أوكرانيا تسعى لفتح مزيد من الممرات الإنسانية لماريوبول

الأمم المتحدة: الحرب تحوّل طفلاً واحداً إلى لاجئ كل ثانية

منذ أيام، تحاصر قوات روسية مدينة ماريوبول الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وانقطع الاتصال بينها وبين بقية أنحاء البلاد (أ.ب)
منذ أيام، تحاصر قوات روسية مدينة ماريوبول الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وانقطع الاتصال بينها وبين بقية أنحاء البلاد (أ.ب)
TT

أوكرانيا تسعى لفتح مزيد من الممرات الإنسانية لماريوبول

منذ أيام، تحاصر قوات روسية مدينة ماريوبول الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وانقطع الاتصال بينها وبين بقية أنحاء البلاد (أ.ب)
منذ أيام، تحاصر قوات روسية مدينة ماريوبول الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة وانقطع الاتصال بينها وبين بقية أنحاء البلاد (أ.ب)

تقول السلطات الأوكرانية إن المدنيين في القطاع الجنوبي من مدينة ماريوبول محاصرون بسبب القصف الروسي المستمر منذ أسبوعين ولم تتوافر لديهم التدفئة أو الكهرباء أو الماء الجاري في أغلب هذا الوقت. ومنذ أيام، تحاصر قوات روسية المدينة الواقعة في جنوب شرقي أوكرانيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 400 ألف نسمة، وانقطع الاتصال بينها وبين بقية أنحاء البلاد. وقالت نائبة رئيس الوزراء الأوكراني إيرينا فيريشوك الثلاثاء إن أوكرانيا ستبذل محاولة جديدة لتوصيل الإمدادات للمدنيين العالقين في مدينة ماريوبول المحاصرة. وأضافت فيريشوك إن أوكرانيا تعتزم فتح تسعة «ممرات إنسانية» لإجلاء المدنيين.
ذكر الجيش الأوكراني أن القوات تصدت لتقدم روسي تجاه المدينة الساحلية التي تواجه قصفا جويا مكثفا منذ أيام. وأعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأوكرانية الثلاثاء، مقتل نحو 150 مهاجما وتدمير دبابتين والعديد من المركبات المدرعة. وأضافت أن نيران المدفعية والغارات الجوية الأوكرانية دمرت أيضاً معدات عسكرية أخرى، وفتحت النار على طوابير من القوات الروسية كانت تقترب منها.
لكن لا يمكن تأكيد المزاعم الواردة من ساحة المعركة بشكل مستقل. يشار إلى أن مدينة ماريوبول الواقعة على بحر آزوف، محاطة بوحدات من الجيش الروسي والانفصاليين الموالين لروسيا. وقال مسؤولون محليون إن قافلة تضم 160 مركبة على الأقل غادرت المدينة الاثنين لكن ما زال الكثير من السكان المدنيين هناك. وقال مسؤول أوكراني أمس إن أكثر من 2500 من السكان قتلوا في ماريوبول منذ بدء الغزو الروسي يوم 24 فبراير (شباط). وسمحت موسكو الاثنين لأول قافلة من المدنيين بالخروج من ماريوبول لكن مساعدا بارزا للرئيس الأوكراني قال إن روسيا أوقفت مرة أخرى قافلة مساعدات إنسانية كانت تحاول الوصول إلى المدينة. وكان فتح ممرات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية لماريوبول والسماح للمدنيين بالخروج منها هو المطلب الرئيسي لكييف في عدة جولات من المحادثات. وفشلت محاولة سابقة لوقف إطلاق النار في المنطقة. وقالت فيريشوك إن قافلة تنقل مساعدات إنسانية ستتوجه إلى ماريوبول. وأضافت «ستنقل نساء وأطفالا في طريق عودتها».
أفادت السلطات بمدينة ماريوبول الأوكرانية بأن أكثر من ألفي مدني لقوا حتفهم في المدينة حتى الآن. وأوضح مجلس المدينة أن 2357 شخصاً قتلوا بها منذ انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط (فبراير). وأفادت السلطات الأوكرانية بوقوع هجمات جوية عنيفة على المدينة. وتقول روسيا إنها تقصف فقط الأهداف العسكرية بالمدينة.
ويرى كثيرون ماريوبول رمزا للمقاومة الأوكرانية. فمنذ بدء الحرب في منطقة دونباس بشرق أوكرانيا عام 2014، صمدت المدينة في وجه العديد من محاولات الانفصاليين الموالين لروسيا للسيطرة عليها. ووصف بيترو أندريوشينكو، المستشار لعمدة المدينة، الوضع بأنه «غير إنساني». وقال: «لا طعام، لا ماء، لا إضاءة، لا تدفئة». وأعرب عن مخاوف من وقوع المزيد من القتلى. واستطرد بالقول إنه مع تزايد حدة الهجمات، قد يصل عدد القتلى إلى 20 ألفا.
أعلنت الأمم المتحدة الثلاثاء أن حرب أوكرانيا تحول طفلاً واحداً إلى لاجئ كل ثانية، إذ فر نحو 1.4 مليون طفل من أوكرانيا منذ بداية الغزو الروسي.
وقال المتحدث باسم «يونيسف» جيمس إلدر لصحافيين في جنيف «في المعدل، وكل يوم على مدى الأيام العشرين الأخيرة في أوكرانيا، تحول أكثر من 70 ألف طفل إلى لاجئين»، أي ما يعادل 55 طفلا كل دقيقة «أو تقريبا طفل كل ثانية». وقالت متحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة، التابعة للأمم المتحدة، أمس الثلاثاء، إن حوالي 3 ملايين شخص قد فروا من أوكرانيا بسبب الحرب، حتى الآن. وقال المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة بول ديلون لصحافيين في جنيف «وصلنا إلى عتبة ثلاثة ملايين شخص من حيث حركة الناس خروجاً من أوكرانيا».
وغردت المتحدثة صفاء مسهلي، عبر موقع تويتر، أن من بين الفارين أكثر من 150 ألف شخص من جنسية ثالثة، غير الأوكرانية والروسية. ويتردد أن هناك ملايين آخرين عالقين داخل أوكرانيا، إما في منازلهم أو أنهم نازحون داخليا، مع دخول الغزو الروسي للبلاد يومه العشرين. تعهد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمحاسبة المسؤولين عن أعمال الحرب الخطيرة في بلاده. وقال زيلينسكي في رسالة عبر الفيديو: «نعمل مع شركائنا على إجراءات عقابية جديدة ضد الدولة الروسية». وأضاف أن هذه الإجراءات ستطال «كل شخص مسؤول عن الحرب. أي شخص مسؤول عن تدمير الديمقراطية. أي شخص مسؤول عن القمع ضد الشعب». وقال زيلينسكي في المقطع الذي بثه من المكتب الرئاسي في كييف إن «الجيش الروسي مسؤول بالتأكيد عن جرائم حرب، وعن كارثة إنسانية تمت عمدا» في المدن الأوكرانية. وقال زيلينسكي إن روسيا بدأت تدرك أنها لن تحقق أي شيء من خلال الذهاب إلى الحرب. مضيفا: «لم يتوقعوا (الروس) مثل هذه المقاومة. لقد صدقوا دعايتهم التي كانت تكذب علينا منذ عقود».
وأكد أن المفاوضات بين الممثلين الأوكرانيين والروس ستستأنف «اليوم (أمس) الثلاثاء». وفي سياق متصل بددت وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، مخاوف من مخاطر أمنية قد ترتبط بقدوم اللاجئين الأوكرانيين إلى ألمانيا. وقالت الوزيرة أمس الثلاثاء في تصريحات لمحطة «دويتشلاند فونك» الألمانية الإذاعية إن الشرطة الاتحادية تعزز التفتيش على الحدود الداخلية وتحكم السيطرة عند رصد أي شيء لافت للانتباه، وأضافت: «أعرف أن هناك انتقادات لهذا الأمر، لكني أدعمه، لأننا يجب أن يكون لدينا نظرة عامة على الوضع». وأوضحت الوزيرة أن الأوكرانيين الوافدين الذين يحملون جواز سفر بيومتري يسمح لهم بدخول البلاد بدون تأشيرة ويمكن أن يقرروا في البداية إلى أين يذهبون.
وكان زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي، فريدريش ميرتس، طالب بتسجيل جميع الوافدين. وقالت فيزر إنه يجري تسجيل الأشخاص الذين يسجلون أنفسهم لدى مكتب الهجرة، وأضافت: «هذا يعني أنه لا أحد منهم سيحصل على معونات بدون تسجيل». ولم تذكر الوزيرة عدد اللاجئين الأوكرانيين الذين تتوقع قدومهم إلى ألمانيا، مشيرة إلى أن هذا يتوقف على الحرب في أوكرانيا، وقالت: «في الوقت الحالي علينا أن نرصد من يأتي يوما بعد يوم. في الوقت الحالي نعمل وفقاً لأعداد الوافدين خلال الأيام الماضية... ما زلنا نأمل بشدة أن تنجح الجهود الدبلوماسية في نهاية المطاف، حتى لا يضطر الكثير من الناس إلى الفرار. لأن ما يحدث الآن هو في الحقيقة كارثة إنسانية».


