شكوك إسرائيلية في القدرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلة «إف15» تابعة لسلاح الجو ترافق قاذفتين أميركيتين من طراز «بي1 بي لانسر» ومزود وقود أميركياً «كيه سي10» فوق أجواء إسرائيل خلال نوفمبر الماضي
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلة «إف15» تابعة لسلاح الجو ترافق قاذفتين أميركيتين من طراز «بي1 بي لانسر» ومزود وقود أميركياً «كيه سي10» فوق أجواء إسرائيل خلال نوفمبر الماضي
TT

شكوك إسرائيلية في القدرة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلة «إف15» تابعة لسلاح الجو ترافق قاذفتين أميركيتين من طراز «بي1 بي لانسر» ومزود وقود أميركياً «كيه سي10» فوق أجواء إسرائيل خلال نوفمبر الماضي
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من مقاتلة «إف15» تابعة لسلاح الجو ترافق قاذفتين أميركيتين من طراز «بي1 بي لانسر» ومزود وقود أميركياً «كيه سي10» فوق أجواء إسرائيل خلال نوفمبر الماضي

مع الجهود الدبلوماسية للحد من البرنامج النووي الإيراني، أمر وزير الدفاع الإسرائيلي قواته بإعداد خيار عسكري، محذراً العالم بأن إسرائيل ستأخذ زمام المبادرة بنفسها إذا لم يقيد الاتفاق الجديد برنامج طهران بشكل كاف.
ويقول العديد من كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين إن إسرائيل تفتقر إلى القدرة على شن هجوم من شأنه أن يدمر، أو حتى يؤخر بشكل كبير، البرنامج الإيراني. وقال مسؤول أمني إن التحضير لهجوم يُلحق أضراراً كبيرة بالمشروع الإيراني قد يستغرق عامين على الأقل. ويقول الخبراء والمسؤولون إن توجيه ضربة محدودة النطاق تضر بأجزاء من البرنامج دون إنهائه كلياً، سيكون ممكناً في وقت أقرب.
وقال ريليك شافير؛ الجنرال المتقاعد بسلاح الجو الإسرائيلي والطيار المقاتل أثناء غارة 1981 على منشأة نووية عراقية: «من الصعب للغاية - وأقول إنه من المستحيل - إطلاق حملة تتعامل مع كل هذه المواقع. ففي العالم الذي نعيش فيه، القوة الجوية الوحيدة التي يمكنها شن حملة بهذا المستوى هي القوات الجوية الأميركية». تشكل المناقشة الأخيرة بشأن شن هجوم عسكري جزءاً من حملة الضغوط الإسرائيلية لضمان عدم موافقة الدول الكبرى على «صفقة سيئة لن تحول دون إنتاج إيران الأسلحة النووية».
وحتى الآن؛ حاولت إسرائيل كبح البرنامج الإيراني، الذي تعدّه تهديداً وجودياً، من خلال مزيج من الدبلوماسية العدائية والهجمات السرية. كما شنت حرب ظل عبر التجسس والاغتيالات المستهدفة والتخريب والهجمات السيبرانية. وقد فكرت إسرائيل سراً في شن غارات جوية واسعة النطاق في عام 2012 قبل التخلي عن الخطة.
ومع اقتراب إيران من مستويات إنتاج الأسلحة النووية، حذر الساسة الإسرائيليون من الانفتاح على ما افترضها العالم لفترة طويلة «إمكانية تحول إسرائيل إلى حرب مفتوحة إذا سُمح لإيران بإحراز تقدم نحو تطوير سلاح نووي».
وفي سبتمبر (أيلول)، قال قائد الجيش الجنرال أفيف كوخافي، إن جزءاً كبيراً من زيادة الميزانية العسكرية قد خُصص للتحضير لشن هجوم على إيران. وقبل أسابيع، قال ديفيد بارنيا، رئيس جهاز «الموساد»، إن إسرائيل سوف تبذل «كل ما يلزم» لمنع إيران من إنتاج قنبلة نووية. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، خلال زيارة إلى الولايات المتحدة، أنه أصدر الأوامر بالإعداد لهجوم عسكري محتمل على إيران.
وقال شافير إن إيران «لديها عشرات المواقع النووية؛ بعضها عميق تحت الأرض يصعب على القنابل الإسرائيلية اختراقها وتدميرها سريعاً». وأضاف شافير أن «القوات الجوية الإسرائيلية ليست لديها طائرات حربية كبيرة بما يكفى لحمل أحدث القنابل الخارقة للمخابئ». وقال مسؤول أمني رفيع المستوى إن إسرائيل لا تملك حالياً المقدرة على إلحاق أي أضرار كبيرة بمنشأتي «نطنز» و«فوردو» الواقعتين تحت الأرض.
ومن شأن هذه الجهود أن تتعقد بسبب نقص طائرات التزود بالوقود. وطلبت إسرائيل شراء 8 طائرات «كيه سي46» من شركة «بوينغ» بتكلفة قدرها 2.4 مليار دولار. لكن من غير المرجح حصول إسرائيل حتى على طائرة جديدة منها قبل أواخر عام 2024. وإلى جانب القدرة على ضرب الأهداف، سوف يكون لزاماً على إسرائيل في الوقت نفسه «صد» الطائرات المقاتلة وأنظمة الدفاع الجوي الإيرانية. ويقول تال إنبار، خبير الطيران والرئيس السابق لـ«معهد فيشر للدراسات الاستراتيجية الجوية والفضائية»: «من الممكن جداً للطائرات الإسرائيلية، عندما تحاول الهبوط مرة أخرى في إسرائيل، اكتشاف أن الصواريخ الإيرانية قد دمرت مدارجها». غير أن خبراء عسكريين آخرين يقولون إن إسرائيل «ما زالت قادرة على استئصال أهم عناصر الجهاز النووي الإيراني، حتى دون طائرات ومعدات حديثة». وقال عاموس يادلين، الجنرال السابق في سلاح الجو الإسرائيلي والمشارك أيضاً في غارة 1981: «لدينا معلومات استخبارية جيدة جداً عن إيران. يمكننا القيام بذلك».
ويرفض المسؤولون الإسرائيليون مناقشة «الخطوط الحمر» التي يجب على إيران أن تتخطاها لتبرير الضربة العسكرية. غير أن مسؤولاً كبيراً بوزارة الدفاع قال إنه إذا بدأت إيران في تخصيب اليورانيوم لدرجة النقاء 90 في المائة؛ أي الوقود المستخدم في صناعة الأسلحة النووية، فإن إسرائيل سوف تضطر إلى تكثيف عملياتها.
وتعمل إيران حالياً على تخصيب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة.
وقال مسؤولون إسرائيليون إنه «عندما نظرت إسرائيل في هذا الهجوم عام 2012، استغرقت التحضيرات له أكثر من 3 سنوات». وقال مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى إن «وتيرة التدريب على شن هجوم ضد إيران تباطأت منذ عام 2015، حيث ركزت المؤسسة الدفاعية على المواجهات مع الميليشيات في لبنان وسوريا وغزة».
يقول شافير: «يمكنك دائماً التحسين من قدراتك؛ بشراء مزيد من طائرات التزود بالوقود، والطائرات الأحدث، والحمولات الأكبر من الوقود. لكن حتى مع هذه التحسينات، ومع وجود القوة الجوية المتفوقة؛ فإن الضربات الجوية الإسرائيلية لن تقضي على البرنامج النووي الإيراني؛ بل إنه من المرجح لها إشعال النيران في المنطقة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحصار يضيّق الخناق على شريان النفط الإيراني

