الخارجية السعودية... من فكر المؤسس إلى حنكة الأبناء

الوزارة الأولى في عامها 91 ما زال التساؤل عن الوزير الذي لم يحمل اللقب

الخارجية السعودية... من فكر المؤسس إلى حنكة الأبناء
TT

الخارجية السعودية... من فكر المؤسس إلى حنكة الأبناء

الخارجية السعودية... من فكر المؤسس إلى حنكة الأبناء

تمر هذه الأيام حاملة معها ذكرى تأسيس أول وزارة سعودية؛ هي وزارة الخارجية والتي صدر أمر ملكي بتاريخ 16 ديسمبر (كانون الأول) 1930م بتحويل مديرية الشؤون الخارجية إلى وزارة الخارجية وتعيين (الأمير) فيصل بن عبد العزيز وزيراً لها، ونشر هذا في صحيفة أم القرى يوم 19 ديسمبر 1930م.
ورغم أن هنالك لبساً حول أول وزارة تأسست في عهد الدولة السعودية، فإن المصادر تؤكد أن وزارة الخارجية هي أول وزارة تم تأسيسها في السعودية وتولاها (الملك) الأمير فيصل بن عبد العزيز خلافاً لما يتداول من أن وزارة المالية هي أول الوزارات وأن الشيخ عبد الله السليمان هو أول وزير.
وقد أرجع سبب ذلك الراحل الدكتور عبد الرحمن الشبيلي إلى أنه عائد لنقص واضح في تدوين نشأة بعض الكيانات الأهلية والحكومية في السعودية على الرغم أنها عملية ميسورة وغير مكلفة.
وبمناسبة مرور 91 عاماً على تأسيس أول وزارة في السعودية تنشر «الشرق الأوسط» توثيقاً تاريخياً لميلاد ونشأة الخارجية السعودية وتشكيلاتها والتطورات التي مرت بها، إضافة إلى توثيق لسير بعض كبار مسؤولي الوزارة ورواد العمل الدبلوماسي السعودي.

بندر بن عبد الرحمن بن معمر*

@ «نجدية» العنوان البرقي للسفارات السعودية في الخارج

منذ ما قبل تأسيس الدولة ارتبطت نشأة السياسة الخارجية (السعودية) بالملك عبد العزيز شخصياً، حيث كان يشرف بنفسه على جميع مهام الشؤون الخارجية بما في ذلك المراسلات والاتصالات مع الدول التي لها علاقة بالأقاليم التي يضمها إلى حكمه ولقاء مبعوثيها، والتفاوض حول كل شؤون علاقاته بتلك الدول. وقبل وجود الهياكل السياسية الرسمية، اتخذ الملك المؤسس من التجار (النجديين) المقيمين في الخارج، كآل فضل ثم الفوزان في الهند، والقصيبي في البحرين، والسابق في الشام ثم مصر، والنفيسي في الكويت، والمنديل في البصرة وبغداد، وغيرهم كوكلاء له في الدول الخارجية، وكانت تلك الوكالات تسمى (الوكالة العربية أو النجدية) وذلك قبل ضم الحجاز، وأظن أن العنوان البرقي للسفارات السعودية في الخارج (نجدية) استمد الاسم من تلك الوكالات.
* بداية وزارة الخارجية السعودية بغرفتين في مكة
في يوم 15 يناير (كانون الثاني) 1927م باشر فؤاد حمزة عمله وكيلاً لمديرية الشؤون الخارجية، سبق ذلك بأشهر وتحديداً في سبتمبر (أيلول) 1925م (وليس 1926م كما ورد في كثير من المصادر) تأسيس المديرية وتعيين الدكتور عبد الله الدملوجي مديراً لها. يصف فؤاد حمزة في مذكراته: «وجدت الخارجية حينما جئت إليها مكونة من غرفتين، في إحداهما يجلس المدير وعنده عدد من الكراسي، وغرفة الكتابة وفيها خزانة تضم أوراق الدائرة موضوعة في 7 أضابير فقط...». كانت تلك الغرفتان في مبنى الحكومة المعروف بـ«الحميدية» في حي أجياد بمكة المكرمة، المقر الأول للخارجية السعودية.
هنا تكمن أهمية المذكرات والوثائق الخاصة التي يدونها رجالات الدولة وشهود الأحداث في إلقاء الضوء على تفاصيل دقيقة من التاريخ السياسي والإداري للمملكة العربية السعودية، والذي ما زال في حاجة إلى كثير من البحث والتنقيب والتوثيق لجوانب مهمة منه. وسيتناول هذا البحث جوانب من تاريخ نشأة وزارة الخارجية السعودية وتشكيلاتها عند تأسيسها كما سيُعرّف بأبرز رجالات السياسة السعودية الذين عاصروا إنشاء الوزارة، كما سيتم التطرق إلى المرحلة التي سبقت ذلك، إضافة إلى لمحات عن المراحل التي مرت بها وزارة الخارجية، وإضاءات عن بعض شخصياتها ودبلوماسييها في محاولة لتوثيق سير من لم توثق سيرهم بشكل دقيق، خاصة خلال مرحلة تولي كل من الملك فيصل وإبراهيم السويل منصب وزير الخارجية (1930 إلى 1975م).
* من كان الوزير الثالث للخارجية السعودية بعد وفاة الملك فيصل؟

كما سيتم طرح تساؤلات عن الفترة التي تلت وفاة عمر السقاف وزير الدولة للشؤون الخارجية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1974م ثم وفاة الملك فيصل في مارس (آذار) 1975م، وتعيين الأمير سعود الفيصل وزير دولة للشؤون الخارجية لمدة ستة أشهر، وما إذا كان هو فعلاً الوزير الثالث للخارجية السعودية أم أن هناك شخصاً آخر حمل الحقيبة قبله؟
مع التأكيد على ضرورة القيام بعمل توثيقي مؤسسي لتوثيق تاريخ الوزارة وسير أعلام الخارجية السعودية، حيث إن كثيراً مما هو منشور عن بعضهم يعتريه النقص ويفتقد إلى الدقة، كما أنني حاولت البحث عن أي دراسة تاريخية وثائقية شاملة عن وزارة الخارجية ونشأتها وتشكيلاتها، فلم أعثر على أي بحث يتناول هذا الموضوع بشكل وافٍ، رغم وجود معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية وكثرة أقسام وكليات التاريخ والعلوم السياسية في جامعاتنا وأكثر منها الأكاديميين الذين انتقلوا للعمل في وزارة الخارجية! مع عدم إغفال الجهد المؤسسي الذي قامت به مكتبة الملك عبد العزيز العامة في إصدار «موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي» عام 1999م، وكذلك «معجم السفراء السعوديين»، الذي أصدرته وزارة الخارجية عام 2002م ثم صدرت طبعته الثانية عام 2016م. وطوال مدة العمل على هذا البحث كان هناك تساؤل: أما آن لهذه القطيعة مع التاريخ أن تتبدل؟ ليس على مستوى المؤسسات فحسب؛ بل حتى على مستوى الأفراد؟ فكثير من أبناء وأحفاد رجالات الدولة السابقين لا تتوفر لديهم معلومات وافية عن حياة آبائهم الإدارية والسياسية، وهذا يرجع في تقديري إلى غياب ثقافة التدوين والتوثيق الشخصية، ثم الحساسية تجاه الاحتفاظ بأي نسخ من الوثائق والمراسلات التي تخصهم.
* الشعب السياسية والشفرة والبرقيات نواة المطبخ السياسي في السعودية

إن المتتبع لتاريخ نشأة أجهزة ومؤسسات الدولة السعودية في عهد الملك عبد العزيز ليعجب من طريقة توظيفه لأدوات التنمية السياسية والإدارية وقدرته على استقطاب الخبرات والكفاءات المؤهلة وإشراكهم في تشكيلات الحكومة القائمة وقتذاك والتي كان بعضها من ابتكاراته وتفرداته، كمجلس المستشارين الذي مثّل مع الشعبة السياسية وشعبة الشفرة والبرقيات في الديوان الملكي، المطبخ السياسي للدولة وفقاً لوصف الدكتور عبد الرحمن الشبيلي. ورغم أن تاريخ نشوء وتطور البلاط الملكي السعودي بكافة دواوينه ومجالسه وشعبه، يحتاج كذلك إلى مزيد من البحث والتوثيق، فإنه يمكن القول إنه بعد ضم الأحساء في جمادى الأولى 1331هـ الموافق مايو (أيار) 1913م، تطورت الاتصالات والعلاقات بالدول الأجنبية المؤثرة آنئذٍ كالدولة العثمانية وبريطانيا العظمى، فتطورت تشكيلات وأساليب العمل الحكومي بما يتناسب مع الواقع الجديد.
يصف الدكتور الشبيلي الشعبة السياسية بأنها كانت وزارة خارجية متنقلة مع الملك تتعامل مع الوثائق والمراسلات والاتفاقيات، كما تقدم الإسناد الإداري والفني والفهرسة لمجلس المستشارين.

أوائل مستشاري الملك عبد العزيز في الشؤون السياسية

1 - الأمير أحمد بن عبد الله الثنيان

(الذي أشرف على انسحاب الأتراك من الأحساء)
ولد ودرس في تركيا، وكان له باع في الشؤون الخارجية، ويتحدث اللغات التركية والفرنسية والإنجليزية. يعتبر أول مستشار سياسي يلتحق بخدمة الملك عبد العزيز نحو عام 1911م، وشارك في بعض الحملات العسكرية، وكلف بمهام وبعثات سياسية، وتشير بعض المصادر إلى أن مهماته السياسية بدأت قبل ضم الأحساء، وأشرف على انسحاب الحامية التركية منها، ثم مثّل إمارة نجد في أول مفاوضات رسمية مع الحكومة البريطانية التي أسفرت عن توقيع اتفاقية دارين عام 1915م، كما رافق (الملك) الأمير فيصل في أول رحلة خارجية إلى أوروبا عام 1919م، وكانت آخر مهماته السياسية مشاركته في مؤتمر المحمرة عام 1922م، وتوفي في الرياض عام 1923م.
2 - الدكتور عبد الله بن سعيد الدملوجي

(أول مستشار عربي يلتحق بخدمة الملك عبد العزيز)
درس في المدرسة الإعدادية العسكرية في بغداد، وتخرج طبيباً في كلية حيدر باشا في تركيا، وعمل في الجيش العثماني في أوروبا ثم عاد للعراق، يجيد اللغات التركية والفرنسية. التحق بخدمة الملك المؤسس طبيباً خاصاً نحو عام 1914م ثم أصبح مستشاراً، ويعتبر أول مستشار عربي (غير سعودي) يلتحق بخدمة الملك عبد العزيز. مثّل سلطنة نجد في مؤتمر العقير عام 1922م، ووقع على الاتفاقيات الحدودية بين نجد وكل من العراق والكويت. عين رسمياً أول مدير للخارجية السعودية عام 1925م، واشترك في مفاوضات جدة مع الحكومة البريطانية. عاد إلى العراق في عام 1928م وتولى عدداً من المناصب وأصبح بعد ذلك وزيراً للخارجية العراقية.

