لن تكون أحداً غيرك

كلٌّ منّا نظيرُ ذاتِهِ التي لا تشبه سواها

آينشتاين
آينشتاين
TT

لن تكون أحداً غيرك

آينشتاين
آينشتاين

منذ صغره كان (س) معجباً بأينشتاين. وَجَدَ فيه صورة كاملة للبطل الأسطوري الذي يتناغم مع صورة البطل التي روّض نفسه ليكون على شاكلتها في المستقبل. قرأ كلّ ما وقعَتْ عليه عيناه وبلغتْهُ يداه من كتب في النسبية، الخاصة والعامة، ومنها تلك التي كتبها أينشتاين نفسه. صارت نسبية أينشتاين هي الشفرة السرية التي ستتكفل بفتح مغاليق الكون أمامه. لم يقتصر الأمر على حدود الفكر، بل تعدّاه للشكل والمظهر، صار صاحبنا (س) يطيل شَعْرَهُ على طريقة أينشتاين حتى بلغ به الأمر أن يشكّك في مقدرة أي فيزيائي ما لم يجعل شعره مثل شعر أينشتاين. لم يصبح (س) في نهاية الأمر أينشتايناً آخر، والأهمّ من هذا أنه لم يصبح نفسه. خسر نفسه وصورة أينشتاين المستقبلي، وصار كائناً شبحياً يدمنُ الطواف في عوالم كثيرة، ليس منها عالمه. عرف في عقده الخمسيني أنّ كثيراً من الفيزيائيين المجايلين لأينشتاين كانوا ذوي قدرات كبرى، ربما تفوقت على القدرات الفكرية لأينشتاين، والأهمّ من هذا أنهم لم يكونوا يطيلون شعورهم، ولا أخرجوا ألسنتهم من أفواههم بمثل ما فعل أينشتاين في صورة شائعة له. كانوا ذواتهم، ولم يخسروا أعمارهم في محاولة عبثية لخلق أينشتاينات جديدة.
الحالُ في الأدب لا يختلف عن حال البعض في العلم. يسعى كثيرون ليكونوا نُسَخاً من بورخِس أو ميلان كونديرا أو أومبرتو إيكو أو دوريس ليسنغ أو تولستوي أو دوستويفسكي أو مارغريت آتوود... إلخ. كان الواحد من هؤلاء عند البعض منّا أقرب إلى شخصيات أسطورية، صورة مضببة متعالية نشاهدها عن بعد، وليس من سبيل للمسها أو الاقتراب منها. ربما خفّت هذه الصورة المتطرفة عقب شيوع وسائل التواصل الاجتماعي التي وفّرت لنا إمكانية رؤية بعض هؤلاء المبدعين وهُمْ يتحدّثون إلى مخلوقات سواهم في إطار إنساني بعيد عن التفخيمات والاعتبارات المتعالية على عالم البشر.
إنّهُ لأمرٌ بالغ السوء أن يسعى بعضنا ليكون نسخة من فلان أو فلانة من مشاهير العلم وعظماء الأدب، ومثلما هو أمر سيئ، فهو أمرٌ ينطوي على مستحيلات موضوعية.
لماذا هو أمر سيئ؟ لأنك عندما تعظّمُ شخصاً – مهما تعالت قدراته – فإنّك تعطّلُ قدراتك الشخصية، وتبقى تدورُ في مداراته الخاصة. ستبقى مسكوناً بإنجازاته، ولن تكون أعمالك سوى تقليدٍ باهتٍ لأعماله، أو بعضِ رتوشٍ صغيرة في صورة كبيرة، هذا لو تحققت هذه الإنجازات، والغالب أنها لن تتحقق.
يتمثلُ السوءُ في تقليد الآخرين، وجعلهم مثاباتٍ عالية أمامنا في تعظيم مواهبهم، على حساب تقزيم مواهبنا. هكذا هو الحال؛ لعبة قبيحة يتآكل فيها جُرْفُك وتضمحلّ قدراتك وتضيع هويتك. الغريبُ أن لا أحد من هؤلاء طلب إليك أن تفعل هذا بنفسك. أنت مَنْ فعلت وارتضيت أن تكون ظلاً شاحباً لأحدهم.