قارب يمر بجانب ناقلة نفط راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
قارب يمر بجانب ناقلة نفط راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

الحصار يضيّق الخناق على شريان النفط الإيراني

قارب يمر بجانب ناقلة نفط راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)
قارب يمر بجانب ناقلة نفط راسية في مضيق هرمز قبالة بندر عباس يوم 6 سبتمبر 2026 (أ.ب)

شهد مضيق هرمز، يوم الأحد، حادثين لإصابة سفينتين، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد الضغوط على صادرات النفط الإيرانية بفعل الحصار البحري الأميركي على موانئ إيران.

وقُتل شخص وأصيب ثلاثة آخرون في ضربة استهدفت سفينة تجارية إيرانية قرب جزيرة قشم في مضيق هرمز، في أحدث تطور يعكس تصاعد التوتر حول الممر المائي الحيوي. وأفادت السلطات الإيرانية بأن سفينة تجارية تعرضت للاستهداف نحو الساعة الخامسة صباحاً بالتوقيت المحلي، في المنطقة الواقعة بين جزيرة هنجام وساحل شيبدراز في جزيرة قشم. وقال محافظ قشم حسين أميرتيموري، وفق ما نقل عنه التلفزيون الرسمي ووكالة «تسنيم»، إن شخصاً قُتل وأصيب ثلاثة آخرون جراء الحادث.

