تفاصيل جديدة عن المفاعل النووي «لافيزان3» وسط مخاوف دولية من نيات إيران

لم تتطرق إليه المفاوضات.. أقامته شركتا «كالاي» و«حراء» أسفل قاعدة عسكرية قرب طهران.. ويستخدم أجهزة حديثة لتخصيب اليورانيوم

عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)
عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)
TT

تفاصيل جديدة عن المفاعل النووي «لافيزان3» وسط مخاوف دولية من نيات إيران

عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)
عامل إيرني يمر بدراجته بجانب كفاعل بوشهر النووي خارج مدينة بوشهر الجنوبية (أ.ب)

وسط مخاوف دولية من نيات إيران الوصول إلى تصنيع القنبلة النووية، تكشف تفاصيل جديدة بشأن مفاعلها النووي «لافيزان3» أنه أقيم أسفل قاعدة عسكرية قرب طهران بواسطة شركات محلية منها «كالاي» و«حراء»، ويستخدم أجهزة حديثة لتخصيب اليورانيوم، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر شبكة أنفاق تقع تحت مجمع لسكن ضباط بالجيش يطل على شارع «شاهمرادي». وبينما كانت المفاوضات تدور بين إيران التي تعاني صعوبات اقتصادية والدول الكبرى المتشككة حيال طموحها في التصنيع العسكري النووي، من أجل التوصل لاتفاق بهذا الخصوص بين الطرفين، جرى التحذير للمرة الأولى، في أواخر فبراير (شباط) الماضي، من وجود مفاعل سري لم تتطرق إليه المفاوضات، يحمل اسم «لافيزان3»، وذلك حين أعلنت مجموعة إيرانية معارضة، في واشنطن، وجود هذا الموقع «السري»، قائلة إنه يعد انتهاكا للمفاوضات الحالية مع الدول العظمى.

