دعوة أممية لتطعيم 40٪ من سكان العالم قبل نهاية العام

«مجموعة السبع»: «أوميكرون» أكبر خطر راهن على الصحة العامة

مركز تطعيم في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)
مركز تطعيم في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)
TT

دعوة أممية لتطعيم 40٪ من سكان العالم قبل نهاية العام

مركز تطعيم في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)
مركز تطعيم في سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك (إ.ب.أ)

حضّ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، دول العالم على إحراز «تقدم ملموس» في الهدف الذي أعلنته منظمة الصحة العالمية لتطعيم 40 في المائة من سكان العالم ضد فيروس «كورونا» قبل نهاية العام الجاري، على الرغم من أن اللقاحات وحدها لن تقضي على الجائحة الراهنة.
وكان الأمين العام للمنظمة الدولية يتحدث من منزله بسبب تعرض أفراد من فريق عمله لـ«كوفيد 19»، فقال للصحافيين عبر الفيديو إن «عدم المساواة في اللقاحات يعطي المتحورات جوازاً للانتشار على غاربها». وإذ اعتبر أن ما يسمى «استراتيجية تخزين اللقاحات أو استراتيجية قومية اللقاحات أو استراتيجية دبلوماسية اللقاحات أخفقت»، أضاف أن «المتحور الجديد (أوميكرون) أظهر هذا الفشل».
وبعدما تعرض لأشخاص مصابين بالفيروس في مطلع الأسبوع الجاري، خضع غوتيريش لفحص «كورونا» وجاءت النتيجة سلبية. لكنه أبقى نفسه في عزلة منزلية حتى نهاية غد (الأحد)، موعد سفره إلى لبنان، في زيارة تضامنية مع الشعب اللبناني، «الذي عانى لفترة طويلة». وقال غوتيريش، في مؤتمره الصحافي لنهاية العام: «إننا نقترب من نهاية عام صعب اشتدت فيه الجائحة واستمر عدم المساواة في الارتفاع»، مشيراً إلى «تنامي العبء على البلدان النامية بصورة أثقل - مع تناقص الموارد اللازمة للتعافي، وارتفاع التضخم وتزايد الديون». وأوضح أننا «لا نزال بعيدين عن المسار الصحيح فيما يتعلق بمعالجة أزمة المناخ التي تشكل عاملاً آخر يضخم الظلم وعدم المساواة على الصعيد العالمي».
وذكّر بأن «اللقاحات تجنّب الناس دخول المستشفيات والموت بالنسبة للغالبية التي تتلقاها وتبطئ انتشار الفيروس، لكن انتقال الفيروس لا يظهر أي علامة على التوقف»، معتبراً أن «هذا ناتج عن عدم المساواة في اللقاحات والتردد والرضا عن الذات». وإذ أكد أن الأمم المتحدة حشدت كامل جهودها من أجل الاستجابة لجائحة «كوفيد 19» والتعافي من آثارها، لفت إلى أن منظمة الصحة العالمية أعلنت «استراتيجية لتطعيم 40 في المائة من الناس في جميع البلدان بحلول نهاية العام، و70 في المائة بحلول منتصف العام المقبل». وقال إن «تلك الاستراتيجية تتطلب الالتزام الكامل من الدول الأعضاء - خاصة تلك التي لديها قدرات إنتاج لقاحات أو إمدادات كبيرة». ولكن بعد أيام فقط من الموعد النهائي لهدف 40 في المائة، لم تتمكن 98 دولة من تحقيق هذا الهدف. وأضاف الأمين العام: «لم تتمكن 40 دولة، حتى الآن، من تطعيم 10 في المائة من سكانها. وجرى تطعيم أقل من 4 في المائة من السكان بشكل كامل في البلدان منخفضة الدخل. ومعدلات التطعيم في الدول ذات الدخل المرتفع أعلى ثماني مرات منها في دول أفريقيا». وحذر من أنه وفقاً للمعدلات الحالية فإن «أفريقيا لن تحقق عتبة 70 في المائة حتى أغسطس (آب) 2024». وأكد أنه «لا يمكننا هزيمة الجائحة بطريقة غير منسقة». وحضّ كل البلدان على اتخاذ «إجراءات ملموسة في الأيام المقبلة لإحراز تقدم أكبر لتحقيق هدف منظمة الصحة العالمية البالغ 40 في المائة، وأن تكون أكثر طموحاً في جهودها للوصول إلى 70 في المائة من الناس في كل البلدان بحلول منتصف عام 2022».
ولاحظ أن الاقتصادات المتقدمة حشدت نحو 28 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي في الانتعاش الاقتصادي، قائلاً إنه «بالنسبة للبلدان متوسطة الدخل، يبلغ هذا الرقم 6.5 في المائة. أما البلدان الأقل نمواً فتبلغ النسبة المخصصة للتعافي بها 1.8 في المائة فقط». وحذر من أن تخلف البلدان ذات الدخل المنخفض - التي تتحمل بالفعل تكاليف اقتراض أعلى بكثير - عن سداد الديون سيصبح أمراً حتمياً. وذكّر بأن النظام المالي العالمي يسمح لوكالات التصنيف الائتماني بتقويض صدقية البلدان النامية التي تتمتع بآفاق نمو جيدة وحاجات تنموية حيوية، مشيراً إلى أن المؤسسات المالية الدولية وحدها لا تملك القدرات الكافية.
من جهة أخرى، حذر وزراء الصحة في دول مجموعة السبع، مساء الخميس، من أن المتحور «أوميكرون» لفيروس «كورونا» هو «أكبر خطر راهن على الصحة العامة في العالم»، مؤكدين أن التصدي لهذا التهديد يتطلب «تعاوناً وثيقاً». وقال وزراء الصحة في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا وكندا وألمانيا وإيطاليا واليابان، في بيان صدر في أعقاب آخر اجتماع يعقدونه في ظل الرئاسة البريطانية للمجموعة، إنهم «قلقون للغاية إزاء ازدياد أعداد الإصابات» بالمتحور الجديد. وأضاف البيان أن «المفتاح» لمواجهة «وضع يتطور بسرعة كبيرة» يكمن في «تعاون وثيق أكثر من أي وقت مضى» وكذلك أيضاً في «مراقبة البيانات وتبادلها».
وكرر وزراء الصحة في الدول الصناعية السبع الكبرى «التزامهم بمكافحة الجائحة الحالية وبناء الدفاعات من أجل المستقبل». وإذ أكد الوزراء، في بيانهم، أن «العمل معاً هو أمر حاسم لمواجهة موجة (أوميكرون) التي تتفشى بسرعة كبيرة»، شددوا على أهمية «الوصول العادل إلى التشخيص وتسلسل الجينوم» وكذلك أيضاً إلى اللقاحات والعلاجات. وفيما يتعلق باللقاحات، شدد الوزراء على أهمية «حملات التحصين بالجرعات المعززة» وكذلك على ضرورة أن تترافق هذه الحملات مع «فحوصات منتظمة» وإجراءات «غير صيدلانية».
وأظهر إحصاء لوكالة «رويترز» للأنباء أن أكثر من 271.93 مليون نسمة أُصيبوا بفيروس كورونا على مستوى العالم، في حين وصل إجمالي عدد الوفيات الناتجة عن الفيروس إلى خمسة ملايين و628444، وتم تسجيل إصابات بالفيروس في أكثر من 210 دول ومناطق منذ اكتشاف أولى حالات الإصابة في الصين في ديسمبر (كانون الأول) 2019.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