عام على اقتحام الكابيتول: شهود عيان يتحدثون لـ «الشرق الأوسط» عن تجربتهم من داخل المبنى

مبنى الكابيتول خلال اقتحامه يوم السادس من يناير 2021 (أ.ب)
مبنى الكابيتول خلال اقتحامه يوم السادس من يناير 2021 (أ.ب)
TT

عام على اقتحام الكابيتول: شهود عيان يتحدثون لـ «الشرق الأوسط» عن تجربتهم من داخل المبنى

مبنى الكابيتول خلال اقتحامه يوم السادس من يناير 2021 (أ.ب)
مبنى الكابيتول خلال اقتحامه يوم السادس من يناير 2021 (أ.ب)

صبيحة السادس من يناير (كانون الثاني)، استقل جون بريسنهان، أحد مؤسسي صحيفة «بانشبول» الأميركية، سيارة أوبر في طريقه إلى مبنى الكونغرس الذي يغطي أحداثه منذ التسعينات. لكن بريسنهان علم أن هذا اليوم لن يكون كغيره من الأيام الروتينية في العاصمة الأميركية، فالكونغرس سيصادق على نتائج الانتخابات الرئاسية رسمياً في زمن مشبع بالانقسامات الحزبية وفي ظل تشكيك الرئيس الحالي حينها دونالد ترمب بشرعية الانتخابات. وتحققت مخاوفه عندما نظر من نافذة السيارة وهي تمر بالقرب من المتنزه الوطني الذي يتوسطه نصب واشنطن التذكاري: «لم أصدق عيني»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «رأيت أعلاماً كونفيدرالية في المتنزه الوطني! وأعلاماً كونفيدرالية أمام نصب واشنطن!» وأضاف «لم أصدق! صدمت صدمت جداً! لكن عندما وصلت إلى مبنى الكابيتول باكراً، لم يكن هناك الكثير من المتظاهرين حول المبنى، فقلت لنفسي: الأمر ليس بالسوء الذي توقعته…».
إلا أن بريسنهان، المعروف بين أصدقائه والمشرعين بـ(بريس) كان مخطئاً. فبعد دخوله إلى الكابيتول، توجه إلى قاعة مجلس النواب التي شهدت بداية تصويت الولايات للمصادقة رسمياً على نتائج الانتخابات فيها، «كنت جالساً إلى جانب عدد من النواب الديمقراطيين. لم أكن أعلم بما يجري خارج المبنى. كنت أشاهد المصادقة وأستمع إلى الخطابات. ثم وصلتني رسالة من زميلي، جايك، قال لي: (لقد خرقوا الحاجز الأمني!) أذكر أني وقفت فوراً وركضت إلى خارج القاعة، وحينها سمعت أصواتهم. كانت عالية. لم نسمعها داخل القاعة، لكن خارجها كان يمكن سماعها بوضوح». وتابع بريس والتأثر ظاهر على صوته: «لم أتوقف عن الركض، توجهت فوراً إلى الروتاندا في منتصف المبنى، كنت الصحافي الوحيد هناك، حينها رأيت عناصر شرطة الكابيتول هناك وهم يحملون أسلحة. كانت معهم أسلحة لم يستعملوها». وقال بريس إن العناصر طلبوا منه مغادرة المكان، فتوجه إلى الطابق الثالث من المبنى، حيث استطاع أن يشاهد الحشود وهي تكسر الأبواب وتتواجه مع رجال الشرطة: «كان مشهداً سريالياً ومفعما بالجنون. كان جنوناً». وتابع: «ثم رأيت أنا وجايك عنصر شرطة وقع أرضاً بالقرب من الباب الشرقي وكان يحاول منع المقتحمين من الدخول… ركضنا نحوه وساعدناه على النهوض».
بريس لم يكن الصحافي الوحيد في المبنى، تشاد برغام مراسل محطة (فوكس نيوز) وصل متأخراً إلى عمله في ذلك اليوم، فهو علم أن يومه سيكون طويلاً في ظل الجدل القائم حول شرعية الانتخابات، وتوعد بعض الجمهوريين عرقلة المصادقة بعد ضغوط ترمب عليهم، فقال: «وصلت إلى المبنى حوالي الواحدة ظهراً. أوصلتني زوجتي. وأحسست فوراً أن الأجواء في محيط المبنى مختلفة. كان هناك بحر من الأشخاص يقطعون الشوارع المحيطة بالكابيتول متوجهين إليه، وبمجرد أن ترجلت من السيارة، توجه نحوي بعض النواب الذين أعرفهم وتمسكوا بي قائلين: لقد منعونا من دخول المبنى… حينها علمت أنني يجب أن أدخل إلى الكابيتول بسرعة، فتوجهت راكضاً عبر أحد الأنفاق التي لم تغلق بعد ووصلت إلى قبو المبنى. مباشرة بعد ذلك تم إغلاق كل المداخل».
وتابع برغام الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تجربته في ذلك اليوم: «كنت على الهواء مباشرة لتغطية ما يجري، وسمعت أصوات المتظاهرين عبر سماعتي وتعليمات الشرطة للمشرعين بارتداء الأقنعة الواقية من الغاز وإعلانهم أن المتظاهرين وصلوا إلى الروتاندا وسط المبنى».
