فصول من سيرة احتضار بيروت وانهيارها الكبير

جولات في شوارع العاصمة التي أصبح وسطها التجاري «مدينة أشباح»

الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)
الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)
TT

فصول من سيرة احتضار بيروت وانهيارها الكبير

الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)
الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)

بيروت تحتضر وتسير إلى موتها وسط الآم مبرحة. يصعب تحديد موعد دقيق لبداية نهاية العاصمة اللبنانية مقابل اتفاق عام على تاريخ نهوضها وتألقها.
في السطور التالية حصيلة جولات على القدمين وبالسيارة، ليلاً ونهاراً في بعض شوارع بيروت، ومنها ما لا يتناوله الإعلام غالباً، وخلاصة أحاديث مع عشرات من المقيمين والمكابدين للعيش هنا. ولا تزعم الكلمات هذه الإحاطة بكل وجوه حياة البيروتيين ولا معاناتهم اليومية. لكنها شهادة جزئية عما يدور في منأى عن اهتمامات السلطة.
اختيار المدينة عاصمة لولاية بيروت العثمانية مترامية الأطراف بعد حرب 1860 وإنشاء المتصرفية في جبل لبنان في أعقاب المجازر الطائفية هناك، ثم افتتاح المرفأ الكبير في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر، تاريخان مميزان استكملا إعادة اكتشاف إمكانات المدينة التي بدأها إبراهيم باشا أثناء حملته في بلاد الشام. بداية الحرب الأهلية في 13 أبريل (نيسان) 1975 موعد مرجح لمسيرة الأفول العظيم. يومذاك انتهت بيروت كمختبر للثقافة العربية وملجأ للحريات، كما خسرت دورها كمركز مالي واقتصادي وسياحي.
اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 2005 موعد آخر لمرحلة جديدة من التراجع. حطّم الاغتيال الانتعاش الذي شهده لبنان في التسعينات ومشروع أحياء وسط بيروت على الرغم من وقوع المشروع هذا ضمن التصورات النمطية لرجال الأعمال والمقاولين. وأدخل البلاد في أزمة سياسية ظلت تتفاقم حتى بلغت الانهيار الكبير في 2019. إزاحة رفيق الحريري كانت عملية دقيقة لتغيير التوازنات السياسية في لبنان والإمساك به وعدم السماح له بأي قدر من الاستقلال. وبالاغتيال هذا وبسلسلة من عمليات القتل والتفجير المدروسة، فقدت بيروت الكثير من دورها كمركز سياسي لمصلحة أحزاب يمت أغلبها بأكثر من صلة ونسب إلى العصبيات الريفية وسياسات الثأر والانتقام وكراهية المدينة وحياتها وقيمها المرذولة في عرف القوى المذكورة الآتية إلى السياسة من الحرب والقتل والاغتيال. اجتياح بيروت في السابع من مايو (أيار) 2008 كان تكريساً لما رمى إليه إقصاء الحريري ذاك الإقصاء الدموي والعنيف عن المشهد العام.
أزمة النفايات في 2015 أشارت إلى تعمق الحس المناطقي من خلال الإصرار على رفض فتح مكبات لنفايات العاصمة خارجها وقصور القائمين على شؤون بيروت على تدبر حل لهذه المسألة في معزل عن عقلية الفساد السائد بينهم. وإذا كانت بيروت عاصمة لكل لبنان وحاضنة لمؤسسات الدولة ولكبرى الجامعات والمستشفيات والمدارس، فإن ذلك لا يعني في تصور السلطة اللبنانية بأشكالها وتعابيرها المختلفة، أن يكون من حق المدينة تصدير نفاياتها التي يتشارك في إنتاجها كل اللبنانيين المقيمين فيها، إلى خارج نطاقها الإداري. لا شك في أن عوامل عدة أوصلت إلى النتيجة هذه، منها تخلف الخطاب والممارسة السياسيين لأصحاب الأكثرية النيابية في بيروت. وهذه من المآسي المسكوت عنها إلى اليوم.
سنة 2019 كانت نهاية مرحلة العلاج بالمسكنّات التي اعتمدها التحالف الحاكم منذ 2005. انكشف حجم الخداع الذي مارسته أحزاب وتيارات التحالف وظهر لبنان كبلد «دُفع عمداً» – بحسب تقرير للبنك الدولي - إلى واحدة من أسوأ الكوارث الاقتصادية في العالم منذ 1857. كان وقع الكارثة ساحقاً على العاصمة. توقفت إشارات السير واختفى عناصر الأمن الداخلي الذين تبخرت رواتبهم تبعا لانهيار قيمة الليرة مقابل الدولار الأميركي. وساد شعور أن البلد متروك من دون مرجعية قانونية تنظم الخلافات من أبسطها إلى أكثرها تعقيداً. أنه اقتراب من «الحالة الطبيعية» بتعبير هوبز. حالة حرب الجميع ضد الجميع. اللجوء إلى السلاح والعنف العاري مؤجل فيها، إلا أن التهديد به واستخدامه موضعياً، مثل اغتيال ناشط معارض، لا يتوقفان.
لم تكن الحياة وردية قبل نزول آلاف الشبان إلى شوارع وسط بيروت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. كان الفساد والرشوة والاستقواء بالسلاح قد أصبحت كلها من المظاهر اليومية. كما كانت حياة المدينة الثقافية والاجتماعية تتراجع طرداً. أقفلت صحف عريقة. أعلنت أخرى وصولها إلى حد الإفلاس. تراجعت إصدارات الكتب وانحدر مستواها. وتفاقم انسداد سبل الاستثمار الاقتصادي حيث لم يبق غير التجارة في العقارات، وخصوصاً الشقق الفخمة في وسط العاصمة وبعض الأحياء المطلة على البحر وتوظيف الأموال في سندات الخزينة اللبنانية؛ ما سيكون له عواقب هائلة في تدمير الاقتصاد وانهيار القطاع المصرفي.
من مظاهر الفساد السابقة على «17 تشرين» كان الاستيلاء على جزء من شاطئ الرملة البيضاء وبناء فندق فخم عليه من قِبل أشخاص محسوبين على جهة ميليشياوية نافذة. وعبر مجموعة من الألاعيب والبهلوانيات القانونية شارك فيها كبار القوم واستفادوا منها، نهض الفندق على الشاطئ العام وما زال هناك كصفعة على وجه القانون وبيروت. ولم يتورع المقاول المنفذ للمشروع والمحسوب بداهة على عائلة السياسي المعني، عن إلقاء حمولات من الإسمنت في مجاري الصرف الصحي لتحويل مصباتها بعيداً عن الفندق؛ ما أدى إلى انفجارها وفيضانها على الشوارع المحيطة. وعلى بعد مئات من الأمتار استولى سياسي آخر على واحدة من الفسحات النادرة للنزهة في المدينة هي ما يسمى «مينة (ميناء) الدالية» وأقفلها أمام العموم، ووضع فيها مئات المكعبات الإسمنتية بذريعة شرائه الأرض ضمن سلسلة لا تقل حصافة عن بهلوانيات زملاء في الرملة البيضاء. السياسيان المستوليان على الملك العام في المكانين ينتميان إلى طائفتين وتيارين متنافسين في العلن، لكنهما متفقان في السر على نهب المال العام.
في الوقت والسياق ذاتيهما، هُدمت حديقة المفتي حسن خالد وقُطعت أشجارها. وتحولت إلى مساحة فارغة ضمن مشروع لبناء مواقف سيارات تحت أرضها. بيد أن التمويل توقف بسبب الأزمة وضياع المخصصات المرصودة. الحديقة اليوم عبارة عن قطعة أرض رملية مقفلة. لا يمكن لسكان المنطقة المحيطة دخولها بسبب خلوها من المقاعد والمنشآت وألعاب الأطفال التي اقتلعت من قبل تحالف الفساد والسياسة. وها هي علامة على انحطاط المدينة وتفريغها من دورها والخلفية التي يأتي منها سياسيو العاصمة الذين لا قيمة تعلو عندهم على قيمة الربح السريع مهما كان مشبوهاً.
- «المصارف المدرعة»
بعد اندلاع مظاهرات «17 تشرين» واتضاح دور المصارف في الانهيار والاستيلاء على أموال المودعين وحجبها عنهم، عمد أصحاب المصارف ومديروها إلى تحصينها وتصفيحها وزيادة صعوبة إجراءات الدخول إليها. في الأشهر الأولى للأزمة، كانت المصارف مراكز صدام يومي بين المودعين والإدارات الممتنعة عن إعادة الأموال إلى أصحابها. وانتشرت العديد من المقاطع المصورة على وسائل التواصل يظهر فيها موظفو المصارف وحراسهم يعتدون على المطالبين بحقوقهم. ولا مفر من القول إن المصارف ومن دون استثناء وقفت موقفاً معادياً للصغار من زبائنها في حين تواطأت في تهريب أموال كبار المودعين والسياسيين إلى الخارج. ثمة تقاطع لا يُنكر بين السياسيين وأصحاب الودائع الضخمة. تقاطع يصل إلى حد التماهي، حيث يتجسد الفساد والسطوة السياسية على شكل وديعة مصرفية دسمة.
انحازت الدولة بأجهزتها إلى جانب المصارف ومنعت القضاء من النظر في الدعاوى التي تقدم بها أصحاب الودائع. وباتت فروع المصارف المدرعة مشهداً مألوفاً في بيروت، حيث غابت الواجهات الزجاجية البراقة والإعلانات عن تسهيلات في منح القروض والفوائد المرتفعة، وأشكال بطاقات الائتمان الملونة التي تستهدف مختلف شرائح السكان، ليحل مكانها اللونان الرمادي أو الأسود لصفائح فولاذية سميكة يكفي مظهرها لردع من تسول له نفسه المطالبة بحقه أو بتحويل مصروف ابنه أو ابنته اللذين يدرسان في الخارج.
- الوسط التجاري
منذ الطلقات الأولى للحرب الأهلية، كان وسط بيروت التجاري مركز كل الصراعات والحروب. بعد الحرب شهد الوسط صراعاً من نوع آخر حول كيفية بنائه وحقوق قدامى المالكين والمستأجرين وحل المشكلات القانونية العويصة التي تراكمت أثناء مدة الحرب. كما شهد الوسط خلافاً عميقاً حول هويته العمرانية والسكانية وأهمية استعادة دوره كمصهر حقيقي للهوية اللبنانية التي تفرقت على معازل ونواحٍ لا تعرف الاختلاط والتنوع الطائفي والثقافي وتعلي من قيمة الانعزال والنقاء.
معلوم أن توجهاً راهن على إحياء وظيفة لبنان الاقتصادية السابقة للحرب الأهلية كمركز للوساطات التجارية ومقر للشركات العالمية، هو الذي انتصر في نهاية المطاف من دون أن يأخذ في الاعتبار التغيرات الجذرية التي شهدها الشرق الأوسط في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. تغيرات وتبدلات لم تأخذ في الاعتبار الدور اللبناني السابق ولم تحفل بمحاولات العودة إلى إشغاله من دون إعادة نظر في وظيفة لبنان الاقتصادية الإقليمية ولا في دوره السياسي المنكمش بفعل الوصاية السورية ولا بتراجع الحياة الثقافية والصحافية فيه؛ نظراً إلى تدهور أوضاع الحريات فيه.
احتلال وسط بيروت بين 2006 و2008 من قِبل «حزب الله» وأنصاره لإرغام الحكومة الموالية لقوى 14 آذار في ذلك الحين على التخلي عن مشروع المحكمة الدولية المولجة بمحاكمة المسؤولين عن اغتيال رفيق الحريري، انتهى إلى إفقاد الوسط الأهمية التي كان يسعى إلى اكتسابها في العقد الأول من الألفية. العشرات من المطاعم والمقاهي والمؤسسات السياحية أقفلت في حين راهنت أخرى على استئناف نوع من النشاط التجاري تتصدره محال السلع الفاخرة.
