فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا: الثنائي الذي رسم أسطورته بريشتين بريتين وعمود فقري مكسور

لقاء «الفيل» و{الفراشة» على الأطراف القصوى للآلام والمسّرات

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
TT

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا: الثنائي الذي رسم أسطورته بريشتين بريتين وعمود فقري مكسور

فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا
فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا

لم يقدر للسعادة والألم، للشقاء والمجد، للعبقرية والجنون وغيرها من التناقضات، أن تجد ما يصهرها في بوتقة واحدة، كما هو الحال مع الفنانة المكسيكية الأشهر فريدا كاهلو. ولم يقدر من ناحية ثانية لعلاقة بين زوجين مبدعين، عدا استثناءات قليلة، أن تتسع لهذا الكم الهائل من المشاعر المتباينة إزاء الآخر، كما هو حال العلاقة التي جمعت فريدا بفنان الجداريات المكسيكي دييغو ريفيرا. وليس على المرء سوى أن يطلع على السيرة المطولة والمتميزة التي كتبتها الناقدة الأميركية هايدن هيريرا، أو على السيرة التي كتبها ريفيرا نفسه تحت عنوان «فني، حياتي»، وصولاً إلى الفيلم السينمائي المؤثر الذي أرخت به المخرجة الأميركية جوليا تيمور، لحياة فريدا، ليقف عن كثب على إحدى أكثر ملاحم القرن العشرين فرادة وثراء وتجسيداً لروح العصر وأسئلته ومفارقاته.
كانت فريدا كاهلو هي الابنة الثالثة للمصور المكسيكي غويليريو كاهلو، الذي كان قد أنجب ابنتيه الأوليين ماتيلدا وماريا من زواج سابق، فيما كانت كريستينا هي آخر حبات ذلك العنقود الأنثوي. لكن الحياة لم تكن عادلة بما يكفي لمنح تلك الطفلة اللماحة والدمثة، حصتها من السعادة الخالصة والمرح الخالي من الشوائب، ليس فقط لأنها أصيبت في السادسة من عمرها بنوع من شلل الأطفال جعلها تحمل على مدار حياتها عقدة الساق النحيلة والذابلة، بل لأن حادثة اصطدام مروعة بين حافلتها المدرسية وقطار كهربائي، أدت إلى أن يخترق جسمها من الخاصرة إلى الحوض قضيب من الفولاذ، خلخل حياتها من الجذور وقلبها رأساً على عقب.
على أن الثمن الباهظ الذي دفعته الشابة الطافحة بالحيوية بفعل الحادثة المشؤومة، لم يقتصر على الضرر الجسدي وحده، بل تعداه إلى جروح في الروح لم تأخذ طريقها إلى الاندمال، وإلى صدوع في القلب نجمت عن الانسحاب التدريجي لفتاها الوسيم أليخاندرو غوميس أرياس من حياتها، بذريعة خيانتها له مع مدربها على فن الحفر فيرناندو فيرناندث. والواقع أن السبب الفعلي لانهيار العلاقة كان مرتبطاً بواقعها الصحي المستجد، بحيث لم تنجح رسائل كاهلو المتتالية، ولا اعترافها له «أحبك حتى العبادة»، في تليين قلب المناضل الطلابي الشيوعي الذي لم يكتف بالابتعاد عنها، بل عمد إلى إقامة علاقة غرامية معلنة مع أقرب صديقاتها إليها. إلا أن الشابة المتقدة ذكاء، وذات الحجم الضئيل، لم تكتف باللجوء إلى الفن، كرد أخير على تعاظم آلامها، بل عمدت إلى رسم أعضائها التالفة، كنوع من الجراحة النفسية، وكبديل رمزي عما فقده جسمها من ليونة.
في تلك المرحلة الحرجة من حياتها، تتعرف فريدا كاهلو عن قرب إلى دييغو ريفيرا، الذي كانت قد التقته بشكل عرضي في مرحلة دراستها الإعدادية، فتشعر بحدسها الثاقب أن هذا الرجل الملقب لضخامته بـ«الفيل»، هو الذي سيساعد جروحها العاطفية والجسدية على الاندمال ويرسم لحياتها مساراً آخر.
