عقوبات أميركية «متدرجة» بانتظار «خطوة» بوتين التالية

بايدن يشدد على وحدة الموقف الغربي وسط عقوبات «غير مسبوقة» على روسيا

TT

عقوبات أميركية «متدرجة» بانتظار «خطوة» بوتين التالية

فرض الرئيس الأميركي جو بايدن، عقوبات جديدة على روسيا، رداً على قيام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالاعتراف باستقلال «جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك» في إقليم دونباس الانفصالي عن أوكرانيا. وشملت العقوبات أنشطة تجارية ومصرفية ومالية، استهدفت خصوصاً الدائرة المقربة من الرئيس الروسي، شبيهة بالعقوبات التي فرضها الأوروبيون على روسيا.
وكان بايدن قد وقّع أمراً تنفيذياً مساء أول من أمس (الاثنين)، يحظر التجارة والاستثمار مع المنطقتين الانفصاليتين، يشمل حظر الاستثمارات الجديدة والاستيراد إلى الولايات المتحدة بشكل مباشر أو غير مباشر، لأي سلعة أو خدمات أو تقنية من المناطق المشمولة بهذه العقوبات. وقال بايدن في تغريدة على «تويتر»: «لقد وقّعت على أمر تنفيذي لحرمان روسيا من فرصة الاستفادة من انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي. نحن نواصل التشاور عن كثب مع الحلفاء والشركاء، بما في ذلك أوكرانيا، بشأن الخطوات التالية».
ويرى البعض أنه قد يكون من الصواب القول إن الأزمة الأوكرانية دخلت مرحلة جديدة، وصفها البعض بأنها قد تكون اقتربت من نقطة «اللاعودة». كما أن رد الفعل الأميركي «المتدرج»، من شأنه أن يشير هو الآخر إلى حجم المواجهة التي يمكن أن تتطور مع روسيا، بعدما تأكد رئيسها من عدم حصوله على «التنازلات» التي كان يرغبها من الولايات المتحدة، بوصفها الطرف المعنيّ بتلبية طلباته الأمنية.
خطوة بوتين غزو كامل أم لا؟
وحسب مسؤولين أميركيين، فقد واجه البيت الأبيض معضلة في تصنيف الخطوة الروسية، حول ما إذا كانت «تشكل غزواً أم لا»، بعدما امتنع بدايةً عن وصفها «غزواً رسمياً»، الأمر الذي كان سيؤدي إلى مجموعة واسعة من العقوبات القاسية التي حذّر منها الرئيس بايدن منذ أشهر. غير أن نائب مستشار الأمن القومي الأميركي جون فينر، قال أمس (الثلاثاء)، إن القوات الروسية بدأت في التحرك إلى أوكرانيا، معلناً على شبكة «سي إن إن»، أن «الغزو هو غزو، وهذا ما يجري حالياً». لكنه سرعان ما أشار إلى أن الإدارة «يمكن أن تتراجع عن بعض العقوبات التي وعدت بها»، على أمل ردع المزيد من العدوان الأكثر عنفاً من السيد بوتين والذي يهدف إلى الاستيلاء على بقية البلاد، حسب قوله. وأضاف فينر: «لقد تحدثنا دائماً عن موجات من العقوبات ستتكشف بمرور الوقت رداً على الخطوات التي تتخذها روسيا في الواقع، وليس فقط من التصريحات التي تدلي بها. لقد قلنا دائماً إننا سنراقب الوضع على الأرض وسنردّ سريعاً وشديداً». وقال: «إن أي إجراءات روسية جديدة ستقابَل بعقوبات»، مؤكداً أن واشنطن «ستبقى منفتحة على الحلول الدبلوماسية».
وكان بايدن قد أجرى اتصالاً هاتفياً بنظيره الأوكراني فلوديمير زيلينيسكي، أكد فيه التزام بلاده بسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها. وقال بيان للبيت الأبيض إن بايدن أدان بشدة في اتصاله مع زيلينسكي، قرار بوتين الاعتراف باستقلال المنطقتين، موضحاً أن الرئيس أطلع زيلينسكي على رد الولايات المتحدة الذي يشمل خطة لفرض عقوبات». وقالت مصادر البيت الأبيض إن بايدن جدد التأكيد أن الولايات المتحدة «ستردّ بسرعة وحزم بشكل متزامن مع حلفائها وشركائها لمنع المزيد من العدوان الروسي على أوكرانيا».
وأدان الرئيس الأميركي بايدن والفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني أولاف شولتس، قرار بوتين وعدّوه «انتهاكاً واضحاً» لاتفاقات مينسك. ووفقاً لبيان البيت الأبيض، فقد «أدان الزعماء الثلاثة بشدة» إعلان بوتين، وناقشوا «كيف سيستمرون في تنسيق ردهم بشأن الخطوات التالية». وقالت المستشارية الألمانية في بيان، إنّ ماكرون وشولتس وبايدن اتفقوا على أنّ «هذه الخطوة لن تمرّ من دون رد»، متعهدين بـ«عدم التخلي عن التزامهم وحدة أراضي أوكرانيا وسيادتها».