تركز المظاهرات بعد «17 تشرين» في الوسط لاحتوائه على مقر رئاسة الوزراء في السراي الكبير وعلى المجلس النيابي في ساحة النجمة، برر للسلطة إطلاق عملية تحصين شاملة. مداخل الوسط اليوم تبدو كالقلاع. الحواجز الإسمنتية تمتد من مقر الأمم المتحدة في مبنى «الإسكوا» وتحيط بساحة رياض الصلح وتغلق شارع المصارف. وعلى جميع المفارق ترتفع جدران إسمنتية عالية تعلوها أسلاك شائكة. وتحيط الجدران هذه بالقسم القريب من مجلس النواب بما فيه شارع المعرض والمسجد العمري وشارع المصارف. وتسري شائعات - لا تخلو من الصحة - أن رئيس المجلس النيابي تعمد فرض هذا النوع من الإغلاق الخانق على جزء كبير من الوسط التجاري؛ أملاً في الحصول على حصة من شركة «سوليدير» التي تدير الأعمال العقارية في الوسط وما زالت تخضع لنفوذ آل الحريري.
الجزء الشمالي من الوسط التجاري الواقع بين شارع ويغان والطريق البحرية، لا يبدو أفضل حالاً. هذا الجزء الذي نجا من الإغلاق المتعمد الذي قتل الجزء الجنوبي والذي يضم أسواق بيروت وعدداً من صالات السينما والمقاهي، يبدو أثناء جولة نهارية خالياً تماماً. متاجر قليلة تفتح أبوابها. الأغلبية إما مقفلة على بضائع أو فارغة. في بعض المحال ما زال حطام الزجاج والديكور المدمر جراء تفجير الرابع من أغسطس (آب) 2020 موجوداً مثلما تركه أصحابه. في حين تعمل رافعة وحيدة في المبنى الذي كان يعرف باسم «الاوريان لوجور». مبنى زها حديد الذي أصابه حريق كبير في الأسابيع التي تلت تفجير المرفأ يشهد حركة ترميم خجولة بعدما تُرك عامين يحمل وشماً أسود على جدرانه.
الشق البيروتي، إذا جاز التعبير، من انتفاضة «17 تشرين»، تركز في وسط بيروت، وخصوصاً بين ساحتي رياض الصلح والشهداء، ثم في شارع ويغان والمداخل الشمالية لساحة النجمة. وبين الساحتين، في موقف اللعازارية، نصبت عشرات الخيم للمجموعات «الثورية» وأقيمت مئات الندوات والحوارات واللقاءات، بل وقعت صدامات بين أتباع الأحزاب المهيمنة والمتظاهرين. وعلى الحد الجنوبي للوسط، كان تقاطع الرينغ ساحة دائمة لهجمات رعاع السلطة وميليشياتها على المتظاهرين. مصهر الهوية اللبنانية، كاد أن يستعيد دوره لولا أن أُجهضت الحركة الشعبية العارمة على أيدي التحالف المعروف.
وباستثناء بعض الواقفين أمام شركة لتقديم تأشيرات السفر قرب ساحة الشهداء وعدد من المحال القريبة من مبنى بلدية بيروت، يبدو الوسط التجاري وكأنه مدينة اشباح. مرة جديدة تشكل هذه المنطقة من بيروت بارومتر للضغط السياسي في البلاد. فيتكثف فيها كل الشلل والعجز الذي أصاب لبنان. انتظار طويل لشيء لا يعرف أحد ما هو أو إذا كان سيحصل أصلاً.
- الحمراء
لشارع الحمراء ومنطقة رأس بيروت خصوصية في التركيبة المدنية. الشارع الذي دبت الحياة فيه أواسط ستينات القرن الماضي مع افتتاح دور السينما التي كانت تبحث عن أماكن أقل صخباً من وسط العاصمة، وانتقال مراكز الصحف إليه ثم انتشار المقاهي على جوانبه، تحول إلى شريان الحياة الثقافية في لبنان لفترة طويلة. وليس المقصود بالحياة الثقافية جملة الثرثرات والنمائم في المقاهي، بل المغامرة الكبيرة التي خاضها مئات من ألمع المثقفين العرب لصوغ مستقبل عربي بريء من الاستبداد ومستجيب لضرورات العصر. يمكن الزعم من دون مبالغة أن بعض أكثر فصول هذه المغامرة إثارة جرى في شارع الحمراء في بيروت.
دُور النشر والصحف والمسارح بحثت عن مواطئ حضور في الشارع. وسرعان ما استقبل المكتبات ومحال الألبسة العصرية من دون أن يبخل على الباحثين عن الوجبات السريعة والعصائر والمثلجات. ونزولاً من الحمرا في اتجاه البحر كانت المطاعم الفاخرة وبعض الفنادق. أما شماله فالجامعة الأميركية وطلابها الموزعون على محال شارع مميز آخر في رأس بيروت هو شارع بلس.
بعد إقفال الوسط التجاري في اعتصام 2006 – 2008، انتقل عدد من المطاعم والمقاهي إلى الحمرا ومتفرعاتها. وبدا أنها تستعيد ألقاً سابقاً على الحرب. الثورة ثم الحرب في سوريا حملتا الكثير من الشبان السوريين، المعارضين في أغلبهم، إلى هذا الشارع قبل أن تتولى مضايقات الأجهزة اللبنانية إبعادهم إلى منافٍ جديدة. رغم ذلك شهد الشارع افتتاح متاجر لمتمولين سوريين أحضروا معهم بعض أطايب الشام من مكسرات وفاكهة مجففة. انتهى كل ذلك بعد الانهيار الذي أعاد الحمرا شارعاً لتجارة السلع الرخيصة وحقائب السفر ومحال الصرافين المنتشرة قرب فروع المصارف المدرعة. وليس نادراً مصادفة أصحاب المحال يقفون عند «أبواب أرزاقهم» مكتوفي الأيدي علامة على جمود الأحوال واندثار الأشغال.
ويشكل المرور في الحمراء ليلاً تجربة لا يود المرء تكرارها. العتمة هناك تترك أضواء السيارات لترشد السائرين على الأرصفة ساعين ألا يتعثروا. ومع الظلام الدامس يحل الشعور بانعدام الأمان والخشية من التعرض للسرقة أو الاعتداء. فيترافق الخوف مع الكآبة المريرة وتحضر المقارنات السوداوية مع ماضٍ لم يكن نزهة في البرية، لكنه كان أفضل من حاضر لا يحول ولا يزول.
هنا أيضاً يظهر وجه آخر للأزمة. الحركة التجارية التي تضمحل تترك المجال لنوع من الأعمال القائمة على الخدمات السريعة والبضائع الرخيصة وسط أعداد لا تحصى من المتسولين والشباب المتسكعين.
- «شارع المظاهرات»
من ساحة البربير يتفرع شارع النويري ليصل إلى البسطة الفوقا ثم التحتا والباشورة قبل أن يصل إلى مدخل الوسط التجاري قرب مقر «الاسكوا» الحالي. هذا الشارع اكتسب اسم «شارع المظاهرات» في ستينات وسبعينات القرن الماضي. كانت الحشود تلتقي في البربير قرب المستشفى المهجور حالياً، حيث ترفع اللافتات ويتجمع الشباب وينظمون الصفوف لينطلقوا صعوداً في النويري فالبسطة وصولاً إلى ساحة رياض الصلح. مئات، بل ربما آلاف المظاهرات مرت في هذا الشارع وكانت وراء الطرفة التي رواها الكاتب الراحل مُنح الصلح في تعريفه للمظاهرة البيروتية. حيث يقول، إن «المظاهرة في بيروت هي جمهور شيعي يسير وراء قيادة مسيحية ودرزية في شارع سني ويهتف بشعارات فلسطينية».
من آخر المظاهرات التي شهدها الشارع ربما كانت المظاهرات المناهضة للغزو الأميركي للعراق أواخر 2002 وبداية 2003. أما مظاهرات «17 تشرين» فنقلت أماكن انطلاقها إلى منطقة مار مخايل وبالقرب من مؤسسة كهرباء لبنان لتصل إلى مقر جمعية المصارف ثم تدخل إلى شارع الأمير بشير المفضي إلى ساحة رياض الصلح.
للحق، يتشارك هذا الشارع مع العديد من شوارع بيروت التي تضم أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة بضآلة التغير الذي أصابه جراء الأزمة. في القسم القريب من ساحة البربير العديد من محال الصاغة التي تضع لافتات عن شرائها « أنواع الذهب والمجوهرات كافة بالدولار نقداً». ويقول اقتصاديون محليون، إن ما يجري في واقع الأمر هو عمليات شراء واسعة لمصاغات ومجوهرات عائلية تضطر الأسر التي أصابتها واقعة الأزمة إلى بيعها لتوفير متطلبات العيش. الارتفاع الصاروخي للأسعار وجمود المداخيل على مستويات ما قبل الكارثة جعل العائلات تبحث في مقتنياتها عما يصلح للبيع من أجل دفع أقساط مدرسية أو جامعية أو تهيئة أحد أفراد الأسرة للسفر.
الجدير بالملاحظة، أن هذه الشوارع لم تشهد تغيرات كبيرة خلافاً للحمراء والوسط التجاري. ربما أقفل بعض المتاجر أبوابه. بيد أن قسماً كبيرا ما زال يعمل. ربما بوتيرة أخف من السابق وبحجم مبيعات أقل. لكنه ما زال عاملاً. يرجع السبب في ذلك إلى أن قسماً وازناً من المتاجر في هذه الشوارع، يديرها أصحابها الذين لا مصدر دخل آخر لهم. عليه، لا مهرب أمامهم من التكيف ولو بقسوة وشدة مع إملاءات السوق.
استمرار الحركة التجارية وإن بزخم أضعف من السابق، يمكن رصده كذلك في شوارع الطريق الجديدة وعائشة بكار والاستقلال - الجزائر وزقاق البلاط وبرج حمود. فتركيز المتاجر هنا على السلع الأساسية من غذاء وخضراوات وألبسة زهيدة الثمن وهواتف خلوية وما شابه، خفف من الصدمة التي أصابت المستثمرين والتجار الذين كانوا يتداولون سلعاً أغلى ثمناً وأضيق جمهوراً. الطريف، أن محال تخصصت في الحلويات الشرقية على سبيل المثال، وبعضها الأشهر يقع في منطقة الطريق الجديدة قرب جامعة بيروت العربية، وضعت لافتات على مداخلها تعتذر من الزبائن وتدعو إلى توجيه اللوم إلى من يقف وراء ارتفاع الأسعار. كذلك الأمر بالنسبة إلى محال الفول والفلافل الشهيرة التي تتخذ من الشوارع المتوسطة والفقيرة مقرات لها.
تتفاوت، إذن، أشكال الاستجابة للأزمة بين فئة اجتماعية وأخرى وإن اجمع كلها على التعبير عن برم شديد بما آلت إليه الأمور والافتقار إلى تمثيل سياسي يتناسب مع هول الفاجعة. وهو ما يفاقمه إحساس بالفراغ على عتبة الانتخابات النيابية في مايو المقبل؛ ما يبرر الاعتقاد أن معركة بيروت الانتخابية قد تكون فرصة لتغيير وجه العاصمة السياسية تغييراً نهائياً.
بكلمات ثانية، نزلت الكارثة الاقتصادية - السياسية على لبنان، وخصوصاً على بيروت نزول الصاعقة. أرجعت مستويات الحياة فيها عقودا إلى الوراء وأصابت بناها التحتية إصابات تحتاج إلى مليارات الدولارات وسنوات عدة لإصلاحها. الأهم من ذلك، أن الأزمة الحالية جلبت ما لا يحتمل من معاناة وآلام إلى ملايين البشر، الكثير منها ظل طي الصدور والنفوس خوفاً من الفضيحة والاستغلال والتشهير. عائلات تحطمت وآمال خُنقت وأحلام وئدت. ومستقبل بات رهينة المجهول والقدر الغاشم. كل هذا من دون أن يظهر بصيص أمل في آخر نفق الفناء والاحتضار هذا. ومن دون أن يكون في الأفق تفكير في استعادة دور بيروت بما يزيد على كونها تجمعاً لأناس مكلومين ومظلومين.
الكلام الإنشائي عن تحمل بيروت للأحلام والكوابيس العربية، قد يكون اليوم بعضاً مما يتذكره المقيمون في بيروت بمرارة. احتضار المدينة وخسارتها أدوارها، هما في واقع الأمر انعكاس لحقائق أقسى يعانيها منها العرب الذين، مثل بيروت، يبحثون عن ضوء في آخر النفق.



الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

TT

الخان الأحمر... الخيمة الأخيرة في معركة «القدس الكبرى»

مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)
مساكن فلسطينية في «الخان الأحمر» قرب أريحا بالضفة الغربية المحتلة في مايو 2026 (رويترز)

في الطريق إلى التجمع البدوي الفقير «الخان الأحمر»، في قلب الضفة الغربية، تحتل مستوطنة «معاليه أدوميم» الإسرائيلية الفاخرة، مساحة واسعة وعالية ومطلة، لم تعد تكتفي بها حكومة اليمين المتطرف اليوم، التي تخطط لضم الكل (المعالي والخان وما حولهما) للقدس، ضمن مشروع «E1» المثير للجدل، والذي يهدف من بين أشياء أخرى إلى تحقيق حلم القدس الكبرى، الخطوة الأهم في خطة تغيير وجه الضفة الغربية، عبر شقها بحزام استيطاني، يعزز حضور المستوطنين والمستوطنات في دولة المستوطنين الجديدة، وينهي حلم الدولة الفلسطينية القابلة للتواصل، ويعزل القدس، العاصمة المرجوة، عنها.

لم يواجه أي أحد في الضفة الغربية أوامر وتهديدات بالهدم أكثر من سكان الخان الأحمر الذي يجد نفسه اليوم في معركة أكبر منه، وقد خاضوا خلال سنوات طويلة جداً معارك قانونية عدة، واشتباكات على الأرض، متمسكين بأرضهم وخيامهم، وواثقين من الانتصار، ثقة لم يبددها سوى الهجوم الإسرائيلي الشرس والشامل على كل ما هو فلسطيني، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

تجمع «الخان الأحمر» في قلب الضفة الغربية (المركز الإسرائيلي غير الحكومي للمعلومات عن حقوق الإنسان - بتسيلم)

«الوضع غير»

كانت أجواء التوتر حاضرة في الخان بعد أيام من قرار سموتريتش، ولم يجد رئيس المجلس البدوي عيد الجهالين (أبو خميس) إجابات واضحة لمئات من المكالمات والرسائل وأسئلة الصحافيين والنشطاء الذين حضر بعضهم إلى المنطقة في محاولة لتوثيق ما يدور داخل وحول الخيام المؤقتة والمنشآت، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعرف ماذا سيحدث بالضبط.

كان أبو خميس الذي يتحدث لغات عدة بينها الإنجليزية والعبرية، يجهد من أجل إيصال رسالة واحدة بأن هدم هذا المكان البسيط والفقير، سيفتح الباب أمام المخطط الأخطر في الضفة «القدس الكبرى».

في خيمته المتواضعة من بين خيام أخرى يوجد كثير من الخرائط ودلة قهوة وعدد من الصحافيين والزوار والمتضامنين وبعثات أجنبية، وهو وضع قد اعتاد عليه مع كل تهديد إسرائيلي بهدم الخان، لكنه هذه المرة قلق أكثر من أي وقت مضى.

قال أبو خميس: «الوضع هذه المرة مختلف تماماً وخطير جداً... في عام 2018، كان الكل الفلسطيني معنا؛ كانت الحكومة والمجتمع المدني يبيتون هنا، كان عندي 5000 واحد. وكان الضغط الدولي حاضراً بقوة، وكانت قضيتنا تتصدر أجندة الشرق الأوسط. اليوم، الوضع غير».