ووصفت «تسنيم» المقذوف الذي أصاب السفينة بأنه «مجهول المصدر»، مشيرة إلى أن نوعه لم يتحدد بعد. وكانت تقارير قد أفادت بسماع انفجارات عدة خلال الليل في محيط قشم، أكبر جزر مضيق هرمز.

وبعد ساعات من هذا الحادث، قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إنها تلقت بلاغاً عن تعرض سفينة لمقذوف مجهول أثناء عبورها مضيق هرمز، مضيفة أن حريقاً اندلع على متنها عقب الهجوم، وأن السلطات المحلية وصلت إلى الموقع للمساعدة في إجلاء أفراد الطاقم.

ولم تحدد الهيئة موقع الحادث بدقة، كما لم يتضح على الفور حجم الأضرار أو الوضع النهائي لأفراد الطاقم أو الجهة المسؤولة عن الهجوم.

«هرمز» في قلب المواجهة

وتحول مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) إلى إحدى أبرز نقاط المواجهة بين طهران وواشنطن. وردت إيران على الهجمات بإغلاق المضيق وفرض قيود مشددة على حركة السفن، في حين فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية. وكانت هذه المنطقة تمر عبرها، قبل الحرب، نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.

وتشترط طهران على السفن الراغبة في عبور المضيق الحصول على تصريح منها، كما تطلب من السفن استخدام مسار حددته بمحاذاة الساحل الإيراني في شمال المضيق، في حين تدرس فرض رسوم على الخدمات المقدمة للسفن.

ومع استمرار القيود والهجمات، أصبح أمن الملاحة في «هرمز» عاملاً رئيسياً في تحديد قدرة إيران ودول الخليج على تصدير النفط، وسط تداعيات تتجاوز المنطقة إلى أسواق الطاقة العالمية.

تقرير «تانكر تراكرز»

سفن تعبر مضيق هرمز في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وتظهر أحدث بيانات تتبع حركة الناقلات أن تأثير الحصار لا يقتصر على حركة السفن، بل يمتد بصورة مباشرة إلى صادرات النفط الإيرانية؛ إذ قالت مؤسسة «تانكر تراكرز» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط إن مراجعة حركة الناقلات على مدى 60 يوماً حتى 12 سبتمبر (أيلول) أظهرت عدم عبور أي شحنة جديدة من النفط الخام الإيراني خط الحصار البحري الأميركي في المنطقة الفاصلة بين بحر عمان وبحر العرب.

وفي المقابل، واصلت ناقلات تحمل نفطاً من العراق والكويت والسعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان عبور المنطقة، بمتوسط بلغ نحو 7.85 مليون برميل يومياً خلال الفترة نفسها.

وفي بعض الأيام، ارتفعت الكميات بصورة كبيرة؛ إذ بلغت نحو 16.6 مليون برميل في 9 أغسطس (آب)، واقتربت من 14 مليون برميل في 25 أغسطس.

وقالت المؤسسة إن متوسط الحركة بلغ نحو خمس ناقلات يومياً تحمل النفط الخام من الدول العربية الست، في حين لم يعبر «حتى برميل واحد» من النفط الخام الإيراني الخط الذي تراقبه خلال فترة الستين يوماً.

وتتوافق هذه النتائج مع بيانات مؤسسات أخرى لتتبع الناقلات؛ إذ أفادت وكالة «رويترز» للأنباء في وقت سابق من سبتمبر، نقلاً عن بيانات «كبلر» و«فورتكسا» و«تانكر تراكرز»، بأن أي شحنة جديدة من النفط الخام الإيراني لم تتمكن منذ استئناف الحصار الأميركي في 14 يوليو (تموز) من عبور مضيق هرمز والتوجه إلى الصين.

النفط يعبر خط الحصار

في المقابل، لم يؤدِّ الحصار إلى وقف حركة صادرات النفط الخليجي، بل أظهرت بيانات «تانكر تراكرز» أن إجمالي النفط الذي عبر منطقة خط الحصار خلال الأيام السبعة الأخيرة تجاوز 10 ملايين برميل يومياً.

وتشير البيانات إلى أن جزءاً من هذه الصادرات، ولا سيما النفط العماني، لا يحتاج أصلاً إلى عبور مضيق هرمز للوصول إلى المياه المفتوحة.

كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أن القوات الأميركية غيّرت خلال الستين يوماً الماضية مسارات نحو 100 سفينة تجارية في إطار العملية البحرية المعروفة باسم «الجدار الفولاذي»، مؤكدة أن أياً من السفن لم يعبر منطقة الحصار من دون إذن القوات الأميركية.

وقال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت الأسبوع الماضي إن العمليات البحرية الأميركية ساعدت في استعادة حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى عبور أكثر من 9 ملايين برميل من النفط يومياً في المتوسط.

مخزونات إيران في الخارج تتآكل

منصة تجريف عائمة وسفن تجارية راسية وسط ضباب في مضيق هرمز (أ.ب)

وفي الوقت الذي تواجه فيه طهران صعوبة في إخراج شحنات جديدة من النفط، تتراجع الكميات الإيرانية التي كانت قد نُقلت إلى خارج الخليج العربي قبل بدء الحصار.

وأفاد تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، استناداً إلى بيانات شركة «كبلر»، بتراجع حاد في مخزونات النفط الإيراني الموجودة على متن ناقلات في مياه بعيدة عن منطقة الخليج.

وقالت «كبلر» إن إيران لا تزال تحمّل كميات محدودة من النفط على ناقلات داخل الخليج، لكنها تبقى خلف خط الحصار. وبلغ متوسط عمليات التحميل في أغسطس نحو 255 ألف برميل يومياً، بانخفاض نسبته 85 في المائة مقارنة بمتوسط الفترة بين فبراير وأبريل (نيسان).

في المقابل، لا تزال طهران تحصل على إيرادات من شحنات كانت قد غادرت المنطقة قبل استئناف الحصار وبقيت على متن ناقلات في مناطق بعيدة. وبحسب تقديرات «كبلر»، تراجعت هذه المخزونات من نحو 90 مليون برميل في منتصف يوليو إلى نحو 29 مليون برميل في أوائل سبتمبر.

وتشير التقديرات إلى تسليم نحو مليون برميل يومياً من هذه الكميات، معظمها إلى الصين. وإذا استمر هذا المعدل، فقد تنفد المخزونات المتاحة على الناقلات بحلول منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، في حين يمكن أن تستمر تسوية قيمة بعض الشحنات التي جرى تسليمها سابقاً حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول).

قدرة إيران على بيع النفط

وتأتي هذه التطورات في وقت قدم فيه مسؤولون إيرانيون روايات متباينة بشأن قدرة البلاد على مواصلة بيع النفط. وقال محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني أواخر أغسطس، إن إيران «لا تصدر نفطاً»، مشيراً إلى أن تراجع عائدات النفط والضرائب واشتراكات الضمان الاجتماعي بدأ ينعكس على قطاعات مختلفة من الاقتصاد.

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد قال قبل ذلك بأيام إن النفط الذي كانت بلاده تبيعه في السابق «لا نستطيع بيعه الآن». لكن وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد، قدم رواية مختلفة، مؤكداً أن «بيع النفط لم يتوقف»، وأن عمليات تسليم النفط إلى العملاء في المياه البعيدة لا تزال مستمرة، وإن كانت الصادرات قد تراجعت.

وقال الوزير الأسبوع الماضي إن بيع النفط وتسليمه للعملاء يجري على مسافات تبعد آلاف الكيلومترات عن الخليج وبحر عُمان، من دون الكشف عن حجم هذه المبيعات.

وتظل الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وكانت طهران تعتمد قبل الحرب والحصار على شبكة من الناقلات المعروفة باسم «أسطول الظل»، إضافة إلى أساليب مختلفة لإخفاء منشأ الشحنات، لتصدير كميات كبيرة من النفط إلى مصافي التكرير الخاصة في الصين.

حصار يضرب مسار التصدير

أرشيفية لحاملة طائرات أميركية وسرب من المقاتلات في منطقة الخليج (أ.ف.ب)

ويكمن الاختلاف الأساسي بين الحصار البحري الحالي والعقوبات النفطية الأميركية التي واجهتها إيران لسنوات، في أن العقوبات السابقة استهدفت بدرجة كبيرة قدرة طهران على بيع النفط، في حين يستهدف الحصار الحالي الطريق الذي تسلكه الشحنات للخروج من المنطقة. فخلال سنوات العقوبات تمكنت إيران من مواصلة تصدير كميات من النفط عبر شبكات معقدة للالتفاف على القيود، وإخفاء مصدر الشحنات واستخدام أسطول من الناقلات لتأمين وصولها إلى المشترين. أما في الوضع الراهن، فقد أصبحت المشكلة أكثر مباشرة؛ فحتى إذا تمكنت طهران من العثور على مشترين، فإن إخراج الشحنات الجديدة من منطقة الخليج وبحر عمان أصبح أكثر صعوبة بسبب الحصار البحري.

