فلاديمير بوتين... «القيصر» المغامر أم الرئيس الواقعي؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
TT

فلاديمير بوتين... «القيصر» المغامر أم الرئيس الواقعي؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

ثمة أسئلة كثيرة يمكن تداولها عن أزمة كازاخستان، أسبابها وأبطالها ومآلاتها، وفي الموازاة يجب أيضاً طرح أسئلة عن الدور الروسي في المعالجة، أو بالأحرى في مقاربة الوضع في هذه الدولة الشاسعة المهمة جداً في آسيا الوسطى ومن حيث موقع روسيا في العالم، وذلك من أجل فهم ما يريده فعلاً فلاديمير بوتين بشكل عام.
صحيح أن قوات حفظ السلام الروسية العاملة ضمن قوات «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» غادرت كازاخستان بعد إنجاز المهمة التي طلبها الرئيس قاسم جومارت توكاييف، لكن الأزمة السياسية في الدولة التي تقع في آسيا الوسطى والغنية بالنفط واليورانيوم لم تنتهِ على الأرجح، وبالتالي لا يمكن روسيا أن تقف مكتوفة اليدين خشية أن تخسر كازاخستان سياسياً وأمنياً بعدما خسرتها اقتصادياً إلى حد كبير عندما كانت تتفرج على تغلغل الاستثمارات الصينية والأميركية فيها.
إذاً، بعيداً عن ارتفاع أسعار الغاز وغضب الكازاخيين، وموقفهم من توكاييف وريث نور سلطان نزارباييف، الرئيس الوحيد الذي عرفته البلاد منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي و«رمز الأمة»، يجدر النظر ملياً في ما يريده فلاديمير بوتين المنشغل على جبهات عدة في المحيط المباشر والمدى غير المباشر لروسيا.
هل صحيح أنه القيصر الروسي الجديد الذي يحلم بأمبراطورية تستعيد التاريخ؟
هناك من يرى أن بوتين سيسعى إلى تحويل اضطرابات كازاخستان إلى فرصة ليرسخ الحضور/النفوذ الروسي هناك، طبعاً بعد أن يصوّر أن ما حصل في الدولة المجاورة ما هو إلا مؤامرة غربية بقيادة أميركية لإكمال الطوق حول بلاده، وقد قال في هذا الصدد بعد أيام من اندلاع اضطرابات كازاخستان ان لا ثورات ملوّنة في آسيا الوسطى، بمعنى أنه لن يسمح بتكرار ما حصل في أوكرانيا عام 2004، تماماً كما منع «سقوط» بيلاروسيا.
في أي حال، لا يمكن إغفال أن بوتين بدّل أسلوبه قبل سنوات، وتحديداً عندما قرر إرسال قوات و«استعادة» شبه جزيرة القرم من أوكرانيا عام 2014، ودعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا، وحشد 100 ألف جندي على حدود الجارة الكبيرة، وطبعا التدخل العسكري في سوريا، وسوى ذلك.