3 - الشيخ إبراهيم بن محمد بن معمر

(رفض تنكيس العلم السعودي في مناسبات الحداد وتم اعتماده حتى اليوم)
درس في الكويت والهند، يتحدث اللغات الإنجليزية والأوردية والفارسية. التحق بخدمة الملك عبد العزيز نحو عام 1912م، ويعتبر مع ابن ثنيان والدملوجي من أوائل المستشارين السياسيين، وورد في بعض المصادر أنه كان مكلفاً بملف الاستخبارات الخارجية! إضافة إلى انتدابه في مهمات خاصة وبعثات خارجية إلى أوروبا وعدد من البلاد العربية. كان له جهد إعلامي وشارك في الرد على الحملات التي كانت تثار ضد الملك عبد العزيز، وفي عام 1926م عين رئيساً للديوان الملكي، ثم وزيراً مفوضاً في العراق عام 1933م، وهو صاحب مبدأ عدم تنكيس العلم السعودي في مناسبات الحداد، وهو تقليد تم اعتماده رسمياً بعد ذلك، ثم عين قائماً لمقام (محافظ) جدة في عام 1937م واستمر حتى وفاته عام 1958م، وقد كلف خلال تلك المدة بعمل وكيل وزارة الخارجية.

4 - الشيخ حافظ وهبة

(خريج الأزهر وأول وزير سعودي مفوض في لندن)
درس في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي بمصر، وتنقل بين الأستانة والهند والبحرين والكويت؛ حيث عمل مدرساً في المدرسة المباركية. التحق بخدمة الملك عبد العزيز نحو عام 1923م، وشارك ضمن الوفد النجدي في مؤتمر الكويت عام 1924م، وكلف بمهام إدارية وتنظيمية بعد ضم الحجاز، كما انتدب في مهمات خارجية، وشارك في مفاوضات بحرة وحدة عام 1925م ومفاوضات جدة عام 1927م مع الحكومة البريطانية، ثم عين مديراً للمعارف، وفي عام 1930م عين وزيراً مفوضاً في لندن، وشارك في عام 1945م ضمن الوفد السعودي برئاسة (الأمير) فيصل للتوقيع على ميثاق تأسيس هيئة الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، وفي عام 1948م أصبح سفير جلالة الملك في لندن.

5 - السيد حمزة بن إبراهيم غوث

(بسبب اسمه ومكان ولادته اختاره الملك عبد العزيز سفيراً له في إيران)
تلقى تعليمه في المدرسة الرشدية ثم الناصرية بالمدينة المنورة وفي حلقات المسجد النبوي كما تعلم اللغة التركية. تولى رئاسة بلدية المدينة المنورة أثناء الحكم العثماني كما عمل مستشاراً ومبعوثاً سياسياً لأمير حائل آنذاك عبد الله المتعب الرشيد. التحق بخدمة الملك عبد العزيز عام 1922م وأصبح مستشاراً للشؤون السياسية. كلف بمهمات سياسية خارجية ورأس الوفد النجدي إلى مؤتمر الكويت عام 1924م، كما كلف معاوناً لأمير المدينة المنورة، وفي عام 1930م عين عضواً في مجلس الشورى، وفي عام 1938م عين قنصلاً عاماً ووزيراً مفوضاً في العراق ثم سفيراً لدى إيران عام 1947م. ولتعيينه قصة يجدر ذكرها تبين بعد نظر الملك المؤسس، وإدراكه لواقع الدول وتوجهات الرأي العام، ودقيق فهمه للسياسة الخارجية، وهي أن الملك عندما قرر تعيينه سفيراً في إيران قال له: «أنا عندما اخترتك سفيراً لدى إيران لأسباب لا تخفى عليك، منها أنك سيد! واسمك حمزة! ومن المدينة المنورة! والإيرانيون يهتمون بذلك! ولهذه الأسباب مجتمعة وقع اختياري عليك...».

* بعد ضم الحجاز انطلقت المرحلة الثانية للخارجية السعودية

قد تكون هذه اللمحات التاريخية مهمة لفهم تطور التنظيمات الحكومية السعودية والتي مرت بمراحل مختلفة تبعاً لظروف تطور الدولة، مع الإشارة إلى أن كثيراً من التفاصيل المتعلقة بنشوء وتطور أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة تستحق التدوين الدقيق والتوثيق العلمي لمراحلها المختلفة، ليس لأهميتها التاريخية فحسب؛ بل لأبعادها الإدارية والسياسية كذلك. حيث إن تاريخ التأسيس سلسلة متصلة من دروس الحكم والإدارة والسياسة والدبلوماسية والحكمة وبعد النظر والتجارب، التي يبنى عليها ويستفاد منها.
فبعد اكتمال ضم الحجاز (1925م)، شرع الملك عبد العزيز في تنفيذ المرحلة الثانية من مشروعه الوحدوي والنهضوي ببدء البناء التنظيمي لمؤسسات الدولة وتشكيل الأجهزة التنفيذية والتشريعية والقضائية، وأنشئ في العام ذاته عدد من الإدارات والمديريات كالمعارف والصحة والمالية، كما أنشئت مديرية الشؤون الخارجية لتتولى متابعة سياسة الدولة الخارجية وتنظيم العلاقات الدبلوماسية والتنسيق مع البعثات الأجنبية الموجودة في جدة، وشُكلت من أربع شعب: «الشعبة السياسية، والشعبة الإدارية، والشعبة الحقوقية، والشعبة القنصلية»، ونُص على ارتباطها بالملك مباشرة: «تكون مديرية الشؤون الخارجية مرتبطة بالمقام الملوكي العالي رأساً، ولكنها تتلقى أوامر النيابة العامة فيما يختص بالشعبتين الإدارية والقنصلية».

* مديرية الشؤون الخارجية وارتباطها بالملك
تولى الدكتور عبد الله الدملوجي إدارتها منذ تأسيسها في سبتمبر 1925م وحتى استقالته في الموافق يونيو (حزيران) 1928م، وتعاقب على إدارتها أصالة ووكالة كل من:
الشيخ يوسف بن محمد ياسين

درس في اللاذقية ثم التحق بالأزهر ومدرسة الدعوة والإرشاد في مصر، لكنه لم يكمل دراسته بسبب ظروف الحرب، وبعد ذلك درس في مدرسة صلاح الدين في القدس ثم في معهد الحقوق في دمشق. اشتغل بالتعليم والصحافة وناهض الاستعمار، وعمل سكرتيراً لرئيس حكومة شرق الأردن. التحق بخدمة الملك عبد العزيز عام 1924م، ورافقه في رحلته إلى الحجاز ودون يومياتها. تولى تأسيس وإدارة جريدة أم القرى التي صدر أول أعدادها في 12 ديسمبر 1924م كأول وسيلة إعلام سعودية، وفي عام 1928م عين مديراً لدائرة المطبوعات والمخابرات (الإعلام) وأصبح من مستشاري الملك المقربين، ثم عمل سكرتيراً خاصاً لجلالة الملك وكلف في فترات متعددة بعمل مدير الشؤون الخارجية ثم وكيل وزارة الخارجية وعين نائباً للوزير، وتولى في عام 1930م رئاسة الشعبة السياسية في الديوان الملكي، وفي عام 1932م أصبح عضواً في مجلس الوكلاء.
كلف بعدد من المهام السياسية، وكان ضمن الوفد المرافق للملك عبد العزيز عند لقائه بالرئيس روزفلت عام 1945م.
وذكر وليم إيدي الوزير الأميركي المفوض في جدة والمترجم الوحيد الذي حضر الاجتماع المغلق بين الزعيمين، أنه راجع مسودة محضر الاجتماع مع يوسف ياسين قبل توقيعها من الملك والرئيس، وصدر في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه أمر ملكي باعتباره وزير دولة قائماً بالأعمال التالية:
1 - مستشاراً في مجلس الملك الخاص.
2 - عضواً طبيعياً في مجلس الوكلاء.
3 - رئيساً للشعبة السياسية في الديوان الملكي.
4 - سكرتيراً خاصاً لجلالة الملك.
5 - نائباً لوزير الخارجية.
وبذلك يمكن القول إن يوسف ياسين أول من حمل لقب نائب وزير الخارجية رسمياً، كما حمل لقب وزير الخارجية بالنيابة. استمر في القيام بالمهام التي أوكلت له في عهد الملك سعود وحتى وفاته عام 1962م.

الشيخ عبد العزيز بن محمد العتيقي

درس في المجمعة على يد مشايخها ثم انتقل للزبير وتابع تعليمه ثم أتم دراسته في دار الدعوة والإرشاد بالقاهرة. تنقل بين البحرين والهند وشرق آسيا وعمل بالتعليم والدعوة وكان له نشاط سياسي وإعلامي. التحق بخدمة الملك عبد العزيز عام 1925م وشارك في لجنة تسلم جدة، ثم عين مستشاراً لنائب الملك في الحجاز وعضواً في مجلس الشورى، كما عين نائباً لمدير دائرة المطبوعات والمخابرات (الإعلام)، وتولى مديرية الشؤون الخارجية بالنيابة عام 1926م.
الأستاذ فؤاد بن أمين حمزة

تلقى تعليمه في لبنان ونال شهادة دار المعلمين ثم التحق بالجامعة الأميركية في بيروت. عمل بالتدريس ثم نال إجازة في الحقوق، ويجيد اللغتين الإنجليزية والفرنسية. التحق بخدمة الملك عبد العزيز عام 1926م، وتولى عدداً من المناصب منها: معاون مدير الشؤون الخارجية، عضو لجنة التفتيش والإصلاح ولجنة سن النظامات والأنظمة واللجنة التنفيذية لمعاونة النائب العام. كما عمل مستشاراً في الشعبة السياسية في الديوان الملكي. أول وكيل لوزارة الخارجية بعد إنشائها، وعضو مجلس الوكلاء. تم تعيينه وزيراً مفوضاً فوق العادة (سفير) لدى فرنسا ثم لدى تركيا، ثم عين وزير دولة منتدباً للأعمال الإنشائية والعمرانية. شارك في رئاسة وعضوية عدد من الوفود واللجان وكلف بعدد من المهام التي استمر في تأديتها حتى وفاته أواخر عام 1951م. يعتبر من الآباء المؤسسين للخارجية السعودية، كما خدم التاريخ السياسي السعودي من خلال مؤلفاته ومذكراته ووثائقه الخاصة.