وجرى في الأيام الأخيرة تسريب تقرير يقع في 11 صفحة لمسؤولين في الولايات المتحدة الأميركية وعدة بلدان أوروبية يتضمن تفاصيل جديدة عن المفاعل السري المشار إليه، بالتزامن مع الاتفاق السياسي الذي توصلت إليه طهران مطلع الشهر الحالي مع مجموعة الدول دائمة العضوية بمجلس الأمن إضافة لألمانيا، بشأن برنامجها النووي، تمهيدا للتوصل لاتفاق شامل ونهائي، قبل يوليو (تموز) المقبل.
وينظر الكثير من المراقبين الغربيين بتشكك إلى نيات طهران وطموحاتها في استخدام برنامجها النووي في أغراض عسكرية لفرض الهيمنة بمنطقة الشرق الأوسط الملتهبة أصلا، بينما يرى معارضون إيرانيون أن نظام طهران لم يعد لديه خيارات كثيرة بعد أن تورط في تمويل الحروب ونشر الفوضى في عدة بلدان عربية، وأصبح يسعى لإنقاذ نفسه من شبح الأزمة الاقتصادية التي تخنق قطاعات واسعة من فئات الشعب.
على خلفية مثل هذه التفاصيل التي تخص الأنشطة السرية النووية في إيران ووقوفها وراء الحروب في بعض بلاد المنطقة، يقول ستروان إستيونسن، الرئيس السابق لوفد البرلمان الأوروبي للعلاقات مع العراق، لـ«الشرق الأوسط»، إنه لا ينبغي الوثوق في سياسات طهران في ما يتعلق ببرنامجها النووي.. «النظام الإيراني خدع العالم على مدى أربعة عقود في ما يتعلق بسياساته الدولية أو في المنطقة».
وفي رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أيضا يؤكد النائب الاشتراكي السابق في البرلمان الفرنسي، فرنسوا كلكومبه، أن حصول إيران على السلاح النووي، حتى ولو كان في الأمد البعيد، يعد من أكثر الأمور مبعثا للقلق خلال الأعوام المقبلة، واصفا سياسات كل من روسيا والصين والولايات المتحدة (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن) تجاه هذه القضية بأنها الأسوأ.. «لا توجد ضمانة للحيلولة دون سعي إيران لامتلاك القنبلة الذرية».
ومن بين محاولاتها لصرف الأنظار عن مشاريعها المقلقة للمنطقة والمجتمع الدولي، يقول معارضون إيرانيون وساسة غربيون، إن طهران تعمل على خلق بؤر توتر وحروب بالوكالة بعيدا عن أراضيها، مثلما يجري في العراق وسوريا واليمن. وتشير دولت نوروزي، وهي معارضة إيرانية تقيم في بريطانيا، خلال إجابتها عن أسئلة «الشرق الأوسط» بهذا الخصوص، إلى أن نظام طهران لم يجلب طوال سنوات حكمه (منذ 1979) سوى «البلاء والمصائب للشعب ولدول المنطقة، وللأسف يستغل الدين في ذلك».
التقرير الذي حصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه يشير إلى أنه رغم ادعاءات طهران بأن جميع الأنشطة الخاصة بتخصيب اليورانيوم، شفافة وتجري تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن النظام، في واقع الأمر، اضطلع بجهود البحث والتطوير لأجهزة الطرد المركزية المتقدمة في المنشأة النووية السرية التي تحمل اسم «لافيزان3».
تمكن معارضون إيرانيون ينشطون في الولايات المتحدة وأوروبا، بالتعاون مع زملاء لهم في الداخل الإيراني، من جمع كمية من المعلومات التفصيلية عن المفاعل الجديد. ورغم أنه لم يجر التحقق من مصدر محايد بعد، بشأن ما ورد في التقرير، فإن مصادر غربية تشير إلى أن المجموعة التي أعدته تتمتع، على ما يبدو بمصداقية، من خلال تعاملاتهم، عبر سنوات، مع أسرار تتعلق بالبرنامج النووي في بلادهم.
على مدار العشرين سنة الماضية تمكن قادة مما أصبح يعرف بـ«المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية»، من تأسيس مكاتب في أوروبا وأميركا تمثل قطاعات من المعارضة التاريخية لنظام رجال الدين في طهران. أحد فروع هذه المكاتب يقع في مبنى يحمل رقم 1747 في بنسلفانيا قرب العاصمة الأميركية. وفي يوم 24 فبراير عرض مساعد مدير الفرع، علي رضا جعفر زادة، ولأول مرة، صورا ملتقطة بالأقمار الصناعية، لموقع «لافيزان3»، لكن التفاصيل الدقيقة لهذه المنشأة، وفقا للتقرير، تبدو أكثر أهمية وإثارة للقلق.
لماذا؟ يجيب أحد النواب الأوروبيين، قائلا إن نفس الجهة التي قدمت هذه المعلومات، سبق وكشفت عن تفاصيل سرية خطيرة أصابت النظام الإيراني بالغضب، عن أنشطته النووية المثيرة للريبة في مواقع «ناتانز» و«أراك» عام 2002، وعن شركة «كالاي» وموقع «لافيزان شيان» في 2003، وغيرها، ولذلك حين نجد حديثا عن موقع نووي جديد فلا بد من الانتباه.. لقد ثبت على سبيل المثال أن «كالاي»، وهي شركة كهرباء بالأساس لها مقر في طهران، تسهم في تجارب على أجهزة الطرد المركزي والبحوث النووية.
