واشنطن تتهم طهران بإيواء قادة «القاعدة» و«داعش»... و«حزب الله» شريكها الأخطر

غودفري لـ «الشرق الأوسط» : السعودية شريك قوي وقادر للغاية وهي تواجه تهديدات الإرهابيين والحوثيين

صورة أرشيفية لاستعراض عسكري لـ {حزب الله} (أ.ب)... وفي الإطار جون غودفري منسق مكافحة الإرهاب (الخارجية الأميركية)
صورة أرشيفية لاستعراض عسكري لـ {حزب الله} (أ.ب)... وفي الإطار جون غودفري منسق مكافحة الإرهاب (الخارجية الأميركية)
TT

واشنطن تتهم طهران بإيواء قادة «القاعدة» و«داعش»... و«حزب الله» شريكها الأخطر

صورة أرشيفية لاستعراض عسكري لـ {حزب الله} (أ.ب)... وفي الإطار جون غودفري منسق مكافحة الإرهاب (الخارجية الأميركية)
صورة أرشيفية لاستعراض عسكري لـ {حزب الله} (أ.ب)... وفي الإطار جون غودفري منسق مكافحة الإرهاب (الخارجية الأميركية)

وصفت الولايات المتحدة، في أحدث تقرير سنوي لها حول الجهود لمكافحة الإرهاب عبر الدول، تنظيم «القاعدة» بأنه لا يزال «أكثر الجماعات الإرهابية نشاطاً وخطورة» في العالم، بعد «المكاسب» التي حققها التحالف الدولي لهزيمة «داعش».
واتهمت واشنطن، إيران بأنها تأوي زعماء من التنظيمين على أراضيها، مؤكدة أن «حزب الله لا يزال أخطر شريك إرهابي» لها. وفي المقابل، أشادت بالجهود الواسعة التي تقوم بها المملكة العربية السعودية باعتبارها «شريكاً قوياً وقادراً للغاية» في مكافحة الإرهاب، وهي «تواجه تهديداً» من «القاعدة» و«داعش» بالإضافة إلى ميليشيات الحوثي.
وأوضح التقرير الذي تأخر نشره بسبب ظروف جائحة «كوفيد 19» أنه رغم أن الولايات المتحدة وشركاءها اتخذوا عام 2010 «خطوات كبيرة» ضد المنظمات الإرهابية «صار التهديد الإرهابي أكثر انتشاراً جغرافياً» حول العالم، ما دفع إلى توسيع التحالف الدولي لهزيمة «داعش» الذي يضم الآن 83 دولة، «معززاً المكاسب» في العراق وسوريا، بالإضافة إلى توسيع الجهود لمواجهة التهديد المتنامي لـ«داعش» في غربي أفريقيا والساحل. ونبه إلى أن «القاعدة عززت وجودها في الخارج، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث لا يزال تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وحركة الشباب في القرن الأفريقي، وجماعة نصر الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل من بين أكثر الجماعات الإرهابية نشاطاً وخطورة في العالم».

إيران و«حزب الله»
وإذ أشار التقرير، الذي يشمل عمليات مكافحة الإرهاب في كل دول العالم، إلى أن واشنطن فرضت عقوبات على الجماعات المدعومة من إيران، مثل «عصائب أهل الحق» في العراق و«سرايا المختار» في البحرين، لفت إلى أن تسع دول في نصف الكرة الغربي وأوروبا اتخذت «خطوات مهمة» عام 2020 لتصنيف «حزب الله» كجماعة إرهابية أو حظره أو تقييده، على غرار أربع حكومات أخرى اتخذت إجراءات مماثلة في العام السابق. وقال: «واصلت إيران دعم الأعمال الإرهابية إقليمياً وعالمياً خلال عام 2020»، وهي «دعمت وكلاء ومجموعات شريكة في البحرين والعراق ولبنان وسوريا واليمن، بما في ذلك حزب الله وحماس». بينما واصل «كبار قادة القاعدة الإقامة في إيران وتسهيل العمليات الإرهابية من هناك». أما على الصعيد العالمي، فظل «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري من «الفاعلين الإيرانيين الأساسيين المتورطين في دعم تجنيد الإرهابيين وتمويلهم ومؤامراتهم عبر أوروبا وأفريقيا وآسيا والأميركيتين».
وذكّر بأن واشنطن تصنف إيران دولة راعية للإرهاب منذ عام 1984، وأفاد بأن نشاطها المرتبط بالإرهاب تواصل عام 2020 «بما في ذلك دعم حزب الله والجماعات الإرهابية الفلسطينية في غزة والعديد من الجماعات الإرهابية والمقاتلة في العراق وسوريا وأماكن أخرى في كل أنحاء الشرق الأوسط»، علماً بأنها استخدمت «فيلق القدس» لـ«تقديم الدعم للمنظمات الإرهابية، وتوفير غطاء للعمليات السرية المرتبطة بها، وخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة». أضاف أن طهران «أقرت بتورط الحرس الثوري الإيراني - فيلق القدس في العراق وسوريا».
ولاحظ أن «مجموعات إرهابية عدة، أبرزها حزب الله، واصلت العمل في لبنان وسوريا»، معتبراً أن «حزب الله لا يزال أخطر شريك إرهابي لإيران وأقوى منظمة إرهابية في لبنان». وأشار إلى أن «الدعم المالي الإيراني السنوي لحزب الله، الذي قُدر في السنوات الأخيرة بمئات الملايين من الدولارات، يمثل معظم الميزانية السنوية للحزب».
وأورد التقرير أن المسؤولين في السعودية «واصلوا العمل عن كثب» مع نظرائهم الأميركيين بغية نشر «استراتيجية شاملة ومجهزة بموارد جيدة لمكافحة الإرهاب»، بما في ذلك عبر «التعاون إقليمياً ودولياً وإجراءات لمكافحة التطرف الإرهابي». وأقر بأن عناصر الحوثي في اليمن «يشكلون أكبر تهديد أمني للسعودية» إذ إن وتيرة هجماتهم ازدادت على مدار العام لتشمل هجمات بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات من دون طيار والسفن المسيرة، مضيفاً أن العمليات السعودية في اليمن «تضمنت مهمات مكافحة الإرهاب ضد القاعدة في شبه الجزيرة العربية وداعش في اليمن».
كذلك أكد أن السعودية «كانت شريكاً كاملاً ومشاركاً نشطاً في التحالف الدولي لهزيمة داعش وقدمت دعماً تشغيلياً ولوجيستياً كبيراً لنشاطات هزيمة داعش في سوريا والعراق»، علما بأن المملكة «تعرضت للعديد من الهجمات عبر الحدود في عام 2020، بما في ذلك هجمات الحوثيين شبه الأسبوعية ضد أهداف في جنوب وغرب المملكة العربية السعودية باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات بدون طيار والسفن المسيرة والألغام العائم»، فضلاً عن «هجمات صغيرة نفذها متعاطفون مع تنظيم داعش».
وأفاد التقرير أيضاً بأن رئاسة أمن الدولة والمباحث العامة السعودية التابعة لها أجرت تحقيقات متعلقة بالإرهاب عام 2020، وتمكنت من اعتقال «محمد بن حسين علي العمار، أحد أبرز الأهداف الإرهابية في اليمن». وأكد أن المملكة «ملتزمة تأمين حدودها وحرمان الإرهابيين من الملاذ الآمن». وهي فرضت بالتعاون مع دول أخرى عقوبات على ستة أفراد وكيانات مرتبطة بشبكات دعم الإرهاب التابعة لـ«داعش» في المنطقة. ولاحظ أن «جهود مكافحة التطرف العنيف توسعت في ظل جهود إصلاح رؤية 2030 السعودية».

