ومع ازدهار أبحاث تقنيات التحرير والقص الجيني الجديدة، تجري مناقشات علمية وسياسية حول مدى ضرورات «العبث بالحمض النووي» للأطفال الذين لم يولدوا بعد، لجعلهم أكثر ذكاءً، ولياقة، وأقوى جسديا.
ويقدم كتاب «كنترول» CONTROL الجديد قصة محاولات الأقوياء عبر التاريخ لإملاء خططهم في التكاثر المحسن، وتنظيم التفاعل بين التربية والمجتمع، كما يقدم كشفا عاجلا لأحد الأفكار الأكثر تدميراً في القرن العشرين، ويؤكد أن معرفة هذا التاريخ هو «تطعيم لأنفسنا» لمنع تكراره.
وتهدف أفكار علم تحسين النسل Eugenics (وهي مشتقة من اليونانية وتعني النوع الجيد، النبيل)، إلى التعرف على تحسين خصائص الإنسان الوراثية بمحاربة ظاهرة الانحطاط في الجينات البشرية.
وقد نشأت هذه الأفكار بمعناها الحديث في إنجلترا، وكان رائدها فرنسيس غالتون، ابن عم تشارلز داروين. وشاع علم تحسين النسل على نطاق واسع في العقود الأولى من القرن العشرين، ففي المؤتمر الدولي لعلم تحسين النسل، الذي عقد في نيويورك عام 1932 صرح أحد الخبراء صراحة بما يلي: ليس هناك شك في أنه إذا تم تطبيق قانون التعقيم (على المتخلفين والمنحرفين) الإجباري بشكل أكبر في الولايات المتحدة، فستكون النتيجة أنه، في أقل من مائة عام، سنقضي على ما لا يقل عن 90 في المائة من الجرائم والجنون والخرف والغباء والانحراف الجنسي.
إلا أن هذا العلم أصبح فيما بعد مرتبطاً بألمانيا النازية التي وظفته لأهداف «النقاوة العرقية»، وإبادة الجماعات الاجتماعية «غير المرغوب فيها». أما في الاتحاد السوفياتي، فقد تم حظر أبحاث تحسين النسل خلال سنوات حكم ستالين في الثلاثينات والأربعينات لمعارضتها لأفكاره.
وتناول الكاتب محاولات الأقدمين لتحسين النسل، إذ يقال إن سكان مدينة إسبارطة اليونانيين كانوا يغطسون مواليدهم في النبيذ لكي يتمكن الأقوياء منهم فقط من النجاة، وذكر أن الرومان كانوا يغرقون أطفالهم إن كانوا ضعيفين أو معاقين. وكتب أفلاطون أنه يجب مواءمة الشبان الأعلى ذكاء مع الشابات الأعلى ذكاء لتحسين ذكاء النسل.
وفي العصر الحديث كتب فرنسيس غالتون مصنفا النساء إلى: «جذابة، عادية، دميمة» فيما صنف الرجال وفق 16 من الخصائص، وأشار إلى أن الاهتمام بالخصائص يتيح الوصول إلى «جنس جديد من الرجال الأذكياء، مثلما هو الحال عند تحسين نسل النباتات والحيوانات».
ويضيف الكاتب أن علم تحسين النسل ركز في أميركا على الأعراق، بينما ركز في بريطانيا على فقراء المدن. وهكذا كما يقول، وبدلا من التركيز على دور العالم الرأسمالي في زيادة التلوث الصناعي وعوامل الحرمان على المجتمع وعلى تدهور قدرات الإنسان، كان من السهل تفسير ذلك التدهور بواسطة الجينات.
كما يتحدث الكتاب عن بعض الأعاجيب، إذ وصل الأمر بالناشطة البريطانية ماري ستوبز المدافعة عن حقوق التناسل للنساء في بيانها عام 1920 الموسوم «الأمومة الناصعة» إلى الدعوة «لتعقيم كل الأشخاص العفنين بشكل لا صلاح بعده». أما ويليام بيفيردج الذي أسس لاحقا «دولة الرعاية» في بريطانيا فكان لا يدعو إلى أن يفقد العاطلون عن العمل حقهم في المعونات فحسب، بل إلى «أن يفقدوا أيضا الحرية وحق الأبوة»! كما أوصت مجلة «نتشر» العلمية بأن يقوم البرلمان البريطاني «بإكثار الظروف الجيدة بهدف تطوير صنف جديد» من الإنسان.
وحتى ونستون تشرشل وزير الداخلية في وزارة هربيت أسكويث بداية القرن الماضي أدلى بدلوه أيضا، إذ تحدث عن «النمو المتسارع غير الطبيعي للطبقات الضعيفة العقل، والمجنونة». ولذلك يجب «فصلها في ظروف محددة تؤدي إلى اندثار لعنتها، لكي لا تنتقل خصائصها إلى الأجيال اللاحقة». وهذا ما شكل فحوى مسودة «قانون التحكم بالضعيفي العقل» الذي كان قدم عام 1912 لتجريم أي زيجة من تلك الطبقات، والذي لم يصوت البرلمان له.
