غيبريسوس: الجائحة لا تزال بعيدة عن نهايتها

إصابات قياسية في ألمانيا وفرنسا... وقيود جديدة في اليابان

عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)
عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

غيبريسوس: الجائحة لا تزال بعيدة عن نهايتها

عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)
عامل صحة يفحص رجلاً في بكين أول من أمس (أ.ف.ب)

أفادت أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، التي صدرت أمس (الأربعاء)، بأن متحور «أوميكرون» بات يتسبب بما يزيد على 72 في المائة من الإصابات العالمية الجديدة بـ«كوفيد - 19».
وجاء في التقرير الوبائي الأسبوعي للمنظمة الدولية أن التحاليل التي أجريت في مختبرات الشبكة العالمية التي تزود المنظمة بالمعلومات عن تطورات المشهد الوبائي أظهرت استمرار الارتفاع العمودي للإصابات في جميع الأقاليم، «مع تزايد مثير للقلق في الضغوط التي تتعرض لها المنظومات الصحية، وارتفاع في عدد الوفيات تسجله بلدان بلغت فيها التغطية اللقاحية مستويات عالية جداً».
وأفاد التقرير بأن البيانات التي شملت الأيام الثلاثين المنصرمة أظهرت أن متحور «دلتا» الذي كان سائداً في العالم حتى مطالع الشهر الماضي ما زال يتسبب في 28 في المائة من الإصابات الجديدة، وأن الطفرات الأخرى مثل «بيتا» و«ألفا» و«غاما» لا تتسبب بـأكثر من 0.1 في المائة من الحالات.
وقال ناطق بلسان المنظمة الدولية، أمس، إنه رغم أن الإصابات الناجمة عن المتحور الجديد لا تترافق مع ازدياد عام في عدد الحالات الخطرة والوفيات، فإنه ينبغي الاستمرار في تطبيق تدابير الوقاية والاحتواء لخفض عدد هذه الإصابات التي تعيق عمل مراكز الخدمات الصحية الأولية.

تحذير أممي
وتأتي هذه التحذيرات من المنظمة الدولية في الوقت الذي ترتفع أصوات في الأوساط الصحية الأوروبية الداعية إلى «إنفلونزة» (كوفيد - 19) أي معاملته على غرار الإنفلونزا الموسمية، والكف عن احتساب كل الإصابات وإجراء الاختبارات لدى ظهور أدنى الأعراض. لكن منظمة الصحة ما زالت تصر على عدم التسرع، «لأن نهاية هذه الجائحة لا تزال بعيدة»، ولأن «الانتشار المذهل للمتحور الجديد على الصعيد العالمي قد يمهد لظهور طفرات فيروسية أخرى»، ما يستدعي الاستمرار في مراقبة المشهد الوبائي عن كثب وتقويم أخطاره، كما جاء على لسان المدير العام للمنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس.
ويركز خبراء المنظمة في تصريحاتهم على رفض الدعوة لخفض تدابير الوقاية والاحتواء، «لأن أوميكرون قد يكون أقل خطورة في المعدل العام بالمقارنة مع الطفرات الأخرى، لكن القول بأنه لا يتسبب سوى بإصابات خفيفة مرفوض وخاطئ، ويضر بجهود الاستجابة الدولية، ويؤدي إلى المزيد من الوفيات»، كما قال غيبريسوس الذي أضاف أن «أوميكرون وراء العديد من الحالات الخطرة والوفيات، فضلاً عن أن الحالات غير الخطرة تنهك المنظومات الصحية».
من جهتها، قالت ماريا فان كيركوفيه كبيرة الخبراء الفنيين في المنظمة: «نسمع أصواتا تقول إن أوميكرون هو آخر المتحورات، وإن الجائحة ستنتهي عنده. هذا ليس صحيحاً، لأن الفيروس ما زال يسري بسرعة وكثافة غير معروفة في جميع أنحاء العالم، حيث زاد عدد الإصابات الجديدة بنسبة 20 في المائة خلال أسبوع واحد». وتابعت كيركوفيه أن العدد الفعلي للإصابات أعلى من المعلن بكثير، ولا بد من الاستمرار في تطبيق الاستراتيجيات المتكاملة للحد من تداعيات الوباء.