غودفري: السعودية شريك قوي
القائم بأعمال منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية جون غودفري قال لـ«الشرق الأوسط» إن المملكة العربية السعودية «شريك قوي ونشط وقادر للغاية» للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، موضحاً أن هذه الجهود متواصلة منذ سنوات «في سياق التحالف العالمي لهزيمة داعش» و«المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب»، مذكّراً بأن المملكة نفسها «واجهت تهديدات خاصة في السنوات الأخيرة من الحوثيين في اليمن» علماً بأن «هذه الجماعة تحظى بقدر كبير من الدعم من إيران». وأضاف أن السعودية «تواجه تهديداً» من «القاعدة» و«داعش»، وهي «لعبت دوراً إيجابياً في الجهود المتعلقة بالعراق، بما في ذلك محاولة تشكيل حكومة جديدة في العراق تعكس إرادة الشعب العراقي».
* الجهود عبر مجلس الأمن
ويعرض التقرير أيضاً لجهود مكافحة الإرهاب العالمي، بما في ذلك عبر لجنة العقوبات 1267 التابعة لمجلس الأمن لتصنيف المنتسبين لـ«داعش» في غرب أفريقيا والصحراء الكبرى وليبيا واليمن وإندونيسيا وزعيم حركة «طالبان - باكستان» زعيم نور والي محسود. ولفت إلى «المشاركة الدبلوماسية رفيعة المستوى لمواجهة حزب الله عبر أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية وأوروبا» بالإضافة إلى «الدور الرئيسي» للولايات المتحدة «في إعادة مقاتلي داعش الإرهابيين الأجانب وأفراد أسرهم إلى أوطانهم وإعادة تأهيلهم وإعادة دمجهم ومحاكمتهم». وأشار إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) اعتقلت نحو ألفي مقاتل غير سوري وغير عراقي لا يزالون في سوريا، بالإضافة إلى نحو خمسة آلاف مقاتل سوري وألفي عراقي محتجزين لديها.

التطرف العنيف للبيض
وكرس التقرير للمرة الأولى حيزاً واسعاً لـ«التطرف العنيف المدفوع عرقياً أو اثنياً» المعني خصوصاً بالجماعات التي تروج لتفوق العرق الأبيض، مؤكداً أن هذا التهديد «يستمر في التوسع بسرعة، بما في ذلك الروابط العابرة للحدود الوطنية»، مشيراً إلى أن لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن في الأمم المتحدة أفادت بأن هناك «زيادة بنسبة 320 في المائة» في «الإرهاب اليميني المتطرف» على مستوى العالم في السنوات الخمس التي سبقت عام 2020، وكشف أن ممثلي هذه الجماعات في الولايات المتحدة «سافروا إلى الخارج للانخراط شخصياً مع ممثلين أجانب في التطرف العنيف المدفوع عرقياً أو اثنياً». ووصف وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن التقرير بأنه «يقدم نظرة مفصلة» على بيئة مكافحة الإرهاب خلال العام الماضي ويساعد واشنطن على اتخاذ «قرارات مستنيرة حول السياسات والبرامج وتخصيص الموارد» في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لـ«بناء القدرة» على مكافحة الإرهاب في كل أنحاء العالم.
وقال بلينكن إن الإنجازات في عام 2020 شملت «توسيع نطاق تركيز التحالف العالمي لهزيمة داعش إلى مناطق جديدة مثيرة للقلق» بالإضافة إلى «أول تصنيف إرهابي لمجموعة متطرفة عنيفة بدوافع عنصرية أو عرقية» وخصوصاً تلك التي تروج لتفوق العرق الأبيض، فضلاً عن «العدد المتزايد من الدول التي تصنف حزب الله بكليته منظمة إرهابية».