السيد إستيونسن الذي يشغل أيضا رئاسة الرابطة الأوروبية لحرية العراق (EIFA)، يقول في إجابته عن أسئلة «الشرق الأوسط» عما إذا كانت إيران تسعى لمراوغة الغرب حول أنشطتها النووية: «بالتأكيد.. إنهم كانوا يخدعون ويراوغون الغرب في مجال برنامجهم النووي طيلة 30 بل 40 عاما. يبدو الأمر اليوم وكأنهم نجحوا في ذلك، إلا إذا استيقظنا أمام هذا الخطر الداهم للسلاح النووي الذي يتسلح به النظام الإيراني».
منشأة «لافيزان3» تقع بالقرب من موقع النشاط القديم لشركة «كالاي» التي تشرف عليها أيضا، وهي واحدة من ثلاث شركات إيرانية جمدت وزارة الخزانة الأميركية أصولها المالية منذ نحو سبع سنوات للاشتباه في دعمها لانتشار أسلحة الدمار الشامل‏ في هذا البلد الواقع على الخليج.‏ حاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من هذه الشركة التي تتبع في الأساس هيئة الطاقة الذرية الإيرانية، لكن لم يتسن إجراء اتصال مباشر بها، في حين ينفي المسؤولون الإيرانيون توجيه «البرنامج النووي السلمي لأغراض عسكرية».
ويشبه أحد السياسيين الغربيين الأمر بلعبة عض الأصابع. فإيران تريد أن تفلت من العقوبات الاقتصادية الدولية التي أرهقت كاهلها، بالتوصل إلى الاتفاق النووي، لكن الدول الكبرى تخشى أيضا من أن تترك هذا البلد الذي تشتبه في تمويله لحركات التطرف في المنطقة لامتلاك أسلحة الدمار الشامل.
يعرب السيد إستيونسن عن مخاوفه من «تركيبة نظام الحكم في إيران»، ويقول صراحة: «إنني أرى أن النظام المتطرف الذي أسسه آية الله الخميني أصر على أن يصوغ الدستور الجديد لنظامه بحيث يتضمن الخلافة.. ما فعله النظام الإيراني من الناحية السياسية لم يكن خارج إطار إقامة مثل هذه الخلافة تماما كما يدعي ذلك حاليا تنظيم داعش.. نحن جميعنا في الغرب نتحسس لذلك».
ويضيف: «نحن نشاهد كيف أن حكام طهران يوسعون نزعتهم الطائفية في أرجاء منطقة الشرق الأوسط.. نحن نرى كيف وصلت أذرعهم إلى داخل العراق وكيف أنهم يدعمون الطاغية بشار الأسد وكذلك حماس وحزب الله اللبناني والآن المتمردون الحوثيون في اليمن، ثم يلومون المملكة العربية السعودية لأنها نظمت تحالفا للوقف بوجههم».
ويشدد إستيونسن على أن التحالف الذي تقوده السعودية، و«للمرة الأولى، استطاع أن يوحد الدول العربية لمواجهة النظام الإيراني ليقول لهذا النظام كفى.. كفى. هذه الخطوة أخافت الملالي (رجال الدين الحكام في طهران)، حيث يشاهدون لأول مرة معارضة جادة حقيقية بوجههم وليس من جانب الغرب، بل من قبل دول الجوار العربي في الشرق الأوسط». وبينما تحاول إيران الإفلات من المراقبة على منشآتها النووية، يبدو أنه لم يعد أمامها خيار سوى محاولة «اللف والدوران» للوصول لاتفاق بأي وسيلة يخرجها من منظومة العقوبات الدولية. في منتصف هذا الشهر، وبعد مماطلة من جانب طهران، وصل مفتشون من الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقيق في موقع يشتبه في استخدامه في تطوير أسلحة نووية، لكن بهروز كمال، المتحدث باسم هيئة الطاقة الذرية الإيرانية صرح بأن مفتشي الوكالة جاءوا لمناقشة موضوع يتعلق بموقع عسكري في مدينة مريوان في غرب البلاد.
بحسب المصادر فقد بدأت الولايات المتحدة الأميركية في وضع «تفاصيل» تتعلق بالاتفاق مع إيران، أسرع من باقي البلدان الشريكة في المفاوضات، خاصة فرنسا وروسيا. التفاصيل الأميركية حتى الآن تتعلق بمفاعل «أراك» النووي الموجود كذلك قرب طهران. تعد البنود حول هذا المفاعل من القضايا الحساسة في محادثات إيران مع الدول الكبرى، وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.
مع ذلك لا أحد يعرف إن كانت منشأة «لافيزان3» ستدخل في بنود الاتفاق من عدمه، خصوصا أن الكشف عنها وتمرير المعلومات التفصيلية الخاصة بها، تعد حديثة العهد ولاحقة لعملية بدء التفاوض. يقول التقرير عن هذه المنشأة، إن المهندس الذي يتولى إدارة جانب منها، يدعى مرتضى بهزاد، وهو مسؤول نووي بارز لعب دورا رئيسيا من قبل في تشغيل موقع «فوردو» المهم، لتخصيب اليورانيوم، والذي يقع تحت الأرض أيضا، أسفل جبل قرب «قم» على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب طهران.
