روسيا تتجه لـ«سيطرة كاملة» على المدن الكبرى في أوكرانيا

جولة مفاوضات «شاقة» تتزامن مع تصعيد عسكري واسع... وموسكو ترفض فكرة إرسال قوات أممية

مسنة تحضن رجل إطفاء بعد إنقاذها من عمارة استهدفها القصف في كييف أمس (أ.ف.ب)
مسنة تحضن رجل إطفاء بعد إنقاذها من عمارة استهدفها القصف في كييف أمس (أ.ف.ب)
TT

روسيا تتجه لـ«سيطرة كاملة» على المدن الكبرى في أوكرانيا

مسنة تحضن رجل إطفاء بعد إنقاذها من عمارة استهدفها القصف في كييف أمس (أ.ف.ب)
مسنة تحضن رجل إطفاء بعد إنقاذها من عمارة استهدفها القصف في كييف أمس (أ.ف.ب)

برز تبدل ملموس في اللهجة الروسية حول أهداف محاصرة المدن الأوكرانية الكبرى. وبعدما أكدت موسكو أكثر من مرة في السابق عدم سعيها إلى احتلال المدن، قال الكرملين، أمس، إن الجيش الروسي لا يستبعد فرض «سيطرة كاملة» على المدن الرئيسية، مع مراعاة ضمان «أقصى درجة من الأمن للسكان».
تزامن التطور مع انطلاق الجولة الرابعة للمفاوضات أمس، بين الوفدين الروسي والأوكراني، ووصف الأخير المناقشات بأنها «شاقة»، فيما قال الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي إنه وضع مهمة محددة أمام المفاوضين، تتمثل في ترتيب لقاء مباشر على المستوى الرئاسي.
وبعد أكثر من أسبوع على مراوحة القوات الروسية في أماكن تمركزها في محيط العاصمة كييف والمدن الكبرى الأخرى، مثل خاركيف وماريوبول، بدا أن قرار اقتحامها قد اتخذ ودخل مرحلة الإعداد العملي لذلك.
هذا ما عكسه حديث الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف الذي قال إن «القوات الروسية لا تستبعد وضع مدن كبيرة في أوكرانيا التي أصبحت اليوم مطوقة تماماً، تحت سيطرتها الكاملة باستثناء بعض المناطق المستخدمة لعمليات الإجلاء الإنسانية»، متعهداً في الوقت ذاته أن تتم مراعاة «ضمان أقصى درجة من الأمن للسكان».
ولفت بيسكوف إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمر في بداية العملية الخاصة في أوكرانيا بعدم اقتحام المدن، بما فيها العاصمة كييف، بسبب قيام المسلحين بنشر أسلحة هناك. وأوضح أن «أوامر الرئيس الموجهة إلى وزارة الدفاع نصّت على الامتناع عن شن هجوم فوري على المدن الكبيرة، بما فيها كييف، بسبب قيام الفصائل القومية المسلحة بتجهيز مواقع لإطلاق النار ونشر معدات عسكرية ثقيلة في المناطق السكنية، فيما القتال في المناطق المكتظة بالسكان سيؤدي حتماً إلى خسائر فادحة في صفوف المدنيين. وتم التخطيط للعملية مع أخذ هذه الحقيقة بالذات في الاعتبار»، من دون أن يشير إلى سبب تحول الموقف الروسي حالياً. وأشار بيسكوف إلى أن موسكو تعتبر موقف الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي استفزازياً، كونهما يدفعان روسيا عبر التصريحات لاقتحام المدن الكبرى في أوكرانيا من أجل تحميلها لاحقاً مسؤولية مقتل المدنيين. وقال إن القوات الروسية تستخدم أسلحة حديثة عالية الدقة، ولا تستهدف إلا مرافق البنية التحتية العسكرية والمعلوماتية لأوكرانيا، وأكد أن جميع الخطط الروسية المتعلقة بنزع عسكرة أوكرانيا سيتم تنفيذها «في المواعيد المقررة لها مسبقاً، وبصورة كاملة»، مضيفاً أن الإطار الزمني للعملية العسكرية في أوكرانيا لن يتم الإفصاح عنه.
في غضون ذلك، نفت موسكو صحة معطيات تداولتها وسائل إعلام حول توجيه طلب إلى الصين لتقديم معونات عسكرية، وقالت وزارة الخارجية إن هذه المعطيات «لا أساس لها»، وكرر بيسكوف تأكيد هذا الموقف، وقال إن بلاده «ليست في حاجة لمساعدة من أي طرف في تنفيذ عمليتها».
من جانب آخر، قالت الخارجية الروسية إنها لا ترى سبباً لإرسال قوات حفظ سلام تابعة لهيئة الأمم المتحدة إلى أوكرانيا، نظراً لأن «الوضع يخضع بالكامل لسيطرة الجيش الروسي». ولفت مدير إدارة المنظمات الدولية بوزارة الخارجية الروسية، بيوتر إيليتشيف، أن إرسال قوات حفظ سلام أممية إلى أوكرانيا ليس مطروحاً على جدول الأعمال في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو أي منصات دولية أخرى. وزاد: «مسار تسوية الوضع في الأزمة الأوكرانية يعتمد على استعداد الجانب الأوكراني للبحث عن حلول وسط. وبالتالي، فإن الوضع الراهن لا ينص على أي مشاركة لأي وحدات حفظ سلام تابعة للمنظمة الدولية».