البيت الأبيض: الولايات المتحدة تستطيع «السيطرة» على جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت

صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)
صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: الولايات المتحدة تستطيع «السيطرة» على جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت

صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)
صورة بالأقمار الصناعية لجزيرة خرج الإيرانية (إ.ب.أ)

قال البيت الأبيض، الجمعة، إن الولايات المتحدة قادرة على «تدمير» جزيرة خرج الإيرانية متى شاءت، وذلك عقب تقرير أفاد بأن إدارة دونالد ترمب تدرس خططاً لاحتلال الجزيرة النفطية أو فرض حصار عليها.

وتعليقاً على تقرير لموقع «أكسيوس»، قالت نائبة المتحدثة الصحافية باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: «يمكن للجيش الأميركي السيطرة على جزيرة خرج في أي وقت إذا أصدر الرئيس الأمر بذلك».

وأضافت «بفضل عملية تخطيط دقيقة، كانت الإدارة الأميركية بأكملها، وما زالت، على أهبة الاستعداد لأي إجراء قد يتخذه النظام الإيراني الإرهابي... الرئيس ترمب كان على دراية تامة بأن إيران ستسعى إلى عرقلة حرية الملاحة وإمدادات الطاقة، وقد اتخذ بالفعل إجراءات لتدمير أكثر من 40 سفينة لزرع الألغام».


قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
TT

قاليباف… جنرال «الحرس» البارع في فن إعادة التموضع

قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)
قاليباف على هامش مشاركته في مراسم حكومية (أرشيفية-موقع البرلمان)

من بين رجال المرشد الإيراني الذين عبروا الحرب، والأمن، والسياسة، والاقتصاد، يبرز رئيس البرلمان، والقيادي في «الحرس الثوري» محمد باقر قاليباف بوصفه واحداً من أكثر الشخصيات تعبيراً عن طبيعة نظام الحكم نفسه: نظام يكافئ الولاء، ويستثمر في رجال الميدان، ويمنح الناجين من معارك الداخل والخارج فرصاً متكررة لإعادة التموضع.

وعلى امتداد أربعة عقود، انتقل قاليباف من خنادق الحرب إلى قمرة القيادة، ومن قيادة الشرطة إلى بلدية طهران، ثم إلى رئاسة البرلمان، من دون أن ينجح في تحقيق طموحه الأكبر: الجلوس في قصر الرئاسة.

لكن فشل قاليباف في بلوغ المنصب الأول تنفيذياً لا يعني أنه خسر معركة النفوذ. على العكس، فإن مسيرته تكشف عن نموذج سياسي خاص داخل إيران: رجل دولة أمني الطابع، شديد الصلة بـ«الحرس الثوري»، قادر على تقديم نفسه تارةً بصفة الجنرال الحازم، وتارةً بصفة المدير التنفيذي، وتارةً ثالثة بصفة السياسي البراغماتي القريب من هموم الفئات البائسة. وبين هذه الوجوه المتعاقبة، بقي عنصر واحد ثابتاً: حرصه على البقاء داخل الدائرة الصلبة للنظام، لا على هامشها.

ابن مشهد الذي صعد مع جيل الحرب

ولد قاليباف عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، المدينة التي خرج منها عدد كبير من رجال الدولة والأمن في الجمهورية الإسلامية. وكان انتماؤه الجغرافي إلى خراسان مهماً في بيئة سياسية تقوم، إلى جانب الآيديولوجيا، على الشبكات الشخصية، والروابط المحلية. فمشهد لم تكن مجرد مدينة دينية كبرى، بل كانت أيضاً خزاناً بشرياً لنخب النظام، وفيها تتقاطع المؤسسة الدينية مع دوائر الأمن و«الحرس الثوري».

دخل قاليباف الحياة العامة من بوابة الحرب العراقية-الإيرانية. مثل كثيرين من أبناء جيله، صاغت الحرب شخصيته السياسية، والأمنية، ومنحته رأسمال رمزياً ظل يرافقه في كل المناصب اللاحقة. انخرط أولاً في «الباسيج»، ثم في «الحرس الثوري»، وصعد بسرعة لافتة داخل التشكيلات القتالية، حتى بات من أصغر القادة سناً في سنوات الحرب. وتولى مسؤوليات في وحدات بارزة، مثل «نصر خراسان»، ونسج في تلك المرحلة علاقات مع أسماء ستصبح لاحقاً من أعمدة النظام، بينها الجنرال قاسم سليماني، وخليفته إسماعيل قاآني، وغيرهما من كبار قادة «الحرس».

