«العرّاب» كاشف المستور... نظامان تآلفا تحت مظلة واحدة

يعود بعد 50 سنة على إنتاجه

مارلون براندو: «العرّاب»
مارلون براندو: «العرّاب»
TT

«العرّاب» كاشف المستور... نظامان تآلفا تحت مظلة واحدة

مارلون براندو: «العرّاب»
مارلون براندو: «العرّاب»

باشرت صالات السينما حول العالم عرض فيلم «العرّاب» لمخرجه فرنسيس فورد كوبولا بمناسبة مرور نصف قرن على إنتاجه. الواقع هو أن عرض هذا الفيلم الملحمي لم يتوقف منذ تاريخ العرض الأول في مدينة نيويورك في 14 مارس (آذار) سنة 1972. عرضته صالات بريطانيا سنة 2009 وافترش شاشات فرنسا سنة 1998، ثم سنة 2004 واحتفت به صالات تشيلي والمكسيك في العام 2013.
الفارق هو أن النسخة الجديدة مرممة بمهارة وبمعرفة المخرج ذاته، وتنطلق كما لو إن الفيلم تم إنتاجه في السنة التي نحن فيها.
الصدام الكبير
لم يكن «العرّاب» فيلم غانغسترز عادياً، ولا حتى فيلم مافيا تقليدياً. كان القمّة بين أفلام العصابات، وبقي كذلك منذ ذلك الحين ولا يزال حتى اليوم. ليس أن هوليوود لم تفتح دفاتر «شيكاتها» للصرف على أفلام من المنوال ذاته («مات الدون»، «أوراق فالاتشي»، إلخ...) لكن لم يوازِ أي من تلك الأفلام الموهبة الفريدة لمخرج «العرّاب» ولا طموحاته الكبيرة. لم تتضمّن الشيء الأساسي الذي شارك في تمييز هذا الفيلم عن سواه، وهو المعالجة الملحمية لتاريخ شاسع من حياة الجاليات التي توافدت، منذ مطلع القرن، من إيطاليا (ومن صقلية على الأخص) وانتقالها للعمل المافياوي بنشاط في داخل التركيبة الأميركية.

