الحرب الباردة سادت علاقة روسيا بالغرب

من صديق في أفلام أولى إلى عدو مدى الحياة

TT

الحرب الباردة سادت علاقة روسيا بالغرب

تداهم الأزمة الأوكرانية حالياً كل شؤون الحياة المختلفة. روسيا تقضم أوكرانيا، واضعة العالم على حافة حرب كبرى. خلال ذلك لا يعرف اختصاصيو الاقتصاد ما الذي سيحدث بالتحديد لأسواق التجارة العالمية وأسواق البورصة ومصير الدولار واليورو والجنية الإسترليني. كلام كثير حول النتائج المحتملة وكله سلبي ينذر بمضاعفات عديدة تضرب ما بقي من استقرار في هذا العالم.

- وقد تضرب السينما أيضاً
في تقرير نشره أكثر من موقع، تشعر هوليوود بأن التداعيات قد تصيبها، ليس لأنها ستخسر السوق الروسية والأوكرانية معاً (كلاهما ليسا من الأسواق النشطة تجارياً لها) بل نتيجة تحوّلات في سياسة العروض الصينية تصاحب الوضع الأوروبي الحالي. للتحديد، وحسب المتداول في هوليوود اليوم، هناك خوف من أن تخسر السينما الأميركية الترحيب الذي صاحبها منذ عقدين في الصين، بحيث ازداد اتكال هوليوود على سوقها الضخمة والأرباح المجناة منها.
إذا ما قررت الصين إغلاق السوق أمام الإنتاجات الأميركية، ولو بنسبة 50 في المائة، فإن النتيجة ستكون وخيمة على صناعة السينما التي ما زالت تعاني من جرّاء وباء «كورونا».

- ألمانيا العدوّة
الحرب بين روسيا والغرب قائمة على الشاشة منذ زمن بعيد. ليس كل الغرب بل الولايات المتحدة على وجه التحديد، كون سينماها هي الأكثر ثراءً وتنوعّاً ونجاحاً، من ناحية، ولأسباب محض تجارية من ناحية أخرى. تحليل هذين الجانبين مرتبط بحقيقة أن معاداة شعب أو حكومة أو عرق ما، يعتمد على الرياح السياسية التي يشعر بها الأميركيون أكثر من سواها. تفسير ذلك بسيط: الجمهور (في كل مكان) هو سواد من الناس تدفعه العاطفية لتبني المواقف. وما يتبناه أكثر من سواه هو الموقف الرسمي لبلاده خصوصاً عندما يكون النزاع سياسياً أو وطنياً.
إذا شاء الجمهور، في ثلاثينات القرن الماضي وحتى الخمسينات، السخرية من الحياة العربية آنذاك، كان له ما أراد. لن يكون هناك واعز ضد استخدام الشخصية العربية وما يصدر عنها، وربطها بالمجتمع ككل، وتصويره على النحو الذي نعتبره، نحن، مشوّهاً وعدائياً. نحن لسنا في الصورة إلا كوسيلة للترفيه الجماهيري.
وهناك حالات متعددة تكشف ارتباط منهج هوليوود السينمائي بالموقف السياسي. خلال احتلال اليابان للصين، كانت هناك أفلام تتحدّث عن بطولة الصينيين ومساندة «أبطال» أميركيين لهم ضد عدو مشترك.
الموقف حيال ألمانيا لم يختلف عن هذا المنهج كثيراً، فحتى من بعد وصول أدولف هتلر إلى الحكم وارتفاع نغمة المعاداة لليهود في ألمانيا في منتصف الثلاثينات، استمرت هوليوود بإغداق هداياها من الأفلام تلبية لحاجتها للسوق الألمانية. فقط عندما نشبت الحرب العالمية الثانية سنة 1939 بدأنا نرى أفلاماً أميركية تتحدّث عن هذا العدو الجديد للعالم الديمقراطي، فتم إنتاج أفلام تدين النازيين كما حال «اعترافات جاسوس نازي» لأناتولي ليتفاك سنة 1939 وعشرات الأفلام الحربية التي تناولت مواضيع تتدرّج من إرسال كتائب وراء خطوط العدو إلى اجتياح القوات الأميركية أوروبا انطلاقاً من نورماندي
أحداث «اعترافات جاسوس نازي» بقيت داخل البيت الأميركي وهو سبق بعام واحد جهد تشارلي تشابلن «الديكتاتور العظيم» (1940). في العام ذاته قامت ألمانيا بتحقيق أفلام مناوئة عبر ذراعها الإعلامي. وبينما كان تشابلن يعكس تعاطفه مع مصير اليهود، أنتجت البروباغاندا الألمانية «اليهودي الخالد» (The Eternal Jew) لفريتز هيبلر الذي برر موقف الدولة الألمانية حيال اليهود.