والواقع أن ريفيرا المنفصل عن زوجته الروسية الجميلة لوبي مارين، أثناء دراسته الرسم في باريس، لم يكن يتمتع بأي قدر من الوسامة، ومع ذلك فقد كان يحظى بفعل موهبته الفنية الفذة، إضافة إلى طبعه المرح وبديهته السريعة، باهتمام نساء كثيرات رأين فيه جاذبية مغوية وسحراً يصعب تلافيه. غير أن فريدا المشعة جمالاً وذكاءً لم تأبه بماضي الرجل الضخم الذي كان معلقاً قبالتها على سقالة إحدى الجداريات الجصية، ولا بفارق السن بينهما الذي يبلغ العشرين عاماً، فنادته بجرأة لا مبالية: «دييغو، انزل من هناك. أنا لم آت إلى هنا من أجل اللهو، بل أنجزتُ بعض الرسوم وأريدك أن تتفحصها».
«احذر من هذه الفتاة، إنها الشيطان بعينه»، قال والدها لدييغو حين فاتحه هذ الأخير برغبته في الزواج منها. إلا أن الأب الذي كان يجتاز ضائقة مالية ويرغب بأن يساعده ريفيرا على تجاوزها أعطى موافقته على زواجهما اللاحق الذي تمت مراسمه عام 1929، ليدخل الطرفان بعد ذلك في خضم مغامرة شائكة، فيها من المسرات والنجاحات، بقدر ما فيها من العثرات وخيبات الأمل. أما زوجة دييغو السابقة لوبي مارين، التي أصرت دون دعوة على حضور حفل زفاف العريسين، فقد عمدت دون مقدمات، وكنوع من الثأر لكرامتها المجروحة، إلى الكشف عن ساقي العروس النحيلتين، لتصرخ في وجه المحتفلين بشكل هستيري «أترون هذين العودين؟ هاتان هما الساقان اللتان اختارهما دييغو بدلاً من ساقي»، قبل أن تخرج من الحفل وسط دهشة الحاضرين وذهولهم.
غير أن السعادة التي عرفها الطرفان في بداية الزواج سرعان ما نغصها التفاقم المطرد لوضع الزوجة الصحي، التي كانت قد تعرضت في مطالع الصبا لحادثة اصطدام مروعة لم تقتصر نتائجها الكارثية على عمودها الفقري وحده، بل أفضت فيما بعد إلى حرمانها من الإنجاب. على أن الزوجين المتقدين موهبة، اللذين وجدا في مزاولة الرسم ما يخفف عن كاهليهما وطأة الكثير من الخسارات، انخرطا في الوقت ذاته بالعمل السياسي، حيث اختارت فريدا أن تنضم إلى ريفيرا الذي كان يحتل موقعاً قيادياً في الحزب الشيوعي المكسيكي، قبل أن تتم إزاحته من موقعه بحجة أنه يجير موهبته الفنية لممالأة الإمبريالية العالمية ووكلائها المحليين.
لم يكن دييغو ريفيرا، وقد أصبح الفنان الأكثر حضوراً في وجدان المكسيكيين، من النوع الذي يقبل الرضوخ للضغط والابتزاز. لذلك فقد قرر بما يشبه التحدي تثبيت التهم الموجهة إليه، عبر السفر مع زوجته إلى سان فرنسيسكو، ومن ثم إلى نيويورك ليعرض لوحاته في متحف الفن الحديث، قبل التوجه إلى ديترويت بدعوة من الصناعي الشهير هنري فورد ليرسم بالزيت «قصة العِرْق الجديد لعصر الفولاذ». وحيث كان على فريدا أن تفقد مجدداً طفلها الثاني، بسبب وهنها الجسدي، راحت ترسم بنوع من الفانتازيا المثلومة بالحسرة، أسراباً من الأجنة السابحين في مياه عمياء أو سماء عاقر. فيما راحت من ناحية أخرى تتعلق بالدمى كبديل عن الأطفال، وبالأزهار والنباتات كبديل عن الخصوبة المفقودة.