وقال برغام الذي يغطي الكونغرس منذ عام 1993 إن الخوف غمره في تلك اللحظات: «كنت خائفاً. أغلقنا الأبواب علينا. وضعنا معاطفنا على زجاج النوافذ. وكانت لدي خطة، ففي بالي مكان آمن يمكن أن أتجه إليه بسرعة إذا ما دعت الحاجة. ولن يجدوني هناك. فكما تعلمين هناك دهاليز في القبو تؤدي إلى مكتبة الكونغرس وغيرها من الأماكن الأخرى التي أعرفها بحكم وجودي في المبنى منذ زمن طويل، لا يستطيعون أن يجدونني فيها…».
صحيح أن دهاليز المبنى الضخم كثيرة، ولعل ضخامته وصعوبة التنقل فيه من دون معرفة مسبقة بتفاصيله هي التي أنقذت المشرعين، ونائب الرئيس الأميركي حينها مايك بنس، من غضب المقتحمين، الذين دخلوا الكابيتول وهم يصرخون: «اشنقوا مايك بنس»، و«أين أنت يا بيلوسي؟» وهذا ما تحدث عنه مسؤول في مجلس الشيوخ لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم الكشف عن اسمه لحساسية المعلومات، قال: «مكتبنا فيه نوافذ كثيرة مطلة على الطرقات المؤدية إلى الكابيتول، رأينا الجموع تتسلق على المنصة التي بنيت لحفل تنصيب بايدن، وعلمنا أن الأمور ستخرج عن السيطرة… بعدها سمعنا أصواتهم فسارعنا إلى إغلاق الأبواب وكان معنا في الغرفة أعضاء مجلس الشيوخ الذين هربوا من القاعة… ثم أخذتنا الشرطة سريعاً إلى ما يسمى بـ«الغرفة الآمنة»... كان معنا أعضاء مجلس شيوخ من الذين رفضوا الاعتراف بنتيجة الانتخابات… وكنت غاضباً للغاية منهم... لكنهم اختبأوا معنا في الغرفة».
فكان السؤال: «هل استطعت مشاهدة ما يجري في الخارج وأنت في الغرفة» فأجاب: «لم تكن هناك تلفزيونات، تويتر كان مصدرنا الوحيد... وكنا ننتظر تغريدات ترمب كي يطلب من مناصريه التراجع ومغادرة المبنى... لكن جل ما رأيناه هو تغريدات له يصفهم بالأشخاص الجيدين… كان أمراً لا يصدق…».
وربما الجزء الأبرز الذي توافق عليه الأشخاص الذين تحدثت «الشرق الأوسط» معهم هو تعلقهم الشديد بمبنى الكابيتول رغم كل ما حصل، وهو ما يشعر به كل من يعمل في ذلك المبنى العريق وينتظر الأخبار في أروقته لساعات، ومن هنا كان سؤال لمراسل (فوكس نيوز) تشاد برغام عن أمر يجول في بال الكثيرين: «بعد أحداث السادس، هل أصبحت تخاف من المبنى الذي تحب؟» أخذ نفساً عميقاً وأجاب: «لطالما كنت أخاف من احتمال حصول اعتداء على المبنى. إنه مبنى الكابيتول، وعليه علامة استهداف. تعلمين أن الطائرة الرابعة في اعتداءات 11 سبتمبر كانت متوجهة إليه، وسقطت في بنسلفانيا… وهذه أمور لطالما أقلقتني. وكلما تحدثت عنها قيل لي إن المبنى آمن، لكن أحداث ذلك النهار أثبتت العكس…».
تصريحات تكررت كذلك على لسان بريس، الذي كان أيضاً موجوداً في الكونغرس في الحادي عشر من سبتمبر يوم الاعتداءات: «أغطي الكابيتول منذ زمن، كنت هناك خلال هجمات 11 سبتمبر، لطالما كان الكابيتول هدفاً… لم أشعر بالخوف في يوم الاقتحام، كنت أقوم بعملي، وأعتقد أن ما حصل دفع بالكثيرين إلى الاعتراف بأن خطر الإرهاب المحلي اليوم كبير، أكبر من أي خطر قد نواجهه من الخارج…».
وفي نهاية اليوم الطويل والحافل، وإخلاء المبنى من المتظاهرين بعد نشر الحرس الوطني… عاد المشرعون إلى عقد جلسة المصادقة التي انتهت فجر اليوم التالي بالإعلان عن جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، ورغم هذا التصويت، قال بريس إن أكثر ما صدمه في ذلك اليوم هو أن أكثر من 140 جمهوريا صوتوا ضد المصادقة: «لقد كانوا قلقين أكثر على مستقبلهم السياسي… ولم يسألوا أنفسهم: هل هذه هي الخطوة الأفضل للبلاد…».
وتحدث برغام كذلك عن مخاوفه: «ماذا لو حصل شيء للمبنى، وغابت عملية المصادقة كلياً؟ إنه نظام هش. سواء أكنت مناصرا للرئيس بايدن أو للرئيس ترمب، هناك نظام يجب اتباعه، وكانوا على وشك عرقلة هذا. لقد قلت على الهواء خلال مداخلتي أن العصابة عرقلت الديمقراطية اليوم. لقد فعلت هذا لفترة قصيرة من الزمن. لكن المهم أن الكونغرس أنهى عمله تلك الليلة». وختم برغام قائلاً: «أنهيت مداخلتي على الهواء بعد المصادقة حوالي الساعة الرابعة صباحاً بكلمة: سلام… لأني علمت أننا كلنا نحتاج لسماع هذه الكلمة في تلك اللحظة. سلام».