- روسيا الحليفة
حين انتهت الحرب العالمية الثانية استمرّت السينما الأميركية في إطلاق أفلامها الحربية ضد العدوّين المتلازمين: الألمان واليابانيين وبنجاح تجاري كبير غالباً كون الجمهور أقبل عليها تعبيراً عن تأييد وطني لها. الحال مستمر على النحو ذاته كلما رغبت هوليوود في إنتاج فيلم حربي آخر عن الفترة كما فعل كونتن تارنتينو في «أوغاد بلا مجد» (nglourious Basterds).
العلاقة الروسية - الأميركية انبثقت بدورها من ثنايا تلك الحرب. فخلالها كان من المتاح تقديم عدد من الأفلام التي آزرت الجهود الروسية (أو السوفييتية بالأحرى). فيلمان في هذا الاتجاه بدآ هذا التوجه سنة 1942 هما «جبهتنا الروسية» للمخرجين لويس مايلستون (أنجز فيلماً ضد الحرب، أي حرب، في مطلع الثلاثينات بعنوان «كله هادئ على الجبهة الغربية») ويوريس إيفنز. الفيلم الثاني هو «الآنسة في من موسكو» وهو فيلم جاسوسي يظهر تعاون الأميركيين والروس ضد الألمان.
في عام 1943 ارتفع عدد الأفلام الأميركية المؤيدة لروسيا إلى خمسة: «النجمة الشمالية»، فيلم آخر للويس مايلستون و«مهمّة إلى موسكو” حول حياة السفير الأميركي جوزف دايڤيز في روسيا التي أحب (حققه مايكل كورتيز) و«ثلاث فتيات روسيات» (مقتبس عن فيلم روسي بعنوان «فتاة ليننغراد» وأخرجه هنري كسلر وفيودود أوتسب)، و«معركة روسيا» لفرانك كابرا (وهو اسم آخر كبير) و«صبي ليننغراد» لسيدني سالكوف.
استمر هذا المد للعام التالي بثلاثة أفلام أشهرها «أيام المجد»، الذي صور عمليات النضال الروسي ضد الاحتلال الألماني. أخرجه جاك تورنور وكان أول أفلام الممثل غريغوري بك.
لم يستمر شهر العسل لأكثر من ذلك. شوكة اليسار الأميركي كانت أخذت تثير انتباه الأف بي آي والحكومة وأدت إلى الفترة المعروفة بالكارثية، حيث وجد عدد كبير من السينمائيين في هوليوود أنفسهم في مواجهة تحقيق يريد إثبات انتمائهم اليساري. طبعاً كان من بينهم شيوعيون لكن كان من بينهم من تناولته الشبهة من دون إثبات.
في هذه المرحلة (النصف الثاني من الأربعينات) انقلب الروس إلى أعداء لأميركا والعالم الحر عبر أفلام مثل «ما وراء الستار الحديدي» لويليام أ. ولمان و«مذنب بالخيانة» لفيلكس فيست و«الانتشال الكبير» (The Big Lift) لجورج سيتون من تلك الأعمال التي تحدثت مباشرة عن الخطر الشيوعي ووجوب يقظة الأميركيين حيال مخططاته.

- بلا نهاية
الخمسينات تحديداً كانت مجالاً كبيراً لصراع الأفكار. من ناحية شاهدنا الحرب الباردة تستعر مجسدة في أفلام الخيال العلمي يتصدّرها «غزو ناهشي الجسد» لدون سيغال (1956) و«حرب العالمين» (The War of the Worlds) لبايرون هاسكن (1953). في الأول يهدف الغزاة لاحتلال أبدان الأميركيين لتغيير مفاهيمها وآيديولوجيّتها. في الثاني الهجوم آت من كوكب يجابهه المؤمنون باللجوء إلى الكنيسة وينتصرون.
لكن تداول مواضيع تنتمي إلى الحرب الباردة في تلك الآونة وما بعدها، لم يكن حكراً على نوع واحد من الأفلام. نراها مثلاً في فيلمين بوليسيين هما «إيقاف في ساوث ستريت» (Pickup in South Street) لسام فولر و«قبلني للموت» (Kiss Me Deadly) لروبرت ألدريتش وكلاهما يجسدان صراع الطرفين للاستيلاء على أسرار خطيرة.
درامياً يمكن إضافة فيلم إيليا كازان «على جبهة الماء» (أو «المرفأ»، On the Water Front) إلى تلك الأعمال التي تداولت الصراع بين آيديولوجية يسارية (عمّال المرفأ المنتمين إلى النقابة) والآخرون المعادون لهم. كازان كان نجماً من بين الذين انضموا للحزب الشيوعي ثم وشوا برفاقهم مقابل العفو عنه.
إلى أن حط فيلم ستانلي كوبريك «دكتور سترانجلوف: أو كيف تعلمّت حب القنبلة والتوقف عن القلق» (1964) كان هناك خوف من الإقدام على فيلم يسخر من الحرب الباردة والنزاع العسكري. كوبريك كسر هذا الخوف.
على أن العداء لم يتوقف ما بين الروس (الذين قدّموا العديد من الأفلام المعادية للغرب والرأسمالية)، والغرب ممثلاً بالولايات المتحدة. المجال لا يتّسع لقائمة من الأفلام التي انطلقت في تلك الفترة واستمرت حتى اليوم. لكن ثلاثة منها قادرة على توفير الصورة بوضوح: «فجر أحمر» (1984) لجون ميليوس (الروس غزوا أميركا) و«رامبو 3» (1988) الذي يحرر فيه سلفستر ستالون أفغانستان بمفرده و«صيد الكتوبر الأحمر» (1990) لجون مكتيرنن حيث يلجأ كابتن روسي إلى الغرب مثيراً السؤال حول نياته المبيّتة.


مقالات ذات صلة

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق توم كروز وريز أحمد في مشهد من الفيلم (imdb)

بعد إخفاقه عالمياً... افتتاحية ضعيفة لـ«ديغر» في شباك التذاكر السعودي

تماشياً مع تعثره في شباك التذاكر العالمي، سجَّل فيلم «ديغر (Digger)» افتتاحية ضعيفة في السعودية، بعدما حقَّق أحدث أفلام توم كروز 1.8 مليون ريال (480 ألف دولار)

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

مع الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

أعلنت «استوديوهات MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.