مقالات ذات صلة

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أضرار في شارع جراء مسيَّرة روسية في أوديسا (أوكرانيا) الاثنين (رويترز)

موسكو تتمسك بتوافقات «قمة ألاسكا» وتعدّها أساس التسوية الأوكرانية

أكد الكرملين أن التوافقات التي تم التوصل إليها بين الرئيسين، فلاديمير بوتين ودونالد ترمب، خلال قمتهما الوحيدة في ألاسكا في أغسطس (آب) من العام الماضي «جوهرية».

رائد جبر (موسكو)
أوروبا الجنرال فلاديمير أليكسييف نائب رئيس المخابرات العسكرية الروسية (لقطة من فيديو لوزارة الدفاع الروسية-أ.ب) p-circle

روسيا: محاولة اغتيال الجنرال ‌أليكسييف جرت بأوامر من أوكرانيا

نقلت وكالة ​أنباء «إنترفاكس» الروسية عن جهاز الأمن الاتحادي القول إن محاولة اغتيال ‌الجنرال فلاديمير ‌أليكسييف ‌جرت بأوامر ​من ‌جهاز الأمن الأوكراني.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أواكرنيون نجوا من قصف روسي على حي في كراماتورسك غرب أوكرانيا (إ.ب.أ)

ثلاثة قتلى في غارات روسية ليلية على أوكرانيا

قُتل ثلاثة أشخاص جراء غارات جوية روسية خلال الليلة الماضية على منطقتي خاركيف في شرق أوكرانيا وأوديسا في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أوكرانية تمشي وسط الدمار في كراماتورسك بدونيتسك يوم 8 فبراير (رويترز)

زيلينسكي يدعو لتشديد الضغط على روسيا بعد إطلاقها 2000 مُسيّرة خلال أسبوع

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الأحد، إن روسيا أطلقت أكثر من 2000 طائرة مُسيّرة و116 صاروخاً على أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي فقط.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