بريطانيا تواجه «أخطر تهديد منذ بدء الجائحة»

امرأة تتلقى جرعة من لقاح «فايزر» في عيادة بمدينة شيفيلد الإنجليزية أمس (أ.ف.ب)
امرأة تتلقى جرعة من لقاح «فايزر» في عيادة بمدينة شيفيلد الإنجليزية أمس (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا تواجه «أخطر تهديد منذ بدء الجائحة»

امرأة تتلقى جرعة من لقاح «فايزر» في عيادة بمدينة شيفيلد الإنجليزية أمس (أ.ف.ب)
امرأة تتلقى جرعة من لقاح «فايزر» في عيادة بمدينة شيفيلد الإنجليزية أمس (أ.ف.ب)

بدأت بريطانيا، أمس، تطبيق إجراءات جديدة مشددة في إطار جهودها للتصدي للانتشار السريع لمتحور «أوميكرون»، في وقت قالت الدكتورة جيني هاريس، رئيسة «وكالة الأمن الصحي»، إن هذا المتحور من سلالات «كورونا» يمثّل حالياً على الأرجح «أخطر تهديد مهم منذ بدء الجائحة».
وأعلنت المملكة المتحدة أمس تسجيل 78,610 إصابة خلال 24 ساعة، وهي سابقة منذ انتشار جائحة {كورونا} عام 2020، وفقا للأرقام الرسمية. ويعود العدد القياسي السابق إلى 8 يناير (كانون الثاني)2021، في ذروة تفشي المتحوّرة ألفا مع تسجيل البلاد المتضررة بشدة بالوباء 68,053 إصابة. كما سُجلت إصابات جديدة بالوباء طالت عدداً من أعضاء مجلس العموم.
وتخشى الحكومة البريطانية التي أطلقت سباقاً مع الزمن لتلقيح ملايين من مواطنيها بحلول نهاية هذه السنة، أن تؤدي الإصابات المتوقعة بـ«أوميكرون» إلى موجة ضخمة تهدد قدرة قطاع الصحي الوطني على استقبال المصابين وعلاجهم. وحتى الآن لم تسجل بريطانيا سوى وفاة واحدة بمتحور «أوميكرون»، لكنها أكدت أن 14 مريضاً آخر يتم علاجهم حالياً في المستشفيات بسبب إصابتهم بهذه السلالة من «كورونا» والتي تبدو في طريقها لتكون السلالة الأكثر انتشاراً. وتخشى حكومة بوريس جونسون أيضاً أن تؤدي إصابات «أوميكرون» المرتفعة إلى تعطيل كثير من الخدمات في المرافق الحيوية حتى ولو لم تؤد إلى ارتفاع في نسبة الوفيات.
وتمكّنت حكومة بوريس جونسون ليلة الثلاثاء من تمرير تدابير كبح تفشي «أوميكرون» في البرلمان، متخطية تمرداً على نطاق غير مسبوق للغالبية المستاءة من هذه الإجراءات. وتعد المملكة المتحدة من الدول الأكثر تضرراً من جراء الجائحة، وقد أحصت أكثر من 146 ألفاً و500 وفاة، وهي تواجه وفق بوريس جونسون «موجة هائلة» من الإصابات بالمتحور الجديد من الفيروس السريع التفشي.
وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، أن جونسون يسعى إلى احتواء هذا التسارع من خلال حملة مكثّفة لإعطاء جرعات معزّزة من اللقاحات. وأعلن الأسبوع الماضي فرض قيود جديدة لمكافحة تفشي «كوفيد - 19»، من ضمنها وضع الكمامة في الأماكن المغلقة، وفحوص يومية للمخالطين، والعمل عن بعد وإلزامية الجواز الصحي لحضور المناسبات الكبرى.