وأوضح مخاوفه أن «إسرائيل بعد 7 أكتوبر تغولت وتحول الضفة إلى دولة مستوطنين. هذه حرب دولة ضدنا وليس مشكلة أفراد. في الضفة صار عنا ألف خان أحمر، قتل، وتهجير، وحرق يلتهم كل أنحاء الضفة الغربية، والجهد الفلسطيني مشتت. دولياً أيضا هناك حرب غزة، والحرب في لبنان، وحرب هرمز، العالم مشغول ومشتت كذلك. الحكومات تغيرت في أميركا وإسرائيل وأماكن أخرى. وأوضح أن الاحتلال يرى أن هذا هو الوقت المناسب».

وبالنسبة لأبو خميس فإن قرار سموتريتش الأخير «وُضع للتنفيذ الفعلي ولن يمنعه إلا ضغط دولي حقيقي».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

أمر إخلاء وحرب معلنة

كان سموتريتش الذي يقود ما يعرفونه في إسرائيل بثورة لتغيير الوضع القائم في الضفة الغربية، وقّع الشهر الماضي، على أمر إخلاء «الخان الأحمر»، في «بداية حرب» أعلنها ضد السلطة الفلسطينية، التي اتهمها بأنها تقف خلف أمر اعتقال سري ضده أصدرته المحكمة الجنائية الدولية، التي كانت نفت الأمر في وقت سابق.

وقال سموتريتش في مؤتمر صحافي عقده منذ نحو 10 أيام، على خلفية التقارير التي تفيد بأن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي أصدرت طلباً سرياً لإصدار مذكرة اعتقال بحقه: «الأيدي هي أيدي لاهاي، لكن الصوت هو صوت السلطة الفلسطينية؛ التنظيم الإرهابي الذي يُسمى خطأً بالسلطة الفلسطينية».

وادعى سموتريتش أن إصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، وضده هو «إعلان حرب». وأردف قائلاً: «أمام إعلان الحرب سنرد بحرب شعواء. أنا لست يهودياً خاضعاً، لا. والسلطة الفلسطينية بدأت حرباً وستحصل على حرب. من اليوم، أي هدف اقتصادي أو غيره يقع ضمن صلاحياتي بصفتي وزيراً للمالية ووزيرا في وزارة الدفاع ويمكنني الإضرار به، سيتم مهاجمته. لن تكون هناك أقوال وشعارات، بل أفعال».

وأضاف: «أعلن هنا عن الهدف الأول. فور انتهائي من الحديث هنا سأوقع على أمر لإخلاء (خان الأحمر) بموجب صلاحياتي كوزير في وزارة الدفاع. أعد جميع أعدائنا: هذه ليست سوى البداية».

وفوراً وقع سموتريتش قرار إخلاء الخان الأحمر، وطلب في قراره «اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة» لهدمه.

لقطة عامة تُظهر مستوطنة أفرات الإسرائيلية في تجمع غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

لا يمكن اعتبار قرار هدم الخان إلا جزءاً من حملة يقودها سموتريتش منذ سنوات ضد الفلسطينيين، في الضفة الغربية شملت السيطرة على أراض واسعة وتغيير قوانين متعلقة بالسيطرة والملكيات وإجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات، وحتى في الصلاحيات المتعلقة بإنفاذ القانون، إلى جانب عمله الدؤوب على إضعاف وتفكيك السلطة الفلسطينية، وتحويل الضفة إلى دولة مستوطنين عبر دفع مخططات استيطانية كبيرة وإطلاق يد المستوطنين في المنطقة.

لكن أهمية الخان الأحمر استثنائية؛ لأنه يشكل عقبة رئيسية لتنفيذ مشروع «إي 1» الاستيطاني الضخم الذي يقوم على تشبيك مخيف لمجموعة من المستوطنات الإسرائيلية الضخمة المحيطة، مع القدس، مشكلة القدس الكبرى.

ستربط الخطة مدينة القدس بمستوطنة «معاليه أدوميم» الضخمة وسط الضفة، بطريقة قالت منظمة «بتسليم» الإسرائيلية إنها تهدد بشدة إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية، وتعزز دولة فصل عنصري ثنائية القومية.

وقال المركز الوطني للمعلومات إنه إضافة إلى الهدف المعلن تاريخياً، عبر ربط مستوطنة معاليه أدوميم بالقدس وإخراج الأحياء الفلسطينية من مجال تطوّرها الطبيعي، يُخدم المخطط في بعد أوسع رؤية «القدس الكبرى» بمساحة تقارب 600كم² (نحو 10 في المائة من الضفة)، عبر أحزمة طرق ومناطق صناعية وأحياء جديدة.

ويعتمد التنفيذ على مشروع طريق «نسيج الحياة» الاستيطاني ومسارات بديلة لفصل حركة الفلسطينيين عن وسط الضفة، وربط المناطق الفلسطينية القريبة عبر ممرات محكومة في أنفاق.

صورة لمستوطنة بسغات زئيف الإسرائيلية (يسار) التي بنيت في ضاحية من ضواحي القدس الشرقية ذات الأغلبية العربية خلف جدار الفصل الإسرائيلي في 16 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

خطة قديمة متجددة

منذ 2009، تسعى إسرائيل لهدم المكان، لكنها واجهت في كل مرة اقتربت فيها من الأمر عاصفة من الردود والانتقادات الفلسطينية والعربية والدولية، حتى تحول الخان إلى رمز للصراع، فتجنبت هدمه على الرغم من أن المحكمة الإسرائيلية أعطت الضوء الأخضر لذلك.

وفي كل مرة تطلب المحكمة تفسيراً حول عدم هدمه على الرغم من صدور قرار قضائي بذلك، تقدم الحكومة الإسرائيلية تفسيراً مختلفاً لعدم إخلاء المجمع السكني.

وقالت «يديعوت أحرونوت» إن إخلاء الخان الأحمر، الذي تحول إلى رمز عالمي، أصبح مصدر صداع دبلوماسي للحكومة بسبب الرأي العام الدولي.

وحتى هذه المرة، دعا 85 عضواً في مجلس النواب الأميركي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى استخدام جميع الأدوات الدبلوماسية المتاحة لوقف مشروع البناء الاستعماري الإسرائيلي المسمىE1، محذرين من أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى فرض واقع دائم على الأرض ويقوض فرص التوصل إلى حل الدولتين.

وجاءت الدعوة في رسالة وجهها النواب إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وأوضح الموقعون أن منطقة E1 الممتدة على مساحة نحو 12 كيلومتراً مربعاً شرق القدس، تُعد من أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية؛ نظراً لأن البناء الاستيطاني فيها سيؤدي إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويعزز التواصل الجغرافي بين القدس ومستعمرة «معاليه أدوميم»، بما يرسخ السيطرة الإسرائيلية على منطقة استراتيجية في قلب الضفة الغربية.

كما لفتوا إلى إجراءات إسرائيلية أخرى مرتبطة بالمشروع، من بينها خطط لشق ما يُعرف بـ«طريق السيادة»، إلى جانب خطوات تستهدف التجمع البدوي في الخان الأحمر، معتبرين أن هذه الإجراءات تشكل جزءاً من عملية متسارعة تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب التراجع عنها مستقبلاً.

شرطيان إسرائيليان يقفان في منطقة «إي 1» قرب مستوطنة «معاليه أدوميم» خارج القدس في الضفة الغربية (أرشيفية - أ.ف.ب)

من وجهة نظر النواب، فإن تنفيذ مشروع E1 الاستيطاني سيقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، داعين وزارة الخارجية الأميركية إلى إبلاغ الحكومة الإسرائيلية بشكل واضح بأن المضي في المشروع يتعارض مع المواقف الأميركية المعلنة بشأن مستقبل الضفة الغربية.

وقبلهم، دعا أكثر من 400 وزير وسفير ومسؤول أوروبي في رسالة مفتوحة لقادة الاتحاد الأوروبي، إلى «التحرك الآن» ضد «الضم غير القانوني» الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة من خلال مشروع E1 الذي تخطط بموجبه لبناء آلاف المنازل.

وكتب الموقعون الـ448، ومن بينهم نائب رئيس المفوضية الأوروبية السابق جوزيب بوريل ورئيس الوزراء البلجيكي السابق غي فيرهوفشتات، أنه «يجب على الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء، بالتعاون مع شركائهم، اتخاذ خطوات فورية لردع إسرائيل عن مواصلة ضمها غير القانوني لأراض فلسطينية في الضفة الغربية».

وقال الموقعون إن «الاتحاد الأوروبي، كحد أدنى، يجب أن يفرض عقوبات محددة الأهداف، بما فيها حظر التأشيرات وحظر ممارسة النشاطات التجارية في الاتحاد الأوروبي، ضد جميع الأشخاص المتورطين في عمليات الاستيطان غير القانونية، ولا سيما أولئك الذين يروجون ويشاركون في مناقصات وينفذون الخطة المتعلقة بمنطقة E1».

وجاءت هذه الدعوات بعدما أخذت إسرائيل خطوة أخرى عملية باتجاه البدء في إقامة المخطط عبر إخطار رسمي بهدم 50 منشأة ومحلاً تجارياً، في بلدة العيزرية، جنوب شرقي القدس المحتلة، تقع ضمن المخطط الاستيطاني.

وهذه المواقف الدولية المتكررة هي التي تعقد هدم الخان حالياً.

