فصول من سيرة احتضار بيروت وانهيارها الكبير

جولات في شوارع العاصمة التي أصبح وسطها التجاري «مدينة أشباح»

الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)
الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)
TT

فصول من سيرة احتضار بيروت وانهيارها الكبير

الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)
الظلام يخيّم على بيروت (أ.ف.ب)

بيروت تحتضر وتسير إلى موتها وسط الآم مبرحة. يصعب تحديد موعد دقيق لبداية نهاية العاصمة اللبنانية مقابل اتفاق عام على تاريخ نهوضها وتألقها.
في السطور التالية حصيلة جولات على القدمين وبالسيارة، ليلاً ونهاراً في بعض شوارع بيروت، ومنها ما لا يتناوله الإعلام غالباً، وخلاصة أحاديث مع عشرات من المقيمين والمكابدين للعيش هنا. ولا تزعم الكلمات هذه الإحاطة بكل وجوه حياة البيروتيين ولا معاناتهم اليومية. لكنها شهادة جزئية عما يدور في منأى عن اهتمامات السلطة.
اختيار المدينة عاصمة لولاية بيروت العثمانية مترامية الأطراف بعد حرب 1860 وإنشاء المتصرفية في جبل لبنان في أعقاب المجازر الطائفية هناك، ثم افتتاح المرفأ الكبير في أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر، تاريخان مميزان استكملا إعادة اكتشاف إمكانات المدينة التي بدأها إبراهيم باشا أثناء حملته في بلاد الشام. بداية الحرب الأهلية في 13 أبريل (نيسان) 1975 موعد مرجح لمسيرة الأفول العظيم. يومذاك انتهت بيروت كمختبر للثقافة العربية وملجأ للحريات، كما خسرت دورها كمركز مالي واقتصادي وسياحي.
اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في 2005 موعد آخر لمرحلة جديدة من التراجع. حطّم الاغتيال الانتعاش الذي شهده لبنان في التسعينات ومشروع أحياء وسط بيروت على الرغم من وقوع المشروع هذا ضمن التصورات النمطية لرجال الأعمال والمقاولين. وأدخل البلاد في أزمة سياسية ظلت تتفاقم حتى بلغت الانهيار الكبير في 2019. إزاحة رفيق الحريري كانت عملية دقيقة لتغيير التوازنات السياسية في لبنان والإمساك به وعدم السماح له بأي قدر من الاستقلال. وبالاغتيال هذا وبسلسلة من عمليات القتل والتفجير المدروسة، فقدت بيروت الكثير من دورها كمركز سياسي لمصلحة أحزاب يمت أغلبها بأكثر من صلة ونسب إلى العصبيات الريفية وسياسات الثأر والانتقام وكراهية المدينة وحياتها وقيمها المرذولة في عرف القوى المذكورة الآتية إلى السياسة من الحرب والقتل والاغتيال. اجتياح بيروت في السابع من مايو (أيار) 2008 كان تكريساً لما رمى إليه إقصاء الحريري ذاك الإقصاء الدموي والعنيف عن المشهد العام.
أزمة النفايات في 2015 أشارت إلى تعمق الحس المناطقي من خلال الإصرار على رفض فتح مكبات لنفايات العاصمة خارجها وقصور القائمين على شؤون بيروت على تدبر حل لهذه المسألة في معزل عن عقلية الفساد السائد بينهم. وإذا كانت بيروت عاصمة لكل لبنان وحاضنة لمؤسسات الدولة ولكبرى الجامعات والمستشفيات والمدارس، فإن ذلك لا يعني في تصور السلطة اللبنانية بأشكالها وتعابيرها المختلفة، أن يكون من حق المدينة تصدير نفاياتها التي يتشارك في إنتاجها كل اللبنانيين المقيمين فيها، إلى خارج نطاقها الإداري. لا شك في أن عوامل عدة أوصلت إلى النتيجة هذه، منها تخلف الخطاب والممارسة السياسيين لأصحاب الأكثرية النيابية في بيروت. وهذه من المآسي المسكوت عنها إلى اليوم.
سنة 2019 كانت نهاية مرحلة العلاج بالمسكنّات التي اعتمدها التحالف الحاكم منذ 2005. انكشف حجم الخداع الذي مارسته أحزاب وتيارات التحالف وظهر لبنان كبلد «دُفع عمداً» – بحسب تقرير للبنك الدولي - إلى واحدة من أسوأ الكوارث الاقتصادية في العالم منذ 1857. كان وقع الكارثة ساحقاً على العاصمة. توقفت إشارات السير واختفى عناصر الأمن الداخلي الذين تبخرت رواتبهم تبعا لانهيار قيمة الليرة مقابل الدولار الأميركي. وساد شعور أن البلد متروك من دون مرجعية قانونية تنظم الخلافات من أبسطها إلى أكثرها تعقيداً. أنه اقتراب من «الحالة الطبيعية» بتعبير هوبز. حالة حرب الجميع ضد الجميع. اللجوء إلى السلاح والعنف العاري مؤجل فيها، إلا أن التهديد به واستخدامه موضعياً، مثل اغتيال ناشط معارض، لا يتوقفان.