المهندس بهزاد، وفقا للتقرير، يعد همزة الوصل بين هيئة الطاقة الذرية الإيرانية ووزارة الدفاع، وكان من بين مديري موقع (لافيزان 3)، مشيرا إلى أن إقامة هذه المنشأة، ضمن عدة مجمعات بالمنطقة، جرت بناء على أوامر من العميد في الحرس الثوري الإيراني، سيد علي حسينيتاش، الذي تولى فيما بعد منصب نائب وزير الدفاع في البلاد.. «مهمة حسينيتاش كانت تكمن في متابعة بناء وصناعة الأسلحة النووية، ويشغل حاليا منصب نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي».
يجري تخصيب اليورانيوم في «لافيزان3»، وبصورة سرية، باستخدام أجهزة الطرد المركزية الحديثة من طراز (IR - 2m)، و(IR - 3)، و(IR - 4). يبدو من التقرير أن الموقع يحظى باهتمام كبير من جانب الدولة. تشرف على مسؤولية حمايته بشكل مباشر وزارة الاستخبارات والأمن الوطني. ووفرت هذه الجهات «تمويها» بحيث يجري التعامل مع المنشأة على أنها «مركز تابع لوزارة الاستخبارات، وغير معني بالأنشطة النووية».
يمكن تحديد موقع «لافيزان3» ضمن الأحياء السكنية الخاصة بقادة الجيش التي تستلزم تصريحا خاصا للدخول إليها، وهي منطقة عسكرية تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن طريق الجيش (الذي كان يسمى في السابق «طريق لاشكاراك السريع)، شمال شرقي العاصمة. تبلغ مساحة المنطقة العسكرية هناك نحو ستين فدانا، يحدها من الشرق شارع «شاهمرادي»، ومن الغرب شارع «غامار بني هاشم»، أما في الجنوب فتقع شقق العاملين بالموقع وتسمى «خوشرو»، وهناك أيضا موقع يضم مجمعين هما «مجمع جمال»، و«شركة ماتيران». يخضع الموقع بالكامل لإشراف مديرية الشؤون الفنية التابعة للاستخبارات الإيرانية.
ونظرا لحساسية شارع «شاهمرادي»، جرى وضع بوابة كبيرة مغلقة دائما، ما حوله لشارع مسدود لا يسمح بعبوره إلا للأفراد العاملين في المراكز العسكرية، أو المدنيين القاطنين في نفس الشارع. يوجد بجوار منشأة «لافيزان3» المجمع السكني العسكري المعروف باسم «الوحدة 64»، وهناك أيضا حامية «باهارفار» التابعة للجيش، إلى جانب مصنع لقطع غيار الصناعات الإلكترونية تابع لوزارة الدفاع. وإلى الجنوب الشرقي من موقع «لافيزان3» نفسه يوجد مجمع مستقل، كما يقول التقرير، تبلغ مساحته 170 مترا في 170 مترا. في داخل هذا المجمع هناك مبنى آخر مكون من طابقين بمساحة 70 مترا في 70 مترا مشيد في المنتصف. يوجد في هذا المبنى أحد أبواب النفق الذي يؤدي إلى الموقع النووي الرئيسي تحت سطح الأرض في منظومة من الأنفاق والمنشآت التي تشغل مساحة تقدر بألفي متر مربع.
«للوصول إلى الموقع تحت سطح الأرض، عليك استقلال المصعد الذي ينزل إلى عدة طوابق في عمق الأرض، وينفتح باب المصعد على نفق بطول 200 متر. يؤدي النفق إلى أربع قاعات متوازية. ونظرا لأن طبيعة الأرض منحدرة، فإن تلك القاعات تغوص في عمق الأرض حتى مسافة 50 مترا تقريبا»، كما يقول التقرير.
تبلغ أبعاد كل قاعة من القاعات الموجودة تحت الأرض 40 مترا في 10 أمتار، أي بمساحة 400 متر مربع. وتبعد كل قاعة عن مثيلتها بمسافة 50 مترا. يبلغ سمك أبواب القاعات 3 أمتار في 3 أمتار، إضافة إلى 40 سنتيمترا من مادة الرصاص الواقية من الإشعاع. كما أن المنشآت تحت الأرض مزدوجة الطبقات للحيلولة دون تشرب الإشعاع والصوت.
«مجمع جمال» يتكون من عدة مبانٍ ومجمعات كبيرة. المبنى الرئيسي فيه عبارة عن بناية من ستة طوابق تقع إلى الشمال الشرقي من المنطقة. يتولى رجل اسمه «ثابتي» ويشغل موقع مدير وزارة الاستخبارات، مسؤولية الإشراف على المجمع. أما رئيس الأمن فيه فهو مسؤول يدعى «معظم». وتحتل شركة «ماتيران» الجزء الثاني من المجمع، وتقع إلى القسم الجنوبي من الموقع، وتستقل عن بقية المناطق بجدار فاصل.
يقول التقرير، إن «ماتيران» تعد جزءا من المديرية الفنية بوزارة الاستخبارات، وتعمل على إنتاج بطاقات الهوية الرقمية، وشهادات الميلاد الإلكترونية، وغير ذلك من البطاقات ذات الاستخدامات الأمنية. ويترأس هذه الشركة، المدعو حامد شعيبي، الذي يترأس أيضا «هيئة الوثائق الأمنية الوطنية»، أحد فروع الاستخبارات.