فرنسيس فورد كوبولا بعد 50 سنة

الفيلم الوحيد الذي جاور «العرّاب» في مكانته وطموحه هو «العرّاب2» بعد عامين. حتى سيرجيو ليوني الذي أنجز «ذات مرّة في أميركا» سنة 1984 لم يعرض الوضع ذاته بالموصفات الفنية والضمنية نفسها. فيلمه ملحمي لكن اهتماماته انصبّت في أطر أضيق ولو على نحو إنتاجي كبير.
في «العرّاب» ذخيرة فنية لا يُملّ من تكرار إبداعاتها. حكايته، في الوقت ذاته، من الشمولية بحيث ما زال الفيلم للآن أهم ما تم تسجيله على شريط حول الصدام الكبير بين مفاهيم العائلات الصقلية والحلم الأميركي الكبير. بين نظامين، واحد يرى أميركا بلد العالم بأسره ويؤكد حبّه لها، وآخر يستغلّه لمزاولة الممارسات العنيفة والخارجة عن القانون التي نقلها معه من صقلية.
في تأسيس مدروس بكل تفصيلة فنية ممكنة (من حجم اللقطة إلى حركة الكاميرا، ومن الإضاءة إلى كل كلمة ترد ومن مضمون المشهد إلى كل ما يصنع أجواءه المنشودة) يبدأ «العرّاب» بإيطالي اسمه بوناسيرا (سلڤاتوري كورسيتّو) وهو يقول «أنا مؤمن بأميركا». بوناسيرا يتلمّس من ڤيتو كاروليوني (مارلون براندو) أن يقتنص له من رجلين تعرّضا لابنته بالضرب عندما قاومت محاولتهما لاغتصابها. لقد توجّه إلى القضاء كما يتوجب على أي أميركي يؤمن بأميركا ليكتشف أن القضاء قد يرتشي؛ إذ أطلق سراح الفاعلَيْن. الآن هو في حضرة الدون كاروليوني (في يوم عرس ابنته) لينتقم له. طريقة الالتماس التي تتضمّن محاولة رشوة الدون لكي يقوم بما عجز القضاء القيام به، تزعج الدون فيرد عليه «ما الذي فعلته معك لتهينني على هذا النحو؟»، لكنه يوافق بعد اعتذار بوناسيرا الذي لا يمكن للمشاهد إلا وعذره وتفهّم حاجته.
لكن ما الذي حدث لإيمان بوناسيرا بأميركا؟ حسب التقاليد الصقلية (وفي غيرها من البلاد) فإن الزعيم هو من تلجأ إليه أوّلاً. هو - حال اللجوء إليه - يمارس ما يُعتبر مسؤوليته حيال رعيّته. هذا في الجنوب الإيطالي وكل من في «العرّاب» هم من ذلك الجنوب. ضمن المنظومة أن الأب هو المسؤول عن سلامة ابنته وشرفها. حال زواج ابنته تنتقل المسؤولية إلى الزوج.
رأس الفرس
دون كارليوني نفسه خاضع لعملية الانتقال. ابنته تتزوّج. الاحتفال قائم في حديقة المنزل. المدعوّون يأكلون ويشربون ويرقصون وهو سيودّع بعد قليل ابنته التي ستخرج من تحت جناحيه لتحت جناحي رجل اختارته زوجاً.
امتثال كارليوني لطلب بوناسيرا لا يعني خرقاً للمعتاد. ببساطة، يصدر أمره بتنفيذ رغبة بوناسيرا. العدالة الأميركية (التي أخفقت في منح بوناسيرا ما أراده منها) يمكن أن تنتظر تحقيق عائلة كارليوني تلك العدالة الغائبة. نظامان يتواجهان تحت مظلة الحياة الأميركية ذاتها. لكنهما لا يتواجهان فقط، بل يتعاونان أيضاً. النظام الأميركي يتجاهل وجود النظام المافياوي للدون، وهذا يؤمّن استمرار السُلطة العليا لذلك النظام عبر شراء ذمم بعض السياسيين. لذلك؛ من قال إن الفيلم تمجيد للمافيا أغفل الكثير من المعطيات المهمّة في هذا الشأن.
بتفهم وافٍ لهذا التوازن الدقيق، يعارض كارليوني العائلات المافياوية الأربع الأخرى (كل منها يحكم منطقة مختلفة) التي تطلب منه، في فصل لاحق من الفيلم، الموافقة على طلب سولوتزو (آل ليتيريللي) قيام كارليوني بتوفير الحماية له؛ إذ قرر أن يضم إلى أعماله تجارة الهيرويين. ليس فقط الحماية، بل فتح دفتر اتصالاته وتعريف سولوتزو بهم، وبذلك يتشارك وكارليوني فوائد دعم الحاشية السياسية.
هناك دافع أخلاقي لدى الدون لرفض هذا الطلب، لكن الدافع السياسي أعلى؛ فهو إذا ما وافق على طلب سولوتزو سيؤلّب عليه حتى السياسيين الذين يتعامل معهم ويفقد، بالتالي، دعمهم. لكنه برفضه يضع العائلات الأربع الأخرى في صف سولوتزو وما سيلي من فصول يبرهن على أن هذا الأخير، مستفيداً من علاقاته مع العائلات الأخرى، سيعمد إلى العنف ليحقق رغبته.
لكن العنف مستشرٍ حتى من قبل ذلك المشهد. في ليلة العرس ذاتها (قبل انتقال الأحداث إلى مواقع أخرى) يتقدم المغني والممثل جوني فونتين (آل مارتينو) بشكواه: كان توخى بطولة فيلم يجد فيه فرصته الأفضل للنجاح لكن منتج الفيلم جاك وولتز (جون مارلي) ينزع عنه البطولة. يريد جوني من كارليوني استخدام سطوته لإقناع جاك بإعطائه تلك الفرصة.
ينتدب كارليوني المحامي توم هاغن (روبرت دوڤال) للمهمّة. توم هو الوحيد غير الإيطالي المقرّب جداً من الدون. يعامله كواحد من أولاده. يتوجه توم صوب مزرعة ومنزل جاك ليساومه. هذا يقابله بأسلوب حضاري لائق، لكنه يرفض الانصياع لطلب توم ومن وراءه. «دون كارليوني لن يقبل عدم الاستجابة لطلبه»، يقول هاغن. لكن وولتز لا يكترث. التالي ذلك المشهد الذي يستيقظ فيه المنتج من النوم منزعجاً. يدس يده تحت اللحاف ويسحبها فيرى دماً عليها. يكشف اللحاف ليجد رأس فرسه الأقرب إليه ملقى بجانبه.
لا أهمية لكيف تمكّن أحد (ليس توم، بل من استأجرهم) من دخول المنزل ووضع رأس الحصان في الفراش من دون إيقاظ المنتج الذي يطلق صرخة خوف مرعبة. المهم هو ذلك التصوير الرائع (من غوردون ويليس) والتوليف الصحيح (للمخضرم ويليام رينولدز) وحرص كوبولا على إيفاء المشهد عنصر المفاجأة وتأكيد المفاد بأن عائلة كارليوني تستطيع استخدام العنف كوسيلة، من بعد اعتماد الحوار.
مظلّة لنظامين
بعد هذه الفصول الباب مفتوح لعالم على العنف كوسيلة وحيدة لفرض الرغبات: مشهد خنق لوكا برازي (لَني مونتانا) بعد طعنه في يده من قِبل سولوتزو يتبعه مشهد محاولة اغتيال دون كارليوني نفسه، ثم مشهد انتقام ابنه الأصغر مايكل (آل باتشينو) من سولوتزو وضابط البوليسي ماكلوسكي (ستيرلنغ هايدن) ثم انتقام العصابة المناوئة من ابن كاروليوني الآن صوني (جيمس كان) بنصب كمين له عند نقطة مرور. هذا الكمين هو جزء من كمين أكبر تم استخدام فيه ثورة صوني على زوج أخته الذي يتعرّض لها بالضرب. يعاقب الزوج ضرباً، لكن في طريق عودته يزرع قتلة مأجورون جسده برصاصاتهم.
في كل ذلك استعراض لعالم من العنف وأسبابه تحت مظلّة نظام يراه المخرج والكاتب ماريو بوزو أشبه بمأوى لكل فساد باق طالما أن النظام يستفيد من وجوده. لا ريب أن العامل الشخصي يلعب دوره بمنأى عن هذه العلاقة بين المافيا وأميركا، لكن ما نراه من مشاهد متوالية يندمج كاملاً تحت هذه المظلة. سيعود كوبولا والروائي بوزو إلى السياسة الخارجية الموسومة بالتآمر والعلاقات الخفية بينها وبين فساد العصابات في الجزء الثاني بعد عامين من هذا الفيلم.