لم تكن الحياة وردية قبل نزول آلاف الشبان إلى شوارع وسط بيروت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. كان الفساد والرشوة والاستقواء بالسلاح قد أصبحت كلها من المظاهر اليومية. كما كانت حياة المدينة الثقافية والاجتماعية تتراجع طرداً. أقفلت صحف عريقة. أعلنت أخرى وصولها إلى حد الإفلاس. تراجعت إصدارات الكتب وانحدر مستواها. وتفاقم انسداد سبل الاستثمار الاقتصادي حيث لم يبق غير التجارة في العقارات، وخصوصاً الشقق الفخمة في وسط العاصمة وبعض الأحياء المطلة على البحر وتوظيف الأموال في سندات الخزينة اللبنانية؛ ما سيكون له عواقب هائلة في تدمير الاقتصاد وانهيار القطاع المصرفي.
من مظاهر الفساد السابقة على «17 تشرين» كان الاستيلاء على جزء من شاطئ الرملة البيضاء وبناء فندق فخم عليه من قِبل أشخاص محسوبين على جهة ميليشياوية نافذة. وعبر مجموعة من الألاعيب والبهلوانيات القانونية شارك فيها كبار القوم واستفادوا منها، نهض الفندق على الشاطئ العام وما زال هناك كصفعة على وجه القانون وبيروت. ولم يتورع المقاول المنفذ للمشروع والمحسوب بداهة على عائلة السياسي المعني، عن إلقاء حمولات من الإسمنت في مجاري الصرف الصحي لتحويل مصباتها بعيداً عن الفندق؛ ما أدى إلى انفجارها وفيضانها على الشوارع المحيطة. وعلى بعد مئات من الأمتار استولى سياسي آخر على واحدة من الفسحات النادرة للنزهة في المدينة هي ما يسمى «مينة (ميناء) الدالية» وأقفلها أمام العموم، ووضع فيها مئات المكعبات الإسمنتية بذريعة شرائه الأرض ضمن سلسلة لا تقل حصافة عن بهلوانيات زملاء في الرملة البيضاء. السياسيان المستوليان على الملك العام في المكانين ينتميان إلى طائفتين وتيارين متنافسين في العلن، لكنهما متفقان في السر على نهب المال العام.
في الوقت والسياق ذاتيهما، هُدمت حديقة المفتي حسن خالد وقُطعت أشجارها. وتحولت إلى مساحة فارغة ضمن مشروع لبناء مواقف سيارات تحت أرضها. بيد أن التمويل توقف بسبب الأزمة وضياع المخصصات المرصودة. الحديقة اليوم عبارة عن قطعة أرض رملية مقفلة. لا يمكن لسكان المنطقة المحيطة دخولها بسبب خلوها من المقاعد والمنشآت وألعاب الأطفال التي اقتلعت من قبل تحالف الفساد والسياسة. وها هي علامة على انحطاط المدينة وتفريغها من دورها والخلفية التي يأتي منها سياسيو العاصمة الذين لا قيمة تعلو عندهم على قيمة الربح السريع مهما كان مشبوهاً.
- «المصارف المدرعة»
بعد اندلاع مظاهرات «17 تشرين» واتضاح دور المصارف في الانهيار والاستيلاء على أموال المودعين وحجبها عنهم، عمد أصحاب المصارف ومديروها إلى تحصينها وتصفيحها وزيادة صعوبة إجراءات الدخول إليها. في الأشهر الأولى للأزمة، كانت المصارف مراكز صدام يومي بين المودعين والإدارات الممتنعة عن إعادة الأموال إلى أصحابها. وانتشرت العديد من المقاطع المصورة على وسائل التواصل يظهر فيها موظفو المصارف وحراسهم يعتدون على المطالبين بحقوقهم. ولا مفر من القول إن المصارف ومن دون استثناء وقفت موقفاً معادياً للصغار من زبائنها في حين تواطأت في تهريب أموال كبار المودعين والسياسيين إلى الخارج. ثمة تقاطع لا يُنكر بين السياسيين وأصحاب الودائع الضخمة. تقاطع يصل إلى حد التماهي، حيث يتجسد الفساد والسطوة السياسية على شكل وديعة مصرفية دسمة.
انحازت الدولة بأجهزتها إلى جانب المصارف ومنعت القضاء من النظر في الدعاوى التي تقدم بها أصحاب الودائع. وباتت فروع المصارف المدرعة مشهداً مألوفاً في بيروت، حيث غابت الواجهات الزجاجية البراقة والإعلانات عن تسهيلات في منح القروض والفوائد المرتفعة، وأشكال بطاقات الائتمان الملونة التي تستهدف مختلف شرائح السكان، ليحل مكانها اللونان الرمادي أو الأسود لصفائح فولاذية سميكة يكفي مظهرها لردع من تسول له نفسه المطالبة بحقه أو بتحويل مصروف ابنه أو ابنته اللذين يدرسان في الخارج.
