بمناسبة مئويته... التنقيب عن «الزمن المفقود» في مناجم مارسيل بروست

فرنسا تعيد اكتشافه على مدار العام

مارسيل بروست
مارسيل بروست
TT

بمناسبة مئويته... التنقيب عن «الزمن المفقود» في مناجم مارسيل بروست

مارسيل بروست
مارسيل بروست

مارسيل بروست صاحب الرواية الأطول في تاريخ الأدب. رائعته «البحث عن الزمن المفقود» منحته شهرته رغم أن له كتابات كثيرة أخرى، 7 مجلدات، نحو 3200 صفحة، استغرقت كتابتها 14 عاماً، ولم يتمكن الكاتب من إكمالها. فقد توفي بروست قبل أن ينتهي من تنقيح مشروعاته والمجلدات الثلاثة الأخيرة التي نشرت بعد وفاته، وحررها نيابة عنه شقيقه روبرت. عرف بروست أنه في صراع مع الوقت، والمرض يداهمه، فكانت العزلة والمثابرة وسيلته الوحيدة لتأمين ما يخلد ذكراه، وقد كسب الرهان.
على مدار سنة كاملة تحتفي فرنسا، وبتقدير كبير، واهتمام بالغ، بأديبها الفذّ مارسيل بروست (1872 - 1922)، بدءاً من نوفمبر (تشرين الثاني) الفائت، ولغاية 18 نوفمبر 2022 حيث تحل الذكرى المئوية الأولى لوفاته، وأعماله كما شخصه موضع تشريح. كذلك ثمة احتفاليات، تتخذ أشكالاً متعددة، من معارض إلى إعادة طباعة كتب، وأفلام وثائقية، وبرامج تلفزيونية وإذاعية. وبهذه المناسبة أطلقت إذاعة «فرانس كولتور» الثقافية حلقات أسبوعية تحمل عنوان «بروست... البودكاست» تبث، كل أسبوع، على مدار السنة، تتناول في كل مرة جانباً من حياة، أو أدب، أو اهتمامات بروست. ستقدم بالنتيجة عشرات الحلقات، فيما اعتبرته الإذاعة «مغامرة غير مسبوقة، وأكثر من تكريم. إنها محاولة لاكتشاف هذه الشخصية المركزية في الأدب الفرنسي، والإحاطة بمختلف أبعادها».
وتتطرق برامج «فرانس كولتور» إلى جوانب قد تبدو غريبة، مثل الاقتصاد عند بروست، الجغرافيا، فن السينما، الفلسفة، الطب، العلاقات الدولية، الحب، وغير ذلك. تستضيف الحلقات كتّاباً ومفكّرين وفنّانين ومخرجين سينمائيين لإغناء الحديث، وليقدم كل نظرته إلى منتج بروست الأدبي. بدأت السلسلة بإطلاق عدّة حلقات دفعة واحدة تتناول علاقة بروست بالصباح، وهو الذي عُرف بأرقه، أو حضوره كمادة للدراسة في «كوليج دو فرانس»، أو وجوده في العالم الرقمي اليوم، أو الطريقة التي يحضر بها الموت في أعماله، إضافة إلى كثير من المواضيع.
كتب بروست عدة مؤلفات، لكن «البحث عن الزمن المفقود» أفقدت كل ما عداها الوهج. فهي نفسها تتشكل من عدة قصص، وبقيت موضعاً خصباً للتحليل، رغم مضي عشرات السنين على صدورها. فقد أبصر المجلد الأول «من جانب سوان» النور عام 1913، بعد أن رفضت نشره عدة دور، ثم صدر «في ظل الفتيات الحاملات الزهور» وحصل على جائزة «غونكور»، ومن بعدهما «جانب غرمانت»، «سدوم وعمورة»، «السجينة»، «البرتين تختفي» الذي حمل لاحقاً عنوان «الهاربة»، وأخيراً «الزمن المستعاد».