جدار الفصل الإسرائيلي يظهر في صورة التُقطت من قرية الرام في الضفة الغربية على مشارف القدس في 16 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

قد لا يكون قرار الهدم بيد سموتريتش وحده، وفق «يديعوت»؛ إذ يعود إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتنسيق مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس والجيش الإسرائيلي، وسيستلزم مصادقة صريحة من «الكابينت» نظراً لتداعياته التي قد تعقد الأمور بالنسبة لإسرائيل وقد تورّطها سياسياً، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات شديدة جداً عليها من جانب الاتحاد الأوروبي.

لكن مئير دويتش، المدير العام لحركة «ريغافيم» التي أسسها سموتريتش، والتي قدمت التماساً إلى المحكمة العليا بشأن الموضوع قبل أشهر، قال: «إن الوضع مختلف الآن ويوجد فرصة».

وأضاف: «خلال العامين الماضيين، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات غير مسبوقة وتاريخية في سبيل ضمان مستقبل دولة إسرائيل. والآن، أكثر من أي وقت مضى، حان الوقت لتطبيق القانون ضد المعتدين في هذا المجال، وبالتالي إحباط مخطط السلطة الفلسطينية للاستيلاء على هذا الموقع المهم كجزء من إقامة دولة إرهابية في قلب البلاد».

وتفهم السلطة الفلسطينية أكثر من غيرها هذا الوضع، وفي سنوات سابقة عندما كان الوضع مختلفاً إلى حد كبير، هددت السلطة بإلغاء الاتفاقيات إذا مضت إسرائيل بمشروع «إي 1»؛ لأنه يقتل الدولة الفلسطينية، ونظمت حملات ضخمة للتموضع في المكان، بخلاف ما يحدث الآن.

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

أهمية جيوسياسية

قال المحامي حسن مليحات، المشرف العام لمنظمة «البيدر» للدفاع عن حقوق البدو، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يجب فهمه هو أن الخان الأحمر يشكل منطقة ذات أهمية جيوسياسية بالغة؛ إذ يقع شمال شرقي القدس المحتلة، وتحديداً على الطريق الحيوي الواصل بين مدينتي القدس وأريحا»، مضيفاً أن «الخطورة الفائقة لهذه المنطقة تكمن في وقوعها ضمن مخطط (E1) الاستيطاني، وهو المشروع الأشد خطورة الذي يستهدف القضية الفلسطينية والضفة الغربية في تاريخ الصراع».

وأضاف مليحات أن «خطورة المشروع تكمن أيضاً في أنه يشكل القدس الكبرى عبر السيطرة على 12 ألف دونم في قلب الضفة الغربية، ويعمل على خلق حالة من التواصل الجغرافي المستمر بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» وصولاً إلى البحر الميت، وهو التطبيق الفعلي لمشروع «القدس الكبرى».

بالنسبة لمليحات، ثمة نتائج أخرى كارثية للمشروع؛ لأنه «يعيد هندسة التركيبة السكانية في هذه المناطق عبر طرد الفلسطينيين وإحلال المستوطنين مكانهم، ويقسم الضفة الغربية إلى قسمين منفصلين (شمال وجنوب): مما يعني استحالة قيام أي كيان أو دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، كما أن نجاح الاحتلال في هذه المنطقة سيشكل نقطة انطلاق للاستفراد بباقي الضفة».

وتابع: «هذا مشروع خطير وضخم، والخان الأحمر هو العقبة الأكبر».

سموتريتش (في الوسط) يسير عبر «مستوطنة ياتسيف» التي تم تقنينها حديثاً المتاخمة لبلدة بيت ساحور الفلسطينية في الضفة الغربية - 19 يناير 2026 (أ.ب)

الخان في قلب القدس الكبرى

لكن ليس الخان الأحمر وحده، إذ يعتقد مليحات أن الهجوم على الخان جزء من هجوم أوسع على البدو الفلسطينيين. وإذا كانت إسرائيل لم تهدم الخان حتى الآن، فقد رحلت فعلاً أكثر من 88 تجمعاً بدوياً في الضفة.

وقال مليحات إنه منذ عام 2019، وتحديداً بعد إعلان «صفقة القرن»، تصاعدت وتيرة استهداف البدو، واشتدت الهجمة الشرسة عليهم بشكل غير مسبوق بعد أحداث أكتوبر.

وأضاف: «تستهدف هذه الحرب الوجود البدوي في كافة مناطق وجيوب المنطقة ج (C)، وبشكل خاص في وسط الضفة شرق القدس بسبب مخطط E1 وفي أريحا والأغوار نظراً لأبعادها الحدودية والأمنية».

واضطرت عشرات العائلات فعلاً لمغادرة أماكن سكنها في الأغوار الفلسطينية بعد عدة هجمات من قبل الجيش والمستوطنين، في مشهد متكرر وصفه مليحات بأنه يمثل نكبة مستمرة.

وكان لافتاً أن البدو اضطروا لمواجهة مصيرهم وحيدين في معركة أكبر منهم، وهو الوضع الذي أشار إليه جهالين في الخان الأحمر.

علم إسرائيلي رفع في مستوطنة جديدة أُنشئت خلف تجمع سكني فلسطيني قرب رام الله بالضفة الغربية (رويترز)

«وحيدون في المعركة»

يهتم أبو خميس بأمر نحو 300 بدوي في الخان، يعيشون في المكان الذي يضم مدرسة ومسجداً وعيادة صحية، وهذه تستقبل الكثير من البدو من خارج التجمع من أجل الدراسة أو العلاج.

كان أبو خميس ينظر إلى المدرسة البسيطة بينما يلعب الأطفال هناك ويلهون في محاولة لسرقة فسحة من الفرح، ويسألون الكثير من الأسئلة حول ما إذا كانوا الإسرائيليون سيهجمون على المكان فعلاً. وقال أبو خميس: «نحن وحيدون في هذه المعركة».

وأضاف: «الحرب اليوم مركزة وموجّهة ضد البدو تحديداً، وهي نتاج لتبعات اتفاقية أوسلو وتقسيم الأراضي إلى مناطق (أ، ب، ج). تشكل (المنطقة ج) نحو 62 في المائة من مساحة الضفة الغربية، ومَن الموجود فيها؟ البدو».

وتابع: «مشكلة الخان أنه يقع في قلب مشروع (القدس الكبرى) من العيزرية حتى حدود البحر الميت، ولا توجد في هذه المساحة الشاسعة أي قرية أو مخيم فلسطيني سوى الخان الأحمر».

يفهم أبو خميس المسألة جيداً، ويشرح قائلاً: «إذا تم اقتلاعنا من هنا، فسيربط الاحتلال مستوطنات (معاليه أدوميم)، «كفار أدوميم»، «ميشور أدوميم»، ومستوطنة «ألون»، ليشكل حزاماً استيطانياً يطبق على البوابة الشرقية لمدينة القدس ويغلقها بالكامل، ومن ثم يقطع أوصال الضفة الغربية ويفصل شمالها عن جنوبها. القدس اليوم تُحاصر بكتلة استيطانية ضخمة، والخان الأحمر يقع في قلب هذا المشروع الاستيطاني الأخطر منذ قيام الاحتلال وحتى يومنا هذا».

وهذا الإدراك موجود عند كل سكان الخان وحتى الأطفال بينهم.

كان الطفل علي قد أنهى دوامه المدرسي للتو حين ذهب يطمئن على مواشي عائلته. قال علي لـ«الشرق الأوسط» إنهم يهاجموننا بين الفترة والأخرى ويشتموننا ويهددوننا».

جنود إسرائيليون ومستوطنون يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى حقولهم الزراعية في قرية ترقوميا بالضفة الغربية (د.ب.أ)

لم يوافق علي الصغير على تبديل مكان سكنه وقال إنه يحب المكان ولن يهاجر: «مش راح نطلع... لو هدموا البيوت مش راح نطلع، عادي خليهم يهدّوا بس مش راح نطلع، بدنا نضل هان، هاي الأرض إلنا ومش راح نطلع منها».

ويمثل علي الجيل الخامس الذي ولد في الخان الأحمر منذ وصل إليه سكانه في الخمسينات مهجرين من تل عراد في النقب.

وقال الشيخ محمد أبو داهوك (56 عاماً)، وهو من مواليد الخان الأحمر، لـ«الشرق الأوسط»: «جدي وأبوي كانوا هنا. وأنا مواليد هنا، والآن أولادي وأحفادي ولدوا هنا».

ولا ينوي أبو داهوك ترك المكان رغم أنه يتوقع منهم هدمه في أي لحظة.

وقال: «نتوقع منهم كل شيء، اليوم في كل مكان الدم شغال لكن لو هدموا، هنا باقون في الشمس، قاعدين (جالسين) لو هدموا ما في مكان نروح عليه، وين نروح؟ ما في مكان نروح له، بنظل قاعدين في الشمس».

ومثل غيره، يرفض أبو داهوك فكرة الانتقال إلى ما تسميه إسرائيل «منطقة لائقة»، ويقول: «أعطونا تراخيص هنا. إحنا أصحاب الأرض. وهذه أرضنا وأرضنا غالية علينا... ومش طالعين لأي مكان آخر شو ما كان».

وإلى جانب المعارك القانونية الكثيرة في السابق، قدم سكان الخان الأحمر وتجمعات عرب الجهالين اعتراضاً على مخطط يهدف إلى تركيز التجمعات البدوية في «مجمع حضري مُخطط». وجاء في الاعتراض، الذي قُدم بواسطة جمعية «بمكوم» الإسرائيلية أن هذا المخطط لا يتناسب مع نمط حياة التجمعات، وأنه قد يؤدي إلى إخلاء قسري من الحيز الذي يعيشون فيه منذ عقود.

