روسيا ترسم «خطوطها الحمر» على الساحة العالمية

روسيا ترسم «خطوطها الحمر» على الساحة العالمية
TT

روسيا ترسم «خطوطها الحمر» على الساحة العالمية

روسيا ترسم «خطوطها الحمر» على الساحة العالمية

مر العام المنصرم، الذي لم يكن سهلاً على المجتمع الدولي بأسره، متسماً بنمو سعي روسيا إلى لعب دور مستقل ومهم في السياسة العالمية، بما يتوافق مع مصالحها الوطنية.
موسكو عدّت نفسها مدافعة عن حق الدول المستقلة في العيش وفقاً للقانون الدولي، وليس وفقاً لـ«القواعد» التي وضعتها بعض الدول القوية، ومن دون أن تخضع لمحاولات الإملاء من جانب هذه الدول تجاه الدول الضعيفة. وفي دفاعها عن مصالحها وقيمها لم تخشَ المخاطرة، وغالباً ما دخلت في صراعات مع خصومها.
يبدو هذا واضحاً على وجه الخصوص، من خلال حال العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة والدول الغربية بشكل عام. وصول الرئيس جو بايدن إلى السلطة بعث في البداية الآمال بإحداث تغييرات إيجابية في هذه العلاقات. إذ إن تمديد معاهدة «ستارت 3» بشأن خفض الأسلحة الاستراتيجية والحد منها، والاتفاق على بدء حوار حول الاستقرار الاستراتيجي خلقا مزاجاً تفاؤلياً. كما أن الحاجة إلى العمل معاً لمكافحة الوباء وغيره من التهديدات المشتركة دفعت كلا الجانبين إلى التعاون.
لكن الآمال المبنية على تحسن العلاقات لم تتحقق. علاوة على ذلك، فإن العلاقات بين روسيا، التي تقترب بسرعة من جمهورية الصين الشعبية في إطار شراكة استراتيجية شاملة، من ناحية، وبين الولايات المتحدة مع حلفائها من ناحية أخرى، تراجعت بشدة لدرجة أن بعض السياسيين بدأوا الحديث على محمل الجد عن ضرورة منع العالم من الانزلاق نحو حرب عالمية جديدة.
دعونا ننظر في هذا السياق إلى أحداث شهر ديسمبر (كانون الأول) التي توّجت هذا العام. لقد شهدت «المحادثات عبر الفيديو أونلاين» التي جرت في 7 ديسمبر بين الرئيسين الروسي والأميركي، على الرغم من أنها إيجابية في حد ذاتها، على وجود خلاف عميق بين القوتين النوويتين العظميين حول قضايا الأمن الدولي الرئيسية. إذ أوضح خلالها بوتين لبايدن، على وجه الخصوص، مفهومه لما يسمى «الخطوط الحمر» بالنسبة لروسيا، وهي: أولاً وقبل كل شيء استمرار توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى الشرق، فضلاً عن نشر أنظمة الأسلحة الأجنبية الحديثة في أوكرانيا. فإذا ظهرت أنظمة هجومية في أوكرانيا قادرة على الوصول إلى موسكو في غضون بضع دقائق، ستكون حينها روسيا مضطرة للرد على ذلك بخلق تهديدات مماثلة؛ وانضمام أوكرانيا إلى الناتو سيعني تجاوز «الخطوط الحمر»، ما سيتطلب رداً جدياً من روسيا. ما يمكن أن تقبله موسكو هو فقط تقديم ضمانات مكتوبة من الغرب بأنّ هذا لن يحدث. وهذا المطلب غير قابل لإعادة النظر فيه. لكن جاء رد فعل القيادات الأميركية وحلف شمالي الأطلسي على طلب روسيا هذا قاسياً للغاية: لا وجود لأي خطوط حمر. ليس بإمكان أحد التنبؤ بكيفية تطور الأحداث لاحقاً. في الوقت نفسه، لفت الانتباه في روسيا تصريح بايدن بأن الولايات المتحدة والناتو، في حال وقوع هجوم روسي على أوكرانيا، سيرسلان قواتهما إلى دول الجناح الشرقي للناتو، أو ما تسمى دول «قمة بوخارست التسع»، وليس إلى أوكرانيا.
أصبح الهجوم الروسي، المزعوم وسيئ السمعة، المخطط له على أوكرانيا ذريعة مزعجة في خطابات الكثير من السياسيين الغربيين، على الرغم من أن الزعيم الروسي ومسؤولين آخرين ينفون بشكل قاطع أي خطط من هذا القبيل. وبدأوا بتهديد موسكو بفرض عقوبات جديدة قاتلة، مع أن العقوبات في الوقت الحالي لا تعد ولا تحصى. لكن موسكو، كما لاحظ الخبراء الغربيون، حضّرت نفسها لإجراءات كهذه وغيرها، مثل فصلها عن نظام SWIFT، ما سيضر شركاءها أيضاً. ومع ذلك، هناك بعض المؤشرات على إمكان حل الخلافات الجدية دبلوماسياً، حيث لا أحد معنياً بتصعيد المواجهة. فلدى الأطراف خبرة في التفاعل والعمل المشترك، على سبيل المثال، في عملية التخلص من الأسلحة الكيميائية في سوريا أو في مفاوضات مجموعة 5 + 1 مع إيران بشأن برنامجها النووي.
