القطاع العقاري في لبنان أكبر ضحايا الأزمة الاقتصادية

أسعار العقارات انخفضت 40 %... وتراجع القدرة الشرائية يحرم كثيرين من فرصة التملّك

TT

القطاع العقاري في لبنان أكبر ضحايا الأزمة الاقتصادية

يشعر مازن الموظف في بلدية بيروت بالعجز، ولم ينصفه هبوط أسعار العقارات في لبنان لشراء شقة صغيرة تجمعه وخطيبته تحت سقف واحد بعد 3 سنوات على الارتباط. يحكي الشاب الثلاثيني الذي لا يتخطى راتبه المليوني ليرة (نحو 100 دولار) لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان يعوّل على الحصول على قرض من مؤسسة الإسكان لشراء بيت صغير خارج العاصمة، إلا أن الأزمة الاقتصادية التي حلّت بالبلاد والهبوط المدوي للعملة الوطنية، وتجميد القروض على أشكالها، أحبطت مخططه.
وعلى وقع الانهيار الاقتصادي، يشهد القطاع العقاري في لبنان حالة من الركود، وانخفضت أسعار الشقق إلى أقل من النصف في بعض المناطق، إلا أن هذا الهبوط الكبير لا يعني أن التملّك بات متاحا للبنانيين، لا سيما من يتقاضون رواتبهم بالعملة الوطنية ولا يملكون العملة الصعبة، في وقت يلامس سعر صرف الدولار الواحد في السوق الموازية 21 ألف ليرة لبنانية. ويطلب مطورو العقارات وأصحابها الدفع بالدولار النقدي، ويقول مازن، إن سعر شقة مساحتها 90 متراً في منطقة عرمون أو بشامون أو السعديات (جنوب العاصمة) هبط إلى نحو نصف السعر الذي كان رائجاً قبل الأزمة، لكنه يشير إلى أن الرقم مهما انخفض «سيبلغ مئات ملايين الليرات»، وبالتالي «الأسعار انخفضت بالنسبة لمن يتقاضون رواتبهم بالدولار، أما نحن الفقراء الجدد فنتقاضى رواتبنا بالعملة الوطنية... ضاعت فرصتنا بالتملّك وحتى خطوة الإيجار صعبة، وسأضطر إلى السكن مع أهلي أو الانفصال». وينتقد أستاذ استراتيجيات الاستثمار في الأسواق العقارية في الجامعة اللبنانية الأميركية جهاد الحكيّم «السياسات التي قامت بدعم المطورين العقاريين والنافذين ومن لا يستحقون الدعم بمليارات الدولارات على مدى سنوات، إلى أن نضبت مصادر التمويل وتوقف الإسكان والقروض العقارية وصولاً إلى الانهيار المالي وانعدام القدرة الشرائية لدى اللبنانيين».
وباع اللبناني عبد الله البيت الشاسع في منطقة الطريق الجديدة الذي ورثه عن والده بربع ثمنه وانتقل إلى «بيت القرية» في قريته الشمالية، بعدما حجزت المصارف على «جنى العمر»، حسبما يحكي لـ«الشرق الأوسط»، ويقول «خلت جيوبي من السيولة فوجدت نفسي عاجزاً عن تأمين متطلبات الحياة لي ولزوجتي أو دفع تكاليف طبابتنا».
وبعد إجراءات المصارف بحقّ المودعين، يقول الرجل المتقاعد، إنه كان أمام خيارين «أحلاهما مر»، إما تحميل أولاده أعباء مالية إضافية تزيد أوزارهم التي فرضتها الأزمة الاقتصادية، أو بيع عقار.
- ازدهار تلاه ركود
في السنوات التي سبقت الأزمة الاقتصادية، شهدت سوق العقارات في لبنان ازدهاراً على اعتبار أن الاستثمار فيه هو «الملاذ الآمن»، وبحسب الرجل الذي أصبح في أواخر عقده السابع، عرض عليه بيع البيت عينه في العام 2016 بـ200 ألف دولار، ورفض حينها لأن قيمته المعنوية والاستثمارية كانت أكبر بكثير، أما الآن فقد باعه بـ75 ألفاً فقط، ويعتبر أن «تسييل أي استثمار جامد للعملة الصعبة هو الأهم في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة». وفي حين يقول بعض الخبراء، إن انخفاض أسعار العقارات يتراوح بين 30 و40 في المائة في لبنان، يصرّ الحكيّم في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن أسعار الشقق والعقارات انخفضت بعضها إلى 70 في المائة بالدولار النقدي، ويتوقع أن «يواصل العقار انخفاضه في المستقبل وسيكون العرض على البيع أكثر»، علماً بأن تجار العقارات لم يخفضوا أسعار عقاراتهم الجديدة إلى هذه النسبة، ويتفاوت ذلك بين منطقة وأخرى.