ولم يكن الموقف المتباين من الإنجاب، الذي لم يكن دييغو يكترث له، هو وحده الذي بدأ يهدد العلاقة بين الزوجين. لكن الضربة الأكثر إيلاماً التي سددها الزوج إلى قلب زوجته المريضة، هي التي نجمت عن العلاقة الغرامية المشبوبة التي أقامها الزوج مع كريستينا، شقيقة فريدا الصغرى، وهو ما دفعها إلى نوع من الرد الثأري المزدوج على ريفيرا، سواء عبر رسومها القاسية التي تكشف عن جراحها الجسدية والروحية المفتوحة، أو عبر مبادلتها الغدر بالغدر والخيانة بالخيانة. وحيث لم يكن دييغو يبدي أي تذمر يُذكر إزاء النزوع المثلي لزوجته المتعطشة إلى المتع الحسية، فهو لم يكن متساهلاً أبداً إزاء علاقتها بالرجال، بحيث لم يتوان عن إشهار مسدسه في وجه النحات المكسيكي إيسامونوغوتشي، مهدداً إياه بالقتل إذا لم يقطع علاقته بفريدا بشكل فوري. أما ليون تروتسكي الهارب من بطش ستالين، الذي سهل له دييغو سبل قدومه إلى المكسيك وقدم له منزلاً للإقامة، فقد وجدت كاهلو فيه الهدية السماوية النموذجية التي يمكن لها بواسطتها أن تحقق انتقامها الحاسم من خيانة الزوج. وسرعان ما وقع مؤسس «الأممية الرابعة» الخمسيني في شرك الفنانة الثلاثينية المغوية، غير أن خوف حراسه ورجاله الأقربين من فضيحة عالمية مدوية تطال سمعة زعيمهم، وخوف فريدا من رد زوجها المزلزل فيما لو عرف بالأمر، هو الذي أخمد العلاقة في مهدها خلال أسابيع.
لم تكن للعلاقة بين الزوجين بالمقابل أن تعرف طريقها إلى الاستقرار والسكينة الوادعة. لذلك وجدت فريدا في دعوتها إلى نيويورك لإقامة معرض لها هناك، الفرصة المؤاتية للابتعاد قليلاً عن مسرح زواجها المهدد، قبل أن تحصل على طلاقها من ريفيرا بعد فترة من الزمن. وإذ تقع خلال رحلتها الأميركية في غرام المصور الهنغاري نيكولاس موراي، ما تلبث أن تنتقل إلى باريس ليتحلق من حولها فنانو العالم الكبار وكتابه، من أمثال إيلوار وخوان ميرو وماكس إرنست، فضلاً عن أندريه بريتون الذي استوقفتها قذارة مظهره وسلوكه إلى حد نعته بالصرصور العجوز. وحين ألح على إلحاقها بالسورياليين ردت عليه بالقول «أنا لست سوريالية، فأنا لم أرسم أحلامي بل رسمت ما أنا عليه». أما بابلو بيكاسو الذي وقف حائراً إزاء موهبتها البرية، كما إزاء عينيها الفاتنتين، فقد سبق له أن قال مخاطباً زوجها لدى لقائه بهما في باريس «هاتان العينان الرائعتان، لا أنا ولا أنت قادران أن نصنع مثيلاً لهما يا صديقي».