لكن نحو ستين نائباً من المحافظين لوّحوا بمعارضة بعض من هذه التدابير التي يصفونها بأنها تقمع الحريات وتلحق الضرر بالاقتصاد. لكن البرلمان أقر التدابير بموافقة 369 نائباً ومعارضة 126. غير أن الانتصار الحكومي طغى عليه حجم التمرد في صفوف النواب المحافظين ضد رئيس الحكومة؛ إذ صوّت 97 نائباً محافظاً ضد التدابير، أي أكثر بكثير من النواب الستين الذين عارضوا هذه الإجراءات.
غير أن توقيت هذا التمرد لا يمكن أن يكون أسوأ بالنسبة لبوريس جونسون. فبعد عامين من فوزه الانتخابي التاريخي بناءً على وعد بتحقيق «بريكست»، يسجل جونسون تراجعاً في شعبيته في استطلاعات الرأي، ويواجه دعوات عديدة للاستقالة بعد سلسلة من الفضائح. نشرت صحيفة «صنداي ميرور» الأحد صورة له في داونينغ ستريت محاطاً بمساعديْن، يشارك في مسابقة عبر الفيديو في 15 ديسمبر (كانون الأول) 2020. وأثارت هذه المشاهد غضباً عاماً؛ إذ كان البريطانيون خاضعين في ذلك الوقت لقيود صارمة للحدّ من انتشار الفيروس تشمل التباعد الاجتماعي وعدم التجمّع.
وقالت النائبة ميريام كيتس، إن تدابير الحكومة تعكس «تغييراً مستمراً على صعيد فهم معنى الحرية في هذا البلد»، داعية إلى العودة إلى مجتمع «الحرية والمسؤولية».
بدوره، أعلن زميلها أنتوني مانغنال معارضته للتلقيح الإجباري للعاملين في قطاع الصحة العامة في بريطانيا. وقال «لا يمكننا مواصلة ترهيب الناس»، مبدياً «دهشته» إزاء الطريقة التي بثت من خلالها الحكومة في الأسابيع الأخيرة الخوف لإقناع الشعب بالتدابير.
بفضل دعم حزب العمال أقرت التدابير الحكومية الثلاثاء. وفي مقابل التدابير المشددة، تقرر وضع حد لتدابير صارمة كانت مفروضة على الوافدين من 11 دولة أفريقية، من بينها جنوب أفريقيا، اعتباراً من الأربعاء بما يحول دون تكبد البريطانيين العائدين من هذه البلدان تكاليف الحجر في الفندق، وفق ما أعلن وزير الصحة ساجد جاويد في وقت سابق من النهار.
وقال وزير الصحة البريطاني أمام النواب «أنا مقتنع بأن هذه التدابير متوازنة ومتناسبة»، مؤكداً أنها «أقل» صرامة بأشواط «من تلك المفروضة في غالبية دول أوروبا». وتابع «يمكنني أن أؤكد للمجلس أننا سنعيد النظر بهذه التدابير، وأننا لن نبقي عليها يوماً واحداً أكثر من اللازم». وبحسب وزير الصحة البريطاني، ستؤدي المتحورة «أوميكرون» إلى إصابة مائتي ألف شخص يومياً، علماً بأن الإصابات المسجّلة حتى الثلاثاء بمختلف المتحورات لا تتعدى 59 ألفاً.
وقد بدأت الموجة تؤثر على المسارح؛ إذ ألغيت عروض عدة بسبب رصد إصابات في صفوف فرقها، حسب الوكالة الفرنسية التي قالت أيضاً، إن موجة الإصابات قد تعرقل الدوري الإنجليزي لكرة القدم.
وفي اسكوتلندا التي تفرض تدابير صحية خاصة بها، حذّرت رئيسة الوزراء نيكولا ستيرجن من تسارع كبير في وتيرة الإصابات، وأشارت إلى إدخال مصابين بالمتحورة «أوميكرون» إلى المستشفى. وقالت ستيرجن «لا نطلب منكم إلغاء مشاريعكم الميلادية أو تغييرها»، لكنها طالبت الاسكوتلنديين بـ«حصر الفعاليات الاجتماعية المقامة في الأماكن المغلقة» بثلاث أسر على الأكثر.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