أما المستحيلات الموضوعية فيمكن تصنيفها في مستحيلات نفسية وثقافية وبيولوجية. يلعبُ الثلاثي (العقل – الثقافة - البيولوجيا) دوراً متفرّداً في صناعة كلّ منجز علمي أو أدبي. كيف تتصور أنّ بوسعك محاكاة الفعاليات العقلية لفلان من المبدعين؟ هذه الفعالية هي نتاجُ تفاعلات عصبية في بنية دماغية تشتبك خلاياها المليارية بعضها مع بعض بطرق عصية على الاحتساب، ويمكن لأي تغيير بسيط في أحدها أن يُغيّر طبيعة الناتج النهائي الذي نسمّيه إبداعاً علمياً أو أدبياً. هل تتصورُ حجم هذه الاحتمالات؟ إنها تتجاوز عدد كلّ الذرات في الكون، ثمّ يأتي فلان أو فلانة ويتصوّر ببساطة إمكانية محاكاة التجربة الإبداعية لدى آخرين. هذه استحالة علمية، ولو أضفنا لهذه الاستحالة تأثير الثقافات والترسيمات البيولوجية المتباينة لتضاعفت إمكانية هذه الاستحالة. كتب أحد علماء الأنثروبولوجيا الثقافية يقول إن أينشتاين لو كان وُلِد - على سبيل المثال - في قبيلة الزولو الأفريقية لقضى حياته، وهو عاجز عن العدّ إلى 10 على أصابع يديه.
سأتناولُ الآن أمثلة مشخّصة، وستكون في حقل الأدب (الرواية) لأنه ميدان اهتمامي وشغفي الذي يتقدّم على اهتمامات أخرى. شاع اسم بورخِس كاتباً وشاعراً حتى ناقداً أدبياً في ستينات وسبعينات القرن العشرين، وربما كان اهتمامه بسردية العرب الكبرى «ألف ليلة وليلة» محفزاً لهذا الاهتمام العربي الطاغي. حلّت بعد بورخِس حقبة البنيوية والدراسات اللسانية، وصارت طائفة من الفلاسفة الفرنسيين السائرين على درب عالم الأنثروبولوجيا البنيوية «كلود ليفي شتراوس» هي المثال الأعلى للمثقفين العرب على الصعيدين الأكاديمي والعام، ثمّ عندما هدأت فورة البنيوية قليلاً صعد نجم «غارسيا ماركيز» وأدب أميركا اللاتينية الذي صارت عبارة «الواقعية السحرية» مثل تميمة ملازمة له تلازماً شرطياً. لم تَكَدْ ألاعيب الواقعية السحرية تخفت قليلاً حتى برقت نجوم روائية هنا وهناك في قارات العالم أجمع، وكلُّ نجمٍ منها راح يعزفُ لحنه الخاص مترسماً ملامح خريطة إبداعية تشتبك فيها شروط الحداثة الروائية بحيثيات مما بعد الحداثة في إطار فكري واسع سُمّي «الرواية المعاصرة». صارت النجوم الروائية تتلألأ كلّ حين وكلّ آن، وصارت عيون كثر منّا ترقبُ الموضات الروائية والأسماء التي تلبث طويلاً تحت لافتة «الكتب الأكثر مبيعاً». صرنا منقادين إلى لعبة السوق وما تفرضه من ذائقة وما تسعى لتكريسه من رؤى.