تبدو «البحث عن الزمن المفقود» لقارئها بأجزائها، كأنها بيوغرافيا، لكنها في العمق ليست كذلك. فأهم ما فيها ليس الراوي نفسه الذي يتماهى مع بروست، أو الحكاية التي أراد أن يقصها الكاتب، وإنما انسياب الزمن، وحركته في مد وجزرٍ لا ينتهيان. يحاول بروست أن يثبت لنا أن كل ما حدث في الماضي لم ينتهِ، ولا ينسى، بل هو باقٍ وخالد ومحفوظ في مكان ما، ينتظر إحياءه من جديد.
الرواية تضج بالشخصيات، لكن دورها على أهميته، يبقى ثانوياً، إذا ما أخذ الكتاب بكليته. الراوي يحتل مكان الصدارة، لكن الزمن هو البطل الذي لا يضاهى. النقاد يشبهون قراءة «البحث عن الزمن المفقود» بتسلق جبل، يحتاج جهداً ومثابرة لإتمام مهمة الصعود القاسية. لكن الوصول إلى القمة يحقق سعادة كبرى، ومعرفة بنوع روائي خاص، كدّ صاحبه كثيراً، ليصل بنا إلى هذا الشاهق.
وُصفت الرواية بالنخبوية، لأن قراءة كل هذه الصفحات تحتاج صبراً لا ينفد. لكن ثمة ما يغري بقبول التحدي، وبمواصلة القراءة، لأن الوصول إلى الصفحات الأخيرة لا يدخلك موسوعة «غينس»، لكنه يفتح أبواباً من الأسئلة الخصبة.
فهي رواية لا تمر بلا أثر عميق في النفس. قراءتها عبور لكمّ هائل من المشاعر والأحداث والذكريات والقصص، من خلال ذكريات الراوي. لكن بروست لم يكن معنياً بالذكريات لذاتها، بقدر اختباره المتواصل، لميكانيكية حركة هذه الذكريات، وكيف تطفو على السطح. ما هو المهماز الذي يشعل لحظة الاستعادة؟ ما الذي يجعل حدثاً بعينه، يستدعي مرحلة أو مقطعاً من حياة مضت، وغابت تماماً عن الذهن. لماذا أساساً تبقى الذكريات حاضرة فينا إلى هذا الحد، وقادرة على إسعادنا، وجلب التعاسة لنا، بينما هي أمر انقضى.
صوت ما، أو مشهد، أو طعم، أو أي تفصيل حياتي بسيط، كان يمكن له أن يمضي عابراً، بمقدوره أن ينعش سيلاً نابضاً من الذكريات. ولربما أن المقطع الشهير الذي لا يمكن لقارئ «البحث عن الزمن المفقود» أن ينساه، هو الذي يمسك خلاله الراوي بقطعة المادلين، ويغمسها في فنجان الشاي، ويضعها في فمه لتذوب، وتفتح باب الذكريات على مصراعيه، لتنتفض منتعشة بكامل زهوها.
طريقتان تحضر بهما الذاكرة، صورة جامدة، كما هي اللقطة الفوتوغرافية، وطريقة ثانية هي إعادة إنعاشها وإحيائها، وتحريك المشهد. فالصورة وحدها حين تحضرنا، وكأنما تجمدت، لا تثير في النفس الشجن، ولا الحنين، الكبيرين اللذين يجلبهما المشهد حياً وهو يتنفس. فهذا أمر آخر، مختلف زخمه تماماً. الذكريات، التي يذهب بروست إليها هي التي تأتيه بغتة كأنها مقطع من فيلم ثلاثي الأبعاد. هي ذكريات كانت في حالة تجّمد مؤقت، تنتظر أن تعود إلى الحياة. وما كانت تحتاجه هو هذا المهماز الصغير، قد يكون مذاقاً لأكل ما، أو صورة، أو صوت، وربما كلمة أو حدث صغير مباغت. وهو بهذا أميل للفيلسوف هنري بيرغسون، صاحب فكرة «الاستمرارية»، التي فتنت بروست. فلا شيء ينتهي، ولا شيء ينقطع، والنفس ليست مقبرة وإنما هي مخزن، تتعتق فيها المخزونات وتتفاعل، ثم تنبعث مرة أخرى، بمجرد أن تتاح لها الفرصة، فنقبض على هذا الجزء الثمين الذي ظننا أنه تاه منا. هذه التقنية في استعادة الذكريات تجعل نقاداً، يتحدثون اليوم، عن حس مستقبلي عند بروست، وتخيل لإمكانات في الاستعادة لم تكن أدواتها التكنولوجية حاضرة يومها.