قاليباف والرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي شكلا أبرز نموذج لسيطرة أبناء محافظة خراسان على الجهازين التشريعي والتنفيذي (برلمان)

لم تكن حرب الثمانينات بالنسبة إلى قاليباف مجرد سيرة بطولية تروى في الحملات الانتخابية، بل كانت المدرسة التي أتاحت له دخول النخبة الحاكمة من أوسع أبوابها. فمن رحم تلك التجربة خرج جيل كامل من القادة الذين تحولوا لاحقاً إلى شبكة مصالح ونفوذ ممتدة بين المؤسسة العسكرية، والاقتصاد، والسياسة، وكان قاليباف من أكثرهم مهارة في تحويل رصيده العسكري إلى رصيد سياسي.

البوابة الصامتة للنفوذ

بعد انتهاء الحرب، لم يخرج قاليباف من المعادلة كما خرج آلاف المقاتلين. على العكس، انتقل مع «الحرس الثوري» إلى المرحلة التالية من بناء الجمهورية: التمدد داخل الاقتصاد، والدولة. وتولى قيادة مجموعة «خاتم الأنبياء»، الذراع الاقتصادية الأهم لـ«الحرس»، في مرحلة كان فيها هذا الكيان يتحول من مؤسسة هندسية مرتبطة بإعادة الإعمار إلى إمبراطورية اقتصادية تنافس القطاع الخاص، وتستحوذ على المشاريع الكبرى.

صورة من جواز سفر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف

وتعد هذه المحطة بالذات ضرورية لفهم قاليباف. فهي تكشف أن مسيرته لم تكن محصورة في الأمن، أو الحرب، بل مرت أيضاً عبر البنية الاقتصادية التي شكلها «الحرس الثوري» بعد الحرب. ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه مرتبطاً بمنظومة ترى الدولة مجالاً لإدارة الموارد والنفوذ معاً، لا مجرد جهاز إداري محايد. وداخل هذه المنظومة، يكتسب رجال «الحرس» قيمة مضاعفة حين يجمعون بين السجل العسكري، والخبرة التنفيذية، والولاء السياسي.

ثم انتقل قاليباف إلى قيادة القوة الجوية في «الحرس» بين عامي 1997 و2000. وقدم نفسه في تلك المرحلة باعتباره ضابطاً حديثاً يجمع بين التخصص العسكري والانفتاح التقني، خصوصاً مع ما تردد عن تدريبات تلقاها في الخارج، واهتمامه بالطيران المدني، والعسكري. وفي الموازاة، حصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، في مسار بدا كأنه محاولة مبكرة لبناء صورة مركبة: رجل ميدان يحمل أيضاً لغة الإدارة، والدراسة.

قاليباف يجلس بجوار ابن مدينته مشهد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني على هامش مراسم حكومية (موقع البرلمان)

رسالة 1999... لحظة الانكشاف الأمني

إذا كانت الحرب قد صنعت قاليباف العسكري، فإن احتجاجات 1999 صنعت صورته الأمنية الأكثر رسوخاً. ففي تلك السنة، ومع انفجار الحركة الطلابية في طهران، ومدن أخرى، كان قاليباف بين أبرز قادة «الحرس» الذين وقعوا الرسالة الشهيرة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، ملوحين بتدخل حاسم إذا لم توقف الحكومة الاحتجاجات. لم تكن تلك الرسالة مجرد موقف من أزمة داخلية، بل كانت إعلاناً مبكراً بأن «الحرس» يرى نفسه وصياً على المسار السياسي عندما يعتقد أن النظام مهدد.

لاحقاً، طاردت قاليباف تسجيلات وتصريحات نسبت إليه، وتفاخر فيها بأنه شارك بنفسه في قمع الطلاب، وأنه كان مستعداً للنزول إلى الشارع واستخدام العصا. وفي مناظرات انتخابات الرئاسة 2013، عاد ملفه الأمني إلى الواجهة حين ذكّره حسن روحاني برواية «الكماشة» الشهيرة، في إشارة إلى طريقة التعاطي مع الاحتجاجات الطلابية. ومنذ ذلك الوقت، بقي لقب «جنرال الكماشة» جزءاً من صورته العامة، لا سيما لدى خصومه من الإصلاحيين، والناشطين.

لم يكن هذا الإرث عبئاً داخل المؤسسة الحاكمة؛ بل كان في أحيان كثيرة مصدر قوة. ففي دولة تعطي الأولوية للأمن، والاستقرار، يمكن لسجل كهذا أن يُقرأ باعتباره دليلاً على الحزم، والانضباط، لا على القسوة فقط. ولهذا لم يمنع هذا الماضي صعوده اللاحق، بل ربما مهّد له.

قائد الشرطة... تشدد في المضمون

في عام 2000، عيّن المرشد علي خامنئي قاليباف قائداً للشرطة الإيرانية. كان التعيين ذا دلالة سياسية واضحة. فالرجل جاء من الحرس، وفي لحظة أراد فيها النظام إعادة ضبط الشارع بعد صعود الإصلاحيين، واحتجاجات الطلبة، بدا أنه يمثل الخيار الموثوق من بيت المرشد.

القائد السابق للوحدة الصاروخية أمير علي حاجي زاده يهمس في أذن قاليباف (أرشيفية-موقع البرلمان)

وخلال توليه هذا المنصب، سعى قاليباف إلى إظهار الشرطة بمظهر أكثر حداثة، وتنظيماً. أُدخلت تجهيزات جديدة، وبرز خطاب عن المهنية، والانضباط، وجرى تسويق صورته باعتباره قائداً تنفيذياً قادراً على تحديث المؤسسات. لكن هذا الوجه التحديثي لم يلغِ حقيقة أن عهده شهد أيضاً تشديداً أمنياً على الناشطين، والمثقفين، والصحافيين، فضلاً عن إعادة تفعيل دوريات الآداب العامة وشرطة الأخلاق في الفضاء الاجتماعي.