(الملك) الأمير فيصل أول وزير للخارجية السعودية

استمرت المديرية في القيام بأعمال الشؤون الخارجية لمدة تزيد على الخمسة أعوام، وفي 16 ديسمبر 1930م صدر أمر ملكي بإنشاء وزارة الخارجية السعودية، إذ نشرت جريدة أم القرى في عددها رقم (315) الصادر يوم الجمعة 19 ديسمبر 1930م، بلاغاً عن تشكيل وزارة الخارجية فيما يلي نصه:
«صدر الأمر الملكي السامي بتحويل اسم مديرية الشؤون الخارجية إلى وزارة الخارجية وإسناد منصب الوزارة المذكورة إلى صاحب السمو الملكي الأمير فيصل نائب جلالة الملك المعظم علاوة على النيابة العامة، وبتعيين فؤاد حمزة وكيلاً لوزارة الخارجية اعتباراً من يوم الثلاثاء 16 ديسمبر 1930م.
وقد نص الأمر الملكي على تعليمات وتفصيلات تتعلق بآليات العمل في الوزارة مما يمكن منها فهم ملامح من مدرسة الملك المؤسس في الحكم والإدارة ومنهجيته في العمل والتفويض، وتحديد الصلاحيات والمرجعيات والمسؤوليات:
«نحن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل
بناء على ما رأيناه في المصلحة العامة، أمرنا بما هو آتٍ:
المادة الأولى: يعين نائبنا ونجلنا الابن فيصل وزيراً للخارجية علاوة على النيابة العامة.
المادة الثانية: يعين فؤاد حمزة وكيلاً للخارجية.
المادة الثالثة: يظل سير الأعمال في وزارة الخارجية كما كان عليه العمل في السابق، بمعنى أنه ما كان يعرض علينا لاستصدار أمرنا فيه من الشؤون الخارجية يعرض علينا، وما كان في اختصاص الخارجية تجري المعاملة فيه بغير مراجعتنا كالسابق.
المادة الرابعة: يعين وزير الخارجية وقتاً معيناً للنظر في أمور وزارة الخارجية من كل يوم.
المادة الخامسة: الأمور المتعلقة بالخارجية ويحتاج الأمر فيها للسؤال من النيابة العامة فما كان يراد منها السؤال عن طريق النيابة العامة يحال من قبل الخارجية إلى النيابة العامة، وما كان منها محتاجاً لأخذ رأي النائب العام، فيصدر النائب العام أمره فيها بصفته وزيراً للخارجية من دون تحويل ذلك إلى ديوان النيابة.
المادة السادسة: المخاطبات الرسمية في الخارجية ترد باسم وزير الخارجية، وتصدر من الخارجية باسمه.
المادة السابعة: جميع الأختام وعناوين الأوراق التي كانت باسم مديرية الشؤون الخارجية تعتبر ملغاة اعتباراً من هذا التاريخ، والأختام والكليشهات القديمة تجمع وتوضع في صندوق مختوم وتودع في خزائننا الخاصة.
المادة الثامنة: تبلغ جميع الإدارات التي تتخابر مع الخارجية بأن ترتيب المخابرات التي توجه إليها سواء كانت برقية أو كتابية يكون على ثلاثة أنواع:
1 - المكاتبات الشخصية.
2 - المكاتبات السرية.
3 - المكاتبات العادية.
فإن كان المقصود إيصال المكاتبة إلى الوزير رأساً قبل أن تصل إلى الوزارة يمكن أن يوضع على الظرف أو البرقية كلمتا (سري أو شخصي) وعندئذ لا يطلع عليها أحد قبل الوزير نفسه.
المادة التاسعة: على نائبنا العام إنفاذ أمرنا هذا.
صدر بقصرنا في مكة في اليوم السادس والعشرين من رجب سنة ألف وثلاثمائة وتسعة وأربعين.
الختم الملكي

من هذا الأمر يتضح أن وزارة الخارجية هي أول وزارة تستحدث بصفة رسمية وحتى قبل إعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية، وأن (الملك) فيصل هو أول من حمل لقب وزير في الحكومة السعودية، خلافاً لما يتداول من أن وزارة المالية هي أقدم الوزارات وأن عبد الله السليمان هو أول وزير، حيث لم تتحول وكالة المالية إلى وزارة المالية إلا في 13 أغسطس (آب) 1932م.
منذ ذلك التاريخ بدأت وزارة الخارجية رحلتها في تنفيذ السياسات الخارجية وتوطيد العلاقات مع الدول وإنشاء البعثات الدبلوماسية، كما قامت بخدمة القضايا العربية والإسلامية في المحافل الدولية، وأسهمت في دعم استقلال الدول الخليجية والعربية والإسلامية، ونصرة الشعوب وتقديم المساعدات الإغاثية للإنسانية جمعاء، إضافة إلى دعم الأمن والسلم والاستقرار العالمي. كما صُبغت ولعقود بشخصية وزيرها الأول (الملك) الأمير فيصل وسمته ومدرسته الدبلوماسية. كما استقطبت وخرجت كفايات وخبرات متنوعة ممن تدرجوا في السلك الدبلوماسي أو التحقوا به من قطاعات أخرى.
@ من حارة اليمن في جدة بدأت تشكيلات وزارة الخارجية

كان مقر الخارجية الرئيس في دار الحكومة بمكة المكرمة، ولها مكتب في جدة يقع في حارة اليمن وعنوانها البرقي (الخارجية).
أما تشكيلات الوزارة عند إنشائها فكانت: المكتب الخاص، والشعبة الشرقية، والشعبة الإدارية، والشعبة السياسية، والشعبة القنصلية. أما أوائل موظفيها فلم يتجاوز عددهم (15) شخصاً وهم، المعاون الأول: جميل داود المسلمي، والمعاون بمكتب جدة: علي طه، والمعاون الثاني: أسعد الفقيه، ورئيس المكتب الخاص: توفيق حمزة، والسكرتير الخاص: محمد شيخو، ورئيس الكتاب: جمال سنبل، والموظفون: يحيى أبو الخير وعبد السلام فارسي وعلي عوض ومحمد مظهر وعبد الله جلاجل ونديم الكتبي، والمحاسب: محمد جمال داغستاني.
وعن نشأة المفوضيات السعودية (السفارات) رسمياً في الخارج فكانت أولها مفوضية لندن والوزير المفوض حافظ وهبة الذي عين في 21 يوليو (تموز) 1930م، وذلك خلافاً لما هو متداول بأن مفوضية القاهرة هي الأولى، حيث كانت العلاقات السعودية مقطوعة مع مصر خلال ذلك التاريخ (1928 إلى 1936م). ولعل سبب هذا اللبس هو وجود «الوكالة العربية» في مصر، لكن شأنها كباقي الوكالات التابعة للتجار السعوديين في الخارج والتي تمثل الملك عبد العزيز والوكيل أو المعتمد هو الشيخ فوزان السابق، لكن الحكومة المصرية لم تعترف به رسمياً. وكانت مفوضية بغداد هي الثانية بعد لندن، حيث تأسست في 21 يونيو 1931م، وعين رشيد باشا الناصر قنصلاً عاماً وقائماً بالأعمال لكنه لم يباشر عمله، وفي 25 مايو 1933م عين إبراهيم بن معمر في المنصب. ثم قنصلية دمشق ونقل إليها رشيد الناصر في 11 مايو 1933م. أما مفوضية مصر فيرأسها فوزان السابق بمسمى القائم بالأعمال وكان تعيينه في أغسطس 1936م بعد استئناف العلاقات السعودية المصرية.

* نواب وزارة الخارجية منذ مرحلة التأسيس
ولتعدد مناصب وزير الخارجية (الأمير) فيصل: نائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى ورئيس مجلس الوكلاء كما تولى وزارة الداخلية، كان منصب وكيل الوزارة له أهميته وتعاقب عليه فؤاد حمزة ويوسف ياسين. كما تولى يوسف ياسين منصب نائب الوزير رسمياً.
وبمحاولة حصر من تولى منصب الوكيل أصالة أو تكليفاً خلال الخمسة وأربعين عاماً الأولى من عمر الخارجية توصلت إلى بعض الأسماء وقد يكون هناك أسماء أخرى لم أتوصل إليها، وذلك بسبب عدم توفر المصادر الكافية!
وبتتبع ما هو متوفر من معلومات يتبين أولاً أنه كُلِف بعمل (نائب الوزير) كل من عبد الله السليمان وحمد السليمان، وذلك وفقاً لما ورد في موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي. أما عمل (وكيل الوزارة) فقد تولاه تكليفاً وبالنيابة كل من: خير الدين الزركلي ومحمود المرزوقي وطاهر رضوان وأسعد الفقيه وعبد الرحمن البسام وعلي عوض، ومحمد الحمد الشبيلي ومحمد محتسب وإبراهيم السويل، الذي عين وزيراً للخارجية في عام 1960م، وبعد ذلك عُين رسمياً في منصب الوكيل كل من عمر السقاف ومحمد إبراهيم مسعود وتمتد تلك المرحلة حتى أواخر شهر مارس 1975م.