ومع استمرار تراجع المخزونات الإيرانية الموجودة خارج المنطقة، تتزايد الضغوط على قطاع النفط، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة والإيرادات للحكومة الإيرانية، في وقت يبقى فيه مضيق هرمز نقطة مواجهة مفتوحة بين طهران وواشنطن، ومصدراً مستمراً للقلق بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية.


«فيلا أوجلان» ودوره في «السلام» يفجران الجدل في تركيا

مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 15 مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم  حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)
مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 15 مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)
TT

«فيلا أوجلان» ودوره في «السلام» يفجران الجدل في تركيا

مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 15 مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم  حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)
مسيرة نظمها حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا في 15 مايو الماضي للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان (رويترز)

تفجَّر جدل جديد في تركيا حول تخصيص «فيلا» لزعيم حزب «العمال الكردستاني»، عبد الله أوجلان، بجزيرة إيمرالي حيث يقع سجنه، إضافة إلى مطالبته بوضع رسمي في «عملية السلام» القائمة على حل الحزب ونزع أسلحته. وبعد ادعاءات سابقة بشأن إقامة مجمَّع خاص داخل الجزيرة الواقعة في جنوب بحر مرمرة، غرب البلاد، على بُعد نحو 50 كيلومتراً من إسطنبول، يتضمن منزلاً ومكتباً، ما يتيح لأوجلان العمل بحرية ولقاء السياسيين والصحافيين في إطار دوره في «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي»، التي تسميها الحكومة «عملية تركيا خالية من الإرهاب»، جاء تأكيد من جانب رئيس حزب «الحركة القومية»، الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، بشأن «إنشاء مبنى يوفر لأوجلان ظروفاً معيشية كريمة».

منزل وشرط أساسي

حدَّد بهشلي، في مقابلة مع الصحافية ناجيهان التشي من موقع «تي 24» الإخباري التركي، مواصفات المبنى، قائلاً إنه «منزل بحديقة أمامية، يوفر ظروفاً معيشية كريمة ووسائل راحة منزلية، يستطيع العيش فيه بطريقة تتناسب مع نمط الحياة الطبيعي».

بهشلي خلال استقباله الصحافية ناجيهان ألتشي في مكتبه بمقر حزب «الحركة القومية» (من حسابها في «إكس»)

وأعطت التشي مزيداً من التفاصيل عن المنزل، الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام التركية «فيلا»، قائلة إن «المنزل الذي ذكره السيد بهشلي هو مبنى داخل سجن إيمرالي لا يزال قيد الإنشاء، مع حديقة أمامية داخل منطقة محاطة بسور، جزء منها مخصَّص منطقةً خضراءَ للزراعة، وجزء آخر يتم تجهيزه ربما لممارسة الرياضة، ويتكون المبنى من طابقين؛ طابق سفلي مصمم كمساحة عمل وغرفة اجتماعات ومكتب. أما الطابق العلوي فهو مصمَّم كمنطقة معيشة».

وأكد بهشلي أن أوجلان لا يريد الانتقال إلى هذا المنزل «لأنه يريد مكانة اجتماعية أولاً»، مضيفاً أن أوجلان ينتظر تشكيل «لجنة نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي» المنبثقة عن مجلس الرصد والمتابعة والتنسيق برئاسة نائب رئيس الجمهورية، جودت يلماظ، الذي عقد أول اجتماعاته في 24 أغسطس (آب) الماضي؛ فهو يريد مكانة، ويريد الذهاب إلى منزله بعد أن يرى تطبيق «القانون الإطاري» (قانون تعزيز التضامن الوطني والاندماج الاجتماعي الذي أقره البرلمان التركي في 10 أغسطس)، وبدء عمل اللجان.