*عودة إلى الماضي؟
أدرك بوريس يلتسين، أول رئيس لروسيا بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، أن التخلص من تلك الأمبراطورية المكلفة واعتماد اقتصاد السوق هما السبيل إلى تحقيق الازدهار للبلاد وإخراج الشعب من دوامة الفقر. ولعله لم يدرك أن الرجل الذي تسلم السلطة من بعده عام 1999، فلاديمير بوتين، كان يملك ربما رؤية مختلفة. وفي حين أن بوتين لن يسعى على الأرجح لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء ويعيد إنشاء الأمبراطورية، فإن ثمة مراقبين يرونه مندفعاً باتجاه فرض الهيمنة الروسية على بعض الدول السوفياتية السابقة. وهذا بالطبع أمر مكلف، لأن بناء القوة العسكرية وتحديثها وصيانتها أمور تتطلب الكثير، خصوصاً مع تمركز القوات الروسية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية المنفصلتين عن جورجيا، ترانسنيستريا المنفصلة عن مولدوفا، أرمينيا، ناغورني قره باغ لإحلال السلام بين أذربيجان وأرمينيا، قيرغيزستان، بيلاروسيا، طاجيكستان، وسوريا.... الجهد العسكري استنزف الموارد السوفياتية سابقاً، وهذا ما لم يتردد بوتين في الإقدام عليه وزيادة الموازنة العسكرية السنوية باطّراد.
لا جدال في أن روسيا تملك قوة عسكرية ضخمة وأن سلاحها النووي يشكل درع ردع تعطيها قدرة على المناورة والتحرك المدعوم بالأسلحة التقليدية. لكن لا جدال أيضاً في أن الاقتصاد الروسي لا يوازي القوة العسكرية هذه ولا يستطيع تحمّل أكلافها طويلاً. فالناتج المحلي الإجمالي لا يفوق تريليوناً و700 مليار دولار وفق أفضل التقديرات – مقابل نحو 21 تريليوناً للولايات المتحدة و14.7 للصين – مما يضع روسيا في المرتبة الحادية عشرة عالمياً في هذا المجال.
مشكلة الاقتصاد الروسي هي عدم التنوع في المقام الأول والعقوبات المختلفة المفروضة على موسكو ثانياً. إنه اقتصاد يعتمد بشكل أساسي على تصدير النفط والغاز ويواجه في هذا المجال سلسلة من المشكلات الجيوسياسية، وآخرها التجميد الفعلي لمشروع «نورد ستريم 2» الذي سينقل الغاز الروسي إلى ألمانيا دون المرور بأوكرانيا، وذلك لأسباب سياسية. وبعدما حقق الاقتصاد الروسي انتعاشاً قوياً عام 2021 ، مع نمو بنسبة 4.3 في المائة بفضل الآثار الإيجابية لما بعد الإغلاق على المستوى العالمي وارتفاع الطلب على مصادر الطاقة، من المتوقع أن يتباطأ النمو عامي 2022 و 2023 إلى 2.4 و1.8 في المائة على التوالي، وفقًا لأحدث تقارير البنك الدولي.
*الواقع والبراغماتية
بالنظر إلى الواقع الحالي للاقتصاد الروسي والحصار الناجم عن العقوبات الناجمة بدورها عن سياسة موسكو حيال أوكرانيا وبيلاروسيا وسواهما، لا يبدو أن روسيا ستتحول إلى عملاق اقتصادي يوازي قوةً العملاق العسكري. ولا ريب في أن فلاديمير بوتين يدرك هذا الواقع بما يملك من براغماتية وتمرّس جناهما خلال عمله الاستخباراتي والسياسي الطويل.
لذلك نرى «القيصر» يوجه رسائل الحزم واللين بالتساوي إلى واشنطن، فيحشد 100 ألف جندي على حدود أوكرانيا وينخرط في الوقت نفسه في مفاوضات مع الأميركيين في جنيف تتناول مخاوفه وضمانات أمنية يطلبها لدرء خطر تحول أوكرانيا قاعدة «أطلسية» تهدد الأمن الروسي في العمق. ولذلك لم نره يحرك قواته الموجودة في قاعدة عسكرية في أرمينيا لنصرة هذه في حرب آرتساخ – أو ناغورني قره باغ – بمواجهة جيش أذربيجان المدعوم من تركيا في الخريف الماضي. بل اكتفت موسكو بالتنسيق مع أنقرة لإرساء سلام هشّ في هذه المنطقة الحساسة من القوقاز، واضطلعت القوات الروسية بدور مراقبة السلام بعد حرب منيت فيها أرمينيا بهزيمة عسكرية وسياسية صريحة.