@ بـ100 جنية ذهب تم استئجار أو مبنى للخارجية السعودية في جدة

أما المقر الرئيس لوزارة الخارجية فقد انتقل من مبنى الحميدية في مكة إلى جدة وتعددت الروايات حول سنة الانتقال، وبينما يذكر خير الدين الزركلي بأن أول مقر شغلته الوزارة في جدة هو الطابقان الأول والثاني من أحد الأبنية في جدة، يؤكد الباحث في تاريخ جدة خالد أبو الجدايل أن المبنى الذي أشار إليه الزركلي هو بيت موسى أفندي البغدادي في حارة الشام. كما شغلت الوزارة بيت درويش في حارة البحر، يصف ابن جدة محمد درويش مشاهداته: «أرى شاباً أنيقاً متألقاً بهي الطلعة يجلس عصر كل يوم في بهو وزارة الخارجية في بيت درويش بحارة البحر يحيط به مجموعة من السياسيين منهم: يوسف ياسين وفؤاد حمزة وطاهر رضوان وخير الدين الزركلي، ويستمر هذا المجلس في تبادل الآراء والنقاش حتى آذان المغرب فيتوقفون للصلاة ويؤمهم الشيخ يوسف ياسين ويلحق بهم من موظفي الوزارة عبد السلام فارسي وجمال سنبل»، لم يكن ذلك الشاب الأنيق سوى الأمير فيصل وزير الخارجية. لكن أبو الجدايل يؤكد أن حارة البحر ليست إلا جزءاً من حارة اليمن ويؤيد قوله بوثيقة موقعة من درويش ومحمد مصطفى درويش عبد ربه بتأجير دارهم الكائنة بمحلة (اليمن) بمائة جنيه إنجليزي ذهب إلى وزارة الخارجية وأنهم تسلموا نصف قيمة الأجرة 50 جنيهاً في 1 محرم 1352هـ (مايو 1933م) من وكيل وزارة الخارجية فؤاد بك حمزة، وباقي الأجرة تدفع في أول رجب 1352هـ (أكتوبر 1933م).
* مبنى الخارجية بطرازة الإسلامي تصدرت الريال السعودية

انتقل بعد ذلك مقر وزارة الخارجية إلى بناية باطويل الواقعة على شارع المطار القديم عند مدخل العمارية (أمام مطابع الأصفهاني فيما بعد) ويبدو أن ذلك كان خلال النصف الثاني من الأربعينيات الميلادية، يصف الدبلوماسي السعودي محمود عمر شاولي مبنى الوزارة حين التحق بالعمل بها في شهر مايو 1955م وقبل أشهر من انتقالها إلى مبناها الجديد حينذاك، بأنه كان فيلا من دورين وغرفتين بالسطح وإيجاره السنوي 3 آلاف جنيه ذهب. وحين انتقل المقر إلى مبنى الوزارة الواقع أمام بحر الطين (بحيرة الأربعين) في صيف عام 1955م كان عدد موظفي ديوان الوزارة بجدة لا يتعدى 50 موظفاً وميزانيتها 21 مليون ريال. وبينما يذكر المؤرخ أمين سعيد في كتابه «تاريخ الدولة السعودية» أن مقر الوزارة انتقل إلى المبنى في عام 1952م، يظهر لي أن المقصود هو بداية تنفيذ البناء، يؤيد ذلك ما أورده الزركلي بأنه تم البدء في تنفيذ المبنى في أواخر عهد الملك عبد العزيز. ولم أتوصل بشكل دقيق إلى المقاول الذي نفذ المبنى حيث تعددت الروايات حول مقاول المشروع هل هو (عثمان أحمد عثمان) أم (أبو الفتوح) أم غيرهما؟ لكن المبنى أصبح أحد أبرز معالم جدة العمرانية وتصميمه على الطراز الإسلامي مستوحى من مبنى قصر العدل في دمشق، وتصدرت صورته العملة السعودية الورقية من فئة الريال في الستينيات الميلادية. ويصفه المؤرخ عبد القدوس الأنصاري بأنه يحتوي على: «مصعدين كهربائيين وتكييف الهواء عام للمبنى وهناك قاعة كبيرة للحفلات والاجتماعات الهامة».
مع الإشارة إلى أنه كان هناك مكتب لوزير الخارجية في الرياض يقع في فيلا بحي عليشة قرب تقاطع شارع الإمام عبد العزيز بن محمد (العصارات) مع شارع الإمام فيصل بن تركي (الخزان)، وأذكر أنني ذهبت في مطلع الثمانينيات الميلادية لمقابلة الأمير سعود الفيصل فيه.
وفي عام 1984م انتقل مقر وزارة الخارجية إلى مدينة الرياض بعد اكتمال إنشاء مبناها في حي الناصرية.
وقصة انتقال وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية من جدة إلى الرياض تستحق بحثاً مستقلاً.

رواد العمل الدبلوماسي في السعودية
لعل إلقاء الضوء على سير عدد من رواد العمل الدبلوماسي رغم شح المصادر عن بعضهم يجلي الغموض حول جوانب معينة مع الإشارة، بأن هناك عدداً كبيراً من رجالات السلك الدبلوماسي السعودي الذين يستحقون أن يذكروا وتوثق سيرهم لكن بحثاً كهذا لا يمكنه الإحاطة بكل أولئك:
1 - الشيخ فوزان السابق

تتلمذ في كتاتيب بريدة ثم درس في الرياض والبحرين والعراق والهند وحصل على إجازات في العلوم الشرعية. مارس التجارة بين نجد والعراق والشام ومصر مع العقيلات وكان من رموزهم. في عام 1922م اختاره الملك عبد العزيز وكيلاً له في دمشق، وبين عامي 1925 و1926م عينه وكيلاً له في القاهرة ونظراً لتوتر العلاقات السياسية بين المملكة المصرية ومملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، مما أدى إلى قطعها في عام 1928م لم تعترف الحكومة المصرية بالوكالة التي أنشئت ولا بالشيخ السابق كوكيل للملك عبد العزيز، إلا أنه استمر في ممارسة أعماله دون اعتراف رسمي مستثمراً اتصالاته وعلاقاته الشخصية، وكان له نشاط إعلامي وجهود علمية وفكرية وحضور لافت في الأوساط الدبلوماسية في القاهرة، وتعرف إلى المستر كرين ورتب له مقابلة مع الملك عبد العزيز أسفرت عن إرسال كرين بعثة لعمل مسح عن المياه وتوصلت إلى دلائل عن وجود النفط والمعادن في المملكة، والتي انتهت بتقرير تويتشل الشهير الذي أفضى إلى توقيع اتفاقية الامتياز بين الحكومة السعودية وشركة سوكال في عام 1933م. وقد كُلف الشيخ السابق بمهام سياسية واستخباراتية متعددة وشارك في اجتماعات ومفاوضات وحمل رسائل ووقع على اتفاقيات ممثلاً للحكومة السعودية، وبعد توقيع معاهدة الصداقة السعودية المصرية واستئناف العلاقات في عام 1936م تم افتتاح المفوضية في القاهرة وتعيينه قائماً بالأعمال وقنصلاً عاماً ثم وزيرا مفوضاً ومندوباً فوق العادة، إلى أن تقاعد عام 1946م.
2 - عبد الله بن سليمان الحمدان

درس في كتاتيب عنيزة ثم انتقل إلى البحرين فالهند وعمل لدى التاجر النجدي عبد الله الفوزان كما واصل تعلمه هناك وتواصل مع البيوتات التجارية العربية الموجودة في الهند كآل فضل وآل بسام وآل زينل، وأتقن أساليب التجارة والحساب، كما مارس التجارة بين الأحساء والبحرين والهند لكنه لم يحقق نجاحاً كبيراً. التحق كاتباً في ديوان (السلطان) عبد العزيز نحو عام 1920م، واكتسب الثقة بسبب ذكائه وتعدد مواهبه وحسن تصرفه وتدبيره للأمور وفهمه الدقيق لشخصية الملك عبد العزيز وأسلوب عمله، فتدرج في البلاط الملكي وتولى إدارة المالية عام 1927م والتي تحولت إلى وكالة المالية العامة عام 1928م ثم أصبحت وزارة المالية عام 1932م. كما أسندت إليه مناصب أخرى من بينها تكليفه بعمل نائب وزير الخارجية. وعدا مواهبه الإدارية والقيادية فإن التصاقه بالملك عبد العزيز أكسبه حنكة سياسية ومهارات تفاوضية مكنته من قيادة المفاوضات مع شركة سوكال والتوقيع على اتفاقية الامتياز بأمر الملك عبد العزيز، ثم تفاوضه لرفع دخل الحكومة السعودية من عائدات النفط والذي لم توافق عليه الشركة. فعرض على الملك مقترحاً لإخضاع شركة البترول لضريبة الدخل والضرائب الأخرى، وتم اعتماد المقترح من قبل الملك، واضطرت الشركة للموافقة على دفع الضرائب وتم توقيع اتفاق بذلك عام 1951م. استمر (ابن سليمان) أو (الوزير) كما كان يطلق عليه في تأدية مهامه حتى بداية عهد الملك سعود حين طلب إعفاءه عام 1954م. لقد اختصر المؤرخ جلال كشك وصف جهود ابن سليمان بعبارته: «لعل ما فعله من أعاجيب خلال سنوات الأزمة العالمية لإبقاء جهاز الدولة يعمل، كان شفيعه في سنوات الرخاء حين تناثرت الأقاويل حوله...».