من بين الخبراء العاملين في «ماتيران»، هناك عدة أسماء وردت في التقرير من بينهم ماجد شافعي، مدير الإنتاج، ومسعود تاغيبور، من قسم التصميمات، وعباس خودافيردي، المسؤول الفني. ويبدو من التفاصيل أن السلطات الإيرانية أنفقت أموالا طائلة من أجل إنجاز موقع «لافيزان3» وملحقاته، حيث توجد بالمنشآت تحت الأرض نظم خاصة للتهوية التي تحول دون انبعاث الإشعاعات إلى الخارج، إضافة إلى توفير أنفاق محصنة وقادرة على دخول وخروج الروافع الشوكية، سواء لجلب المعدات الثقيلة أو تحريكها داخل السراديب.
شركة «حراء» الإيرانية لها نشاط في بناء المشروعات الدفاعية السرية، وهي جزء من حامية تابعة لقوات الحرس الثوري الإيراني، تعرف باسم «خاتم الأنبياء» وأشرفت على بناء أنفاق «لافيزان3» في الفترة من عام 2004 حتى عام 2008، حين كانت تحت مسؤولية العميد في الحرس الثوري، مهدي اعتصام. ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أصبح كريم غانجي، هو مسؤول إدارة «حراء».
يدعو التقرير الولايات المتحدة الأميركية التزام الجدية حيال منع النظام الإيراني من امتلاك الأسلحة النووية، وأنه «يتعين عليها إسناد مواصلة المحادثات على شرط التفتيش الفوري من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية على موقع لافيزان3 السري»، مشيرا إلى أنه بينما كان النظام الإيراني يخوض في جدل ومشاحنات مطولة مع مجموعة دول (5+1) حول عدد من أجهزة الطرد المركزية، كان في نفس الوقت يجري التجارب والاختبارات سرا على طرز حديثة من ذات الأجهزة لمواصلة جهود تخصيب اليورانيوم.
ومع تزايد المخاوف من تلاعب إيران مع الغرب والاستمرار في أنشطتها النووية، وبالتزامن مع الأزمة الداخلية التي يواجهها نظام طهران، يضغط معارضون إيرانيون وساسة غربيون من أجل دق ناقوس الخطر قبل توقيع الاتفاق النووي. جرى في هذا السياق مواصلة عقد عدد من المؤتمرات الصحافية عبر الإنترنت، شارك فيها متابعون من بلدان مختلفة. وفي سؤال حول طهران والاتفاق النووي، يجيب السيد إستيونسن، من مقره في المملكة المتحدة، محذرا إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بقوله إن سياسته للتهدئة ألحقت الضرر بشدة بقدرة الغرب على السيطرة على طهران.
ويتخوف مراقبون غربيون من بينهم ستيفنسون، من موافقة الدول الكبرى على طلب إيران بأن تكون مواقعها العسكرية خارج حدود المفتشين الدوليين «ما يخلق عائقا خطيرا في ضمان الامتثال (لشروط المراقبة)، لأن معظم مختبرات الأبحاث النووية الإيرانية كانت موجودة في منشآت عسكرية».
وتمثل نوروزي، المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في المملكة المتحدة. وأجابت عبر الإنترنت عن عدد من أسئلة «الشرق الأوسط» في ما يتعلق بالقضية الإيرانية الراهنة، سواء في الداخل أو ما يتعلق بالبرنامج النووي. وترى أن «النظام الديکتاتوري الديني» في طهران، ومن أجل تغطية أزماته التي تحاصره، يقوم بالتحرکات المطردة من أجل تصدير التطرف والإرهاب والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.
تضيف أن النظام الإيراني «جلب البلاء والمصائب على الشعب الإيراني»، وقام أيضا بـ«تصدير المصائب والبلاء لبلدان مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها»، ولهذا تمثل «عاصفة الحزم» بقيادة السعودية، اتحادا من الدول العربية للوقوف بوجه تدخلات النظام في اليمن، مشيرة إلى أن انحسار الدور الإيراني في اليمن سيترك آثاره المباشرة في العراق وسوريا وحتى في لبنان أيضا.
ومن جانبه، يقول النائب الفرنسي السابق كلكومبه، وهو قاض، ويرأس حاليا مؤسسة دراسات الشرق الأوسط المعروفة باسم «FEMO»، إن النظام الإيراني لم يكن صادقا مع المجتمع الدولي بشأن البرنامج النووي، و«النظام الإيراني يمتلك إمكانيات الحصول على القنبلة الذرية، والبلدان العربية من حقها أن تشعر بالقلق لأن إيران تفصلها مسافة قصيرة عن هذه القنبلة ويجب أن يطالبوا باتفاق يطمئنهم».
وحمل السيد كلكومبه، وهو أيضا مؤسس اللجنة الفرنسية لـ«إيران ديمقراطية»، النظام الإيراني مسؤولية انتشار التطرف والإرهاب وحالة عدم الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، ودعا بلاده إلى المساعدة في تشكيل «حكومة ثورية» في سوريا، و«يجب أن تعمل إلى جانب الدول العربية لمواجهة تطلعات النظام الإيراني للحصول على القنبلة الذرية».