تحدي التلقيح
وحذر بروس آيلوارد، رئيس خبراء «كوفيد - 19» في المنظمة من التخلي عن هدف وقف سريان الفيروس، «لأن انتشاره بلا ضوابط سيساعد على ظهور متحورات جديدة ندفع جميعاً ثمناً باهظاً لها». وتستند منظمة الصحة في تحذيراتها إلى البيانات الأخيرة عن عدد الوفيات العالمية، التي ازدادت بنسبة كبيرة جداً في الأقاليم التي تسجل تغطية لقاحية متدنية، مثل أفريقيا حيث ارتفع عدد الوفيات بنسبة 84 في المائة خلال أسبوع واحد.
وقال المدير العام للمنظمة إن الأسابيع المقبلة ستكون قاسية جداً على الطواقم الصحية في البلدان النامية والفقيرة. وقال غيبريسوس: «إذا لم نغير النموذج الحالي، فسندخل في مرحلة ثانية من القلق على صعيد اللقاحات أسوأ بكثير من السابقة».
وكانت كبيرة العلماء في المنظمة سمية سواميناتان شددت على أنه لا توجد أي قرائن تبرر إعطاء الجرعة المنشطة للأطفال أو المراهقين الأصحاء، كما يحصل حالياً في الولايات المتحدة وإسرائيل. ورفضت سواميناتان فكرة تطوير لقاحات مخصصة لمتحورات معينة، ودعت إلى الاستمرار في تطوير لقاحات ضد جميع الطفرات الفيروسية.
إلى جانب ذلك، أعلن معهد «روبرت كوخ» في ألمانيا أن الإصابات اليومية الجديدة حطمت رقماً قياسيا جدياً الأربعاء، تجاوز 112 ألف إصابة وسجلت 239 حالة وفاة، فيما أفادت المملكة المتحدة عن 359 حالة وفاة. وكان ماركو كافالييري، رئيس قسم اللقاحات في الوكالة الأوروبية للأدوية، أفاد بأن الارتفاع المطرد لعدد الإصابات الجديدة في أوروبا ما زال يشكل مصدراً للقلق الشديد وضغطاً متزايدا على العديد من المستشفيات الكبرى، التي بدأت تظهر عليها علامات الإجهاد. وكانت فرنسا والبرتغال وإيطاليا والمجر وبلغاريا أعلنت أمس عن أرقام قياسية جديدة في عدد الإصابات اليومية، وارتفاع طفيف في عدد الوفيات.

تفش واسع في البرازيل
وخارج أوروبا، سجلت البرازيل أيضا عددا قياسيا جديدا للإصابات اليومية بلغ أكثر من 137 ألفا الثلاثاء.
وشهدت الدولة موجة وبائية ثانية مدمرة العام الماضي، عندما تجاوزت حصيلة الوفيات اليومية 4000 حالة، ما رفع العدد الإجمالي للوفيات على أراضيها ليكون الثاني على مستوى العالم، بعد الولايات المتحدة.
وتتزايد الانتقادات للرئيس جاير بولسونارو، الذي شكك مرارا باللقاحات وقلل من خطورة «أوميكرون»، على خلفية طريقة تعامله مع الوباء، فيما يبدو في طريقه لخسارة انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) الرئاسية، وفق استطلاعات رأي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية.

قيود آسيوية
وفي آسيا، من المقرر أن تشدد اليابان القيود على مستوى البلاد، بما في ذلك في طوكيو، في وقت تواجه فيه عددا قياسيا للإصابات بالوباء بسبب تفشي «أوميكرون»، فيما خففت الصين جزئيا القيود على حركة النقل في مدينة شيان، حيث فرضت السلطات على ملايين السكان عزل أنفسهم في منازلهم لأسابيع.
وأعرب خبراء يابانيون، أمس، عن دعمهم إخضاع 13 منطقة لـ«تدابير شبه طارئة اعتبارا من 21 يناير (كانون الثاني) وحتى 13 فبراير (شباط)»، وفق ما أفاد الوزير المسؤول عن شؤون الفيروس دايشيرو ياماغيوا الصحافيين.
ويأتي سماح الصين باستئناف بعض رحلات القطارات بين المدن في شيان اعتبارا من الثلاثاء قبيل عطلة رأس السنة القمرية المرتقبة في وقت لاحق هذا الشهر، والتي تشهد تقليديا حركة سفر واسعة. كما يأتي في وقت تواجه بكين حالات عديدة من الإصابات بالفيروس تشكل اختبارا لتطبيقها نهجها الصارم القائم على «تصفير الإصابات بكوفيد» قبيل استضافتها الأولمبياد الشتوي الشهر المقبل.

حيوانات ناقلة للعدوى
يزداد التركيز حاليا على الحيوانات وكيفية تأثير الفيروس عليها، بعدما أعلن بلدان على الأقل عن إصابات بـ«كوفيد - 19» لدى حيوانات كبيرة وصغيرة جراء عدوى انتقلت بينها وبين البشر. وكشفت دراسة نشرت الثلاثاء في جنوب أفريقيا أن القطط الكبيرة (السنوريات) في الأقفاص داخل حدائق الحيوان معرضة لخطر الإصابة بـ«كورونا» جراء انتقال العدوى من العاملين فيها. وعثر باحثون على أدلة تشير إلى إصابة ثلاثة أسود وأسدي جبال بعدما انتقلت إليها العدوى من الأشخاص المعنيين بتربيتها في حديقة للحيوان في جوهانسبرغ، رغم عدم ظهور أعراض على البعض.
وفي هونغ كونغ، أشارت السلطات إلى مسؤولية حيوان «الهامستر» عن إصابتين بشريتين. وواجهت حكومة المدينة غضبا متزايدا أمس على خلفية قرارها إعدام حوالي 2000 حيوان صغير في متاجر بيع الحيوانات الأليفة، بعدما ثبتت إصابة عدد من الهامستر التي تباع في المتاجر بـ«كوفيد - 19». وقالت وزيرة الصحة صوفيا تشان للصحافيين: «لا توجد أدلة بعد على الصعيد الدولي تثبت بأنه بإمكان الحيوانات الأليفة نقل فيروس (كورونا) إلى البشر. لكننا (...) سنتخذ إجراءات وقائية ضد أي ناقل للعدوى».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