3 - حمد السليمان الحمدان

درس العلوم الشرعية والحساب في كتاتيب القصيم ثم التحق بأخيه (الوزير) عبد الله في الهند وتعلم هناك ثم عمل مع أخيه في التجارة وانتقل معه للعمل لدى الملك عبد العزيز، وتدرج في الوظائف، إذ عمل مساعداً لأخيه في وكالة المالية وعين وكيلاً لوزارة المالية وعضواً في مجلس الوكلاء عام 1932م. كلف بمهام دبلوماسية وشارك في وفود رسمية إلى اليمن عامي 1931 و1933م. قام بعمل نائب وزير الخارجية عام 1941م. صدر أمر ملكي بمنحه مرتبة وزير دولة عام 1951م، وبسبب ظروفه الصحية طلب الإعفاء من العمل عام 1956م.
4 - رشيد (باشا) الناصر بن ليلا

تلقى تعليمه في كتاتيب حائل ثم على يد عدد من علماء عصره. يجيد اللغة التركية، تولى عدداً من المناصب وكلف بمهمات في عهد إمارة آل رشيد على حائل وعين وكيلاً لهم في إسطنبول. وفد عام 1930م على الملك عبد العزيز الذي اصطفاه وكلفه بعدد من المهام، شارك في عضوية المؤتمر الوطني، كما عين عضواً في مجلس الشورى، ثم صدر في عام 1931م الأمر بتعيينه قنصلاً عاماً وقائماً بالأعمال لدى العراق لكنه لم يباشر عمله بسبب العلاقة غير الودية مع موفق الألوسي مدير الأمور (وزير) الخارجية العراقي آنئذٍ، ثم عين قنصلاً عاماً ووكيلاً معتمداً للملك عبد العزيز لدى سوريا في عام 1933م واستمر في منصبه حتى وفاته عام 1943م.
5 – خير الدين الزركلي

تلقى تعليمه الأولي في دمشق ثم في الكلية العلمانية الفرنسية (لاييك) في بيروت. اشتغل بالتدريس والصحافة والتأليف، ثم عمل في حكومة شرق الأردن، وفي عام 1934م عين مستشاراً للوكالة العربية في القاهرة والتي تحولت إلى مفوضية عام 1936م، ومثّل المملكة في الاجتماعات التأسيسية لجامعة الدول العربية. كلف بالعمل وكيلاً لوزارة الخارجية عام 1946م، وفي عام 1951م سمي وزيراً مفوضاً ومندوباً دائماً لدى جامعة الدول العربية، وكان خلال تلك المدة يتناوب العمل ويتبادل الموقع مع يوسف ياسين بين الوزارة والجامعة. وفي عام 1957م عين سفيراً في المغرب. مثّل المملكة في عدد من المؤتمرات والاجتماعات وشارك في وفود رسمية، واستمر في خدمة السياسة والتاريخ السعودي حتى وفاته عام 1976م. أصدر عدداً من المؤلفات منها: «الأعلام»، و«شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز»، و«ما رأيت وما سمعت»، و«الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز»... وغيرها، كما أن له قصائد وفرائد شعرية جمعت في ديوان الزركلي.
6 - محمود بن محمد المرزوقي

درس في مدارس الفلاح بجدة، وبدأ حياته الوظيفية كاتباً في المحكمة الشرعية، حيث كان والده الشيخ السيد محمد المرزوقي قاضياً لجدة. ثم انتقل للعمل في وزارة الخارجية في الأربعينيات الميلادية يوم كان مقرها في بيت درويش بحارة البحر (وهو نفسه من أبناء ضاحية المشورة بحارة البحر)، وتدرج في الوظائف لكنه لم يبارح جدة فقد كان جداوي الهوى، كلف بمهام إدارية متعددة بعضها كان مع الشيخ محمد إبراهيم مسعود. وورد في موسوعة تاريخ الملك عبد العزيز الدبلوماسي أنه عين في مارس 1949م وكيلاً لوزارة الخارجية بالنيابة. لكنه كسب محبة الناس أثناء توليه مسؤوليات الشعبة القنصلية لمدة طويلة نظراً لحسن تعامله مع مختلف مراجعي الوزارة.
7 - طاهر بن حسن رضوان

درس في مكة المكرمة ثم أتم دراسته في سوريا ومصر وتخرج في كلية دار العلوم بالقاهرة، عمل في الشعبة السياسية في الديوان الملكي ثم انتقل نحو عام 1945م إلى وزارة الخارجية، وكلف بعمل وكيل الوزارة في عام 1948م وخلال مدة تكليفه عمل على إصدار أول لائحة للعمل الدبلوماسي. صدر مرسوم ملكي بتعيينه وزيراً مفوضاً في القاهرة عام 1950م، ثم عين وكيلاً لوزارة الخارجية في عام 1954م. أصبح في عام 1957م مندوب المملكة الدائم لدى جامعة الدول العربية وأصبح عميداً للسفراء المندوبين لدى الجامعة واستمر حتى تقاعده عام 1991م، كما كان يعتبر عميداً للسفراء السعوديين على رأس العمل. مثل المملكة في عديد من الاجتماعات والمهمات السياسية، وعاصر فترة انتقال المقر الدائم لجامعة الدول العربية من القاهرة إلى تونس بين عامي 1979 و1990م بعد مقاطعة الدول العربية لمصر إثر توقيعها اتفاقية كامب ديفيد وتعليق عضويتها في الجامعة، وأشارت مصادر أنه زود الأمانة العامة للجامعة بنسخ كثير من الوثائق والملفات والقرارات الصادرة عن الجامعة، والتي لم تسمح السلطات المصرية بنقلها إلى تونس مما ساعد على استمرار عمل الجامعة في تلك المرحلة الحرجة.
8 - إبراهيم بن عبد الله السويل

درس في المعهد العلمي السعودي بمكة المكرمة، وأكمل تعليمه في القاهرة حيث تخرج في كلية دار العلوم نحو عام 1939م. عمل مدرساً في مدرسة تحضير البعثات، ثم انتقل للعمل في وزارة الخارجية في منتصف الأربعينيات الميلادية وتدرج في الوظائف الدبلوماسية في عدد من السفارات السعودية في الخارج، ونحو عام 1955م عاد إلى ديوان الوزارة، ثم كلف بعمل وكيل الوزارة، وفي عام 1957م عين سفيراً في العراق، وفي عهده لجأ أفراد من الأسرة الملكية الهاشمية إلى السفارة السعودية في بغداد عند قيام ثورة 1958م، ووفقاً لرواية الأميرة بديعة بنت علي بن الحسين، أن السويل استقبلهم واتصل بالملك سعود الذي وجهه بتقديم الرعاية لهم وقال له: «إنهم أمانة في رقبتك»، وبقوا في حماية السفارة السعودية لمدة شهر إلى أن تم تأمين مغادرتهم العراق. وفي ديسمبر من عام 1960م وحتى مارس 1962م، تم تعيينه وزيراً للخارجية في الوزارة التي شكلها الملك سعود إثر استقالة رئيس الوزراء (الأمير) فيصل. وسمعت من صديقه السفير أحمد بن علي آل مبارك أنه زاره بعد تعيينه وزيراً للخارجية فوجده يراجع المعاملات على كرسي جانبي في مكتب الوكيل، فقال له لم لا تقعد في مكتب الوزير فكان رد السويل: سيعود صاحبه! ونيابة عن الملك سعود، وكممثل شخصي لجلالته ترأس السويل الوفد السعودي لمؤتمر حركة عدم الانحياز الذي عقد في بلغراد خلال شهر سبتمبر 1961م وتكون الوفد من السفراء عبد الرحمن الحليسي وجميل حجيلان والمستشارين محمد شرارة وعوني الدجاني، أما سكرتارية الوفد فضمت إبراهيم السلطان وطه الرشيد الدغيثر ومحمد حسن فقي ومحمد سمان ومحمد صالح يحيى.
في مايو 1962م تم تعيينه مستشاراً خاصاً لجلالة الملك ورئيساً للشعبة السياسية في الديوان الملكي، ثم عين في نوفمبر من العام نفسه وزيراً للزراعة، وبين عامي 1964 و1975م أصبح سفيراً لجلالة الملك في واشنطن. وفي عهد الملك خالد (1975م) صدر أمر ملكي بتعيينه مستشاراً في الديوان الملكي وحتى وفاته عام 1977م، وصلى على جنازته في الجامع الكبير بالرياض (الإمام تركي حالياً) كبار الأمراء والمسؤولين ظهر يوم الجمعة 20 مايو 1977م، ونقل (الأمير) سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض تعازي الملك خالد في وفاة الشيخ السويل إلى أسرة الفقيد خلال زيارته لمنزلهم. ويعتبر الشيخ السويل من رجالات الدولة السعودية وسياسييها الكبار الذين عاصروا مراحل بناء الدولة وتحولات المنطقة والعالم، وعملوا داخل الدهاليز السياسية في الديوان الملكي ومجلس الوزراء وديوان وزارة الخارجية والسفارات، وكان لديهم القدرة على لجم الرغبة في الظهور والبعد عن التصريحات أو تدوين المشاهدات ونشر المذكرات، لذا فقدنا صفحات مهمة من تاريخ السياسة السعودية.

9 - محمد الحمد الشبيلي

تلقى تعليمه الأولي في عنيزة ثم أكمل دراسته في البصرة. التحق بالعمل كاتباً في الديوان الملكي نحو عام 1930م، ثم انتقل إلى وزارة الخارجية وعين نائباً للقنصل السعودي في البصرة في عام 1942م وأصبح بعد ذلك القنصل العام في عام 1949م. نقل في عام 1957م مستشاراً في وزارة الخارجية وكلف بعمل وكيل الوزارة ثم عين سفيراً لدى باكستان. صدر أمر ملكي بتعيينه وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية في عام 1962م واعتذر عن عدم تولي المنصب، كما تشير سيرته إلى اعتذاره عن عدم تولي عديد من المناصب ومن بينها رئيس التشريفات الملكية ورئيس ديوان ولي العهد والتماسه البقاء في عمله الدبلوماسي. في عام 1964م عين سفيراً لدى الهند ثم عاد سفيراً في بغداد عام 1976م، تنقل بعد ذلك سفيراً لدى أفغانستان 1972م ولدى ماليزيا 1978م.
كان ظاهرة إنسانية ودبلوماسية وإدارية فريدة، وأسطورة في الكرم والسخاء ومكارم الأخلاق، اختصر ذلك الملك خالد بوصفه له: «سفير بلا نظير». روي عن قصصه وعجائبه الكثير مما لا يكاد يصدق، لم يكن رجل دولة فحسب؛ بل كان مدرسة دبلوماسية نادرة، وقوة ناعمة سعودية تمشي على الأرض تخرج فيها مسؤولون ووزراء وتأثر بها علماء وزعماء، لقد كان ماركة دبلوماسية متفردة اسمها (أبو سليمان).