ويشير الحكيّم إلى أن «الكثير من أصحاب العقارات باتوا اليوم يخفضون أسعار شققهم بغية بيعها والحصول على الدولار لتأمين متطلباتهم اليومية والحياتية»، ويشرح أن «هناك خيارين أمام المواطن اللبناني، إما الموت أو بيع العقارات والأملاك، ولا يمكن إنكار أن العقارات أصبحت تباع بأسعار منخفضة مقابل الاستشفاء والطبابة».
على المقلب الآخر، استفادت قلّة قليلة من مدّخري الدولارات جراء هبوط سوق العقارات، فحقق اللبناني وسيم وزوجته حلمهما بتملك بيت صغير في العاصمة بسعر 45 ألف دولار. ويخبر وسيم المتزوج منذ 8 سنوات «الشرق الأوسط»، أن ارتفاع سعر العقار في العام 2014 لم يسمح له بالسكن في بيروت وأجبره على «النزوح» وشراء بيت في بلدة الدبية (تبعد نحو 20 كيلومتراً عن العاصمة لجهة الجنوب) مساحته 100 متر بسعر 120 ألف دولار وبقرض من المؤسسة العامة للإسكان، ويقول «حينها كانت فكرة التملّك في العاصمة خارج نطاق البحث؛ لأن سعر الشقة الصغيرة في منطقة شعبية في بيروت يتخطى الـ200 ألف دولار».
ويشرح الموظف في إحدى الشركات التي تدفع الجزء الأكبر من رواتب موظفيها بالعملة الصعبة، إنه كبعض اللبنانيين، قام بشراء بعض الشيكات المصرفية من المودعين العالقة أموالهم في المصارف فحقق أرباحاً سمحت له بتسديد قرض إسكان شقة الدبية بالكامل وبيعها بـ30 ألف دولار العام الماضي، وادخار مبلغ إضافي مكّنه من شراء مسكن في العاصمة».
وبحسب الحكيّم، فإن فئة صغيرة جداً من اللبنانيين والمتمولين يستطيعون اليوم شراء عقارات، موضحاً أن «هؤلاء يبحثون عن مواصفات محددة وبطريقة انتقائية، فمثلاً يتجهون إلى اقتناء منزل مطل على البحر أو في العاصمة بيروت أو بمساحة أكبر أو بيت صيفي». ويؤكد أن «السوق العقارية ستشهد عرضاً متزايداً لشقق بأقل من سعر الكلفة، خصوصاً أن الطلب متدن جداً، فمثلاً إذا كانت الشقة المعروضة للبيع بـ30 ألف دولار ستكون كلفة بنائها 50 ألف دولار».
- المودعون دفعوا ثمن التضليل
في بداية الأزمة، عمد بعض المودعين إلى تهريب مدخراتهم وأموالهم من المصارف عبر شيكات مصرفية استثمروا من خلالها في سوق العقارات، وترجم ذلك في العام 2020 بحدوث هجمة كبيرة في عملية البيع والشراء، وبحسب دراسة أجرتها لـ«الشركة الدولية للمعلومات»، سجّلت 82 ألف عملية بيع وشراء بقيمة 14.4 مليار دولار.
ويقول الحكيّم، وهو مستشار مالي ومن أول الأشخاص الذين توقعوا الانهيار العقاري والمالي في لبنان في العام 2016، «المودعون الذين استثمروا في العقار خسروا نحو ثلثي ودائعهم، وهم معرّضون لخسائر أكبر في المستقبل».
وفي حين شجع بعض الخبراء المتمولين في العامين 2019 و2020 على الاستثمار في قطاع العقارات، يؤكد الحكيّم أن تلك النصائح المغلوطة ضلّلت المواطنين وكبّدت المودعين خسائر جمّة، مشدداً على أن أي استثمار، مثل شراء سبائك ذهبية أو الاستثمار بالعملات الرقمية أو شراء أسهم أو عقارات خارج لبنان، هو أفضل، ويفسّر «بمقارنة بسيطة، من حسم أمواله العالقة في المصارف واشترى سبائك ذهبية مع بداية الانهيار المالي في العام 2019 حقق أرباحاً بأكثر من 30 في المائة وبالدولار النقدي، أما من قام بهذه الخطوة في أغسطس (آب) من العام 2018 يكون قد حقق أرباحاً بنسبة 70 في المائة، والأهم أن السبائك الذهبية يمكن تسييلها إلى الدولار متى شاء المستثمر، أما من أخذ بنصيحة بعض الخبراء واستثمر بالعقار فقد تكبّد خسائر، وباتت أمواله مأسورة بعقار يصعب بيعه».



مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)
اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)
TT

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)
اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي «لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة أو المسؤولين فيها»، وناشدت «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية».

جاء ذلك إثر «تلاسن» بين حسابات على منصات التواصل بشأن الدور المصري تجاه مناصرة الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات إيرانية، رغم أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكد مراراً دعم «الدول العربية الشقيقة»، وإدانة الاعتداءات الإيرانية، ودفع وزير الخارجية بدر عبد العاطي لزيارة 5 دول عربية طالتها الاعتداءات لتقديم رسائل تضامن.

وعقب ذلك التحرك الحكومي، قال رئيس الهيئة الوطنية للصحافة عبد الصادق الشوربجي لـ«الشرق الأوسط»: «لن نسمح لوسائل التواصل الاجتماعي بأن تؤثر على علاقات متينة ورصينة بيننا وبين الدول العربية».

«أخوة راسخة»

وأصدرت الحكومة المصرية بياناً وقَّعت عليه وزارة الدولة للإعلام، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام. جاء فيه: «إن ما بين مصر والدول الشقيقة التي تتعرض للعدوان الإيراني (المملكة العربية السعودية - الإمارات العربية المتحدة - دولة قطر - مملكة البحرين - دولة الكويت - سلطنة عمان - جمهورية العراق - المملكة الأردنية الهاشمية) هي علاقات أخوية راسخة على المستويات القيادية والرسمية والشعبية وعلى مستوى الروابط الأسرية والمصاهرة ووحدة المصير والمستقبل».

رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

وشدّد البيان على أن «محاولات المساس بهذه العلاقات هي جريمة تستهدف الإضرار بصالح هذه الدول فرادى، وبالمصلحة القومية للأمة العربية... وهي محاولات آثمة ومرفوضة من كافة الوجوه الأخلاقية والقومية والوطنية».

وناشد البيان «كافة الإعلاميين في مصر وفي الدول الشقيقة التوقف الفوري عن كل هذه السجالات التي لا تستند إلى أي واقع أو حقائق، وأن تمتنع عن الأفعال وردود الأفعال التي لا ترقى إلى الروح الأخوية العميقة التي تربط شعوبنا معاً، وضرورة تغليب لغة العقل والحرص على الروابط الأزلية التي كانت وستظل قائمة فيما بين الأشقاء».

ودعا البيان «نخب المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي الدول الشقيقة إلى القيام بدورهم في وأد هذه الفتنة وقطع الطريق على الدسائس ومحاولات الوقيعة التي لا يستفيد منها إلا أعداء هذه الأمة. وفي مقدمتها قوى الشر والجماعة الإرهابية الذين يستغلون هذه الأجواء لبثّ الفرقة بين مصر والشعوب العربية الشقيقة».

مصر ناشدت النخب العربية القيام بدور في «وأد الفتنة الإعلامية» (الشرق الأوسط)

وأشارت الجهات المشاركة في هذا البيان إلى أنها قررت بدءاً من الآن استخدام كل ما تتيحه نصوص القانون العام في مصر، وكذلك القوانين واللوائح الخاصة بكل جهة منها، لضبط الأداء الإعلامي، وفق القواعد القانونية والمهنية، «لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول الشقيقة أو المسؤولين فيها وإفساد علاقات مصر بأي منها».

كما ناشدت «الجهات المعنية في الدول الشقيقة المشار إليها اتخاذ إجراءات مماثلة وفقاً لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها لوأد هذه الفتنة».

العقوبات

وقال رئيس الهيئة الوطنية للصحافة، عبد الصادق الشوربجي، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن ندعم دائماً أشقاءنا العرب، ونحن ضد أي ضربة ضدهم، وهذا هو دور مصر. ونحن كأجهزة ومؤسسات دولة، نؤكد على دور الدولة في هذا الصدد».

وشدّد على أن «الجذور متينة جداً بين مصر وبين الدول العربية كافة، فهم أشقاء لنا، ولن نسمح لوسائل التواصل الاجتماعي بأن تحرك هذا الملف، فالسوشيال ميديا ليست هي من ستحرك أو تؤثر على علاقات متينة ورصينة بيننا وبين الدول العربية».