وفيما لم تصدر بعد أي إشارة من وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، عن مصير اجتماعه المرتقب مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي كان مشروطاً بعدم اجتياح أوكرانيا، التقى بلينكن نظيره الأوكراني في واشنطن ديميترو كوليبا، حيث أكدا في مؤتمر صحافي مشترك إدانة الخطوة الروسية بالاعتراف بالجمهوريتين الانفصاليتين في إقليم دونباس. وشدد بلينكن على «أن دعمنا لسيادة أوكرانيا وسلامتها الإقليمية وكذلك لحكومة وشعب أوكرانيا لا يتزعزع»، مؤكداً «الوقوف مع شركائنا الأوكرانيين في إدانة إعلان الرئيس الروسي بشدة». وكان كوليبا قد طلب قبيل لقائه بلينكن من الدول الغربية زيادة شحنات الأسلحة إلى بلاده لمساعدتها في مواجهة روسيا. وأضاف: «هذا الصباح وجهتُ رسالة إلى وزير الخارجية البريطاني أطلب فيها أسلحة دفاعية إضافية لأوكرانيا (...) واليوم سأتوجه بالطلب نفسه إلى الولايات المتحدة». وتابع: «ستكون الدبلوماسية والسلاح أفضل الضمانات لنا. سنحشد العالم كله للحصول على كل ما نحتاج إليه لتعزيز دفاعاتنا». وأشار كوليبا إلى أنه «دعا الاتحاد الأوروبي إلى تنحية كل الترددات والتحفظات والتشكيكات التي تساور العواصم الأوروبية، وإعطاء أوكرانيا وعداً بضمها إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل». وفيما رحّب بقرار برلين «القوي» تعليق المصادقة على خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2»، بعد اعتراف موسكو باستقلال المنطقتين الانفصاليتين في أوكرانيا، دعا كوليبا إلى فرض «عقوبات أشد» على روسيا. وقال: «كان بوتين يعتقد أن قراره سيبقى من دون عواقب. وفي غياب العقوبة، تزداد الرغبة في العدوان».
كما التقى كوليبا مع وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، في مبنى البنتاغون. وقال أوستن إن ما أقدم عليه الرئيس الروسي هو غزو، لكنه حضّه على العودة عن الاعتراف بالجمهوريتين الانفصاليتين، قائلاً إنه لا يزال بإمكانه حتى الآن تجنب خيار الحرب المأساوي. وأشاد أوستن بوحدة الناتو التي لم يشهد مثيلاً لها في السابق، خلال زيارته الأخيرة لأوروبا، خصوصاً على دعم حق أوكرانيا في سيادتها واستقلالها ووحدة أراضيها.
بوتين قد يكون «ورّط» نفسه
في هذا الوقت، رأى البعض أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قد يكون «ورط نفسه» و«ألحق الضرر» ببلاده، سواء أقدم على غزو أوكرانيا بشكل واسع أم لا. وقال تحليل لمجلة «إيكونوميست» إنه على العكس من ذلك، فقد حقق أيضاً مكاسب لأوكرانيا التي أصبحت «أكثر أهمية» للغرب من أي وقت مضى. وقالت المجلة إنه «حتى لو انسحبت القوات الروسية، فإن هذه الأزمة لم تنتهِ بعد. ومهما حدث، حرب أو لا حرب، فقد أضر السيد بوتين ببلده».
وتشير «إيكونوميست» إلى أن الكثير من المراقبين يرون أن بوتين استطاع من خلال التهديدات بغزو أوكرانيا أن يجعل نفسه محط اهتمام العالم «من دون إطلاق رصاصة واحدة»، وقد يحصل على تنازلات من حلف «الناتو». كما أنه استطاع داخلياً، تأكيد «حنكته السياسية وصرف الأنظار عن المتاعب الاقتصادية وقمع المعارضة». لكن المجلة أضافت «أن تلك المكاسب تكتيكية، وحتى لو تحققت، فقد باء بوتين بالفشل على المدى الطويل ومن الناحية الاستراتيجية». إذ رغم اتجاه الأنظار نحوه، فقد أثار حافزاً لخصومه. وبقيادة بايدن، الذي وصف بوتين ذات مرة بأنه «قاتل»، وافق الغرب على حزمة عقوبات أشد صرامة مما كانت عليه في عام 2014 عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم. كما وجد «الناتو» هدفاً متجدداً في حماية الدول التي تواجه روسيا، ولم يعد مستبعداً انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف، بعد أن فضّلتا البقاء على مسافة من هذا الأمر، وغيّرت ألمانيا نظرتها إزاء خط أنابيب «نورد ستريم 2»، (أعلنت الحكومة الألمانية أمس تجميد التوقيع على تشغيل هذا الخط)، وأصبحت أوكرانيا، التي «أهملت» في السنوات الأخيرة، تتمتع «بدعم دبلوماسي وعسكري غير مسبوق من الغرب. وهذه الروابط، التي نشأت خلال الأزمة، لن تتفكك فجأة إذا انسحبت القوات الروسية».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».