10 - عبد الرحمن المحمد البسام

تلقى تعليمه في مكة المكرمة ثم درس الحقوق في جامعة فؤاد الأول. التحق بوزارة الخارجية وتدرج في السلك الدبلوماسي وعمل في عام 1945م في الوفد الدائم لدى الأمم المتحدة ومثل المملكة في عدد من المؤتمرات الدولية. عين سفيراً للمملكة لدى باكستان عام 1955م، وفي عام 1957م كلف بالعمل وكيلاً لوزارة الخارجية، ثم عين سفيراً لدى تونس في عام 1958م وأصبح عميد السلك الدبلوماسي كما ارتبط بعلاقة خاصة بالرئيس الحبيب بورقيبة، وفي عام 1975م عين سفيراً لدى اليونان إلى أن توفي فيها عام 1977م.
11 - علي عوض
الشيخ علي بن مصطفى عوض: تلقى تعليمه مكة المكرمة وتخرج في المعهد العلمي السعودي ثم التحق بالعمل في وزارة الخارجية في مطلع الثلاثينيات الميلادية ويعتبر من أوائل موظفيها حيث عمل كاتباً، ثم انتقل للعمل في مكتب الشيخ يوسف ياسين ورافقه في عدد من المهمات، وتدرج في السلك الدبلوماسي حيث تنقل بين السفارات السعودية في بيروت والقاهرة، عين بعد ذلك قائماً بالأعمال في السفارة السعودية في باريس وعندما قطعت العلاقات السعودية الفرنسية بسبب العدوان الثلاثي في شهر أكتوبر من عام 1956م عاد للعمل في الديوان العام، وكلف بعمل وكيل الوزارة، وتشير سيرته المنشورة في معجم السفراء السعوديين إلى تقاعده عام 1960م ثم أعيدت خدماته عام 1961م، وتنقله بين عدد من السفارات من بينها مقديشو ودمشق وتونس.
12 - محمد عبد القادر محتسب

درس في لبنان ثم التحق بوزارة الخارجية في الأربعينيات الميلادية وعمل في السفارة السعودية في أميركا إبان تولي أسعد الفقيه السفارة (1945 إلى 1954م)، ثم عاد للعمل مستشاراً في ديوان الوزارة بجدة، وفي عام 1957م صدر أمر ملكي بمنحه درجة وزير مفوض ثم كلف بعمل وكيل وزارة الخارجية، وذكر الوزير هشام ناظر أنه بعد عودته من البعثة عام 1958م، ذهب لوزارة الخارجية وقابل وكيلها محمد محتسب الذي قال له: «والله يا هشام نحن في الخارجية ليس لدينا أي وظيفة شاغرة عليك أن تبحث في مكان آخر...».، وقد تكون رواية هشام ناظر من الروايات القليلة المدونة التي تؤكد تولي محتسب منصب وكيل وزارة الخارجية. إلا أن المؤكد أيضاً أنه عمل بعد ذلك سفيراً لجلالة الملك في عدد من الدول منها إندونيسيا وكندا والنمسا.
13 - أسعد الفقيه

يعتبر من الرعيل الأول الذين التحقوا بالعمل في وزارة الخارجية في أوائل الثلاثينيات الميلادية وعمل بوظيفة معاون ثان، وفي عام 1936م نقل إلى مفوضية بغداد ثم عين وزيراً مفوضاً لدى العراق عام 1942م، نقل بعد ذلك وزيراً مفوضاً في واشنطن عام 1945م، وأصبح أول سفير سعودي لدى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1948م ومثل المملكة في اجتماعات الأمم المتحدة. في عام 1955م عين مفتشاً للسلك الدبلوماسي، وكلف بعد ذلك بعمل وكيل وزارة الخارجية. وفي عام 1958م عين سفيراً لدى اليابان

14 - عمر بن عباس السقاف

درس في المدينة المنورة ثم في مدرسة تحضير البعثات في مكة المكرمة وكان من ضمن معلميه الأستاذ إبراهيم السويل الذي سيصطفيه فيما بعد وكيلاً دائماً لوزارة الخارجية. تخرج في جامعة بيروت الأميركية ثم التحق بوزارة الخارجية عام 1948م وتدرج في السلك الدبلوماسي وتنقل موظفاً بين السفارات السعودية لدى باكستان وإندونيسيا وبريطانيا، ثم سفيراً في الحبشة في عام 1957م. كما كلف بعمل مساعد وكيل الوزارة عام 1958م، ثم حمل لقب الوكيل الدائم لوزارة الخارجية في عهد وزيرها إبراهيم السويل عام 1960م، وحسب ما اطلعت عليه فإنه الوحيد الذي حمل هذا اللقب، حتى عين وزير دولة للشؤون الخارجية في أبريل (نيسان) من عام 1968م، ثم أصبح في مايو من العام نفسه عضواً في مجلس الوزراء. رأس وشارك في وفود ومؤتمرات عدة ونقل رسائل الفيصل إلى قادة العالم، ومثل المملكة في اجتماعات وزراء الخارجية والأمم المتحدة. شهدت فترة توليه المنصب ذروة الصراع العربي الإسرائيلي وعاصر حرب أكتوبر وقرار حظر تصدير النفط. عقد اجتماعات متعددة مع هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأشهر مدافعاً عن الحق العربي.

في الساعة السابعة إلا ربع من مساء يوم الأربعاء 6 نوفمبر 1974م وصل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إلى مطار الرياض الدولي قادماً من القاهرة، وكان في استقباله الوزير عمر السقاف الذي عقد معه اجتماعاً في قصر الضيافة، ثم صحبه لمقابلة الملك فيصل في قصر الرئاسة (قصر أو ديوان رئاسة مجلس الوزراء الواقع في الجهة الجنوبية من

برج مياه الرياض وإلى الشرق من القصر الأحمر عند التقاء شارع الوزير مع شارع الظهيرة بحي المربع، وهو القصر الذي وقع فيه الاعتداء على الملك فيصل بعد ذلك التاريخ بعدة أشهر). استقبل الملك الوزير الأميركي في الساعة الثامنة وغادر كيسنجر الرياض في العاشرة من مساء اليوم نفسه إلى الأردن.

لم يكن ذلك الاجتماع هو الأول بين السقاف وكيسنجر لكنه كان الأخير في سلسلة مفاوضات شاقة لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي. استمر السقاف في أداء مهامه كالعادة ثم سافر إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومن على منبرها كانت مرافعته الأخيرة عن قضية فلسطين، وفي يوم الخميس 14 نوفمبر 1974م تعرض لجلطة دماغية توفي على أثرها في مقر إقامته بفندق «وردوف أستوريا» في نيويورك، وفور إذاعة النبأ تلقى الديوان الملكي السعودي سيلاً من برقيات التعازي من قادة ووزراء خارجية دول العالم وأمناء المنظمات الدولية والسفراء والمسؤولين. ووفاء بوفاء، ونيابة عن جلالة الملك كان (الأمير) فهد بن عبد العزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية وعدد من الأمراء والوزراء وكبار رجالات الدولة في استقبال جثمان الفقيد الذي وصل في الساعة الثامنة من صباح يوم السبت 16 نوفمبر 1974م إلى مطار جدة الدولي على متن طائرة أميركية خاصة يرافقه روي أثرتون وكيل وزارة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط مندوباً عن الحكومة الأميركية، وكانت الطائرة قد توقفت للتزود بالوقود في أحد القواعد العسكرية بإسبانيا وصعد إليها سفير جلالة الملك في مدريد الشيخ ناصر المنقور يرافقه الموظف في السفارة وقتذاك الأستاذ محمد السليمان الحمد - زوج ابنة السقاف والذي عين فيما بعد رئيس المكتب الخاص للملك فهد - ورافق الجثمان إلى جدة، أسرة الفقيد أقلتها طائرة خاصة من بيروت إلى جدة بأمر من الملك فيصل، وبعد أن تقبلوا العزاء من كبار المسؤولين ومندوب الحكومة الأميركية، أقلت طائرة سعودية خاصة الجثمان إلى المدينة المنورة حيث صلي عليه في المسجد النبوي ودفن في البقيع. يعد السقاف من أبرز خريجي مدرسة الفيصل الدبلوماسية، ومن أوفى منسوبي مدرسة الصمت، الذين شهدوا الخلفيات وشاهدوا التحولات وشاركوا في الاجتماعات المغلقة فاطلعوا على الأسرار، لكنهم لم يدونوا مذكرات أو ينشروا سيراً أو يبوحوا بما لديهم من معلومات فرحلت معهم صفحات التاريخ.