إلى ذلك، بدا أن جولة المفاوضات الروسية الأوكرانية التي انطلقت أمس تواجه صعوبات جدية في تقريب وجهات النظر. وقال ميخائيل بودولياك، مستشار الرئاسة الأوكرانية، إن «المفاوضات تجري بشكل شاق وتواجه صعوبات، لكنها مستمرة». وكتب بودولياك عبر «تلغرام»: «الطرفان يعبران بنشاط عن مواقفهما بعد أن تم تدقيقها. التفاوض صعب، لكنه مستمر. سبب الخلاف هو أن لدينا أنظمة سياسية مختلفة للغاية».
وكان بودولياك حدد أولويات بلاده في هذه الجولة، وقال إنها تتناول قضايا «وقف إطلاق النار وسحب القوات الروسية والضمانات الأمنية». وفي الوقت ذاته، أعلن زيلينسكي أنه كلف الوفد المفاوض التوصل إلى نتيجة مع الجانب الروسي حول عقد لقاء مباشر مع الرئيس الروسي. وكرر الإعراب عن قناعة بأن «تحقيق تقدم جدي مرهون بجلوسي وجهاً لوجه مع بوتين». وأضاف: «وفدنا لديه مهمة واضحة... بذل كل الجهود في سبيل عقد اجتماع على المستوى الرئاسي، وهو لقاء أنا متأكد من أن الجميع بانتظاره». وأشار إلى أن مهمة المفاوضات أيضاً هي الحصول على «ضمانات فعالة» بالنسبة لأوكرانيا.
في المقابل، تراهن موسكو على إمكان التوصل إلى تفاهمات ملزمة للطرفين وتتم بلورتها في وثائق يتم توقيعها حول عمل الممرات الإنسانية وعدد من المسائل السياسية المرتبطة بالتسوية، بما في ذلك ملف حياد أوكرانيا. وكانت موسكو ربطت احتمال عقد لقاء رئاسي بتحقيق تقدم ملموس خلال المفاوضات.
وتزامنت المفاوضات أمس، مع تصعيد واسع للضغط العسكري على عدد من المناطق الأوكرانية. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن قواتها «دمرت جميع نقاط إطلاق النار التي استخدمها النازيون الجدد وقواتهم في ضواحي مدينة ماريوبول وفي المناطق السكنية».
وزادت، في بيان، أنها أحكمت السيطرة بشكل كامل على مدينتي ميليتوبول وخيرسون.
وفي مقابل التقدم الروسي في عدد من المناطق، اتهمت موسكو الجانب الأوكراني باستهداف منطقة سكنية في دونيتسك بصاروخ من طراز «توتشكا»، ما أسفر عن مصرع نحو 20 شخصاً. وقال الناطق باسم الوزارة إيغور كوناشينكوف إن القرار حول استخدام صاروخ من هذا الطراز يتخذ من قبل قيادة الوحدات الأوكرانية بعد موافقة القيادة العسكرية في كييف. وأضاف أن إطلاق الصاروخ على أراضي مدينة دونيتسك، في جنوب شرقي أوكرانيا، تم من مدينة كراسنو أرميك التي تسيطر عليها «الوحدات القومية الأوكرانية». وزاد: «أسفر انفجار الجزء القتالي العنقودي للصاروخ عن مقتل 20 مدنياً وسط دونيتسك. وأصيب 28 آخرون، بمن فيهم أطفال، بجروح حرجة، وتم نقلهم إلى المستشفيات».
على صعيد متصل، أفادت وزارة الدفاع أنها بدأت بتسليم المعدات العسكرية الأوكرانية التي تم الاستيلاء عليها، إلى قوات دونيتسك ولوغانسك. ونشرت الوزارة مقطع فيديو يظهر تسليم دبابة من طراز «تي 64» ومركبة مدرعة «كازاك» وناقلات مدرعة من طراز «بي تي آر 80»، فضلاً عن أنظمة الصواريخ المضادة للدبابات التي زود بها الغرب أوكرانيا. وقالت الوزارة الروسية: «يتم تسليم المعدات العسكرية والأسلحة بما فيها السوفياتية الصنع والموردة من الدول الغربية، بعد إجراء فحصها الفني وأعمال الترميم، لوحدات الجمهوريتين الشعبيتين».
وفي الحصيلة اليومية التي تقدمها الوزارة حول مسار العمليات القتالية، أعلنت أن قواتها أخرجت من الخدمة 3920 منشأة عسكرية أوكرانية منذ بداية العملية في 24 فبراير (شباط) الماضي. وقال الناطق العسكري إنه خلال الليلة (قبل) الماضية أسقط الطيران والدفاعات الجوية التابعة للقوات الفضائية الجوية الروسية، طائرات مسيرة أوكرانية. وذكر أن ضربات سلاح الجو الروسي أصابت خلال الساعات الـ24 الماضية 187 هدفاً عسكرياً أوكرانياً، بما فيها مقران للتحكم، ومنظومة صواريخ «بوك» مضادة للطائرات، ومحطة رادار، وراجمات للصواريخ، ومحطتان للحرب الإلكترونية، ومستودعات للذخيرة والوقود وزيوت التشحيم، إضافة إلى 31 موقعاً لتمركز المعدات العسكرية. وأشار كوناشينكوف إلى أن القوات الروسية واصلت هجومها في دونباس؛ حيث حققت تقدماً يبلغ 11 كيلومتراً خلال اليوم الأخير، مضيفاً أن وحدات من قوات لوغانسك، التي سبق أن أغلقت مدينة سيفيرودونتسك من الشرق والجنوب، تخوض معارك ضد «القوميين الأوكرانيين» في الضواحي الشمالية الشرقية للمدينة.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