وحول الإجراءات المتوقعة تجاه أي مخالف، قال الشوربجي: «لدينا إطار، وهو إطار الدولة المصرية، ونحن كصحافة قومية نسير مع منهج الدولة في أننا لا نسبّ أحداً، حتى إن كان هناك نقد، فليكن نقداً بناءً، وليست لدينا مشكلة في ذلك»، لافتاً إلى أن المسألة تخضع للتقييم حسب المحتوى، وأن البيان الحكومي بمنزلة تنبيه عام للجميع.

ويأتي التحرك المصري تزامناً مع تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أن أمن الدول العربية من أمن مصر، فضلاً عن قيام وزير الخارجية هذا الأسبوع بجولة تضامن عربية، شملت السعودية والإمارات وقطر وسلطنة عُمان والأردن.

مصر أكدت على متانة العلاقة مع «الدول العربية الشقيقة» (الهيئة الوطنية للإعلام)

ويرى الفقيه الدستوري صلاح فوزي أن البيان الحكومي «متسق»، ويؤكد الموقف المصري الذي أبداه الرئيس، وكذلك جولات وزير الخارجية وسط ظروف غير طبيعية تستلزم الحذر.

وأوضح فوزي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن الإجراءات التي يمكن أن تتخذها مصر تجاه أي مخالفات مرتبطة بعدة قوانين موجودة، «بدءاً من قانون العقوبات، وهناك مواد تواجه أي إضرار بالأمن القومي للدولة أو نشر أخبار كاذبة».

وأضاف أن البيان «يُعدّ بمثابة تنبيه بأن هناك إجراءات مُفعَّلة، وعقوبات بين غرامة وحبس وسجن مشدد، وصولاً للإعدام، وهي مسألة تقديرية للمحكمة حسب الجريمة».

«أخطاء فردية»

ويرى عميد كلية الإعلام الأسبق، حسن عماد مكاوي، أن البيان جاء في توقيت مناسب للتهدئة، «كون ما يحدث أخطاء فردية واردة»، مضيفاً أن إصدار مثل هذا البيان الرسمي من جانب الهيئات الإعلامية والوطنية للصحافة والإعلام في مصر يُعدّ خطوة مهمة تؤكد وجهة النظر الرسمية.

ووصف مكاوي البيان بأنه «متوازن يعبر بوضوح عن صوت الحكومة المصرية الرافض للوقيعة»، مؤكداً أن «العلاقات المصرية العربية راسخة، ولا يمكن أن تتأثر بمثل هذه المهاترات، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي».

وشدّد على أن البيان يحمل رسائل ومضامين، تؤكد أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، «انطلاقاً من كوننا أمة عربية واحدة»، مشيراً إلى الحاجة لتحويل هذه المبادئ إلى إجراءات واقعية ملموسة، مثل إنشاء قوة عربية موحدة، ووضع خطط دفاعية مشتركة.


أزمة جديدة بالصومال... ولاية «جنوب الغرب» تعلِّق تعاونها مع الحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

أزمة جديدة بالصومال... ولاية «جنوب الغرب» تعلِّق تعاونها مع الحكومة

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أزمة جديدة تواجهها الحكومة الفيدرالية الصومالية عقب تعليق ولاية «جنوب الغرب» تعاونها معها إثر اتهامات نفتها مقديشو بالتدخل العسكري والسياسي في شؤونها.

تلك الأزمة التي تنضم لأزمات عدة، منها مواجهة «حركة الشباب» المتشددة والخلافات مع المعارضة ومع ولايتي جوبالاند وبونتلاند، «تعكس تحديات بنيوية في النظام الفيدرالي الصومالي»، بحسب خبير في الشأن الصومالي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مؤكداً أن هذا «اختبار حقيقي للنظام يحتاج حواراً وطنياً شاملاً، ووضوحاً في تعزيز الصلاحيات وتعزيز الثقة باتفاقات ملزمة».

ووسط اشتباكات مسلحة جارية، أعلنت حكومة ولاية «جنوب غرب» الصومال تعليق تعاونها مع الحكومة الفيدرالية.

وأفاد بيان صحافي صادر عن حكومة الولاية، الثلاثاء، بأن الحكومة الفيدرالية حشدت قواتها في مناطق الجنوب الغربي، وأن وزراء من الحكومة متورطون في الأحداث الجارية، مشيراً إلى أنهم لم يستجيبوا لمحاولات التواصل معهم.