- الوسط التجاري
منذ الطلقات الأولى للحرب الأهلية، كان وسط بيروت التجاري مركز كل الصراعات والحروب. بعد الحرب شهد الوسط صراعاً من نوع آخر حول كيفية بنائه وحقوق قدامى المالكين والمستأجرين وحل المشكلات القانونية العويصة التي تراكمت أثناء مدة الحرب. كما شهد الوسط خلافاً عميقاً حول هويته العمرانية والسكانية وأهمية استعادة دوره كمصهر حقيقي للهوية اللبنانية التي تفرقت على معازل ونواحٍ لا تعرف الاختلاط والتنوع الطائفي والثقافي وتعلي من قيمة الانعزال والنقاء.
معلوم أن توجهاً راهن على إحياء وظيفة لبنان الاقتصادية السابقة للحرب الأهلية كمركز للوساطات التجارية ومقر للشركات العالمية، هو الذي انتصر في نهاية المطاف من دون أن يأخذ في الاعتبار التغيرات الجذرية التي شهدها الشرق الأوسط في سبعينات وثمانينات القرن العشرين. تغيرات وتبدلات لم تأخذ في الاعتبار الدور اللبناني السابق ولم تحفل بمحاولات العودة إلى إشغاله من دون إعادة نظر في وظيفة لبنان الاقتصادية الإقليمية ولا في دوره السياسي المنكمش بفعل الوصاية السورية ولا بتراجع الحياة الثقافية والصحافية فيه؛ نظراً إلى تدهور أوضاع الحريات فيه.
احتلال وسط بيروت بين 2006 و2008 من قِبل «حزب الله» وأنصاره لإرغام الحكومة الموالية لقوى 14 آذار في ذلك الحين على التخلي عن مشروع المحكمة الدولية المولجة بمحاكمة المسؤولين عن اغتيال رفيق الحريري، انتهى إلى إفقاد الوسط الأهمية التي كان يسعى إلى اكتسابها في العقد الأول من الألفية. العشرات من المطاعم والمقاهي والمؤسسات السياحية أقفلت في حين راهنت أخرى على استئناف نوع من النشاط التجاري تتصدره محال السلع الفاخرة.
تركز المظاهرات بعد «17 تشرين» في الوسط لاحتوائه على مقر رئاسة الوزراء في السراي الكبير وعلى المجلس النيابي في ساحة النجمة، برر للسلطة إطلاق عملية تحصين شاملة. مداخل الوسط اليوم تبدو كالقلاع. الحواجز الإسمنتية تمتد من مقر الأمم المتحدة في مبنى «الإسكوا» وتحيط بساحة رياض الصلح وتغلق شارع المصارف. وعلى جميع المفارق ترتفع جدران إسمنتية عالية تعلوها أسلاك شائكة. وتحيط الجدران هذه بالقسم القريب من مجلس النواب بما فيه شارع المعرض والمسجد العمري وشارع المصارف. وتسري شائعات - لا تخلو من الصحة - أن رئيس المجلس النيابي تعمد فرض هذا النوع من الإغلاق الخانق على جزء كبير من الوسط التجاري؛ أملاً في الحصول على حصة من شركة «سوليدير» التي تدير الأعمال العقارية في الوسط وما زالت تخضع لنفوذ آل الحريري.
الجزء الشمالي من الوسط التجاري الواقع بين شارع ويغان والطريق البحرية، لا يبدو أفضل حالاً. هذا الجزء الذي نجا من الإغلاق المتعمد الذي قتل الجزء الجنوبي والذي يضم أسواق بيروت وعدداً من صالات السينما والمقاهي، يبدو أثناء جولة نهارية خالياً تماماً. متاجر قليلة تفتح أبوابها. الأغلبية إما مقفلة على بضائع أو فارغة. في بعض المحال ما زال حطام الزجاج والديكور المدمر جراء تفجير الرابع من أغسطس (آب) 2020 موجوداً مثلما تركه أصحابه. في حين تعمل رافعة وحيدة في المبنى الذي كان يعرف باسم «الاوريان لوجور». مبنى زها حديد الذي أصابه حريق كبير في الأسابيع التي تلت تفجير المرفأ يشهد حركة ترميم خجولة بعدما تُرك عامين يحمل وشماً أسود على جدرانه.
الشق البيروتي، إذا جاز التعبير، من انتفاضة «17 تشرين»، تركز في وسط بيروت، وخصوصاً بين ساحتي رياض الصلح والشهداء، ثم في شارع ويغان والمداخل الشمالية لساحة النجمة. وبين الساحتين، في موقف اللعازارية، نصبت عشرات الخيم للمجموعات «الثورية» وأقيمت مئات الندوات والحوارات واللقاءات، بل وقعت صدامات بين أتباع الأحزاب المهيمنة والمتظاهرين. وعلى الحد الجنوبي للوسط، كان تقاطع الرينغ ساحة دائمة لهجمات رعاع السلطة وميليشياتها على المتظاهرين. مصهر الهوية اللبنانية، كاد أن يستعيد دوره لولا أن أُجهضت الحركة الشعبية العارمة على أيدي التحالف المعروف.