وقال المهندس المعماري ألون كوهين ليفشيتس في «بمكوم» لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، هذا «مخطط اقتلاع تحت غطاء التخطيط»، مؤكداً أنه جزء من سياسة أوسع لصياغة حيز في شرقي القدس والضفة الغربية».

في أثناء ذلك، كانت ملحمة الخان الأحمر مستمرة، ويستمر جهالين في استقبال مسؤولين أوروبيين ومحليين ونشطاء، ويتلقى الكثير من الاتصالات، ويعقد اجتماعات «زووم» مع مؤسسات ونشطاء في الخارج، والتقى من بين آخرين رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى في مكتبه ووعده، بدوره، بدعم صمود السكان.

لكن شيئاً من ذلك لم يكن جديداً عليه. وقال: «صراعنا ليس جديداً. إنه مستمر منذ 1967 منذ أعلنت إسرائيل المنطقة «منطقة عسكرية مغلقة»، وكانوا يطلقون النار لترهيبهم، قبل أن يتفاجأوا لاحقاً بأن تلك «الأراضي العسكرية» قد تحولت إلى مستوطنات كبيرة بينها «معاليه أدوميم» و«كفار أدوميم».

بدو فلسطينيون يجمعون أمتعتهم قبل نزوحهم القسري من منطقة العوجا قرب أريحا بالضفة الغربية عقب أعمال عنف نفذها المستوطنون الإسرائيليون يناير الماضي (رويترز)

وأكد جهالين مكرراً ما قاله عدة مرات: «إنها دولة مستوطنين وهذه المرة مختلفة عن سابقاتها».

لكن أيضاً، ورغم أن كل شيء تغير بعد السابع من أكتوبر، فإن عقلية البدو لم تتغير؛ وقالها أبو خميس بالحرف: «أنا بدوي وقضيت 60 في المائة من عمري في الشمس ما بضرني إذا ظليت 100 في المائة بالشمس... سأكون هنا أو في أقرب نقطة ممكنة للخان. وإن بقيت معلقاً بين السماء والأرض. فلن أرحل».


هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن، وروّج لها في مواجهة عدوه التقليدي، إسرائيل، التي ساهمت بدورها في بناء هذه «الفرضية» التي ثبت في العام التالي أنها كانت خاطئة تماماً، ثم أتت الجولة الجديدة من الحرب في عام 2026، بمثابة الفرصة للطرفين لتثبيت قواعد جديدة للحرب.

إسرائيل... هدوء ومكر

لم تندفع الدولة العبرية إلى الحرب مع «حزب الله» مباشرة، بعد إطلاقه موجة من الهجمات «الاستعراضية»، التي بدأت بصواريخ استهدفت أطراف مواقع جيشها في مزارع شبعا. في المقابل، كانت تأخذ المواجهة نحو بُعد آخر، بهدوء لافت وكثير من المكر. هذا المكر تبدى في مساعٍ دبلوماسية قامت بها تل أبيب عبر واشنطن، لإقناع الحزب بفك المسار اللبناني عن الفلسطيني، حتى إن الموفد الأميركي، آموس هوكستين، بادر قادة لبنانيين، في يوليو (تموز) 2024، بالقول إنه مستعد لأن يمنح أمين عام الحزب، حسن نصر الله، انتصاراً، إذا ما أوقف الحزب عملياته.

رفض نصر الله العرض الأميركي فوراً.

قال لمن أبلغوه به إن المطلوب أولاً وقف الحرب في غزة، وبعدها... لكل حادث حديث.

صورة تجمع نصر الله وصفي الدين في المدينة الرياضية ببيروت خلال تشييعهما في شهر فبراير الماضي (رويترز)

لم يكن هذا الخطأ الأول في التقدير من قبل الحزب؛ فمعالم الحرب الجديدة التي تدور في قرى الحدود اللبنانية سريعاً ما كشفت تفوقاً تكنولوجياً وعسكرياً لصالح إسرائيل. وكان مسؤول كبير في الحزب أفصح عن أن مقاتليه في السابق كانوا يطلقون الصاروخ ويجمعون أغراضهم بهدوء بعد إبلاغ القيادة بنجاح الإطلاق، ثم يغادرون الموقع قبل وصول الطائرات الإسرائيلية.

أما في المواجهة الجديدة، فهامش الضربة يتراوح بين 5 و20 ثانية فقط. وبالتالي، يضيف المسؤول أن المقاتلين كانوا يحفرون الأرض ويقفزون فيها فور إطلاق الصاروخ على أمل النجاة، فبات كل إطلاق بمثابة «عملية استشهادية».

لاحقاً، أتت الإشارة التالية على التفوق الإسرائيلي بشكل أوضح؛ فالإسرائيليون نفذوا اغتيالات دقيقة لقيادات الحزب العسكرية، توَّجوها بغارة أطاحت بمعظم قادة «الرضوان»، فرقة النخبة لدى الحزب، قبل أن يقتلوا قائده العسكري، ثم يطلقون الحرب بعملية «البيجر» التي أخرجت الآلاف من عناصر الحزب من الخدمة بكبسة زر، ليغتالوا نصر الله بغارة عنيفة في ضاحية بيروت الجنوبية، ثم يغتالوا خليفته هاشم صفي الدين.

انفجار أجهزة البايجر أدّى إلى تصاعد الحرب (أ.ف.ب)

أدوات القتال

تشير أدوات القتال التي يتبعها الطرفان إلى أنهما استعدَّا لمعركة طويلة، تقوم على حرب استنزاف، ولا تحسم المعركة، بحسب ما تقول مصادر ميدانية؛ فمنذ الأسبوع الأول لاتفاق وقف إطلاق النار، تراجع «حزب الله» عن استخدام الصواريخ، وخفف من كثافة المسيرات الانتحارية التي يطلقها، كما تراجع عن استخدام الصواريخ الموجهة التي غالباً ما كان يطلقها لاستهداف المدرعات والدبابات لسهولة كشف مُطلِقها، وأدخل المحلقات الانقضاضية (FPV)، التي يجري تسييرها وتطييرها على مسافة تتراوح بين 10 و15 كيلومتراً في الجنوب، عبر تقنية الألياف الضوئية التي توصل المسيرة بجهاز التحكم، عبر سلك دقيق مربوط بين قاعدة التحكم مع الرامي وجسم المحلّقة الحامل للقذيفة، وذلك يتخطى التشويش الإلكتروني.

الجيش الإسرائيلي يطلق قذائف موجهة باتجاه جنوب لبنان من موقع بالجليل الأعلى شمال إسرائيل مارس الماضي (أ.ف.ب)

«حزب الله» 2026... «حرب المحلقات»

حاول «حزب الله» استعادة زمام المبادرة في الفصل الجديد من المواجهة الذي اندلع في مارس (آذار) الماضي، بالتحديد في موعد الحرب، لتتزامن مع الحرب على إيران. إسرائيل بعثت برسالة تقول إنها غير معنية بحرب مع لبنان، ما دام الحزب لا يتدخل. طمأن الحزب المسؤولين في بيروت بأنه لن يبادر إلى الحرب، لكنه فاجأ الجميع بصواريخ أُطلِقت باتجاه الشمال الإسرائيلي، لكن رد الفعل الإسرائيلي أتاه عنيفاً وشرساً.

خلافاً للصورة الأولى التي ظهر بها الحزب؛ بإطلاقه ستة صواريخ بدائية، كان في المواجهة التي اندلعت بعدها أكثر تنظيماً وقوة، كاشفاً عن أسرار لم يُبَح بها خلال 15 شهراً من توقف القتال. بلغت عملياته اليومية ضد الإسرائيليين نحو 100 عملية يومياً، كما قدم أسلحة جديدة نوعية إلى ساحة المعركة. استراتيجية القتال على الأرض اختلفت، ولم يعد يعتمد الدفاع الثابت، ولم يحاول إيقاف التقدم الإسرائيلي، بل سعى لإلحاق القدر الأكبر من الأذى بالقوى المتقدمة.

جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي)

تراجع الصواريخ وصعود المسيّرات

لم تعد الصواريخ وحدها تختصر مشهد المواجهة الدائرة بين إسرائيل و«حزب الله»؛ فبعد أشهر من القتال المتواصل الذي اندلع في ربيع 2026، برز تحول لافت في طبيعة العمليات العسكرية، تمثل في صعود المسيّرات الهجومية والانتحارية إلى واجهة المعركة، لتصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في مسار العمليات على جانبي الحدود.

فعلى مدى سنوات، ارتبطت صورة «حزب الله» العسكرية بترسانته الصاروخية الكبيرة التي شكَّلت مصدر القلق الرئيسي لإسرائيل. لكن الحرب الحالية أظهرت أن الحزب لم يعد يعتمد حصراً على الصواريخ، بل انتقل إلى توظيف واسع النطاق للمسيّرات بمختلف أنواعها. وبحسب تقديرات إسرائيلية، فإن نسبة كبيرة من الهجمات التي نفذها الحزب خلال الأسابيع الأخيرة اعتمدت على المسيّرات الهجومية والانتحارية، في وقت تراجعت فيه أهمية الصواريخ التقليدية نسبياً مقارنة بالمراحل السابقة من الصراع.