هنا ظهر التناقض الذي سيرافقه طويلاً: رجل يتحدث بلغة الإدارة الحديثة، لكنه يعمل من داخل منطق أمني صارم. يحاول أن يبدو إصلاحياً في الأدوات، بينما يظل محافظاً في الجوهر. وهذه الازدواجية ستكون لاحقاً منبع قوته، ونقطة ضعفه في آنٍ واحد.

الطيار يخسر أمام الشعبوي

دخل قاليباف السباق الرئاسي أول مرة عام 2005. وكانت تلك لحظة مفصلية، لأن الرجل قرر أن يختبر قدرته على التحول من قائد أمني إلى سياسي وطني. في حملته، بدا مختلفاً عن الصورة المتوقعة لضابط سابق في «الحرس». ظهر بلباس الطيار، وتحدث لغة إدارية وتنموية، وحاول استقطاب الطبقة الوسطى والمدن الحديثة، مقدماً نفسه بصفته تكنوقراطياً قادراً على الإنجاز.

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمينه العام الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

غير أن هذه المحاولة انتهت بإخفاق واضح. فقد خرج من الجولة الأولى، بينما تقدم عليه محمود أحمدي نجاد، الذي نجح في مخاطبة الغضب الشعبي بلغة أكثر شعبوية، وأقل نخبوية.

كشفت تلك الهزيمة عن مشكلة مبكرة في مشروع قاليباف السياسي: قدرته على بناء صورة مهنية لم تكن تكفي وحدها للفوز في انتخابات يختلط فيها الولاء الآيديولوجي بالاستقطاب الاجتماعي، وخيارات مراكز القوة.

ومع ذلك، لم تؤدِ الهزيمة إلى خروجه من المشهد. فبعد أشهر قليلة، انتقل إلى منصب عمدة طهران، ليبدأ أطول مرحلة تنفيذية في مسيرته، وربما أكثرها تأثيراً في مستقبله.

بلدية طهران... شبهات الظل

على مدى 12 عاماً في رئاسة بلدية طهران، بنى قاليباف صورته الأكثر انتشاراً: «رجل الإنجاز». توسعت شبكة المترو، وأُطلقت مشاريع بنية تحتية ضخمة، وشُقت طرق، وأنفاق، وجسور، وحرصت آلة إعلامية واسعة على تقديمه بصفته نموذجاً للمدير الفعال الذي يفضّل العمل على الجدل الآيديولوجي.

داخل العاصمة، اكتسب الرجل سمعة مهمة بين مؤيديه بصفته مسؤولاً يعرف كيف يدير مؤسسات كبرى، ويتخذ قرارات سريعة. وقد حاول مراراً استخدام هذه السمعة لتوسيع قاعدته الوطنية، مقدماً نفسه على أنه تكنوقراط براغماتي قادر على الجمع بين الولاء للنظام والكفاءة التنفيذية.

لكن الوجه الآخر لبلدية قاليباف كان أكثر تعقيداً. فقد تراكمت خلال تلك السنوات اتهامات ثقيلة بالفساد، والمحسوبية. ظهرت قضية «الأملاك الفلكية» التي كشفت بيع عقارات تابعة للبلدية بمبالغ منخفضة إلى مسؤولين وشخصيات نافذة. وتلاحقت ملفات مرتبطة بـ«ياس هولدينغ» ومؤسسة تعاون «الحرس»، وبشبهات حول تحويلات مالية، وتعاقدات غير شفافة. كما أُلقي الضوء على ملفات طالت مقربين منه، وفي مقدمهم نائبه السابق عيسى شريفي، الذي أُدين لاحقاً في قضايا فساد كبيرة.

كذلك أُثير الجدل حول دور مؤسسات مرتبطة بعائلته، ومنها مؤسسة خيرية كانت زوجته من بين القائمين عليها، وحول اسم ابنه في ملفات أخرى. ثم جاءت فضيحة «سيسموني غيت» عام 2022 لتضيف إلى صورته عبئاً جديداً، حين أُثيرت ضجة واسعة حول رحلة عائلية إلى تركيا لشراء مستلزمات باهظة. وبصرف النظر عن المآلات القانونية، فإن تراكم هذه القصص عزز الانطباع بأن قاليباف، الذي تحدث طويلاً عن العدالة الاجتماعية والإدارة الجهادية، لم ينجح في التحرر من صورة السياسي الذي تحيط به شبكات المصالح، والامتيازات.

بين الأمن والبراغماتية...شخصية متعددة الوجوه

إذا كان هناك وصف يلخّص مسيرة قاليباف السياسية، فهو أنه رجل يعيد تصنيع نفسه باستمرار. ففي كل محطة انتخابية تقريباً قدّم نسخة مختلفة من شخصيته العامة. في 2005 كان «الطيار» التكنوقراطي. في 2013 ظهر بملامح أمنية أكثر وضوحاً، وبخطاب أقرب إلى المحافظين المتشددين. في 2017 حاول استلهام الشعبوية الاجتماعية، والحديث باسم «96 في المائة» في مواجهة «4 في المائة» من المستفيدين.