بالعودة إلى كازاخستان، يبدو أن بوتين حمل أيضاً ميزان البراغماتية وتصرّف بحكمة. فقد أرسل قواته إليها لإعادة الاستقرار، لكنه لم يُبقها هناك خشية استعداء الشعب الغاضب على حكامه لكن غير العدائي بالضرورة تجاه روسيا. ولعل تحركه السريع وقوله إن «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» (روسيا ، أرمينيا ، كازاخستان ، قيرغيزستان ، طاجيكستان ، وأوزبكستان) لن تسمح بالانقلاب على حكومات دول المنطقة رسما حدود اللعبة هناك، أقلّه في المستقبل القريب. ومؤدّى هذا الكلام هو أن موسكو لن تقبل بفتح «جبهة جديدة» في آسيا الوسطى تشكل مصدر قلق يضاف إلى متاعبها الأخرى.
في الخلاصة، تخوض روسيا مفاوضات ولعبة شد حبال مع الغرب في شأن أوكرانيا، وتعمل على ضبط الإيقاع في بيلاروسيا الملاصقة لحدود الاتحاد الأوروبي، وتواصل الاضطلاع بدور الشرطي في جنوب القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان، وتتخذ تدابير احترازية مضبوطة في كازاخستان، وتبقى في سوريا على تنسيق دائم مع واشنطن وأنقرة...
هل إن فلاديمير بوتين، في ظل هذه المواقف الدفاعية، هو «القيصر» الجديد الذي سيتجاهل دروس الماضي؟ أم إنه الرئيس البراغماتي الذي يدرك الحدود القصوى للمناورة ويسعى للمحافظة على المواقع وإن اتّبع سياسة توحي بالهجومية؟
بغض النظر عن الجواب، يجدر التذكر أن الشعب الروسي يفضّل حتماً التمتع بمقوّمات العيش الهانئ على تحقّق الطموحات السوفياتية التي بلغت أعالي الفضاء ونسيت واقع الأرض إلى أن انهار البنيان...



بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».


من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
TT

من الجرائم الجنسية إلى شبهة التجسس: خيوط روسية في قضية إبستين

وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)
وثيقة منقحة جزئياً أُدرجت ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية (أ.ب)

كشف رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن جيفري إبستين كان، على الأرجح، جاسوساً روسياً، معلناً فتح تحقيق رسمي في القضية.

وكان توسك قد صرّح في وقت سابق من هذا الأسبوع بأن نشر ملفات تتعلق بإبستين، المُدان بجرائم جنسية، الذي تُوفي في سجن بنيويورك عام 2019 أثناء انتظاره توجيه مزيد من التهم إليه، يشير إلى أن جرائمه الجنسية كانت «مُدبّرة بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية»، وذلك حسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وقال توسك، يوم الثلاثاء: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة، المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال، قد جرى تدبيرها بالتعاون مع أجهزة المخابرات الروسية».

ورغم أن توسك لم يقدم أدلة إضافية تدعم هذا الادعاء، فإنه أكد أن السلطات البولندية ستجري تحقيقاً لتحديد ما إذا كان لهذه القضية أي تأثير على بولندا.

وثيقة ضمن ملفات جيفري إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأميركية تُظهر العديد من الأشخاص الذين تولوا الشؤون المالية للمدان الراحل أو كانوا مقربين منه (أ.ب)

وفي السياق نفسه، أثار آخرون أيضاً صلات محتملة بين إبستين وروسيا، وذلك في أعقاب نشر وزارة العدل الأميركية مؤخراً آلاف الملفات، التي أظهرت أن إبستين كان كثيراً ما يشير إلى نساء روسيات وعلاقات أخرى في موسكو. غير أن الكرملين نفى هذه المزاعم، إذ قال المتحدث باسمه ديمتري بيسكوف يوم الخميس: «أود أن أمزح بشأن هذه الروايات، لكن دعونا لا نضيع وقتنا».

وكانت وزارة العدل الأميركية قد أصدرت أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق المتعلقة بإبستين، بعد توقيع الرئيس دونالد ترمب، في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، على قانون شفافية ملفات إبستين، وذلك استجابةً لمطالبات شعبية بزيادة الشفافية في هذه القضية.

ويلزم هذا القانون وزارة العدل بنشر «جميع السجلات والوثائق والمراسلات ومواد التحقيق غير المصنفة» التي تحتفظ بها الوزارة والمتعلقة بإبستين وشركائه.

وقد أدى نشر هذه الملفات إلى إخضاع عدد من الشخصيات البارزة لتدقيق واسع، من بينهم إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، وبيل غيتس، المؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت»، وكلاهما ورد اسمه في الوثائق، مع التأكيد على أن مجرد الظهور في الملفات لا يُعد دليلاً على ارتكاب أي مخالفة.

وفي تصريح لاحق، كرر توسك تحذيراته قائلاً: «تتزايد الأدلة والمعلومات والتعليقات في الصحافة العالمية، وكلها تشير إلى الشكوك بأن هذه الفضيحة غير المسبوقة المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال قد تم تدبيرها بالاشتراك مع أجهزة المخابرات الروسية. ولا داعي لأن أؤكد لكم مدى خطورة هذا الاحتمال المتزايد، الذي يُرجّح تورط أجهزة المخابرات الروسية في تدبير هذه العملية، على أمن الدولة البولندية».

وأضاف: «هذا يعني ببساطة أنهم يمتلكون مواد مُحرجة ضد العديد من القادة الذين ما زالوا في مواقعهم حتى اليوم».

يأتي هذا التدخل في أعقاب تقارير أفادت بظهور اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر من ألف مرة في أحدث الملفات المنشورة، حيث أشارت هذه الوثائق إلى فتيات روسيات، كما ألمحت إلى لقاء محتمل بين إبستين وبوتين.

وجاء في إحدى رسائل البريد الإلكتروني، التي أرسلها شخص مجهول الهوية إلى إبستين في سبتمبر (أيلول) 2011: «تحدثتُ مع إيغور. قال إنك أخبرته خلال زيارتك الأخيرة إلى بالم بيتش بأن لديك موعداً مع بوتين في 16 سبتمبر، وأنه يمكنه حجز تذكرته إلى روسيا للوصول قبل بضعة أيام...».

كما تُظهر رسالة بريد إلكتروني أخرى أن إبستين عرض التعريف بامرأة روسية تبلغ من العمر 26 عاماً تُدعى إيرينا على حساب يُعرف باسم «الدوق»، ويُعتقد أنه يعود إلى الأمير البريطاني أندرو ماونتباتن-ويندسور، وذلك في عام 2010، بعد أن قضى إبستين عقوبة سجن لمدة 13 شهراً بتهمة استدراج قاصر.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، راسل إبستين، بيتر ماندلسون، الذي كان آنذاك عضواً بارزاً في الحكومة البريطانية، قائلاً: «ليس لدي تأشيرة دخول إلى روسيا، واليوم عطلة رسمية في باريس... هل لديك أي فكرة عن كيفية الحصول على واحدة؟».

وثائق تضمنتها نشرة وزارة العدل الأميركية لملفات جيفري إبستين (أ.ب)

وفي يوليو (تموز) 2015، بعث إبستين برسالة إلكترونية إلى ثوربيورن ياغلاند، رئيس الوزراء النرويجي السابق، جاء فيها: «ما زلت أرغب في مقابلة بوتين والتحدث عن الاقتصاد، وسأكون ممتناً حقاً لمساعدتك».

وفي تصريح سابق، قال كريستوفر ستيل، الرئيس السابق لقسم روسيا في جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، إنه «من المرجح جداً» أن يكون إبستين قد تلقى أموالاً من موسكو لجمع معلومات مُحرجة تُستخدم في الابتزاز ولأغراض سياسية أخرى، مشيراً إلى أن «معظم أمواله الاستثمارية» ربما تكون قد جاءت «من الاتحاد السوفياتي».


ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يدعو إلى «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخميس إلى إبرام «معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة» مع روسيا، وذلك بعد انتهاء مفاعيل «نيو ستارت» آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين البلدين.

وكتب الرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «بدلاً من تمديد معاهدة نيو ستارت، ينبغي أن نطلب من خبرائنا النوويين العمل على معاهدة جديدة محسنة ومحدّثة يمكنها أن تدوم في المستقبل».

وانتهت مفاعيل معاهدة «نيو ستارت» الخميس، ما يشكّل نقطة تحوّل رئيسية في تاريخ الحدّ من التسلح منذ الحرب الباردة، ويثير مخاوف من انتشار الأسلحة النووية.