نتعلم مع بروست أننا أعجز من أن نقدّر قيمة اللحظة التي نعيش، لأننا لا نعي أهميتها، أما حين نتمكن من إحيائها، ندخل فردوس التلذذ المتأمل. فالراوي ماتت جدته التي يحبها شديداً وكذلك مات والده، ووالدته التي كان متعلقاً بها، ولم يحافظ على حبيبته ألبرتين، التي أصلاً لم يكن يدرك أهميتها وهي إلى جانبه. لكنه حين يسترجع كل هؤلاء، يخرجهم من داخله، ينفض عنهم غبار الغياب، ويعودون أحياء أمامه، بصفاء كامل، يسعد بهم وبنعمة وجودهم، كما لم يفعل حين كانوا موجودين بالفعل.
لا بد من انتظار نهاية الجزء الأخير، حتى تكتمل المشاهد، التي كانت الظروف تستدعيها مجتزأة، لنشعر أن حياة بأكملها تستعاد عفية حيّة بكامل نبضها وحيويتها.
فبمجرد أن يصل إلى نهاية المغامرة، أي أن يفلح الراوي في جعل الماضي موجوداً في الحاضر، يفهم أنها ليست سوى البداية. لأنه الآن عليه أن يبدأ بكتابة المغامرة أو يسجل هذا الاكتشاف، وهو في هذه الحالة، ما كتبه في «البحث عن الزمن الضائع». الراوي شبيه ببروست في تساؤلاته، وقلقه واهتمامه بالبحث عن المواضيع نفسها، تتملكه رغبة رهيبة بالكتابة، دائم البحث عن موضوع يريد أن يكتب عنه ولا يجده. مشغول بحياة اللهو والسهر، والصالونات. يعيش في عالم برجوازي، منغلق، ينتظر قصة حب لا تأتي، ولا وقت لديه للبدء بكتابة قصته المأمولة. فذلك يتطلب تركيزاً، كي لا يتورط في كتابة شيء لا يليق بالقراء.
أما الوعي الحقيقي بمعنى الأدب فلا يدركه الراوي إلا في الصفحات الأخيرة، من خلال 3 ذكريات تأتيه بشكل لا واع، بقيت عالقة في ذهن القراء. تعثره على باب منزل صديقة قديمة مسنة، أثناء زيارة صباحية لها، تعيد له ذاكرته حين شاباً صغيراً ووقع في ساحة سان مارك في فينيسيا. ثم يسمع خادمة تحرك ملعقة في فنجان، فيعود إليه صوت طرق موظف سكة الحديد على عجلة القطار، حين كان مسافراً مع جدته. وعندما يمرر الفوطة على شفتيه بعد أن يشرب، فيسترجع إحساسه بالمنشفة على جسده، وهو يمررها عليه، أثناء إجازة كان يقضيها في «بلبك».
يمكنك أن تقرأ «البحث عن الزمن المفقود» كقصص، أو ككتاب واحد، بطريقتين أو وجهتين. مرة أولى باعتباره بحثاً عن الزمن الضائع. ومرة ثانية قراءة كتاب الأديب، بعد أن وجد الفكرة التي يريد الكتابة عنها، بحيث ترتبط كل ذكرى بالأخرى، كأنك تدخل دائرة بروست المغلقة. فقراءة هذا الفنان الفريد هو غوص في معنى الوجود والعدم، ونحن نحيا لحظاته الكثيفة المستعادة، فإذا بإحساسنا بالوقت يتغير، ونظرتنا إلى وظيفة الأدب، وتأثيره على النفس تكتسب معنى آخر.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.