ويرى باحثون إسرائيليون أن هذا التحول يعكس تأثراً واضحاً بالتجارب العسكرية الحديثة، لا سيما الحرب في أوكرانيا؛ حيث أثبتت المسيّرات الصغيرة منخفضة التكلفة قدرتها على إلحاق خسائر كبيرة بقوات تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً.

صورة ملتقطة من فيديو وزّعه «حزب الله» يظهر مسيرة انتحارية تتجه إلى هدف إسرائيلي على الحدود مع لبنان (متداول)

وبحسب التقارير الإسرائيلية والأبحاث العسكرية المنشورة منذ اندلاع الحرب الحالية في مارس 2026، فإن السلاح الأبرز لدى «حزب الله» لم يعد الصواريخ وحدها، بل المسيّرات الهجومية والانتحارية التي أصبحت تشكل التهديد الرئيسي للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان. أبرز هذه الأسلحة كان المسيّرات الانتحارية «FPV» التي تعمل بكابل رفيع من الألياف الضوئية جعلها عصية على التشويش الإلكتروني، كما أن حجمها الصغير وتحليقها المنخفض المتعرج يشكل تحدياً إضافياً لرادارات إسرائيل وأنظمة دفاعها الجوي.

تحمل هذه المسيرات في المقابل، حشوات صغيرة الحجم لا تتجاوز الخمسة كيلوغرامات. ويقول مصدر أمني لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب اعتمد ثلاثة أنواع من الحشوات المتفجرة، تبعاً للهدف المقصود. وما إذا كان الهدف دبابة، أو آلية عادية، أو أفراداً. ويقول ضباط إسرائيليون سابقون إن التهديد الذي تمثله هذه المسيّرات لا يقتصر على إصابة أهداف عسكرية ثابتة، بل يشمل أيضاً ملاحقة القوات المتحركة واستهداف الدبابات والآليات ومراكز القيادة الميدانية، ما يجعلها عاملاً ضاغطاً على الوحدات البرية المنتشرة داخل جنوب لبنان. ولا توجد أرقام رسمية نهائية بشأن عدد المسيّرات الانتحارية التي استخدمها الحزب منذ بداية الحرب، إلا أن تقديرات إسرائيلية غير رسمية تتحدث عن مئات عمليات الإطلاق، وربما أكثر من ألف عملية خلال الأشهر الأخيرة.

مراسم تشييع جندي إسرائيلي قُتل بنيران «حزب الله» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وقالت إسرائيل أخيراً إن «حزب الله» أطلق ما يزيد على 120 محلقة من هذا النوع، كما بث الحزب عشرات المقاطع التي تظهر استهداف المحلقة لآليات ومدرعات وأجهزة إلكترونية وأفراد في الميدان. وقالت إسرائيل إن عمليات حزب الله أسفرت عن مقتل 20 جندياً، وإصابة العشرات منذ تاريخ انخراط الحزب بالقتال في 2 مارس الماضي.

إضافة إلى ذلك، أعلن «حزب الله» عن تفجير عبوات ناسفة بآليات إسرائيلية في العمق، كما أعلن عن التصدي لمحاولات توغل إسرائيلي بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والخفيفة، إضافة إلى القذائف الصاروخية، أي «آر بي جي».

صواريخ مضادة للدروع

الصواريخ المضادة للدروع لا تزال تشكل العمود الفقري للقتال البري للحزب، وقد استخدمت ضد الدبابات والآليات والتحصينات الإسرائيلية. ومن أبرز الأنظمة التي تشير إليها المصادر الإسرائيلية الصواريخ من عائلة: «الماسّ» المشتقة من «سبايك» الإسرائيلي، التي نسختها إيران بعد سيطرة مقاتلي الحزب على صاروخ إسرائيلي في حرب عام 2006 وفقاً لأسلوب الهندسة العكسية، إضافةً إلى منظومات كورنيت الروسية وغيرها.

أما السلاح الثالث، فهو الصواريخ والقذائف القصيرة والمتوسطة المدى التي استخدمت بكثافة لاستهداف المواقع العسكرية والتجمعات والقواعد في الجليل وشمال إسرائيل. لكن نسبة استخدامها تراجعت مقارنة بالمسيّرات خلال مراحل عديدة من حرب 2026.

قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

مسيّرات استطلاعية وهجومية

تحل في المرتبة الرابعة المسيرات الاستطلاعية والهجومية، وهي ليست كلها انتحارية؛ فبعضها يُستخدم للاستطلاع وتصحيح النيران وتحديد الأهداف. وبعضها يحمل ذخائر صغيرة ويعود إلى قاعدته بعد المهمة.

وتحدثت مصادر إسرائيلية عن استخدام محدود لصواريخ مضادة للطائرات ونيران دفاع جوي ضد الطائرات الإسرائيلية.

لكنها ليست السلاح الحاسم في المعركة الحالية مقارنةً بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع.

تطوير أساليب القتال لا أدواته فقط

طوَّرت إسرائيل أساليب القتال التي كانت تعتمد على الزج بالمدرعات بتغطية جوية، للتخفيف من الخسائر، والتحرك بخفة أكبر. وتقول مصادر أمنية لبنانية إن الجيش الإسرائيلي اعتمد أسلوب المجموعات الخاصة الصغيرة التي تتحرك على الطرقات غير المعبَّدة لتجنب العبوات والاستهداف، ثم تتراجع مع أول بوادر مقاومة ليتدخل الطيران الحربي، مستهدفاً مصادر النار المعادية.

صورة تجمع لقطات من الفضاء لقرية يارون الحدودية مع إسرائيل قبل وبعد تدميرها (أ.ف.ب)

وبالنسبة لإسرائيل، وإلى جانب الغارات الجوية الثقيلة التي تنفذها المقاتلات الحربية، والصواريخ التي تطلقها المسيرات، غالباً ما تكون للاستهدافات الدقيقة ولملاحقة الأفراد على متن السيارات والدراجات النارية، أدخل الجيش الإسرائيلي سلاحين إلى المعركة، ظهر أولهما، وهو المحلقات الانقضاضية أيضاً، في مقاطع فيديو لاستهداف دراجات نارية أو أفراد في الميدان. كما يستخدم بكثافة قذائف المدفعية الموجهة من عيار 155 ملم وعيار 240 ملم، بحسب ما تقول مصادر ميدانية في جنوب لبنان، وذلك لاستهداف قرى بعيدة عن الحدود. وتضيف المصادر أن القذائف التي تطلقها المدفعية: «موجهة بالليزر، مما يمنحها الدقة، فضلاً عن أن أعيرتها تدفعها إلى مسافات أطول تصل إلى 30 كيلومتراً داخل الحدود».

جندية فرنسية من قوات حفظ السلام «يونيفيل» على تلة تطل على كفركلا وهي قرية حدودية لبنانية مع إسرائيل جنوب لبنان يوم 20 أغسطس 2025 (أ.ب)

وبحسب ما أعلنته إسرائيل وما رصدته مراكز أبحاث عسكرية خلال حرب 2026، فإن الطائرات من دون طيار كانت أكثر الأسلحة والأنظمة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي في لبنان، والتي تمتلك الدولة العبرية منها شبكة فعالة تغطي الميدان والخطوط الخلفية، وفي مقدمتها طائرات «هيرمس 900» و«هيرمس 450» كما مسيّرات استطلاع صغيرة من عائلة «Skylark». وقد استخدمت للاستطلاع، تحديد الأهداف، توجيه النيران، وتنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف متحركة وثابتة.

ذخائر دقيقة وصواريخ موجهة

واستعملت إسرائيل أيضا صواريخ بعيدة المدى من عائلة «Spike NLOS»، كما استخدمت ذخائر جوية موجهة تُطلق من الطائرات والمسيّرات ضد مراكز القيادة ومنصات الإطلاق.

وتحل الدبابات والقوات المدرعة في صلب العمليات البرية داخل جنوب لبنان، كما تعرض عدد منها لهجمات بالمسيّرات والصواريخ المضادة للدروع، بالإضافة إلى المدفعية والصواريخ الأرضية وراجمات صواريخ بعيدة المدى. ومدفعية ذاتية الحركة لقصف أهداف داخل العمق اللبناني. كما استخدمت صواريخ أرض - أرض دقيقة ضد أهداف محددة مسبقاً.

جندية إسرائيلية تشغّل طائرات مسيّرة (موقع الجيش الإسرائيلي)

أنظمة الدفاع الجوّي

وتمتلك إسرائيل أنظمة دفاع جوي مهمة، أبرزها منظومة القبة الحديدية و«مقلاع داود» ومنظومة «آرو». لكن التقارير الإسرائيلية نفسها أقرَّت بأن هذه الأنظمة واجهت صعوبة أمام المسيّرات الانتحارية الصغيرة التي استخدمها «حزب الله»، خصوصاً المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية.

وأعلنت وسائل إعلام إسرائيلية، في وقت سابق، أن الجيش أدخل مدفع «روعم» إلى الخدمة في جنوب لبنان، وهو منظومة مدفعية من عيار 155 ملم صُنع في إسرائيل، ويمتاز بسهولة التحرك لأنه مدفوع بعجلات، مع تلقيم آلي للقذائف، ويشغله طاقم من ثلاثة أفراد بدلاً من سبعة، مع مدى رمي قد يصل إلى 40 كيلومتراً؛ وتقنيات قيادة وسيطرة متقدمة.