«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.


تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب)

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌أميركيين ⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد خلال الأيام ⁠المقبلة ‌لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية ‌في المياه الدولية.

ووفق الصحيفة الأميركية، يستهدف الجيش بذلك توسيع نطاق حملته البحرية ضد إيران لتشمل مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار الجيش الإيراني في تشديد قبضته على مضيق هرمز، حيث هاجم «الحرس الثوري» الإيراني عدة سفن تجارية، السبت، في المضيق، معلناً أن الممر المائي الحيوي يخضع «لسيطرة إيرانية مشددة».

وقد دفعت هذه التطورات شركات الشحن إلى حالة من الارتباك بعد يوم من تصريح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بأن المضيق مفتوح بالكامل أمام حركة الملاحة التجارية، وهو إعلان رحّب به الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ويهدف قرار إدارة ترمب بتصعيد الضغط الاقتصادي على طهران إلى إجبار النظام الإيراني على إعادة فتح المضيق، وتقديم تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، الذي يعد محور المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.

ونقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، قوله، السبت، إن إيران تستخدم السيطرة على مضيق هرمز أداةَ ضغط سياسية في مواجهة العقوبات الدولية.

بدوره، قال الرئيس الأميركي إنه لن يسمح بتحرك إيران لإغلاق المضيق بوضعه تحت الضغط، بعد أن أعادت طهران إغلاق الممر المائي بعد رفض ترمب إزالة الحصار الذي فرضه على الموانئ الإيرانية.

ووفقاً للقيادة المركزية الأميركية، فقد أعادت الولايات المتحدة بالفعل 23 سفينة حاولت مغادرة الموانئ الإيرانية في إطار الحصار البحري.

وسيُمكّن توسيع نطاق هذه الحملة الولايات المتحدة من السيطرة على السفن المرتبطة بإيران حول العالم، بما في ذلك السفن التي تحمل النفط الإيراني والتي تبحر بالفعل خارج الخليج وبحر العرب، وتلك التي تحمل أسلحة قد تدعم النظام الإيراني، وفق «وول ستريت جورنال».


هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
TT

هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون؛ ففي أقل من يوم، انتقل الخطاب من حديث عن فتح المضيق واستئناف المرور، إلى إعلان إيراني جديد بأن هرمز «عاد إلى وضعه السابق»، وأنه بات تحت «الإدارة والسيطرة الصارمة» للقوات المسلحة الإيرانية، فيما تمسك الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية سيظل «سارياً بالكامل» إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل.

هذا التناقض لا يعكس فقط حرب روايات بين واشنطن وطهران، بل يكشف أيضاً عن أن الطرفين يحاولان التفاوض من موقع الضغط الأقصى، من دون أن يكون أي منهما مستعداً فعلاً لتحمل كلفة العودة الكاملة إلى الحرب. ويرى مراقبون أن جوهر المرحلة الراهنة لم يعد فقط: مَن يسيطر على هرمز؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصادياً وسياسياً أكثر في اختبار الوقت؟

تصريحات متضاربة

ومع عودة إيران إلى إغلاق المضيق عملياً، تجدد التراشق الإعلامي بين واشنطن وطهران. وبعدما قال ترمب إن إيران وافقت على ألا تستخدم المضيق «سلاحاً» مجدداً، وإن جولة جديدة من المحادثات قد تُعقد قريباً، سارعت طهران إلى نفي وجود «اتفاق جديد»، ووصفت الرواية الأميركية بأنها «ضجيج» و«أكاذيب».

كما أفادت «رويترز» بأن القوات الأميركية أعادت 23 سفينة كانت متجهة إلى إيران، في مؤشر على أن واشنطن لا تتعامل مع مسألة الهدنة باعتبارها عودة إلى الوضع الطبيعي، بل باعتبارها فرصة لتكثيف الضغط البحري.

هذه الفجوة بين الإعلانين الأميركي والإيراني تعني أن المضيق قد يكون «مفتوحاً» بالمعنى الدعائي، لكنه ما زال «مقيداً» عملياً بسبب المرور المحدود، والرقابة الإيرانية، وأخطار الألغام والزوارق، فضلاً عن رسائل متبادلة تجعل شركات الشحن والتأمين تتصرف على أساس أن البيئة لا تزال شديدة المخاطر.