صورة نشرها النائب عمر أوجلان نجل شقيق عبد الله أوجلان عبر حسابه في «إكس» في أغسطس الماضي لزيارة عائلية له بسجن إيمرالي

ويستمر العمل للانتهاء من تشكيل 4 لجان قرر المجلس إنشاءها، هي «التنسيق القضائي والقانوني»، و«المتابعة والرصد»، و«التوافق والاندماج الاجتماعي»، و«نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي»، وتحديد آليات عملها خلال شهر سبتمبر (أيلول) الحالي، تمهيداً لبدء أعمالها مع بدء الدورة الجديدة للبرلمان في أول أكتوبر (تشرين الأول)، حيث سيتم إنشاء لجنة برلمانية للمراقبة.

خلافات في «تحالف الشعب»

واستبعدت مصادر في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم منح أوجلان أي صفة رسمية أو عضوية مباشرة في أي من هذه اللجان، لافتة إلى أنه قد يُساهم في عمل لجنة «نزع السلاح والتنسيق الاستراتيجي»، نظراً لدوره المهم في مرحلة نزع السلاح، وذلك بعد مطالبات متكررة من الجانب الكردي، ورئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي، بإعطائه دور المنسق العام لـ«عملية السلام والتسييس». ولم يصدر أي تعليق من جانب الحكومة على تصريحات بهشلي حول منزل أوجلان وشرطه، لكن النائب السابق عن حزب «العدالة والتنمية» في إسطنبول، الصحافي شامل طيار، أكد أن أوجلان يُصرّ على طلبه بشأن تحديد وضعه أولاً، لكن الرئيس رجب طيب إردوغان لا يرغب في اتخاذ أي خطوة في هذا الاتجاه قبل إتمام عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» تماماً.

إردوغان وبهشلي بحثا تطورات مسار «تركيا خالية من الإرهاب» أو «عملية السلام» في 6 أغسطس الماضي غداة تقديم «القانون الإطاري » للبرلمان (الرئاسة التركية)

وتحدثت تقارير عن وجود خلافات داخل «تحالف الشعب» الحاكم بشأن وضع أوجلان، في ظل إصرار بهشلي على هذه المسألة. وقال رئيس المجموعة البرلمانية لحزب «العدالة والتنمية»، عبد الله غولر: «في المستقبل، يمكن بسهولة تنظيم زيارات الأكاديميين والصحافيين إلى إيمرالي، وفقاً للوائح الإدارية». وسيزور وفد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المعروف إعلامياً باسم «وفد إيمرالي»، الذي يضم نائبي الحزب، بيروين بولدان ومدحت سانجار، والمحامي من شركة «عصرين»، فائق أوزغور إيرول، أوجلان في سجن إيمرالي، الاثنين، لبحث التطورات المتعلقة بعملية السلام وتطبيق القانون الإطاري.

الأتراك لا يثقون بـ«الكردستاني»

وعلَّق الصحافي التركي المتخصص في شؤون القضية الكردية، ألب أرسلان أوزدمير، على تصريحات بهشلي بشأن منزل أوجلان ومطالبته بتحديد دوره، قائلاً إنه إذا صح ذلك فمعناه أننا «نواجه مشكلة خطيرة في مسيرة السلام بتركيا»، لأنه على الرغم من أن نزع سلاح حزب «العمال الكردستاني» لم يكتمل بعد، ولم يتم التحقق منه بشكل يضمن ثقة الرأي العام، فإن اشتراط زعيمه المؤسس تحديد وضعه الشخصي لإتمام هذه العملية يُخالف منطق السلام؛ إذ لا يجوز استخدام الوضع السياسي كورقة ضغط في مفاوضات نزع الأسلحة، ولم تشهد التجارب العالمية المماثلة سوابق لمثل هذا الأمر. وأوضح أنه إذا لم تكن المسألة تقتصر على تحسين الظروف المعيشية في إيمرالي، وإذا كان يُناقش وضع سياسي أو مؤسسي بالفعل، فيجب توضيح ذلك للجمهور، لأن هناك حالة من عدم الثقة تجاه التزام «العمال الكردستاني» بنزع السلاح.

مسلحون من «العمال الكردستاني» خلال مراسم رمزية لإحراق الأسلحة أُقيمت عند سفح جبل قنديل بمحافظة السليمانية في شمال العراق في 11 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

وبحسب استطلاع لشركة «متروبول»، أُجري في أغسطس الماضي، قال 25.8 في المائة فقط من المشاركين إنهم يُصدّقون التزام «العمال الكردستاني» بإلقاء السلاح، مقابل 69.5 في المائة لا يُصدّقون ذلك.