قاليباف يلقي كلمته الأخيرة إلى جانب رجل الدين المتشدد علي رضا بناهيان في مدينة مشهد يونيو 2024 (إ.ب.أ)

وفي 2024 تبنى نبرة أكثر هدوءاً، ومرونة، محاولاً الظهور بمظهر السياسي القادر على التفاوض، والانفتاح التكتيكي من دون الاصطدام بجوهر النظام.

هذا التلون لم يكن مجرد مهارة خطابية، بل يعد انعكاساً لقراءته الدقيقة لمزاج المؤسسة الحاكمة وحاجات كل لحظة. فهو لم يكن يوماً معارضاً من داخل النظام، ولا إصلاحياً بالمعنى السياسي، لكنه أدرك أن مجرد ارتداء عباءة الجنرال لا يكفي للوصول إلى الرئاسة. لذا كان يبدل لغته، ومظهره، وتحالفاته، من دون أن يخرج من الإطار العام للولاء.

غير أن هذا التعدد في الوجوه حمل أيضاً تكلفة سياسية. فقد بدا لكثيرين بلا هوية ثابتة، أو على الأقل بلا خط سياسي متماسك. ولم يتمكن، رغم خبرته الطويلة، من كسب ثقة التيارات المحافظة كلها، ولا من اجتذاب الكتلة المترددة في المجتمع، ولا من طيّ صفحات ملفاته القديمة.

محاولات الرئاسة... حضور دائم وخسارات متكررة

عاد قاليباف إلى سباق الرئاسة في 2013، وكان أداؤه آنذاك أفضل من 2005، إذ حل ثانياً خلف حسن روحاني، لكنه خسر بفارق كبير. وفي تلك الحملة، بدا أن خلفيته الأمنية وسعيه إلى استقطاب المحافظين لم يكونا كافيين أمام مرشح نجح في تقديم نفسه بوصفه رجل التسوية والانفراج النووي.

في 2017، دخل السباق مجدداً، لكنه انسحب لصالح إبراهيم رئيسي تحت ضغط توحيد الصف المحافظ. يومها بدا واضحاً أن مراكز القوة لا تراه الخيار الأول داخل التيار المحافظ، وأن عليه أن يكتفي بدور المساند إذا اقتضت مصلحة المعسكر ذلك. وفي 2021 لم ينافس بجدية بعدما بدا أن الطريق مُعبد أمام رئيسي.

ثم جاءت انتخابات 2024 المبكرة بعد وفاة رئيسي، فعاد اسم قاليباف بقوة. غير أن عودته انتهت بإخفاق جديد، هذه المرة أمام منافس من داخل ما يُعرف بـ«جبهة الثورة» نفسها. كانت تلك الخسارة ذات دلالة خاصة، لأنها أظهرت أن الرجل الذي بنى مكانته على خبرته وتاريخه وشبكاته لم يعد قادراً على فرض نفسه حتى داخل المعسكر المحافظ بوصفه الخيار الطبيعي.

رئاسة البرلمان... موقع قوي في مؤسسة محدودة

في 2020، انتقل قاليباف إلى البرلمان، وسرعان ما تولى رئاسته. ومنذ ذلك الحين أعيد انتخابه أكثر من مرة، محافظاً على موقعه في قمة المؤسسة التشريعية. نظرياً، يمنحه هذا المنصب مكانة رفيعة، لأن رئيس البرلمان عضو في مجلس الأمن القومي، ومجلس التنسيق الاقتصادي، ويجلس على رأس أحد فروع السلطة.

قائد «الحرس الثوري» السابق حسين سلامي يتحدث في جلسة برلمانية برئاسة قاليباف في ديسمبر 2024 (تسنيم)

عملياً، فإن نفوذ البرلمان في إيران يبقى محدوداً قياساً بثقل مكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، ومجلس صيانة الدستور، وسائر المؤسسات فوق المنتخبة. ومع ذلك، وفرت رئاسة البرلمان لقاليباف منصة مؤسسية مهمة لإدارة التوازنات داخل التيار المحافظ، وبناء علاقات مع النواب، والحفاظ على حضوره اليومي في قلب القرار.

إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان عام 2024، بعد أسبوع من وفاة رئيسي، حملت رسالة واضحة: الرجل ما زال يحظى بغطاء من داخل النظام، رغم الجدل الذي يحيط به. فهو ليس الشخصية الأكثر نقاءً آيديولوجياً، ولا الأقدر على استثارة الحماسة الشعبية، لكنه ما زال من رجال المؤسسة الموثوقين في مرحلة تبحث فيها المؤسسة الحاكمة عن تماسك داخلي أكثر من بحثها عن التجديد.

العلاقة مع خامنئي... سر البقاء

لا يمكن فهم استمرار قاليباف من دون التوقف عند علاقته العميقة بـ«الحرس الثوري»، وبالمرشد علي خامنئي. فالرجل ابن جيل الحرب، وابن خراسان، وابن المؤسسات التي صاغها خامنئي منذ توليه القيادة. هذه الصلات لا تعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في كل الملفات، لكنها تفسر كيف نجا من عثرات كان يمكن أن تنهي أي مسيرة سياسية في نظام أقل تسامحاً مع الأخطاء، أو الفضائح.