آل باتشينو ودايان كيتون في «العرّاب»

تكملة لكل ما سبق يختار كوبولا فصل النهاية بعناية نموذجية: مايكل يحضر تعميد طفل شقيقته في الكنيسة بينما رجاله (أبرزهم البدين كليمانزا، كما أدّاه رتشارد س. كاستيلانو) وبإيعاز من مايكل يجهزون على باقي أعداء العائلة كل في موقع مختلف وبينهم بارزيني (رتشارد كونتي) الذي كان من أبرز مؤيدي سولوتزو. هنا ربط بين التقاليد الدينية بالعنف الدنيوي. الأول لا يمنع الثاني.
في وسط كل هذا، لا تغيب العلاقة بين أميركا ذات الجذور الصقلية وأميركا البيضاء الأخرى. في الأساس، وبينما كان شقيقا مايكل (صوني وفريدو، كما أداه جون كازال) يعملان مع والدهما عن كثب، كان من المفترض لمايكل دخول السلك السياسي ليصبح حاكم ولاية. هذا بعد خدمته في الجيش. إنه الحصان الأبيض وسط ذويه. آخر من يراه أفراد العائلة أهل للتحوّل إلى زعيم. إلى ذلك هو متزوّج من امرأة أميركية غير إيطالية الأصل (دايان كيتون) ومؤهل لسبر غور حياة مختلفة. لكن لا مهرب من الانخراط في عصب العائلة. كل ذلك تحوّل، بعد النجاح الجماهيري الكبير للفيلم، إلى تمهيد للجزء الثاني الذي يؤرخ للدون الكبير (كما يؤديه روبرت دينيرو) ويواصل فيه رحلة مايكل بعدما تحوّل إلى آلة مفترسة تواصل انتقامها من أعداء «العرّاب» وعائلته. أما كوبولا فقد أسس هنا صرحه الذي اعتلى به لا أبناء جيله من المخرجين فحسب، بل القمّة بين مخرجي هوليوود من قديم الأزل. وعندما حان الوقت للابتعاد قليلاً عن الحكاية المافياوية (قبل أن يعود إليها في جزء ثالث) اختار الإيحاء بفساد السياسة واللجوء إلى العنف معاً في تحفته «القيامة الآن».


مقالات ذات صلة

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.