15 - محمد إبراهيم مسعود

درس في مدارس الفلاح بجدة ثم في كلية التجارة بالجامعة الوطنية في بيروت، ويتحدث اللغتين الإنجليزية والفرنسية. عمل بالتدريس، ثم بدأ وظائفه الحكومية كاتب شفرة في مكتب المعادن والأشغال العمومية في عام 1942م التابع لوزارة المالية، وبين عامي 1944 و1957م أُلحق بأمر من الملك عبد العزيز كمستشار عربي وضابط اتصال في السفارة الأميركية بجدة، ثم عين مفتشاً للسلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية، وفي عام 1959م عين وزيراً مفوضاً في بغداد. حصل على مرتبة سفير وكلف بعمل وكيل وزارة الخارجية بالنيابة عام 1960م. وفي عام 1968م عين وكيلاً للخارجية، وصدر الأمر الملكي بتعيينه على المرتبة الممتازة في 21 أغسطس 1971م. خلال تلك السنوات كان الشيخ مسعود من أبرز وجوه الخارجية السعودية من خلال رئاسته ومشاركته في الوفود الرسمية وإيفاده مبعوثاً خاصاً لجلالة الملك وتكليفه بمهمات خاصة، وفي يناير 1971م شكل وفد سعودي كويتي مشترك برئاسة الأمير نواف بن عبد العزيز المستشار الخاص لجلالة الملك والشيخ صباح الأحمد الجابر وزير الخارجية الكويتي لزيارة إمارات الخليج العربي (أبوظبي والبحرين وقطر ودبي والشارقة وعجمان ورأس الخيمة وأم القوين والفجيرة) لتقريب وجهات النظر لقيام اتحاد بينها بعد إعلان بريطانيا عزمها على الانسحاب من الخليج ومنح تلك الإمارات استقلالها، وكان الرأي العام العربي ينتظر تصريحات المتحدث الرسمي للوفد المشترك الشيخ محمد إبراهيم مسعود عن جهود الوفد ونتائج جولاته المكوكية واجتماعاته بحكام إمارات الخليج التسع لقيام اتحاد بينها، والذي انتهى بإعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وإعلان استقلال قطر والبحرين كدول مستقلة في ديسمبر 1971م. بعد وفاة الوزير عمر السقاف صدر أمر ملكي بتعيينه وزير دولة للشؤون الخارجية بالنيابة ثم عين في أكتوبر 1975م وزير دولة وعضواً في مجلس الوزراء حتى تقاعده في أغسطس 1995م، وخلال تلك المدة استمر في أداء المهام السياسية ونقل الرسائل الملكية والمشاركة في المجالس والوفود واللجان، واختير عضواً في (اللجنة العليا لوضع نظام الحكم الأساسي ونظام مجلس الشورى ونظام المقاطعات) والمشكلة بالأمر الملكي الصادر في 19 مارس 1980م.
دور الخارجية السعودية في دعم استقلال الدول العربية
لقد كانت الخمسة وأربعين عاماً الأولى من عمر الخارجية السعودية مرحلة بدايات بناء الدولة وما صاحبها من تطورات، إضافة إلى تشكل نظام عالمي جديد بعد الحرب العالمية الثانية وكانت المملكة العربية السعودية ممثلة بوزير خارجيتها (الملك) الأمير فيصل من الدول المؤسسة لهيئة الأمم المتحدة عام 1945م، كما أعيدت صياغة المشهد الإقليمي فتأسست جامعة الدول العربية في العام نفسه، ولم تنل غالبية الدول العربية استقلالها حينذاك؛ فسعت المملكة العربية السعودية من خلال وزارة خارجيتها إلى دعم استقلال الدول العربية في المحافل الدولية، كما سعت إلى مناصرة قضية الشعب الفلسطيني، وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي ثم بدأ المد الثوري يجتاح الدول العربية، مما أوجد حالة من عدم الاستقرار في العالم العربي، علاوة على أن الحرب الباردة تدور رحاها بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، والمعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى، كما تبنى الملك فيصل دعوة التضامن الإسلامي وتأسست منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1969م، وكانت آخر الملفات الكبرى لتلك المرحلة محاولات إيجاد حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي بعد حرب أكتوبر 1973م وقرار حظر النفط المصاحب لها، فقد توفي وزير الدولة للشؤون الخارجية السيد عمر السقاف في نيويورك وهو يشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة هذه القضية في نوفمبر 1974م، تلى ذلك اغتيال الملك فيصل وهو يستقبل في مكتبه وزير النفط الكويتي في مارس 1975م، وبذلك طويت فصول لم يدون أكثرها من تاريخ الوزارة المدافعة عن الحقوق العربية والإسلامية والساعية إلى دعم الأمن والسلم في العالم.
* سعود الفيصل وزيراً للخارجية بعد 6 شهور من تولي الملك خالد الحكم

تولى الملك خالد مقاليد الحكم في 25 مارس 1975م، وأصدر يوم 28 مارس 1975م أمراً ملكياً حمل الرقم
(أ-52) ونص على أنه: «بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء يستمر جميع أعضاء مجلس الوزراء الحاليين في مناصبهم»، كما أصدر ثلاثة أوامر أخرى بتاريخ 29 مارس 1975م حمل الأول رقم (أ - 53) ونصت فقراته على تعيين: «الأمير فهد بن عبد العزيز ولي العهد ووزير الداخلية نائباً أول لرئيس مجلس الوزراء، والأمير عبد الله بن عبد العزيز رئيس الحرس الوطني نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء»، والثاني برقم (أ - 54) ونص على تعيين: «الأمير نايف بن عبد العزيز وزير دولة للشؤون الداخلية وعضواً في مجلس الوزراء»، والثالث برقم (أ - 55) ونص على تعيين الأمير سعود الفيصل وزير دولة للشؤون الخارجية وعضواً في مجلس الوزراء»، وفي أكتوبر من العام نفسه أعيد تشكيل مجلس الوزراء السعودي وأصبح الأمير نايف وزيراً للداخلية والأمير سعود وزيراً للخارجية.
استكمل سعود الفيصل فصولاً جديدة في تاريخ الخارجية السعودية، وظلت القضية الفلسطينية من أولويات السياسة الخارجية السعودية، إلا أن المرحلة شهدت اضطرابات وتحولات عربياً وإقليمياً ودولياً، فمن الحرب الأهلية اللبنانية (1975م) إلى انشقاق الصف العربي بسبب توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد (1978م) إلى الثورة الإيرانية ثم الغزو السوفياتي لأفغانستان (1979م) فالحرب العراقية الإيرانية (1980م) مع استمرار الحرب الباردة والصراعات والنزاعات في أكثر من مكان، ثم انهيار المعسكر الشرقي
(1989م) فالغزو العراقي للكويت (1990م) وتفكك الاتحاد السوفياتي (1991م) ثم النزاع في البوسنة والهرسك (1992م)، وما صاحب عقد التسعينيات من أزمات، فاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر (2001م) ثم الاحتلال الأميركي للعراق (2003م) ومخططات الفوضى الخلاقة وظاهرة الإرهاب بعد ذلك، وصولاً إلى ثورات الربيع العربي (2010م)، وغير ذلك من القضايا التي يطول شرحها والتي اختصرها الأمير سعود الفيصل في تصريحه لصحيفة النيويورك تايمز عام 2009م: «لم نشهد سوى أوقات شدة وأزمات... ولا نتوقع إلا أزمنة صراعات...».!

وزارة خارجية العرب
ورغم كل تلك الأجواء المضطربة والمراحل العصيبة، فإن الحكومة السعودية جابهت تلك الأزمات من خلال سياستها الهادئة ودبلوماسيتها الفاعلة، وحكمة قيادتها ودعمها لكل جهد يدعم استقرار المنطقة، وعملت مع شقيقاتها على تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية (1981م)، وإنهاء الحرب العراقية الإيرانية (1988م)، وإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وتوقيع اتفاق الطائف (1989م)، وتحرير الكويت من الغزو العراقي (1991م)، ثم انتفضت في حربها على الإرهاب، والوقوف في مواجهة مخططات استهداف العالم العربي.
أما الوزارة فقد كانت وزارة للخارجية العربية، تدافع عن القضايا والمصالح العربية، وتدعم مواقف الدول العربية، وتسعى إلى تحقيق أمن واستقرار المنطقة والعالم، تأكيداً لمبادئ السياسة السعودية الثابتة منذ عهد الملك عبد العزيز.
الأمير سلطان بن عبد العزيز أبرز من تولي الخارجية بالنيابة

أما على صعيد تشكيلات الوزارة وآليات عملها الداخلية بعد عام 1975م، فقد تطورت، وبرزت وجوه دبلوماسية جديدة، نقلت العمل الدبلوماسي السعودي إلى آفاق أرحب، مما يتطلب بحثاً وتوثيقاً لهذه المرحلة وما تلاها، وللجوانب الأخرى التي لم يتم التطرق لها في هذا البحث، غير أنه من المهم الإشارة إلى الوزير الذي ينوب عن وزير الخارجية في حال غيابه وبنص النظام: «النيابة عن الوزير لا تكون إلا لوزير آخر وبموجب أمر يصدر من رئيس مجلس الوزراء»، ونظراً لكثرة مهمات ورحلات الوزير خارج المملكة، فإن أبرز من تولى منصب وزير الخارجية بالنيابة طوال فترة تولي الأمير سعود، هو الأمير سلطان بن عبد العزيز.

من الوزير الثالث للخارجية السعودية؟
إلا أن هناك تساؤلاً ما زال مطروحاً، وهو من كان وزير الخارجية خلال الستة أشهر التي تولى فيها الأمير سعود الفيصل منصب وزير دولة للشؤون الخارجية (مارس إلى أكتوبر 1975م)؟ حيث إن موقع وزارة الخارجية الرسمي على شبكة الإنترنت وجميع المصادر الأخرى تشير إلى أن الأمير سعود الفيصل هو الوزير الثالث للخارجية السعودية بعد الملك فيصل والشيخ إبراهيم السويل، وحيث إن النظام الذي يحكم هذا الموضوع هو نظام مجلس الوزراء الصادر بالمرسوم الملكي رقم (380) وتاريخ 22-10-1377هـ الموافق 11-5-1958م، والذي نصت المادة (السابعة) منه - بعد أن عُدلت - على أن «مجلس الوزراء هيئة نظامية يرأسها جلالة الملك وتعقد اجتماعاتها برئاسة جلالته أو نائب رئيس مجلس الوزراء...».، وحيث إن الأمر الملكي رقم (أ-52) - الذي أصدره الملك خالد - نص على أن «يستمر جميع أعضاء مجلس الوزراء الحاليين في مناصبهم»، وهذا لا يشمل رئيس المجلس، إذ هو محدد بنص المادة (السابعة) من النظام الآنف ذكره، ولا نواب رئيس المجلس الذين صدر أمر ملكي مستقل بتعيينهم برقم (أ-53)، وحيث إن المرسوم الملكي رقم (27) الذي أصدره الملك فيصل عند توليه الحكم (2 نوفمبر 1964م)، نص على أن: «تبقى الوزارة الحالية بتشكيلها الحاضر» والتي كان الملك فيصل يرأسها ويتولى فيها منصب وزير الخارجية، مما يعني أن رئيس مجلس الوزراء استمر وزيراً للخارجية، وبما أنه لم تتم إعادة تشكيل المجلس طوال فترة حكم الملك فيصل (1964 إلى 1975م) رغم تعيين وزير دولة للشؤون الخارجية وعضواً في مجلس الوزراء، فهل يمكن القول إن الملك خالد احتفظ بمنصب وزير الخارجية في ضوء توليه منصب رئيس مجلس الوزراء؟ أي أن الملك خالد حمل حقيبة وزارة الخارجية ولم يحمل لقب الوزير، وذلك مثلما كان الحال بالنسبة للملك فيصل بعد توليه الحكم، إذ لم يُذكر اسمه أو يعمم كوزير للخارجية كونه ملكاً ورئيساً لمجلس الوزراء. وفي ضوء ما تقدم، هل تتبنى وزارة الخارجية دراسة هذا الموضوع؟ ومن ثم تحديث قائمة وزراء الخارجية السابقين لتكون كالتالي:
(الملك) الأمير فيصل بن عبد العزيز (ديسمبر 1930 إلى ديسمبر 1960م)

الشيخ إبراهيم السويل (ديسمبر 1960م إلى مارس 1962م)

الملك فيصل بن عبد العزيز (مارس 1962 إلى مارس 1975م)

الملك خالد بن عبد العزيز (مارس 1975 إلى أكتوبر 1975م)

الأمير سعود الفيصل (أكتوبر 1975 إلى أبريل 2015م)

الأستاذ عادل الجبير (أبريل 2015م إلى ديسمبر 2018م)

الدكتور إبراهيم العساف (ديسمبر 2018 إلى أكتوبر2019م)

الأمير فيصل بن فرحان (أكتوبر 2019م إلى الآن)

*كاتب وباحث سعودي



المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي
TT

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

وليد الخالدي
وليد الخالدي

في هذا الوقت العصيب تفقد القضية الفلسطينية، وليد الخالدي، كبير مؤرخيها الذي كرس أكثر من 70 عاماً من عمره ليوثق ويدقق ويحقق فيما أصاب فلسطين من تحولات بسبب الصهيونية وانعكاسات خططها على بلاده، سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً. مفكر عربي، قومي، منفتح وملتزم في آن، وقيمة إنسانية وعلمية يصعب تعويضها.