من يتحمل الضغط أكثر؟

وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث ورئيس الأركان المشتركة الجنرال دان كين وقائد «سينتكوم» الجنرال شارلز كوبر خلال مؤتمر في البنتاغون (رويترز)

ويرى مراقبون أن رهان ترمب واضح: إذا كانت الحرب العسكرية لم تُجبر إيران على فتح هرمز والتنازل سريعاً، فإن «الحرب الاقتصادية عبر الحصار البحري» قد تفعل ذلك.

ويشيرون إلى أن هذا الرهان ليس مضموناً؛ فمن جهة، فهو يضرب أهم مصدر دخل خارجي لطهران، أي صادرات النفط، ويضغط أيضاً على الواردات الحيوية والمواد الوسيطة اللازمة للصناعة والإعمار. ومن جهة أخرى، لدى إيران خبرة طويلة في التكيف مع العقوبات، وشبكات تهريب، وأسواق ظل، ولديها مشترٍ رئيسي هو الصين، ما يجعل قدرتها على «العيش في الأزمة» أعلى من قدرة خصوم كثيرين على تحمل فوضى إقليمية مفتوحة.

لذلك، تبدو لعبة «من يتراجع أولاً» معقدة؛ لأن واشنطن تعتقد أن الزمن صار ضد إيران، بينما طهران تراهن على أن خصومها والأسواق العالمية ودول الخليج، سيتعبون أولاً من كلفة الاختناق المزمن.

ويلفت دبلوماسيون إلى أن بعض التقديرات تشير إلى أن الضرر لم يعد رمزياً. وذكرت «نيويورك تايمز» أن النفط ما زال يمثل أكثر من 40 في المائة من عائدات التصدير الإيرانية، وأن الصين اشترت 90 في المائة من النفط الإيراني في عام 2024، فيما قُدرت مشترياتها في 2025 بنحو 31.5 مليار دولار، أي ما يعادل 45 في المائة من موازنة الحكومة الإيرانية.

وإذا صحت هذه الأرقام، فإن أي تعطيل ممتد للتدفقات البحرية يضع النظام أمام مشكلة سيولة وعجز مالي حقيقية، لا مجرد ضيق مؤقت، خصوصاً بعد عرض روسيا استعدادها لتعويض الصين عن النقص الإيراني.

ومع ذلك، يظل هذا الضغط أقل حسماً مما يفترضه البيت الأبيض؛ لأن هدف طهران في ظروف الحرب ليس تعظيم الإيرادات بل الإبقاء على الحد الأدنى الذي يسمح للاقتصاد بأن «يعرج» ولا ينهار.

أثر الحصار البحري

ناقلة نفط راسية قرب جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

وبحسب تقارير أميركية، فإن الحصار البحري الحالي يضرب الاقتصاد الإيراني على ثلاث طبقات: الأولى هي طبقة الإيرادات النفطية المباشرة؛ إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن محللين، أن إيران قد تصل خلال أسبوعين أو ثلاثة إلى ما يسمى «امتلاء الخزانات»، أي نفاد القدرة التخزينية على اليابسة، ما يضطرها إلى خفض الإنتاج أو إغلاق آبار النفط، وهي خطوة عادة ما تُحدث أضراراً طويلة الأجل لبعض الحقول.

كما تذكر الصحيفة أن تكلفة الحصار قد تبلغ نحو 435 مليون دولار يومياً، منها 276 مليوناً خسائر صادرات، معظمها نفط وبتروكيماويات. وإذا استمر هذا المستوى من النزف الاقتصادي، فإن الخسارة الشهرية تصبح بمليارات الدولارات، لا سيما في اقتصاد أنهكته الحرب أصلاً.

أما الطبقة الثانية، فهي طبقة الإنتاج الصناعي وسلاسل الإمداد؛ فالقصف الأميركي - الإسرائيلي ألحق أضراراً بمصانع وشبكات نقل، ومنشآت كهرباء، ومجمعات بتروكيماوية، ومراكز لإنتاج الصلب.

وفي هذا السياق، لم يعد الحصار مجرد وسيلة لوقف التصدير، بل صار أداة لتعميق الاختناق الداخلي عبر تعطيل استيراد المواد والقطع اللازمة لإعادة تشغيل ما تبقى من الاقتصاد. وهنا تتضح المفارقة؛ لأنه حتى القطاعات التي نجت من القصف قد تُصاب بالشلل إذا تعذر عليها استيراد المدخلات.