الأحداث المتوقعة في 6 يناير
- الرئيس جو بايدن ونائبته كامالا هاريس سيتحدثان عن الذكرى من مبنى الكابيتول.
- رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أعلنت عن ترتيبات لإحياء للذكرى في الكونغرس، تتخللها دقيقة صمت في مجلس النواب وإضاءة شموع على أدراج المبنى وخطابات من المشرعين.
- الرئيس السابق دونالد ترمب قال إنه سيعقد مؤتمراً صحافياً في مقر إقامته في فلوريدا للحديث عن «الانتخابات المغشوشة التي أدت إلى فوز جو بايدن»، ثم أعلن عن إلغاء المؤتمر.

ماذا جرى للمقتحمين؟
- تم اعتقال أكثر من ألف شخص وتوجيه التهم لـ725 شخصاً على الأقل، ولا يزال مكتب التحقيقات الفيدرالي يبحث عن المزيد من المقتحمين.
- تم الحكم على 75 شخصاً بتهم متعلقة باستعمال أسلحة فتاكة أو خطيرة ضد رجال الشرطة.
- اعترف 165 بالذنب وتم الحكم عليهم إما بالحجز المنزلي وإما بالسجن لفترة تتراوح بين أسابيع وأشهر ما عدا الأشخاص الذي اعتدوا على رجال الشرطة، هؤلاء سجنوا لـ5 سنوات على الأقل.

تنامي التهديدات المحدقة بالمشرعين
أظهر تقرير للشرطة المولجة حماية مبنى الكابيتول تنامياً واضحاً للتهديدات المحدقة بالمشرعين الأميركيين على مدار الأعوام الخمسة الماضية التي سبقت عملية اقتحامه:
- 2021: 9600 تهديد.
- 2020: 8613 تهديداً.
- 2019: 6955 تهديداً.
- 2018: 5206 تهديدات.
- 2017: 3939 تهديداً.



موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.