كما أن قاليباف يمثل بالنسبة إلى جزء من المؤسسة نموذجاً مرغوباً: رجل يجمع بين الصرامة الأمنية والخبرة التنفيذية، ولا يفتقر إلى اللغة السياسية حين يحتاج إليها. وفي مرحلة تتزايد فيها أهمية «التكنوقراط الأمنيين» داخل النظام، يظل حضوره مفهوماً، حتى عندما لا يكون هو المرشح المفضل للرئاسة.

المرشد الإيراني يلتقي مع مسؤولين ويبدو خلفه بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي مارس العام الماضي (أ.ب)

ومع ذلك، فإن علاقته بالحرس ليست ضمانة مطلقة. فداخل هذه المؤسسة نفسها أجيال، واتجاهات، وتنافسات. وقد أظهرت محطات عدة أن دعماً من بعض دوائر «الحرس» لا يعني بالضرورة إجماعاً عليه، وأن شخصيات أخرى أكثر تشدداً، أو أقل إثارة للجدل قد تتقدم عليه عندما يتعلق الأمر باختيار رجل المرحلة.

لم يكن دور قاليباف في بلدية طهران إدارياً فقط. ففي احتجاجات 2009 التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، ظهر مرة أخرى بوصفه واحداً من رجال النظام الموثوقين في لحظات الخطر. وعلى الرغم من أن منصبه كان مدنياً هذه المرة، فإن اسمه ارتبط بالمساعدة في احتواء الاضطرابات داخل العاصمة، وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة والأمن لإبقاء المدينة تحت السيطرة. وقد زاد ذلك من رصيده لدى التيار المحافظ، لأنه أكد أن انتقاله إلى العمل البلدي لم يغيّر موقعه الحقيقي داخل بنية السلطة، بل منحه واجهة مدنية لدور أمني وسياسي أوسع.

هذه القدرة على الجمع بين الإدارة والانضباط الأمني هي بالضبط ما جعل بعض دوائر النظام تنظر إليه باعتباره صالحاً لمهمات متعددة. فهو ليس خطيباً عقائدياً من طراز المحافظين الأشد صلابة، وليس أيضاً رجل مساومات يذهب بعيداً في المرونة. إنه، في نظر مؤيديه، موظف كبير لدى الجمهورية: يعرف كيف يدير مؤسسة، وكيف يضبط طاقمها، وكيف يلتزم بالسقف الذي يرسمه المرشد.

قاليباف ومحسن رضائي القيادي في "الحرس الثوري" ومستشار المرشد الإيراني (موقع رئيس البرلمان-أرشيفية)

حين فاز قاليباف بمقعد طهران في انتخابات 2020، كان ذلك في سياق عزوف انتخابي واسع، واستبعاد كثيف للمنافسين، وهو ما تكرر بدرجات مختلفة في انتخابات 2024. لذلك فإن صعوده النيابي لم يكن نتيجة موجة شعبية جارفة، بل ثمرة ترتيب سياسي سمح للمحافظين بإحكام السيطرة على البرلمان. لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من أهمية المنصب بالنسبة إليه. ففي نظام تتوزع القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، يمكن لرئاسة البرلمان أن تتحول إلى نقطة تمركز مهمة، حتى لو تراجعت فعالية المؤسسة نفسها. ومن هذا الموقع، حافظ قاليباف على حضوره في ملفات الاقتصاد والسياسة الداخلية، وعلى صلته اليومية بمراكز النفوذ التي تحتاج دائماً إلى شخص يجمع بين الخبرة، والانضباط، والطموح.

مشروعه السياسي إلى أين؟

بعد أربعة عقود من الصعود والتحول، تبدو مفارقة قاليباف واضحة. فهو رجل نجح في كل شيء تقريباً؛ إلا في الوصول إلى المنصب الذي أراده أكثر من أي شيء آخر. قاد وحدات في الحرب، وأدار مؤسسات أمنية، ورأس أكبر بلدية في البلاد، واعتلى رئاسة البرلمان، وبنى شبكة سياسية وإعلامية واسعة، لكنه ظل عند عتبة الرئاسة، لا داخلها.

ما يميزه ليس فقط طول البقاء، بل قدرته على التكيف. فهو يعرف كيف يخاطب المؤسسة بلغة الولاء، وكيف يخاطب الجمهور بلغة الإدارة، وكيف يوظف خبرته العسكرية لتثبيت صورته رجل دولة، من دون أن يتحول إلى منظر آيديولوجي صرف. لكن هذا التكيف نفسه هو ما جعل صورته مهتزة أحياناً؛ إذ بدا كأنه يملك وجوهاً كثيرة من غير أن يستقر على وجه نهائي مقنع.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024

في المحصلة، يمثل قاليباف نموذجاً دالاً على طبيعة نظام الحكم في مرحلتها الراهنة: نظام لا يفرز فقط رجال العقيدة الخالصة، بل أيضاً رجال البقاء، والمرونة، وإعادة التموضع. وهو، بهذا المعنى، ليس استثناءً داخل النظام، بل أحد أكثر أبنائه تعبيراً عنه.

رجل خرج من الحرب حاملاً شرعيتها، ودخل السياسة محملاً بطموح لا يهدأ، وراكم في الطريق إنجازات، وخصومات، وملفات ثقيلة، ثم انتهى إلى موقع يكفي لضمان بقائه داخل الصف الأول، لكنه لا يكفي لتحقيق حلمه الأكبر.