بالمقابل، أكدت وزارة الشؤون الداخلية والفيدرالية الصومالية في بيان، الأربعاء، أن الحكومة الفيدرالية «ليست طرفاً في حالة عدم الاستقرار في بعض مناطق ولاية جنوب الغرب»، موضحة أن الحكومة «تعمل جاهدة لإنهاء النزاع وحل الخلافات عبر الحوار، حفاظاً على المكاسب التي تحققت في مكافحة الإرهاب».

وأدانت الحكومة الصومالية القرار الصادر عن رئاسة ولاية «جنوب الغرب» بتعليق التعاون معها، مؤكدة أن مؤسساتها تفي بالتزاماتها الدستورية والقانونية تجاه مناطق الولاية وسكانها، وفق بيان الوزارة.

ودعت الوزارة إدارة ولاية «جنوب الغرب» إلى مواصلة المشاركة في عملية المصالحة والديمقراطية، مطالِبة سكان الولاية بالابتعاد عن كل ما من شأنه أن يهدد الأمن والسلامة العامة.

الرئيس الصومالي خلال لقاء سابق مع قيادة «منتدى الإنقاذ» الذي يضم قوى سياسية معارضة (وكالة الأنباء الصومالية)

وقال الخبير في الشأن الصومالي، عبد الولي جامع بري، إن تعليق ولاية «جنوب غرب» الصومال التعاون مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو «يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز مجرد خلاف إداري، ويعكس تحديات بنيوية في النظام الفيدرالي الصومالي».

ويضيف أن القرار يشير إلى أن العلاقة بين المركز والولايات لا تزال غير مستقرة، وأن الولايات بدأت تتصرف باستقلالية أكبر، ما قد يُضعف وحدة القرار الوطني، ويعكس أزمة ثقة حقيقية وعميقة، تتجلى في اتهامات متبادلة بالتدخل في الشؤون الداخلية.

يأتي هذا التطور وسط انخراط مقديشو في أزمات أخرى، بعضها عسكري وبعضها سياسي، كان أحدثها عدم اعتراف المعارضة بالدستور الجديد الذي أُقر مؤخراً وسط خلافات بشأن المسار السياسي المقبل، إلى جانب تصاعد المواجهات بين مقديشو و«حركة الشباب».

ويضاف لذلك أزمة اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي أرض الصومال في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط خلافات لم تنتهِ بين الحكومة الفيدرالية وولايتي جوبالاند وبونتلاند بشأن الصلاحيات.

وبحسب بري، فإن هذه الأزمة الجديدة توسع الخلافات داخل الصومال، وتؤكد على ضرورة العمل سريعاً لتسويتها، خاصة أن تداعياتها قد تخلق فراغات أمنية من الممكن أن تستغلها جماعات مثل «حركة الشباب»، وقد تُشتت الجهود العسكرية وتحولها إلى صراعات سياسية.

ويشير إلى إمكانية أن تشكل هذه الأزمة فرصة لإعادة التفاوض حول أسس النظام الفيدرالي «إذا تم التعامل معها بحكمة وإجراء حوار وطني شامل وواضح في توزيع الصلاحيات وتعزيز الثقة باتفاقات ملزمة بين الحكومة والولايات»، مؤكداً أن ما يحدث هو اختبار حقيقي لقدرة الصومال على إدارة نظامه الفيدرالي.


اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
TT

اليمن يحذر من تصعيد الحوثيين وتنسيقهم مع «جماعات إرهابية»

الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)
الأمن اليمني حقق نجاحات متعددة في مواجهة التنظيمات المتطرفة (إعلام حكومي)

جدّدت الحكومة اليمنية تحذيرها من خطورة التصعيد الحوثي في مختلف جبهات القتال، مؤكدة امتلاكها أدلة على وجود تنسيق وتخادم بين الجماعة وتنظيمات إرهابية، في الوقت الذي كثّفت فيه تحركاتها الدبلوماسية لحشد دعم دولي أوسع لتعزيز قدرات جهاز مكافحة الإرهاب، ومواجهة التهديدات المتزايدة التي تطول الأمنين الإقليمي والدولي.

ووفق مصادر رسمية، ترى الحكومة أن استمرار هذا التصعيد يُقوّض فرص السلام، ويعزز بيئة الفوضى التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، مشددة على أن أي تسوية سياسية لن تكون قابلة للاستدامة دون إنهاء الانقلاب الحوثي، وتجفيف منابع الإرهاب بكل أشكاله.