وعدَّ أوزدمير، في مقال الأحد، أنه في مثل هذه البيئة، فإن الاعتقاد بأن «أوجلان يسعى إلى مكانة، ولن يتخذ أي خطوات قبل تحديد مكانته»، بحسب ما صرح به بهشلي، قد يُلحق ضرراً بالغاً بالثقة المجتمعية الهشة أصلاً، لأن ذلك لن يكون مكافأة للسلام، بل مكافأة للسلاح، موضحاً أنه لا يمكن مناقشة موقف أوجلان المستقبلي إلا في الإطار العام للسلام، ودون إخفاء ذلك عن الرأي العام، وإلا، فستكون الرسالة الموجهة للشعب التركي بالغة الخطورة، وهي أنه «كلما طال احتفاظكم بالسلاح، ارتفع مستوى تفاوضكم السياسي».


طهران تعلن مقتل شخص بهجوم على سفينة تجارية... وبزشكيان: إيران لن تستسلم أبداً

سفن تعبر مضيق «هرمز» في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق «هرمز» في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

طهران تعلن مقتل شخص بهجوم على سفينة تجارية... وبزشكيان: إيران لن تستسلم أبداً

سفن تعبر مضيق «هرمز» في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
سفن تعبر مضيق «هرمز» في 7 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

أكد الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، صباح اليوم (الأحد)، صمود الشعب الإيراني ورفضه سياسات القوة والترهيب، مشدداً على أن إيران لن تستسلم، في وقت أفادت وسائل إعلام رسمية بمقتل شخص في هجوم استهدف سفينة تجارية قبالة جزيرة قشم بمضيق هرمز.

وقال بزشكيان عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»: «إذا كان الأميركيون مقاتلين فليواجهوا قواتنا المسلحة الباسلة»، حسبما ذكرت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إرنا).

وتساءل بزشكيان عن مبررات استهداف البنية التحتية المدنية والموارد الغذائية وسبل عيش المواطنين، مستنكراً استهداف الاحتياجات الأساسية.

وأضاف بزشكيان: «في حال تجرَّدوا من القيم الإنسانية، فما الدوافع وراء حرمان الشعوب من الحصول على الماء والغذاء والدواء؟».

واختتم بزشكيان تصريحاته بالتأكيد على أن الشعب الإيراني لن ينكسر أمام ضغوط القوة أو التهديد، مجدداً عبارته: «إيران لن تستسلم أبداً».

يأتي هذا في الوقت الذي أفادت فيه السلطات الإيرانية بمقتل شخص في ضربة استهدفت سفينة تجارية إيرانية اليوم في مضيق «هرمز»، في ظلِّ مواجهات بين إيران والولايات المتحدة حول هذا الممر الاستراتيجي.

ونقل التلفزيون الرسمي، ووكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محافظ جزيرة قشم، حسين أميرتيموري، قوله الأحد: «إن سفينة تجارية إيرانية تعرَّضت للاستهداف نحو الساعة الخامسة من صباح اليوم (01:30 ت غ)، في نطاق جزيرة هنجام وساحل شيبدراز في جزيرة قشم».

وأضاف أن هذا الحادث أسفر عن مقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأُفيد بانفجارات عدة خلال الليل في محيط قشم، وهي أكبر جزيرة في مضيق «هرمز».

ووصفت «تسنيم» المقذوف الذي hصاب السفينة بأنه «مجهول المصدر»، مشيرة إلى أن نوعه «لم يُحدَّد بعد».

وأفيد عن انفجارات عدة خلال الليل في محيط قشم، وهي أكبر جزيرة في مضيق هرمز.

وتحوّل مضيق هرمز الى نقطة التجاذب الرئيسية بين طهران وواشنطن منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إيران على الهجمات الأميركية الاسرائيلية بإغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو 20 % من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، ما حمل الولايات المتحدة على فرض حصار على الموانئ الإيرانية.

وتشترط إيران على السفن الحصول على تصريح منها لعبور الممر المائي الحيوي وتلزمها بسلوك مسار حددته بمحاذاة سواحلها في شمال المضيق، وهي تدرس آلية لفرض رسوم خدمة.

وتستهدف طهران السفن المخالفة بانتظام، في حين تقصف القوات الأميركية السواحل الإيرانية بشكل متقطع.