وباستثناء بعض الواقفين أمام شركة لتقديم تأشيرات السفر قرب ساحة الشهداء وعدد من المحال القريبة من مبنى بلدية بيروت، يبدو الوسط التجاري وكأنه مدينة اشباح. مرة جديدة تشكل هذه المنطقة من بيروت بارومتر للضغط السياسي في البلاد. فيتكثف فيها كل الشلل والعجز الذي أصاب لبنان. انتظار طويل لشيء لا يعرف أحد ما هو أو إذا كان سيحصل أصلاً.
- الحمراء
لشارع الحمراء ومنطقة رأس بيروت خصوصية في التركيبة المدنية. الشارع الذي دبت الحياة فيه أواسط ستينات القرن الماضي مع افتتاح دور السينما التي كانت تبحث عن أماكن أقل صخباً من وسط العاصمة، وانتقال مراكز الصحف إليه ثم انتشار المقاهي على جوانبه، تحول إلى شريان الحياة الثقافية في لبنان لفترة طويلة. وليس المقصود بالحياة الثقافية جملة الثرثرات والنمائم في المقاهي، بل المغامرة الكبيرة التي خاضها مئات من ألمع المثقفين العرب لصوغ مستقبل عربي بريء من الاستبداد ومستجيب لضرورات العصر. يمكن الزعم من دون مبالغة أن بعض أكثر فصول هذه المغامرة إثارة جرى في شارع الحمراء في بيروت.
دُور النشر والصحف والمسارح بحثت عن مواطئ حضور في الشارع. وسرعان ما استقبل المكتبات ومحال الألبسة العصرية من دون أن يبخل على الباحثين عن الوجبات السريعة والعصائر والمثلجات. ونزولاً من الحمرا في اتجاه البحر كانت المطاعم الفاخرة وبعض الفنادق. أما شماله فالجامعة الأميركية وطلابها الموزعون على محال شارع مميز آخر في رأس بيروت هو شارع بلس.
بعد إقفال الوسط التجاري في اعتصام 2006 – 2008، انتقل عدد من المطاعم والمقاهي إلى الحمرا ومتفرعاتها. وبدا أنها تستعيد ألقاً سابقاً على الحرب. الثورة ثم الحرب في سوريا حملتا الكثير من الشبان السوريين، المعارضين في أغلبهم، إلى هذا الشارع قبل أن تتولى مضايقات الأجهزة اللبنانية إبعادهم إلى منافٍ جديدة. رغم ذلك شهد الشارع افتتاح متاجر لمتمولين سوريين أحضروا معهم بعض أطايب الشام من مكسرات وفاكهة مجففة. انتهى كل ذلك بعد الانهيار الذي أعاد الحمرا شارعاً لتجارة السلع الرخيصة وحقائب السفر ومحال الصرافين المنتشرة قرب فروع المصارف المدرعة. وليس نادراً مصادفة أصحاب المحال يقفون عند «أبواب أرزاقهم» مكتوفي الأيدي علامة على جمود الأحوال واندثار الأشغال.
ويشكل المرور في الحمراء ليلاً تجربة لا يود المرء تكرارها. العتمة هناك تترك أضواء السيارات لترشد السائرين على الأرصفة ساعين ألا يتعثروا. ومع الظلام الدامس يحل الشعور بانعدام الأمان والخشية من التعرض للسرقة أو الاعتداء. فيترافق الخوف مع الكآبة المريرة وتحضر المقارنات السوداوية مع ماضٍ لم يكن نزهة في البرية، لكنه كان أفضل من حاضر لا يحول ولا يزول.
هنا أيضاً يظهر وجه آخر للأزمة. الحركة التجارية التي تضمحل تترك المجال لنوع من الأعمال القائمة على الخدمات السريعة والبضائع الرخيصة وسط أعداد لا تحصى من المتسولين والشباب المتسكعين.
- «شارع المظاهرات»
من ساحة البربير يتفرع شارع النويري ليصل إلى البسطة الفوقا ثم التحتا والباشورة قبل أن يصل إلى مدخل الوسط التجاري قرب مقر «الاسكوا» الحالي. هذا الشارع اكتسب اسم «شارع المظاهرات» في ستينات وسبعينات القرن الماضي. كانت الحشود تلتقي في البربير قرب المستشفى المهجور حالياً، حيث ترفع اللافتات ويتجمع الشباب وينظمون الصفوف لينطلقوا صعوداً في النويري فالبسطة وصولاً إلى ساحة رياض الصلح. مئات، بل ربما آلاف المظاهرات مرت في هذا الشارع وكانت وراء الطرفة التي رواها الكاتب الراحل مُنح الصلح في تعريفه للمظاهرة البيروتية. حيث يقول، إن «المظاهرة في بيروت هي جمهور شيعي يسير وراء قيادة مسيحية ودرزية في شارع سني ويهتف بشعارات فلسطينية».