وخلال لقاء جمع رئيس جهاز مكافحة الإرهاب في اليمن اللواء شلال شايع مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، ناقش الجانبان التهديدات الأمنية الراهنة، وفي مقدمتها ما وصفه المسؤول اليمني بـ«التخادم الميداني» بين الحوثيين وتنظيمات مثل «القاعدة» و«داعش» وحركة «الشباب» الصومالية.

اليمن يتطلع إلى مزيد من الدعم الدولي لجهاز مكافحة الإرهاب (إعلام حكومي)

وأوضح شايع أن هذا التنسيق لا يقتصر على تبادل المصالح، بل يمتد إلى تنسيق عملياتيّ يهدف إلى زعزعة الاستقرار، وخلق بؤر توتر تستنزف قدرات الدولة، وتهدد أمن الممرات البحرية وخطوط التجارة الدولية.

وأشار إلى أن التصعيد الحوثي الأخير في عدد من الجبهات يأتي ضمن استراتيجية أوسع لخلط الأوراق، وإرباك المشهد الأمني، بما يمنح التنظيمات الإرهابية مساحة أكبر لإعادة تنظيم صفوفها، وتنفيذ عمليات نوعية.

جهود أمنية

في موازاة التحذيرات، استعرض رئيس جهاز مكافحة الإرهاب اليمني سلسلة من العمليات الأمنية التي نفّذتها القوات المختصة، وأسفرت عن تفكيك خلايا إرهابية، وإحباط مخططات استهدفت منشآت حيوية، إلى جانب ضبط شبكات تهريب أسلحة ومخدرات.

وأكد أن هذه النجاحات تحققت بفضل التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مُشيداً بالدعم الذي يقدمه «تحالف دعم الشرعية» في دعم الاقتصاد اليمني، بما يسهم في تقليص بيئة الفقر التي تستغلها الجماعات المتطرفة.

تنسيق يمني بريطاني لمواجهة الأنشطة الإرهابية (إعلام حكومي)

كما أشار شائع إلى أهمية تطوير قدرات الجهاز في مجالات التدريب والتأهيل، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يمكّنه من مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة، خاصة في ظل تشابك التهديدات بين الإرهاب والجريمة المنظمة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية حرص بلادها على دعم اليمن في هذا المجال، مشددة على أهمية بناء قدرات المؤسسات الأمنية، وتعزيز التنسيق الدولي لمواجهة التهديدات المشتركة، وضمان استقرار المناطق المحرَّرة.

في سياق متصل، بحث المسؤول اليمني مع السفير الأميركي لدى اليمن، سبل تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مكافحة الإرهاب، حيث جرى التركيز على تطوير التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات الفنية.

وخلال اللقاء، شدد شائع على ضرورة تكاتف الجهود الدولية لمواجهة ما وصفه بـ«التحالف غير المعلَن» بين الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، محذراً من تداعيات هذا التنسيق على الأمن الإقليمي، وسلامة الملاحة الدولية.

كما دعا إلى تنفيذ صارم للعقوبات الدولية المفروضة على الحوثيين، خاصة ما يتعلق بحظر تهريب الأسلحة، وتجفيف مصادر التمويل، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة يسهم في إطالة أمد الصراع، ويعزز قدرات الجماعة على تهديد الأمن البحري.

وأشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، وعدَّ أن هذا الدعم يشكل عنصراً حاسماً في تعزيز قدرة الأجهزة الأمنية اليمنية على مواجهة التحديات الراهنة.

تحركات رئاسية

على الصعيد السياسي، كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي قد ناقش مع السفيرة البريطانية سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وأولويات الدعم الدولي لليمن، خاصة في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء المؤسسات، وتعزيز الأمن والاستقرار. وفق ما نقله الإعلام الرسمي.

وأكد العليمي أن استقرار اليمن يرتبط بشكل وثيق بإنهاء الانقلاب الحوثي، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيطرة الحكومة على كامل الأراضي، مشيراً إلى أن التطورات الإقليمية الأخيرة تعزز قناعة المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه إيران في زعزعة استقرار المنطقة.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل السفيرة البريطانية (إعلام حكومي)

كما شدد على أهمية تشديد العقوبات على الحوثيين، وردع انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، بما في ذلك الهجمات التي تستهدف المدنيين والنازحين، والتي تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي.

وتطرّق إلى الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لمواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك إقرار الموازنة العامة، وتنفيذ برنامج إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتحسين مستوى الخدمات، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.