وربما تكمن قوة قاليباف الحقيقية هنا تحديداً: لا في كونه رجل الحسم النهائي، بل في كونه أحد آخر الناجين الكبار من الجيل الأول في النظام، والقادرين حتى الآن على تبديل المواقع والوجوه، من دون أن يسقطوا خارج الخريطة.

الحرب مع إسرائيل

وفي الحربين اللتين شكّلتا أخطر اختبار للنظام الإيراني في سنواته الأخيرة، برز قاليباف بوصفه واحداً من رجال الطوارئ داخل بنية السلطة. ففي حرب الأيام الاثني عشر في يونيو (حزيران) 2025، سعى إلى تقديم نفسه بصفته وجهاً من وجوه «الصمود» المؤسسي، وقال لاحقاً إن تلك المواجهة «قدّمت إيران 50 عاماً إلى الأمام»، في محاولة لتحويل لحظة الاستنزاف إلى سردية تعبئة واستنهاض.

صورة نشرها موقع قاليباف الرسمي من لقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يوليو 2024

ثم عززت تصريحات وزير التراث رضا صالحي أميري هذه الصورة حين قال إن قاليباف «ارتدى لباس القتال» في غياب بعض القادة، وحضر في ساحة المواجهة لمساندة الرئيس والحكومة. لكن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026، وقُتل فيها المرشد علي خامنئي، دفعت رئيس البرلمان إلى موقع أكثر حساسية؛ إذ بدا، في لحظة ارتباك نادرة داخل هرم النظام، حلقة وصل بين المؤسستين السياسية والأمنية، مستفيداً من تاريخه في «الحرس الثوري»، ومن شبكاته المتجذرة داخل الدولة.

بذلك، لم تكن الحرب مع إسرائيل مجرد اختبار جديد لقاليباف، بل مناسبة كشفت وظيفته الأعمق في أجهزة صنع القرار: رجل الأزمات الذي يعود كلما ضاقت الدائرة، واحتاج النظام إلى وجه يجمع بين خبرة الميدان وحسابات السلطة.


إسرائيل تندد بـ«جنون» إيران بعد سقوط شظايا قرب الأماكن المقدسة في القدس

باحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة في القدس (أ.ف.ب)
باحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة في القدس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تندد بـ«جنون» إيران بعد سقوط شظايا قرب الأماكن المقدسة في القدس

باحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة في القدس (أ.ف.ب)
باحة المسجد الأقصى وقبة الصخرة في القدس (أ.ف.ب)

ندّدت إسرائيل، الجمعة، بـ«جنون النظام الإيراني»، في أعقاب حادث في البلدة القديمة في القدس، أفادت جهات أمنية بأنّه ناجم عن سقوط صاروخ إيراني بينما أشارت أخرى إلى شظايا صاروخ.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، في منشور على منصة «إكس»، إنّ «الهدية الإيرانية لمناسبة عيد الفطر هي صواريخ على (المسجد) الأقصى»، الواقع على بعد بضع مئات الأمتار من موقع الحادث.

وأضاف أنّ «الهجوم الإيراني على الأماكن المقدسة للديانات الثلاث يكشف عن جنون النظام الإيراني الذي يدّعي التديُّن».

وشاهد صحافيو «وكالة الصحافة الفرنسية» أضراراً في المكان الذي يبعد بضعة مئات من الكيلومترات عن المسجد الأقصى وحائط البراق وكنيسة القيامة.

وقال الجيش الإسرائيلي في منشور على منصة «إكس»: «تأثرت البلدة القديمة، بالقرب من جبل الهيكل، بشظايا صاروخ إيراني».

من جانبه، أشار قائد الشرطة في البلدة القديمة دفير تميم، إلى أنّ الانفجار نجم عن «اصطدام صاروخ وليس عن شظايا صاروخ اعتراضي».

وأضاف أنّ فريق تفكيك المتفجّرات كان يتحقق من نوع الصاروخ.

وتسبب انفجار في إحداث حفرة داخل البلدة القديمة، بينما تناثر حطام على الطريق المحيط، وذلك بعد تحذير من صواريخ أُطلقت من إيران.

وأفاد أحد سكان المنطقة المجاورة «وكالة الصحافة الفرنسية» بأنّه رأى شيئاً يسقط من السماء قبل سماع دوي انفجار قوي ورؤية دخان يتصاعد في الهواء.

وأشارت الشرطة، في بيان، إلى إخلاء شخص واحد بعد إصابته بجروح طفيفة في الانفجار.

وقالت ديفورا أبرامسون (48 عاماً)، وهي من سكان المنطقة، إنّ الانفجار «أدى إلى تناثر قطع من الحطام في الحقل المجاور، على مسافة بعيدة جداً من مكان سقوطه». وأضافت: «الأمر مخيف».

يأتي هذا الحادث، بعدما أفادت الشرطة الإسرائيلية في وقت سابق هذا الأسبوع عن سقوط شظايا في المنطقة عقب هجوم صاروخي إيراني آخر.

ومنذ بدء الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، تُطلق طهران وابلاً من الصواريخ على إسرائيل.

ودوّت صفارات الإنذار بشكل متكرر في القدس وتل أبيب، الجمعة.

وأُصيب شخصان على الأقل في تل أبيب، وفقاً لخدمة الإسعاف الإسرائيلية «نجمة داود الحمراء»، بينما بثت وسائل إعلام لقطات لمبنى سكني تشتعل فيه النيران في بلدة مجاورة.