من آخر المظاهرات التي شهدها الشارع ربما كانت المظاهرات المناهضة للغزو الأميركي للعراق أواخر 2002 وبداية 2003. أما مظاهرات «17 تشرين» فنقلت أماكن انطلاقها إلى منطقة مار مخايل وبالقرب من مؤسسة كهرباء لبنان لتصل إلى مقر جمعية المصارف ثم تدخل إلى شارع الأمير بشير المفضي إلى ساحة رياض الصلح.
للحق، يتشارك هذا الشارع مع العديد من شوارع بيروت التي تضم أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة بضآلة التغير الذي أصابه جراء الأزمة. في القسم القريب من ساحة البربير العديد من محال الصاغة التي تضع لافتات عن شرائها « أنواع الذهب والمجوهرات كافة بالدولار نقداً». ويقول اقتصاديون محليون، إن ما يجري في واقع الأمر هو عمليات شراء واسعة لمصاغات ومجوهرات عائلية تضطر الأسر التي أصابتها واقعة الأزمة إلى بيعها لتوفير متطلبات العيش. الارتفاع الصاروخي للأسعار وجمود المداخيل على مستويات ما قبل الكارثة جعل العائلات تبحث في مقتنياتها عما يصلح للبيع من أجل دفع أقساط مدرسية أو جامعية أو تهيئة أحد أفراد الأسرة للسفر.
الجدير بالملاحظة، أن هذه الشوارع لم تشهد تغيرات كبيرة خلافاً للحمراء والوسط التجاري. ربما أقفل بعض المتاجر أبوابه. بيد أن قسماً كبيرا ما زال يعمل. ربما بوتيرة أخف من السابق وبحجم مبيعات أقل. لكنه ما زال عاملاً. يرجع السبب في ذلك إلى أن قسماً وازناً من المتاجر في هذه الشوارع، يديرها أصحابها الذين لا مصدر دخل آخر لهم. عليه، لا مهرب أمامهم من التكيف ولو بقسوة وشدة مع إملاءات السوق.
استمرار الحركة التجارية وإن بزخم أضعف من السابق، يمكن رصده كذلك في شوارع الطريق الجديدة وعائشة بكار والاستقلال - الجزائر وزقاق البلاط وبرج حمود. فتركيز المتاجر هنا على السلع الأساسية من غذاء وخضراوات وألبسة زهيدة الثمن وهواتف خلوية وما شابه، خفف من الصدمة التي أصابت المستثمرين والتجار الذين كانوا يتداولون سلعاً أغلى ثمناً وأضيق جمهوراً. الطريف، أن محال تخصصت في الحلويات الشرقية على سبيل المثال، وبعضها الأشهر يقع في منطقة الطريق الجديدة قرب جامعة بيروت العربية، وضعت لافتات على مداخلها تعتذر من الزبائن وتدعو إلى توجيه اللوم إلى من يقف وراء ارتفاع الأسعار. كذلك الأمر بالنسبة إلى محال الفول والفلافل الشهيرة التي تتخذ من الشوارع المتوسطة والفقيرة مقرات لها.
تتفاوت، إذن، أشكال الاستجابة للأزمة بين فئة اجتماعية وأخرى وإن اجمع كلها على التعبير عن برم شديد بما آلت إليه الأمور والافتقار إلى تمثيل سياسي يتناسب مع هول الفاجعة. وهو ما يفاقمه إحساس بالفراغ على عتبة الانتخابات النيابية في مايو المقبل؛ ما يبرر الاعتقاد أن معركة بيروت الانتخابية قد تكون فرصة لتغيير وجه العاصمة السياسية تغييراً نهائياً.
بكلمات ثانية، نزلت الكارثة الاقتصادية - السياسية على لبنان، وخصوصاً على بيروت نزول الصاعقة. أرجعت مستويات الحياة فيها عقودا إلى الوراء وأصابت بناها التحتية إصابات تحتاج إلى مليارات الدولارات وسنوات عدة لإصلاحها. الأهم من ذلك، أن الأزمة الحالية جلبت ما لا يحتمل من معاناة وآلام إلى ملايين البشر، الكثير منها ظل طي الصدور والنفوس خوفاً من الفضيحة والاستغلال والتشهير. عائلات تحطمت وآمال خُنقت وأحلام وئدت. ومستقبل بات رهينة المجهول والقدر الغاشم. كل هذا من دون أن يظهر بصيص أمل في آخر نفق الفناء والاحتضار هذا. ومن دون أن يكون في الأفق تفكير في استعادة دور بيروت بما يزيد على كونها تجمعاً لأناس مكلومين ومظلومين.
الكلام الإنشائي عن تحمل بيروت للأحلام والكوابيس العربية، قد يكون اليوم بعضاً مما يتذكره المقيمون في بيروت بمرارة. احتضار المدينة وخسارتها أدوارها، هما في واقع الأمر انعكاس لحقائق أقسى يعانيها منها العرب الذين، مثل بيروت، يبحثون عن ضوء في آخر النفق.



نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».


آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

آيزنكوت... القائد «المستقيم كالمسطرة» الذي أنقذ نتنياهو فانقض عليه

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)
غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

عندما قرر غادي آيزنكوت التقدم إلى الجمهور الإسرائيلي طالباً الثقة لانتخابه رئيساً للحكومة، شعر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، بأنه وقع في ورطة؛ فهو أمام شخصية مختلفة عن منافسيه السابقين، نفتالي بنيت ويائير لبيد وتسبي لفني وحتى شمعون بيرس وإيهود باراك.

فالمنافس الجديد، آيزنكوت، ليس فقط رئيساً لأركان الجيش ذا رصيد عسكري كبير، وإنما يتمتع أيضاً بصفات شخصية مميزة. فهو النقيض التام لنتنياهو. المحللون الإسرائيليون يعتبرونه «مستقيماً كالمسطرة»، ولهذا قام رفاقه بتسمية حزبهم الجديد «حزب يشار» (أي مستقيم). فهو إنسان خلوق، لا يشتم ولا يدير ألاعيب ولا يحارب الصحافة ولا يشارك في مؤامرات. يقال إنه مبني من طينة أخرى مختلفة عن طينة السياسيين الجدد في إسرائيل. ويشبهه البعض بإسحاق رابين.

غادي آيزنكوت يزور موقع مهرجان «نوفا» الموسيقي في رعيم، حيث تجمع مشيعون لإحياء الذكرى الثالثة لهجوم «حماس» في 7 أكتوبر

نقيض نتنياهو

ليس آيزنكوت رجل معارضة تقليدياً؛ فعندما بوغتت إسرائيل بهجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعاشت صدمة نفسية، تقدم آيزنكوت من نتنياهو، حاملاً حبل النجاة. وبدلاً من دفعه إلى الاستقالة بسبب الإخفاق الكبير، جاءه الجنرالان آيزنكوت وبيني غانتس، مساندين، وانضما إلى حكومته بعد 4 أيام من الكارثة ووضعا بين يديه خبرتهما وجرأتهما على تنفيذ حرب انتقامية.