صار كثير منّا يتطلّعُ جاهداً لمحاكاة شكلية أو أسلوبية أو موضوعاتية، حقيقية أو متخيلة لكارلوس زافون أو دان براون أو إيلينا فيرانتي أو تشماماندا نغوزي أديتشي أو آلي سمث أو هيلاري مانتل. صارت ذائقتنا الأدبية وإحساسنا الجمالي رهينة بَخْسَة لمحدّدات تقع خارج حدود سيطرتنا وموجبات نزاهة الضمير واستقلالية الرأي. صرنا نُكْبِرُ كثيراً في ميّزات إبداعية مدّعاة لم نختبرها بأنفسنا، وغدونا أقرب لمثال من يرى ما لا يرى بفعل الضغط الإعلامي والبروباغاندا. لم يعُدْ مثال الإمبراطور العاري يصلح معنا؛ لأنّ الإمبراطور ذاته غدا كائناً مصطنعاً أوجدته عقول موهومة.
الإبداع يعني، في أحد تعريفاته الإجرائية الشائعة في أدبيات الإبداع والفعل الخلاق، وضع بصمتك على عملك، بما يكفل لجعله ميزة فردية لك، وليست ميزة مشاعية لكثرة من الناس. الإبداع يعني التفرّد بالتأكيد. يحضرُني بشأن هذه الحقيقة مشهد رائع في الفيلم السينمائي Copying Beethoven عندما أحضرت ناسخة أعمال بيتهوفن أوراقاً دوّنت عليها نوتة موسيقية لعمل كتبته، وأرادت من بيتهوفن مباركته وإبداء رأيه فيه. راح بيتهوفن يعزف المقطوعة على البيانو بطريقة ساخرة، ووصفها وصفاً قاسياً، ثمّ حصل بعد بضعة أيام أن عزف بيتهوفن المقطوعة ذاتها، لكن بعد أن وضع لمسته السحرية عليها؛ فتحوّلت من عمل موسيقي عادي إلى عمل جبار لا يختلف عن الفخامة الموسيقية التي تمتاز بها كلّ أعمال بيتهوفن. هذا هو الفرق بين عمل عادي وآخر خلاق، أن توقّع عملك ببصمتك الممهورة بقدراتك الذاتية التي لا تشبه قدرات شخص آخر سواك. أخلاقيات التفرّد هي ما يصنعُ الإبداع الخلاق؛ أما أخلاقيات الاستعارة والمحاكاة فتنتج أعمالاً مشوّهة.
كلٌّ منّا نسيجُ وحدِهِ ونظيرُ ذاته التي لا تشبه سواها. حتى في أمثولاتنا التراثية ما يفيدُ بتأكيد هذه الحقيقة؛ فقد قيل لفلان (وهو من أكابر اللغويين في زمانه، لا أذكر اسمه الآن): ما تقولُ في السيف؟ قال هو السيف. قيل له فما تقولُ في المهنّد والحسام... إلخ، قال أما هذه فصفات تحتملُ الكثرة، وأما السيف فموصوف واحد لا يقبل الكثرة.
أينشتاين هو أينشتاين، وبيتهوفن هو بيتهوفن، وبورخِس هو بورخِس، وفيرجينيا وولف هي فيرجينيا وولف، وفيليب روث روث هو فيليب روث، وزافون هو زافون، وإيلينا فيرانتي هي إيلينا فيرانتي... إلخ، ولن يأتي يوم يكون فيه أحد هؤلاء مكافئاً للآخر أو لأي منا، مثلما لا ينبغي أن نتطلّع لأن نكون أياً من هؤلاء. هكذا الطبيعة وقوانين الوراثة وتشكلاتنا العقلية وموجهاتنا السلوكية. هكذا المعلومات المشفرة في منظومتنا الجينية التي أضفنا عليها خبراتنا وأخلاقياتنا لاحقاً.
ليس أمراً معيباً أن نُعْجب بأحد المبدعين أو إحدى المبدعات في العلم أو الأدب أو أي نشاط معرفي؛ لكنّ حبّ إبداع أحدهم يختلف نوعياً عن الذيلية والذوبان في كينونته وإغفال قدراتنا الشخصية. المسلك الأفضل هو أن نحترم ذواتنا ولا نبخس حقّها في القدرة على الإنجاز، وننأى بأنفسنا عن الدوران في أفلاك آخرين. تلك لعبة خاسرة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.