أسلم وليد الخالدي الروح في مدينة كامبريدج، مكان إقامته في ولاية ماساتشوستس الأميركية في الثامن من مارس (آذار) الحالي، بعد أن عاش مائة سنة وسنة، ينتظر العودة إلى القدس. توفي تاركاً مجموعة كبيرة من المؤلفات تناهز الأربعين، وجيلاً من الطلاب والبحاثة الذين تتلمذوا على يديه، وأكثر ما اهتم به هو تاريخ فترة النكبة، وما حدث تدريجياً بعدها وعلى إثرها، مع إعادة كتابة حكاية مئات القرى التي اندثرت، وعملت إسرائيل على وأدها.

عائلة علم وتأريخ

ولد في القدس عام 1925 لعائلة مقدسية معروفة بالعلم، والده هو الكاتب وعميد الكلية العربية في القدس أحمد سامح الخالدي، أما والدته إحسان فهي شقيقة المؤرخ الفلسطيني أمين عقل. أما جده فهو راغب الخالدي الذي أنشأ أول مكتبة عربية في القدس عام 1900. والده وجده، هما العالمان اللذان كان لهما أكبر الأثر في تنشئته وتشكيل وعيه الأول.

تخرج الخالدي في جامعة أكسفورد سنة 1951، ودرّس فيها الفلسفة الإسلامية حتى عام 1956؛ إلا أنه وبسبب مواقفه المبدئية، استقال عام 1956 احتجاجاً على دور بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر، وانتقل ليعمل أستاذاً في الجامعة الأميركية في بيروت التي بقي فيها حتى عام 1982، ثم التحق بعد ذلك ليعمل باحثاً في مركز هارفارد للشؤون الدولية، وبقي يحاضر في جامعات أميركية عدة، منها برنستون وأوكسفورد، متنقلاً في مهماته بين الولايات الأميركية وبيروت، ثم انتخب زميلاً في الأكاديمية الأميركية للآداب والعلوم.

المؤسسات البحثية أولاً

من أهم إنجازاته، تركيزه الدائم على بناء المؤسسات البحثية وتطويرها. فهو أحد مؤسسي «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» في بيروت عام 1963، وبقي أميناً عاماً لها وحريصاً على أن تحتفظ هذه المؤسسة بالرصانة والاستقلالية والكفاءة. وهو أيضاً أحد مؤسسي «النادي الثقافي العربي» في بيروت الذي نعاه، مذكراً بأنه رئيسه الأسبق من عام 1958 ولغاية 1959، وأحد مؤسسي الجمعية الملكية العلمية في عمّان، وجمعية التعاون الفلسطينية. وهو من أسس مجلس أمناء أصدقاء المكتبة الخالدية في القدس، التي أنشأها جده في حي باب السلسلة في البلدة القديمة، وتقدم لزوارها أكبر مجموعة خاصة من المخطوطات العربية في فلسطين.

ولحماية هذه المكتبة من المحاولات الإسرائيلية المستمرة للقضاء عليها، أسس عام 1988 في أميركا ما سماه «جمعية أصدقاء مكتبة الخالدي»، وتولى رئاستها؛ فيما كانت وظيفتها الأساسية جمع التمويلات بشكل منتظم للمكتبة في القدس، للوقوف في وجه التهديدات التي تتعرض لها من السلطات الإسرائيلية. وهو كذلك من مؤسسي «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت (1975)، و«مركز الدراسات المسيحية - الإسلامية» في جامعة جورجتاون.

بذلك يكون وليد الخالدي قد ترك إرثاً كبيراً يتجاوز الكتب إلى التخطيط لما بعد مماته. ولكن حتى مؤلفاته ليس هدفها آنياً. أبرزها كتابه «كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دُمّرت عام 1948» وثّق فيه قصص مئات القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال النكبة، مدعماً عمله بالخرائط والوثائق التاريخية والصور. فهو ممن يؤمنون بأن الكلمة يجب أن تقترن بالمرئي الذي هو عنده جزء من العمل لإيصال المعلومة وتثبيتها. لذلك أصبح هذا الكتاب مرجعاً أساسياً للباحثين والمهتمين بتاريخ فلسطين.

«النكبة وما تبعها» محور أبحاثه

فهو كتاب موسوعي، لا مثيل له، عن القرى الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل وأخليت من سكانها عام 1948. فقد وثق 418 قرية فلسطينية دمرت وعرضها مع الخرائط والصور والتفاصيل الديموغرافية. نوع من إعادة بناء نظرية للمكان، على أمل أن ينتفض حياً حين تسنح الفرصة.

المكتبة الخالدية في القدس أخذت الكثير من جهده

مؤلفات الخالدي تدور في أغلبها حول تلك المرحلة المفصلية عند النكبة «قبل الشتات: التاريخ المصوَّر للشعب الفلسطيني 1876 - 1948»، مدللاً على وجود مجتمع حضري متطور في فلسطين وليس مجرد بشر متناثرين لا هوية تربطهم، كما يدّعي الصهاينة. كذلك «الصراع العربي الإسرائيلي والانتداب الجديد: موازين القوى والأطراف الرئيسية»، وكتابه الذي خصصه لمجزرة «دير ياسين»، و«الصهيونية في مائة عام: من البكاء على الأطلال إلى الهيمنة على المشرق العربي 1897 - 1997»، و«خمسون عاماً على حرب 1948: أولى الحروب الصهيونية العربية»، و«فلسطين وصراعنا مع الصهيونية وإسرائيل» مجموعة مقالات ومحاضرات له، صدرت بالشراكة بين «مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والنادي الثقافي العربي».

ووليد الخالدي الذي له صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية متنقلاً بين الجامعات العربية والأميركية، لُقّب بـ«حافظ الذاكرة الفلسطينية». فقد كان يعرف عن ظهر قلب تاريخ وجغرافية القدس، وتقسيماتها، وتطور أحيائها السكنية، ومساحة كل حي، وقصته، وكيف انتزعت الصهيونية كل جزء منه، بل هو كان حريصاً على أن يوثق هذه المعلومات التي يتوصل إليها، شاملاً كل فلسطين.

دبلوماسي حين يلزم

لم يكن الخالدي بعيداً عن السياسة، فهو مؤرخ واعٍ لدوره، وكثيراً ما يشبه بدور إدوار سعيد، بل البعض اعتبر دوريهما مكملين في الجامعات الأميركية والدوائر البحثية هناك.

كان من أوائل من دعوا إلى حل الدولتين، في مقالته التي نشرت عام 1978 في مجلة «فورين أفيرز» الأميركية، بعنوان «التفكير فيما لا يمكن التفكير فيه: دولة فلسطينية ذات سيادة». مقالة أطلقت شرارة أولى لمناقشات حول فكرة تشكيل دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. وفي كتب عديدة، بينها «القدس مفتاح السلام» اعتبر أن هذه المدينة الإشكالية هي المكان الذي منه تبدأ الحلول، ودون تسوية تاريخية للمشكلة الفلسطينية ستبقى المنطقة مشتعلة.

لذا وجدناه مشاركاً في الوفد الأردني - الفلسطيني المشترك إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، رغم أنه لم يكن عضواً منخرطاً، في منظمة التحرير الفلسطينية.

حرص على استقلاله الأكاديمي والفكري، لكنه لم يتردد في لعب أي دور دبلوماسي يخدم المصالح العربية والفلسطينية، رافضاً أن ينخرط الفلسطينيون في الصراعات الداخلية للدول العربية، خاصة حين أصبحوا طرفاً في الحرب الأهلية اللبنانية.

كتب للأجيال المقبلة

وإضافة إلى إيمانه بدور المؤسسات في البحث والتقصي، وتوثيق المعلومة للأجيال المقبلة، التي لا بد من حفظها لتوظيفها لاحقاً، في استعادة الحق في الأرض والوطن والهوية، آمن وليد الخالدي بدور القادة في صناعة التاريخ، وقيمة الإنسان في توجيه دفة الأحداث. فخصص بعضاً من كتاباته لشخصيات اعتبرها مفاتيح مثل كتابه عن «محمد عزة دروزة» وهي سيرة ذاتية مقتطفة من مذكراته، حررها وقدم لها الخالدي وصدرت في جزأين. كذلك كتاباته عن العالم والشاعر السوري عبد الغني النابلسي الذي عُرف بدعوته للتسامح مع اليهود والمسيحيين. وقام وليد الخالدي بتحقيق ونشر مخطوطة جده روحي الخالدي عن الصهيونية عام 2021، بعد أن احتفظ بها طويلاً. وهي تُعد أول دراسة عربية وضعت عن الموضوع. كما قام الخالدي بتحقيق ونشر مذكرات رشيد الحاج «الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين: مذكرات رشيد الحاج»، لما له من دور مقاوم خلال النكبة.

وبوصفه جزءاً من مشروع «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» أشرف الخالدي على ترجمة مذكرات بن غوريون وموشيه شاريت من العبرية إلى العربية.


لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»