كذلك، ليس آيزنكوت من القادة الذين يمكنك إيجاد ثغرات ومباذل في حياته، لينجح خصومه في استغلالها ضده في المعركة. فحياته متواضعة. زوجته بعيدة جداً عن الأضواء. لا يُعرف بالتبذير والجشع والطمع. ولا يقبل الهدايا.

وهو ليس من شريحة النخبة الأشكنازية، التي حكمت وما زالت تحكم إسرائيل منذ نشأتها. بل ينحدر من عائلة ذات جذور مغربية. ويعتز بذلك.

وليس هذا فحسب، بل إن آيزنكوت، أب ثاكل، قبل سنتين فقط قُتل ابنه في الحرب في غزة وقُتل أيضاً ابن شقيقه وابن شقيقته.

فكيف يدير نتنياهو معركته الانتخابية ضد شخصية كهذه؟ كيف يعاديه، وهو الذي وقف إلى جانبه وسانده في أحرج الأوقات؟

لكن هذه الأسئلة المشروعة جداً، تبدو ساذجة أمام شخصية كنتنياهو. فهو يريد أن يربح الانتخابات، بأي ثمن، ولذلك يدير معركته الانتخابية بلا رحمة، وينسف كل ما يقال في مديح آيزنكوت ويخترع له صفات وتصريحات وممارسات.

على سبيل المثال، في المسلسل الذي نشرته القناة «14» التابعة لنتنياهو، وعنوانه «آيزنكوت» ويهدف إلى تحطيم هيبة الرجل وشخصيته، يقول موطي كاستيل، المراسل السياسي: «غادي آيزنكوت هو رجل يسار، وأنا تحدثت أيضاً مع أشخاص كثيرين كانوا في الكابينت. عندما كانت هناك قرارات صعبة على الطاولة، قالوا لي: (غادي آيزنكوت، يفكر مثل اليسار ويقول رأيه). غادي آيزنكوت هو دبدوب محبوب ومدلل، ولطيف، على الأقل في مظهره وهيئته. ولا يصلح رئيس حكومة في دولة ملتهبة بالحروب».

ويضيف: «آيزنكوت ليس رجل يسار عادياً، بل هو في اليسار عميق جداً. عندما اقتربت فتاة فلسطينية تحمل مقصاً من مجموعة جنود، أمر بألا يطلقوا عليها الرصاص. وقال: إذا كانت هناك فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً، تمسك مقصاً أو سكيناً، وهناك حاجز بينها وبين الجنود، لا أقبل أن يفتح جندي النار ويفرغ مخزن ذخيرة على فتاة كهذه، حتى لو كانت تقوم بفعل خطير جداً. وعندما أطلقت حماس علينا 500 صاروخ، قال مبرراً عدم الرد بحرب: (إذا كنا، مقابل كل صاروخ يُطلق، ندخل في حرب، فسنصل إلى حرب المائة عام). هل هذا قائد؟ إنه شخص يمكن تشكيله مثل لعبة بلاي ستيشين. يمكن أن يقرروا بالنيابة عنه ماذا يقول، ويمكن أن يقرروا بالنيابة عنه ماذا يفعل. أعتقد أن إيهود باراك يقف وراءه. يراه اليوم كمن يستطيع إسقاط نتنياهو وسحب القيادة والحكومة في إسرائيل إلى المكان الأكثر يسارية، إلى المكان الأكثر ليبرالية، إلى المكان الأكثر تقدمية. نعم، لديه أسس كهذه، نعم، هو ملتزم تجاه أولئك الأشخاص».

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) يقف في ملجأ محصن ضد القنابل في الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر قرب موقع ريم في جنوب إسرائيل (رويترز)

موقع دفاعي

من الواضح أن حملة نتنياهو الانتخابية تعتمد على توجيه سلسلة اتهامات، ليس مهماً إن كانت صادقة أو تعتمد على الأكاذيب، ضد آيزنكوت لأن هدفه هو تقويض صورته أمام الناس. ولكن هذا تكتيك معروف في الحملات الانتخابية. فهو يريد أن ينشغل آيزنكوت في عملية دفاع عن النفس بشكل متواصل. لا يريد له أن يتنفس.