حين شج عميل المخابرات السوفياتية رامون ميركادير، رأس تروتسكي بالفأس، كانت علاقة دييغو بضيفه الاستثنائي قد انقطعت تماماً، لا لخلافات عقائدية فحسب، بل لأن الكثيرين يردون ذلك إلى معرفة الزوج الأكيدة بالطعنة التي سددها إلى ظهره صاحب «الثورة الدائمة». لذلك لم يجد ريفيرا بداً من الهرب إلى سان فرنسيسكو إثر اتهامه من قبل البعض بالضلوع في مؤامرة الاغتيال، وقبل أن يُعثر فيما بعد على قاتله الحقيقي. وربما كان للصعوبات التي واجهها الزوجان أثناء انفصالهما لعامين كاملين، أبلغ الأثر في عودة مياه العلاقة إلى مجاريها، بعد أن اكتشف كل منهما حاجته الملحة إلى الآخر، مسلماً وراضياً بحصته من النزق والفوضى الملازمين لكل إبداع خلاق. ولم يكن من المستغرب تبعاً لذلك أن كاهلو التي وصفت ريفيرا بـ«المتهتك الذي لن يكون زوج أحد من النساء»، هي نفسها التي عبرت في مناسبة أخرى عن رغبتها في أن تلده مرة أخرى.
ولا بالمُستغرب أيضاً أن يوسع دييغو دائرة نزواته أبعد من حدود سريره الزوجي، فيما لا يتوانى في معرض حديثه عن زوجته عن الإقرار «لو أنني فارقتُ الحياة دون أن أعرفها، كنت سأموت من دون معرفتي بالمرأة الحقيقية».
ومع ذلك فقد كان القدر ينصب للفنانة الألصق بروح شعبها وتراثه، كمينه الأكثر خطورة، بحيث لم تفلح العمليات الجراحية المتلاحقة إلا في إلحاق المزيد من التلف بعمودها الفقري، وبسائر أجزاء هيكلها العظمي. صحيح أنها عملت جاهدة لكي تستعيض برسومها المدهشة عن كل ما لحق بجسمها من صدوع، وباتت الاسم الأكثر لمعاناً في فضاء الفن المكسيكي، إلا أن الغرغرينا التي بدأت تنهش أطرافها بلا رحمة، والتي أدت إلى بتر قدمها اليمنى، حولت المسافة القصيرة التي تفصلها عن رحيلها النهائي عام 1954 إلى برزخ قاتم من الكوابيس والمكابدات.
وإذا لم يكن الوفاء الجسدي هو الذي وفر للعلاقة الزوجية بين فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا، الملاءة اللازمة لإبعاد العلاقة عن دائرة الخطر، فإن المغامرات الخيانية التي اقترفاها بالتساوي، والتي تذكرنا بالمغامرات المماثلة لجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، ظلت ملازمة للسطوح الظاهرة من جسديهما المترعين بالنزق.
أما في الأعماق الأخيرة للأواصر، فقد جمعهما كل شيء آخر، بدءاً من الكيمياء الشخصية والافتتان المتبادل والشغف بالحياة، مروراً بالانتماء العقائدي والرؤية إلى العالم، ووصولاً إلى احترام كل منهما لعبقرية الآخر ومنجزه الإبداعي. أما فريدا التي أوصت بإحراق جثمانها بعد الموت، فكانت تعبر بصدق عن رغبتها في أن يتحول الرماد الذي يظل منها، إلى جزء لا يتجزأ من دورة الحياة والموت، في بلدها الذي يأخذ سكانه الأصليون بفكرة الاتحاد الكلي بين الإنسان والطبيعة. وحيث لم تكن فريدا بعيدة عن ذلك التصور، فقد كان يسعدها دائماً أن ترسم نفسها على صورة غزالة مكسيكية شاردة، ومترنحة أبداً على حبال الجناس الناقص بين العذوبة والعذاب، كما بين جحيم الواقع وجنة الرغبات، وهي التي عثرت على ما يشبهها تماماً في أبيات مواطنتها الشاعرة جوانا إينيث لا كروث التي تقول:
إذا رأيتَ الغزال الجريح
الذي يهبط السفح مسرعاً
ومفتشاً، وهو المصاب
بسهم قاتل،
في الجدول البارد كالجليد،
عما يخفف من أذاه،
فلا تظنن أنه يعكس
صورتي في الراحة
بل صورتي في الألم.



الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح