بمناسبة مئويته... التنقيب عن «الزمن المفقود» في مناجم مارسيل بروست

فرنسا تعيد اكتشافه على مدار العام

مارسيل بروست
مارسيل بروست
TT

بمناسبة مئويته... التنقيب عن «الزمن المفقود» في مناجم مارسيل بروست

مارسيل بروست
مارسيل بروست

مارسيل بروست صاحب الرواية الأطول في تاريخ الأدب. رائعته «البحث عن الزمن المفقود» منحته شهرته رغم أن له كتابات كثيرة أخرى، 7 مجلدات، نحو 3200 صفحة، استغرقت كتابتها 14 عاماً، ولم يتمكن الكاتب من إكمالها. فقد توفي بروست قبل أن ينتهي من تنقيح مشروعاته والمجلدات الثلاثة الأخيرة التي نشرت بعد وفاته، وحررها نيابة عنه شقيقه روبرت. عرف بروست أنه في صراع مع الوقت، والمرض يداهمه، فكانت العزلة والمثابرة وسيلته الوحيدة لتأمين ما يخلد ذكراه، وقد كسب الرهان.
على مدار سنة كاملة تحتفي فرنسا، وبتقدير كبير، واهتمام بالغ، بأديبها الفذّ مارسيل بروست (1872 - 1922)، بدءاً من نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، ولغاية 18 نوفمبر 2022 حيث تحل الذكرى المئوية الأولى لوفاته، وأعماله كما شخصه موضع تشريح. كذلك ثمة احتفاليات، تتخذ أشكالاً متعددة، من معارض إلى إعادة طباعة كتب، وأفلام وثائقية، وبرامج تلفزيونية وإذاعية. وبهذه المناسبة أطلقت إذاعة «فرانس كولتور» الثقافية حلقات أسبوعية تحمل عنوان «بروست... البودكاست» تبث، كل أسبوع، على مدار السنة، تتناول في كل مرة جانباً من حياة، أو أدب، أو اهتمامات بروست. ستقدم بالنتيجة عشرات الحلقات، فيما اعتبرته الإذاعة «مغامرة غير مسبوقة، وأكثر من تكريم. إنها محاولة لاكتشاف هذه الشخصية المركزية في الأدب الفرنسي، والإحاطة بمختلف أبعادها».
وتتطرق برامج «فرانس كولتور» إلى جوانب قد تبدو غريبة، مثل الاقتصاد عند بروست، الجغرافيا، فن السينما، الفلسفة، الطب، العلاقات الدولية، الحب، وغير ذلك. تستضيف الحلقات كتّاباً ومفكّرين وفنّانين ومخرجين سينمائيين لإغناء الحديث، وليقدم كل نظرته إلى منتج بروست الأدبي. بدأت السلسلة بإطلاق عدّة حلقات دفعة واحدة تتناول علاقة بروست بالصباح، وهو الذي عُرف بأرقه، أو حضوره كمادة للدراسة في «كوليج دو فرانس»، أو وجوده في العالم الرقمي اليوم، أو الطريقة التي يحضر بها الموت في أعماله، إضافة إلى كثير من المواضيع.
كتب بروست عدة مؤلفات، لكن «البحث عن الزمن المفقود» أفقدت كل ما عداها الوهج. فهي نفسها تتشكل من عدة قصص، وبقيت موضعاً خصباً للتحليل، رغم مضي عشرات السنين على صدورها. فقد أبصر المجلد الأول «من جانب سوان» النور عام 1913، بعد أن رفضت نشره عدة دور، ثم صدر «في ظل الفتيات الحاملات الزهور» وحصل على جائزة «غونكور»، ومن بعدهما «جانب غرمانت»، «سدوم وعمورة»، «السجينة»، «البرتين تختفي» الذي حمل لاحقاً عنوان «الهاربة»، وأخيراً «الزمن المستعاد».
تبدو «البحث عن الزمن المفقود» لقارئها بأجزائها، كأنها بيوغرافيا، لكنها في العمق ليست كذلك. فأهم ما فيها ليس الراوي نفسه الذي يتماهى مع بروست، أو الحكاية التي أراد أن يقصها الكاتب، وإنما انسياب الزمن، وحركته في مد وجزرٍ لا ينتهيان. يحاول بروست أن يثبت لنا أن كل ما حدث في الماضي لم ينتهِ، ولا ينسى، بل هو باقٍ وخالد ومحفوظ في مكان ما، ينتظر إحياءه من جديد.
الرواية تضج بالشخصيات، لكن دورها على أهميته، يبقى ثانوياً، إذا ما أخذ الكتاب بكليته. الراوي يحتل مكان الصدارة، لكن الزمن هو البطل الذي لا يضاهى. النقاد يشبهون قراءة «البحث عن الزمن المفقود» بتسلق جبل، يحتاج جهداً ومثابرة لإتمام مهمة الصعود القاسية. لكن الوصول إلى القمة يحقق سعادة كبرى، ومعرفة بنوع روائي خاص، كدّ صاحبه كثيراً، ليصل بنا إلى هذا الشاهق.
وُصفت الرواية بالنخبوية، لأن قراءة كل هذه الصفحات تحتاج صبراً لا ينفد. لكن ثمة ما يغري بقبول التحدي، وبمواصلة القراءة، لأن الوصول إلى الصفحات الأخيرة لا يدخلك موسوعة «غينس»، لكنه يفتح أبواباً من الأسئلة الخصبة.
فهي رواية لا تمر بلا أثر عميق في النفس. قراءتها عبور لكمّ هائل من المشاعر والأحداث والذكريات والقصص، من خلال ذكريات الراوي. لكن بروست لم يكن معنياً بالذكريات لذاتها، بقدر اختباره المتواصل، لميكانيكية حركة هذه الذكريات، وكيف تطفو على السطح. ما هو المهماز الذي يشعل لحظة الاستعادة؟ ما الذي يجعل حدثاً بعينه، يستدعي مرحلة أو مقطعاً من حياة مضت، وغابت تماماً عن الذهن. لماذا أساساً تبقى الذكريات حاضرة فينا إلى هذا الحد، وقادرة على إسعادنا، وجلب التعاسة لنا، بينما هي أمر انقضى.
صوت ما، أو مشهد، أو طعم، أو أي تفصيل حياتي بسيط، كان يمكن له أن يمضي عابراً، بمقدوره أن ينعش سيلاً نابضاً من الذكريات. ولربما أن المقطع الشهير الذي لا يمكن لقارئ «البحث عن الزمن المفقود» أن ينساه، هو الذي يمسك خلاله الراوي بقطعة المادلين، ويغمسها في فنجان الشاي، ويضعها في فمه لتذوب، وتفتح باب الذكريات على مصراعيه، لتنتفض منتعشة بكامل زهوها.
طريقتان تحضر بهما الذاكرة، صورة جامدة، كما هي اللقطة الفوتوغرافية، وطريقة ثانية هي إعادة إنعاشها وإحيائها، وتحريك المشهد. فالصورة وحدها حين تحضرنا، وكأنما تجمدت، لا تثير في النفس الشجن، ولا الحنين، الكبيرين اللذين يجلبهما المشهد حياً وهو يتنفس. فهذا أمر آخر، مختلف زخمه تماماً. الذكريات، التي يذهب بروست إليها هي التي تأتيه بغتة كأنها مقطع من فيلم ثلاثي الأبعاد. هي ذكريات كانت في حالة تجّمد مؤقت، تنتظر أن تعود إلى الحياة. وما كانت تحتاجه هو هذا المهماز الصغير، قد يكون مذاقاً لأكل ما، أو صورة، أو صوت، وربما كلمة أو حدث صغير مباغت. وهو بهذا أميل للفيلسوف هنري بيرغسون، صاحب فكرة «الاستمرارية»، التي فتنت بروست. فلا شيء ينتهي، ولا شيء ينقطع، والنفس ليست مقبرة وإنما هي مخزن، تتعتق فيها المخزونات وتتفاعل، ثم تنبعث مرة أخرى، بمجرد أن تتاح لها الفرصة، فنقبض على هذا الجزء الثمين الذي ظننا أنه تاه منا. هذه التقنية في استعادة الذكريات تجعل نقاداً، يتحدثون اليوم، عن حس مستقبلي عند بروست، وتخيل لإمكانات في الاستعادة لم تكن أدواتها التكنولوجية حاضرة يومها.
نتعلم مع بروست أننا أعجز من أن نقدّر قيمة اللحظة التي نعيش، لأننا لا نعي أهميتها، أما حين نتمكن من إحيائها، ندخل فردوس التلذذ المتأمل. فالراوي ماتت جدته التي يحبها شديداً وكذلك مات والده، ووالدته التي كان متعلقاً بها، ولم يحافظ على حبيبته ألبرتين، التي أصلاً لم يكن يدرك أهميتها وهي إلى جانبه. لكنه حين يسترجع كل هؤلاء، يخرجهم من داخله، ينفض عنهم غبار الغياب، ويعودون أحياء أمامه، بصفاء كامل، يسعد بهم وبنعمة وجودهم، كما لم يفعل حين كانوا موجودين بالفعل.
لا بد من انتظار نهاية الجزء الأخير، حتى تكتمل المشاهد، التي كانت الظروف تستدعيها مجتزأة، لنشعر أن حياة بأكملها تستعاد عفية حيّة بكامل نبضها وحيويتها.
فبمجرد أن يصل إلى نهاية المغامرة، أي أن يفلح الراوي في جعل الماضي موجوداً في الحاضر، يفهم أنها ليست سوى البداية. لأنه الآن عليه أن يبدأ بكتابة المغامرة أو يسجل هذا الاكتشاف، وهو في هذه الحالة، ما كتبه في «البحث عن الزمن الضائع». الراوي شبيه ببروست في تساؤلاته، وقلقه واهتمامه بالبحث عن المواضيع نفسها، تتملكه رغبة رهيبة بالكتابة، دائم البحث عن موضوع يريد أن يكتب عنه ولا يجده. مشغول بحياة اللهو والسهر، والصالونات. يعيش في عالم برجوازي، منغلق، ينتظر قصة حب لا تأتي، ولا وقت لديه للبدء بكتابة قصته المأمولة. فذلك يتطلب تركيزاً، كي لا يتورط في كتابة شيء لا يليق بالقراء.
أما الوعي الحقيقي بمعنى الأدب فلا يدركه الراوي إلا في الصفحات الأخيرة، من خلال 3 ذكريات تأتيه بشكل لا واع، بقيت عالقة في ذهن القراء. تعثره على باب منزل صديقة قديمة مسنة، أثناء زيارة صباحية لها، تعيد له ذاكرته حين شاباً صغيراً ووقع في ساحة سان مارك في فينيسيا. ثم يسمع خادمة تحرك ملعقة في فنجان، فيعود إليه صوت طرق موظف سكة الحديد على عجلة القطار، حين كان مسافراً مع جدته. وعندما يمرر الفوطة على شفتيه بعد أن يشرب، فيسترجع إحساسه بالمنشفة على جسده، وهو يمررها عليه، أثناء إجازة كان يقضيها في «بلبك».
يمكنك أن تقرأ «البحث عن الزمن المفقود» كقصص، أو ككتاب واحد، بطريقتين أو وجهتين. مرة أولى باعتباره بحثاً عن الزمن الضائع. ومرة ثانية قراءة كتاب الأديب، بعد أن وجد الفكرة التي يريد الكتابة عنها، بحيث ترتبط كل ذكرى بالأخرى، كأنك تدخل دائرة بروست المغلقة. فقراءة هذا الفنان الفريد هو غوص في معنى الوجود والعدم، ونحن نحيا لحظاته الكثيفة المستعادة، فإذا بإحساسنا بالوقت يتغير، ونظرتنا إلى وظيفة الأدب، وتأثيره على النفس تكتسب معنى آخر.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».