نتنياهو، الذي يشغل منصب رئيس حكومة، ومن هذا الباب يفترض أنه هو الذي يجلس في قفص الاتهام ويتعرض للنقد والهجوم، لا يترك مجالاً لآيزنكوت ويبقيه في حالة تفسير وتبرير ودفاع عن النفس. وقد نجح في ذلك. فمن يدخل إلى موقع آيزنكوت في الشبكات الاجتماعية، يجد نفسه أمام عنوان كبير: «10 أكاذيب». وفيها يدافع عن نفسه أمام مسلسل الأكاذيب الذي تضمنته حملة نتنياهو.

غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق يصل إلى موقع مهرجان نوفا الموسيقي لإحياء الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر (رويترز)

وفي مضمون هذه الدعاية، يبدو واضحاً أن آيزنكوت يقع في مطب الحملة، فيحاول البرهنة على أنه هو اليمين الليبرالي الحقيقي. نتنياهو يتهمه بأنه سيقيم حكومة تستند إلى الأحزاب العربية، فيقول إنه بعد 7 أكتوبر لن يقيم حكومة مع العرب. يتهمه بأنه يؤيد قيام دولة فلسطينية، فيرد آيزنكوت بأنه لم يقل في حياته ولو مرة واحدة إنه يؤيد دولة كهذه، ويشير إلى أن نتنياهو هو الذي كان قد أعلن عن تأييده لحل الدولتين. يتهمه بأنه صاحب نظرية تقليص الجيش، «جيش صغير وحكيم»، التي جعلته «جيشاً كبيراً وغبياً»، فيحاول آيزنكوت أن يثبت أنه هو الذي أغلق وحدات عسكرية مبذرة وغير ضرورية وأقام وحدة كوماندوس تعمل بعيداً وراء الحدود. ويتهمه نتنياهو بأنه صاحب نظرية تجنب الحرب على الإرهاب، فيرد بأنه هو الذي أجهض الانتفاضة الثانية، عندما كان قائداً للجيش في الضفة الغربية، وهو الذي طبع في التاريخ «سياسة الضاحية»، عندما نفذ الغارات التي دمرت الضاحية الجنوبية في بيروت سنة 2006.

ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

والمشكلة الأكبر أن آيزنكوت لا يدير معركته ضد نتنياهو الخصم، بل أيضاً في مواجهة حلفائه، نفتالي بنيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان. فالمفترض أنهم معاً، يريدون إسقاط نتنياهو، لأنه المسؤول عن أكبر إخفاق أمني واستراتيجي في تاريخ إسرائيل. لكنهم يقولون صراحة إنهم لا يثقون بقيادة آيزنكوت للمعسكر البديل، مع أنه يحصل على أعلى عدد من المقاعد في الاستطلاعات. وقد اقترح عليهم حلاً واقعياً متواضعاً يقول فيه: «تعالوا نتفق على أن من يحصل على أكبر عدد من المقاعد يصبح مرشحاً باسمنا جميعاً لرئاسة الحكومة». لكنهم رفضوا، وكل منهم يطالب بأن يتولى هو منصب رئيس الحكومة. ويمنحه الاستطلاع الأخير 22 مقعداً، مقابل 13 لبنيت ولبيد و9 مقاعد لليبرمان.

من هنا فإن آيزنكوت، الذي كان في 7 أكتوبر نائباً في المعارضة، وهبّ لنجدة الحكومة من الانهيار، وأسهم في تحويل إسرائيل من دولة مصعوقة ومصدومة إلى دولة تحارب بجنون ضد الفلسطينيين، ودفع بذلك ثمناً باهظاً بشكل شخصي؛ إذ خسر ابنه وابن أخته وابن أخيه، ويضع هو وحزبه خطة لجعل إسرائيل دولة طبيعية تنهي الحروب باتفاقيات سياسية وتحسّن مكانتها في العالم، يجد نفسه اليوم في قفص الاتهام أمام نتنياهو. وتراه يحارب لكي يتذكر الناس صفاته التي جعلته لفترة طويلة شخصية محبوبة. ويحاول أن يثبت أنه ليس «دبدوباً محبوباً ومدللاً»، وليس «شخصاً يمكن تشكيله مثل لعبة بلاي ستيشين»، بل قائد يمارس واجباً وطنياً لإنقاذ إسرائيل من نفسها. وما من شك في أنها معركة صعبة ونجاحها ليس مضموناً بالضرورة.

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً

اقرأ أيضاً