قلعة الشقيف ذات الموقع الاستراتيجي وقد لحقها دمار جراء القصف الإسرائيلي عليها في مايو الماضي (أ.ب)

قواعد الاشتباك

حاول «حزب الله» منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، فرض قواعد اشتباك تحصر مساحة القتال في المنطقة المحتلة، عبر تحييده للمستوطنات والبلدات الإسرائيلية في الشمال، لكن الجيش الإسرائيلي كان يوسع ساحة القتال تدريجياً إلى تخوم صيدا، عبر الغارات الجوية والقصف المتواصل.

ويرى العميد المتقاعد سعيد قزح، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يحاول، منذ وقف إطلاق النار، فرض معادلة ميدانية جديدة مع إسرائيل، تقوم على مبدأ «أن تضرب إسرائيل فيُرد عليها، إلا أن تل أبيب لا تزال ترفض الاعتراف بهذه المعادلة أو التعامل معها باعتبارها قواعد اشتباك متبادلة».

ويوضح قزح أن توصيف ما يجري بـ«قواعد اشتباك» ليس دقيقاً بالكامل «لأن هذا المصطلح يُستخدم عادة بين جيشين نظاميين أو ضمن إطار عسكري واضح»، مضيفاً أن الحزب «يحاول عملياً تكريس قواعد لعبة جديدة، مفادها أن أي استهداف إسرائيلي سيقابله رد، سواء عبر استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية المحتلة أو عبر إطلاق صواريخ باتجاه الداخل الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «(حزب الله) نفّذ خلال الفترة الماضية عمليات ضد مواقع إسرائيلية داخل المنطقة الحدودية، بعضها تم بواسطة المسيّرات، وبعضها الآخر عبر محاولات تسلل أو عمليات مباشرة»، لافتاً إلى أن «إطلاق الصواريخ نحو الداخل الإسرائيلي تراجع في الأيام الأخيرة، كما أن جزءاً كبيراً منها جرى اعتراضه بسبب محدودية الأعداد المستخدمة».

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة مجتبى خامنئي (د.ب.أ)

ويرى قزح أن الحزب «يسعى من خلال هذه العمليات إلى تثبيت مشروعية استمرار سلاحه، تحت عنوان مقاومة الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية»، لكنه أضاف أن الحزب «يتجنَّب في الوقت نفسه الدخول في نقاش الأسباب التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد والاحتلال».

وعن مدى نجاح الحزب في فرض هذه المعادلة، يقول قزح إن «المؤشرات الحالية تدل على أن إسرائيل هي التي لا تزال تفرض قواعد اللعبة الميدانية»، موضحاً أن الجيش الإسرائيلي «لا يكتفي بالتحرك داخل المنطقة العازلة أو ما يُعرف بـ(الخط الأصفر)، بل يواصل تنفيذ عمليات وتجريف واستهدافات تمتد إلى قرى تقع شمال هذا الخط؛ ما يعني أنه يرفض عملياً مبدأ التوازن الذي يحاول الحزب فرضه».


المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)
كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني. لكن خلف هذا التصعيد المتبادل، تبدو معادلة الردع التي حكمت الحدود طوال السنوات التي أعقبت حرب 2006 أمام اختبار غير مسبوق، مع اتساع رقعة العمليات ووصولها إلى مناطق كانت تُعد حتى وقت قريب خارج دائرة الخطر المباشر.

فالغارات التي باتت تلامس الزهراني، والاشتباكات الدائرة في محيط زوطر الشرقية، والتقدّم الإسرائيلي التدريجي نحو تخوم النبطية، كلها مؤشرات، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، على أن المواجهة دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد فيها المسيّرات قادرة وحدها على فرض توازن ردع، فيما تعتمد إسرائيل سياسة ضغط ميداني متصاعد هدفها تغيير الوقائع على الأرض قبل أي تسوية أو تفاوض محتمل.

المسيّرات لا تصنع ردعاً

في السياق، اعتبر رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد د. هشام جابر أن المسيّرات التي يستخدمها «حزب الله» لا تحقق ردعاً فعلياً في مواجهة التوسع المستمر في الغارات والعمليات الإسرائيلية، قائلاً: «المسيّرات لا تشكّل ردعاً. قد تُربك إسرائيل وتكبّدها خسائر، لكنها لا تمنعها من متابعة عملياتها العسكرية».

ورأى جابر أن استمرار إسرائيل في الغارات والتوغلات البرية يعني أن معادلة الردع لم تعد قائمة، مضيفاً: «لو كان الردع موجوداً لما كانت إسرائيل تواصل عملياتها بهذا الشكل. ما نراه اليوم أن إسرائيل تغيّر تكتيكاتها وتتابع تقدّمها رغم الخسائر التي تتكبدها في الجنوب».

تصاعُد الدخان من بلدات جنوب لبنان بعد غارات إسرائيلية كما بدا من مدينة النبطية (رويترز)

كما ربط أيضاً بين هذا المسار الميداني وتراجع الردع الذي كان قائماً بعد حرب عام 2006، معتبراً أن «الردع الذي استمر من 2006 إلى 2023 كان فعلياً موجوداً»، لكنه رأى أن دخول «حزب الله» في حرب استنزاف منذ فتح جبهة الإسناد المرتبطة بغزة أدى إلى سقوط هذه المعادلة. وقال: «منذ دخول (حزب الله) في حرب الإسناد عام 2023، اكتشفت إسرائيل الحقيقة العسكرية للحزب، ومنذ تلك اللحظة بدأ الردع يزول». وحذر جابر من أن الهدف الإسرائيلي لا يقتصر على زوطر أو محيطها، بل قد يتوسع وصولاً إلى جنوب الزهراني، قائلاً: «أخشى ما أخشاه أن نكون أمام مرحلة لا تكتفي بجنوب الليطاني، بل تمتد إلى جنوب الزهراني».

سياسة تفريغ واستنزاف طويل

وأشار جابر إلى أن سياسة الإنذارات والإخلاءات التي تعتمدها إسرائيل تهدف إلى تفريغ المناطق من سكانها، موضحاً: «كلما أخلت إسرائيل منطقة من سكانها، باتت قادرة على ضرب أي حركة داخلها. عندها يصبح أي شخص يتحرك بسيارة أو دراجة هدفاً محتملاً».

وأضاف: «أخشى ما أخشاه أن يكون جنوب لبنان قد دخل فعلاً في حرب استنزاف طويلة، لأن المؤشرات الميدانية الحالية لا توحي بوجود أفق سريع لوقف هذا التصعيد أو العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة».

وفي قراءته للمشهد الميداني والسياسي، رأى جابر «أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن يوقف الحرب على لبنان في الوقت الراهن مهما تكبّد من خسائر»، لافتاً إلى أن إسرائيل «لم تحقق حتى الآن أياً من أهدافها العسكرية أو السياسية المعلنة».

وأضاف أن «تل أبيب لم تتمكن من نزع سلاح (حزب الله)، كما لم تستطع فرض الشروط التي تريدها على لبنان».

وأشار جابر إلى أن المعطيات الحالية تدل على أن «الأمور لن تعود كما كانت في السابق»، معتبراً أن الحرب دخلت مرحلة مختلفة ستنعكس على واقع الجنوب اللبناني والتوازنات القائمة فيه.

وفيما يتعلق بـ«حزب الله»، رأى جابر أن الحزب أيضاً «لا يستطيع وقف الحرب في منتصفها، في ظل تعقيدات الميدان وتشابك الحسابات الإقليمية والدولية».

لا وجود لتوازن ردع

بدوره، رأى العميد المتقاعد خليل الحلو أن «المسيّرات التي يستخدمها (حزب الله) لا تنجح في فرض توازن ردع مقابل الغارات الإسرائيلية المكثفة»، مؤكداً أن «إسرائيل تُوقع أضراراً وخسائر أكبر بكثير مما تتلقاه».

رجل يتفقد الأضرار في موقع غارة إسرائيلية بمدينة صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح الحلو أن «المسيّرات المرتبطة بالألياف البصرية (FPV) تعاني من محدودية تقنية تتعلق بالمدى والحمولة»، قائلاً: «مدى هذه المسيّرات يتراوح عملياً بين 3 و15 كيلومتراً، وقد يصل إلى نحو 20 كيلومتراً كحد منطقي، لأن الكابل الذي يربط المسيّرة يضيف وزناً عليها ويؤثر على قدرتها التشغيلية». معتبراً «أن الحديث عن استخدامها لمسافات تصل إلى 60 كيلومتراً غير واقعي عسكرياً».

وأشار إلى أن «(حزب الله) يستخدم هذه المسيّرات لاستهداف القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة التي أنشأتها إسرائيل، والتي تمتد لنحو 10 كيلومترات، لكن ذلك لم يغيّر في الواقع الميداني».

وقال: «إذا نظرنا إلى الخريطة نرى أن الإسرائيليين باتوا قريبين جداً من النبطية، فيما تتوسع الغارات والإنذارات والإخلاءات حتى شمال الزهراني، وهذا بحد ذاته دليل على غياب توازن الردع».

وأضاف الحلو أن «(حزب الله) يحاول تحقيق إصابات وتأثير ميداني عبر المسيّرات، لكن ما يحصل على الأرض يُظهر أن إسرائيل تُنزل بالحزب وبلبنان أضراراً أكبر بكثير».