أما الطبقة الثالثة فهي الخسارة الكلية المركبة: أي كلفة إعادة الإعمار، وفقدان الوظائف، وانقطاع الإنترنت، وتآكل الثقة. ويتحدث الإعلام الإيراني عن تقدير أولي لإعادة الإعمار عند 270 مليار دولار، وتذّكر تقديرات بخطر يتهدد ما يصل إلى 12 مليون وظيفة، كما تشير إلى خسائر بنحو 1.8 مليار دولار جراء انقطاع الإنترنت خلال 48 يوماً.

وهذه أرقام يجب التعامل معها بحذر؛ لأن بعضها تقديري وبعضها صادر عن جهات غير رسمية، لكنها في مجموعها ترسم صورة لاقتصاد لا يعاني من ضربة واحدة، بل من صدمات متراكبة: حرب، وحصار، واختناق لوجيستي، وعطب رقمي.

الحصار وآلية «سناب باك»

نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده يتحدث للصحافيين على هامش مؤتمر أنطاليا في تركيا (رويترز)

مع فرض واشنطن حصارها البحري، طرحت نقطة قانونية تتعلق بمدى توافقه مع عودة العقوبات الدولية على إيران بموجب آلية «سناب باك».

فمن الناحية السياسية، تحاول واشنطن الإيحاء بأن تلك الآلية تمنحها مظلة أوسع لملاحقة التجارة الإيرانية. لكن من الناحية القانونية البحتة، يجب التفريق بين أمرين: إعادة فرض قيود أممية على إيران، وامتلاك تفويض صريح من مجلس الأمن لفرض حصار بحري شامل ووقف السفن في البحر باسم المجتمع الدولي.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية بوضوح في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن إجراءاتها جاءت دعماً لـ«العودة في 27 سبتمبر (أيلول) 2025» إلى العقوبات الأممية المرفوعة سابقاً، وهذا يعني أن التاريخ الرسمي لإعادة الفرض كان 27 سبتمبر لا أكتوبر، وإن كانت إجراءات التنفيذ الأميركية اللاحقة قد تتابعت في أكتوبر.

لكن عودة العقوبات لا تعني تلقائياً، وفق القانون الدولي، أن أي دولة تستطيع منفردة فرض حصار بحري شامل على نحو مماثل لتفويضات مجلس الأمن السابقة في أزمات أخرى.

فالأدبيات القانونية التي يعرضها الصليب الأحمر الدولي تشير إلى أن إجراءات الاعتراض البحري ذات الأساس الأقوى في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كانت عادة ترتكز إلى قرارات صريحة من مجلس الأمن، بينما يبقى قانون الحصار البحري نفسه جزءاً من مجال عرفي معقد وغير مقنن بالكامل في معاهدة جامعة.

وفي المقابل، تنص اتفاقية قانون البحار على أن السفن والطائرات تتمتع بحق «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وهو مبدأ يصعب التوفيق بينه وبين فكرة خنق المرور أو إخضاعه لإرادة دولة مشاطئة أو قوة بحرية منفردة من دون سند دولي صريح. لذلك يمكن القول إن «سناب باك» تقوّي البيئة العقابية ضد إيران، لكنها لا تحسم وحدها مشروعية الحصار البحري الأميركي بالشكل الواسع المعلن، ولا يمنح إيران في المقابل حق تقييد المرور في هرمز باعتباره ورقة سيادية مطلقة.

الخلاصة أن الطرفين عالقان في معادلة استنزاف متبادل: ترمب يريد انتزاع تنازل نووي وملاحي من دون العودة إلى حرب مكلفة، وإيران تريد منع تحويل الهدنة إلى استسلام اقتصادي مغلف بالتفاوض.

لكن التطورات الأحدث تشير إلى أن كليهما لم ينجح بعدُ في فرض روايته الكاملة: واشنطن لم تحصل على فتح طبيعي وآمن لمضيق هرمز، وطهران لم تكسر الحصار أو تفرض اعترافاً عملياً بسيطرتها على شروط المرور.

وبينهما، تقف الأسواق وشركات الشحن أمام واقع واحد: لا حرب شاملة، ولا سلام ملاحياً فعلياً. وفي مثل هذا الوضع، يرى مراقبون أن تمديد الهدنة يصبح ممكناً لأن البديل خطير، لكنه يبقى تمديداً هشاً ما دام كل طرف يرى في الوقت نفسه وسيلة ضغط لا مساحة تسوية.