وهكذا فإن المصيبة تكمن في أن العلم والعلماء الحقيقيين، وغيرهم من الباحثين الذين يبيعون ضمائرهم للقادة السياسيين، يمكن أن يوظفوا طاقاتهم العلمية في منحى بعيد عن أخلاقيات العلم وبعيدا عن أي أخلاقيات اجتماعية.
لقد قال فيدور دوستويفسكي الكاتب الروسي العظيم قبل قرن ونيف، إن أي حضارة، إذا كانت بلا روح، فلا تستطيع أن تضمن أنها ليست ضد أكل لحوم البشر أو ضد الإبادة الجماعية... ولذلك أطلقت عليه أجيال المثقفين الروس فيما بعد لقب «النبي» بعد مشاهدة أهوال الحرب العالمية الأولى والثورة البلشفية في روسيا.
ويضيف بالنص: «إذا أكد أحد الأشخاص من (الأكفاء قليلاً)، أنه سيكون من المفيد أحياناً سلخ الجلد من ظهر شخص آخر، لفائدة الجميع... إذن صدقوني، فإن أشخاصا متفنين في الأداء سيظهرون على الفور، ومنهم حتى من الظرفاء (لتنفيذ ذلك)... ويصبح من غير المعروف أين سنجد أنفسنا: بين الممزقين (بكسر الميم) - السالخين - أم الممزقين (بفتح الميم) - المسلوخين -؟».
ويشير مؤلف الكتاب إلى أن بعض المفكرين المتدينين كانوا يكافحون نظريات تحسين النسل لأنها تنادي بالقضاء على الضعفاء. إلا أن أنصار هذه النظريات نجحوا في العديد من مساعيهم إذ أجازت الولايات المتحدة تعقيم 70 ألفا من الأشخاص «غير المؤهلين «للإنجاب» وهو ما مهد الطريق أمام ألمانيا النازية لاحقا لاتباع سياسة التعقيم وقتل الضعفاء.
وقد مول معهد روكفلر في الولايات المتحدة معهد ولهيلم كايزر للأنثروبولوجيا والوراثة البشرية وتحسين النسل الذي وضع الأسس الفكرية لأفكار التفوق العرقي لألمانيا النازية. وقال راذرفورد إن «علم تحسين النسل تطور خلال عدة عقود في ألمانيا من المرتبة النظرية إلى مرتبة التطهير العرقي».
إلا أن علم تحسين النسل فقد بريقه بعد الحرب العالمية الثانية، كما يقول الكاتب، إذ استبعدت وثائق حقوق الإنسان عمليات التعقيم القسري، وتحولت تسمية العلم إلى تسمية جديدة «علم الجينات». ومع ذلك استمرت أبحاثه وتوسعت خصوصا في العقدين الماضيين، بعد وضع تسلسل الجينوم البشري وبعد أن أجريت محاولات لفهم خصائص الصفات والأمراض البشرية، وأصبح بالإمكان التلاعب بالجينات.
ويواصل المجتمع طرح التساؤل المحير: إذا كان بإمكان العلماء التلاعب بالجينات فهل يجدر بهم القيام بتحسين النسل البشري. وتكمن الإجابة في ضرورة تأطير العلم بأخلاقيات اجتماعية ذات روح إنسانية.

Control: The Dark History and Troubling Present of Eugenics
by Adam Rutherford


مقالات ذات صلة

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

ثقافة وفنون «ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

«ليون الأفريقي»... ناقل المعرفة بين الشرق والغرب

نجح الكاتب اللبناني أمين معلوف، من خلال روايته الشهيرة «ليون الأفريقي»، في تقديم شخصية حسن الوزّان إلى العالم بوصفه بطلاً عابراً للحدود ورحّالةً كبيراً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

«أبناء قوقل وأحفاد المتنبي»... استعارتان تلتقطان تحوّل الإنسان العربي

للشاعر السعودي، إبراهيم زولي، صدر مؤخراً كتاب «أبناء قوقل وأحفاد المتنبي - بين ذاكرة الورق وإغواء المنصات»، عن مجموعة «متون للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
المشرق العربي قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

قبل 6 أيام من الاغتيال... خدام قال للحريري: «غادر لبنان» فرد: «لديّ انتخابات»

غداء بيروت في 8 فبراير 2005 كما ترويه المذكرات: تحذير أخير لرفيق الحريري، ورسالة من ماهر الأسد عبر صاحب صحيفة، وحماية تقلّصت من خمسين عنصراً إلى ستة

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.