في الحقيقة لا يوجد أي تقدم في حل الأزمة الأوكرانية. الكرملين يقنع الغرب بأن كييف لا تريد تنفيذ اتفاقات مينسك، التي تحضها الولايات المتحدة على الامتثال لها، بينما يتم تفسير هذه الاتفاقات بشكل مختلف بين الولايات المتحدة وروسيا. بالنسبة لموسكو، فإن رغبة كييف في مراجعة هذه الاتفاقات غير مقبولة، بما في ذلك مراجعة منح دونيتسك ولوغانسك الحكم الذاتي الكامل داخل أوكرانيا، ومنح عفو للمشاركين في الأعمال القتالية، أو مراجعة منع كييف من بسط سيطرتها على حدودها مع روسيا قبل إجراء الانتخابات في هاتين المنطقتين. بينما يثير حشد قوات أوكرانية في منطقة الدونباس مخاوف جدية بشأن نيات كييف لمحاولة حل مشكلة المناطق الشرقية باستخدام القوة.
كما أن الأحداث المأساوية التي جرت خلال العام المنصرم في أفغانستان خلقت مخاطر بالنسبة إلى موسكو، لا سيما فيما يتعلق بالمصالح الأمنية لحلفائها في آسيا الوسطى. إلا أن الاتصالات التفاوضية للدبلوماسيين الروس مع ممثلي حركة «طالبان» في موسكو، والتي بدأت منذ أكثر من خمس سنوات، لعبت دوراً إيجابياً، بالإضافة إلى أن كلاً من موسكو ودول آسيا الوسطى تقدمان مساعدات إنسانية كبيرة لكابل. فموسكو تنظر إلى حكم «طالبان» على أنه أمر مفروغ منه، ويجب أن يؤخذ بالحسبان، لكن قانونياً لا تزال لا تقبل الاعتراف به.
أسهمت الأحداث في أفغانستان في تقارب الدول الأعضاء في «منظمة معاهدة الأمن الجماعي» وتفعيلها. بدأت هذه المنظمة العمل على ترسيخ إمكاناتها لحفظ السلام في أنشطة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. كما أنها مصممة، على وجه الخصوص، على الانضمام إلى «الخوذ الزرق» في المناطق الساخنة في الشرق الأوسط. ولهذه الغاية تعرّف ممثلو هيئة الأركان المشتركة لـ«منظمة معاهدة الأمن الجماعي» في بداية ديسمبر في لبنان على تجربة بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل). هذا لا يعني تراجعاً في اهتمام المنظمة بالفضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي، بل على العكس من ذلك، تضمنت مهامها الآن قمع محاولات المتطرفين من أفغانستان التسلل إلى رابطة الدول المستقلة، والتي اتخذت من أجلها تدابير جادة لتطوير البنية التحتية العسكرية لطاجيكستان. في الوقت نفسه، كانت هناك أحياناً توترات بين الدول الأعضاء، ولا سيما على الحدود الطاجيكية القرغيزية، حيث لا تتدخل المنظمة في تسويتها.
تطورت العلاقات بين روسيا والدول العربية بنجاح. فقد أثمرت الجهود المبذولة لمواجهة الإرهابيين وتدمير أوكارهم في سوريا، التي تواصل روسيا تقديم المساعدة الإنسانية لها. وحدثت تحولات في العلاقات بين دمشق وعدد من الدول العربية. تعمل روسيا بنشاط على تعزيز عملية المصالحة الوطنية، التي ما زالت تواجه صعوبات كبيرة.
بشكل عام، واصلت موسكو مسارها في تطوير العلاقات مع جميع اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط، بما في ذلك ممن هم في صراع بعضهم مع بعض. ويعد التطور الناجح للتعاون مع دول شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك في المجال الاقتصادي، بمثابة إنجاز. ومن الأمثلة الساطعة على ذلك استحواذ صندوق «مبادلة» الإماراتي السيادي في الأسابيع الأخيرة على 1.9% من حصة شركة «سيبور»، والتي اندمجت الخريف الماضي بنسبة 100% مع شركة «تايف». وراء هذا كله تكمن الثقة المتبادلة بين الشركاء. يشهد ظهور المفهوم الروسي المحدَّث للأمن الجماعي في الخليج على اهتمام موسكو بهذه المنطقة.



استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».


ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

في مشهد غير تقليدي على هامش القمم الدولية، خطف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني الأنظار بتفاعلاتهما الودية والمرحة، التي تجاوزت البروتوكول الرسمي لتتحول إلى ظاهرة لافتة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتا يُوصفان بـ«أشهر ثنائي على إنستغرام».

وخلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، تبادل الزعيمان لحظات من الدعابة أثناء وصولهما لالتقاط الصورة الجماعية التقليدية في مدينة إيفيان لي بان. وأظهر مقطع فيديو لحظة تحيتهما لبعضهما البعض، بينما مازح مودي نظيرته بشأن شهرتهما على منصات التواصل الاجتماعي.

وكان رد ميلوني واضحاً عبر الميكروفون، إذ قالت مبتسمة: «نعم، نحن أشهر ثنائي على إنستغرام».

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال جلسة عمل في قمة مجموعة السبع بفرنسا (أ.ب)

هذه التفاعلات الودية، التي تتكرر بين الزعيمين على هامش اللقاءات الدولية، أثارت موجة واسعة من التفاعل عبر الإنترنت، شملت صوراً ساخرة، وتعديلات من المعجبين، ومنشورات انتشرت على نطاق واسع، بل وولّدت اتجاهاً خاصاً حمل اسم «Melodi» (ميلودي)، وهو دمج بين اسمي عائلتيهما.

وبدأت هذه الظاهرة عندما التقى الزعيمان للمرة الأولى خلال قمة مجموعة العشرين في بالي عام 2023، ثم تجدد اللقاء في نيودلهي لاحقاً في العام نفسه. وبلغ التفاعل ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2023، حين نشرت ميلوني صورة «سيلفي» تجمعها مع مودي خلال مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي، مرفقة بوسم #Melodi.

وفي تطور لافت مؤخراً، أهدى مودي الزعيمة الإيطالية كيساً من حلوى «ميلودي» الهندية الشهيرة خلال زيارته إلى روما، في لفتة طريفة أثارت تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأظهر مقطع فيديو نشرته ميلوني مودي وهو يسلّمها الحلوى وسط أجواء من الضحك، بينما علّقت قائلة: «شكراً لك على الهدية». وسرعان ما انتشر الفيديو على نطاق واسع.

ويُعدّ الزعيمان من بين أكثر الشخصيات حضوراً وشعبية على الإنترنت؛ إذ يتابع مودي نحو 107 ملايين شخص على منصة «إكس»، في حين تحظى ميلوني بمتابعة تقارب 3.3 مليون شخص. ويُسهم ظهورهما المشترك في تعزيز حضورهما الإعلامي، بوصفهما من القادة الذين يجيدون توظيف المنصات الرقمية للتواصل مع الجمهور.