تعويل أوروبي على «الواقعية»... وطهران ترفض التنازل في فيينا

منسق المحادثات يؤكد صعوبة المهمة... والسفير الروسي يتحدث عن «أجواء بنّاءة»

صورة نشرتها اللجنة المنسقة الأوروبية من محادثات أطراف الاتفاق النووي في فيينا أمس  -  مورا في مؤتمر صحافي بفيينا أمس (رويترز)
صورة نشرتها اللجنة المنسقة الأوروبية من محادثات أطراف الاتفاق النووي في فيينا أمس - مورا في مؤتمر صحافي بفيينا أمس (رويترز)
TT

تعويل أوروبي على «الواقعية»... وطهران ترفض التنازل في فيينا

صورة نشرتها اللجنة المنسقة الأوروبية من محادثات أطراف الاتفاق النووي في فيينا أمس  -  مورا في مؤتمر صحافي بفيينا أمس (رويترز)
صورة نشرتها اللجنة المنسقة الأوروبية من محادثات أطراف الاتفاق النووي في فيينا أمس - مورا في مؤتمر صحافي بفيينا أمس (رويترز)

غاب التفاؤل عن منسق المفاوضات النووية مع إيران، للمرة الأولى منذ انطلاق جولات التفاوض في أبريل (نيسان) الماضي، وظهر الدبلوماسي الإسباني أنريكي مورا أمام الصحافيين بعد انتهاء الاجتماع الرسمي للجنة 4+1 مع إيران في فيينا، ليقول بأنه الآن يقارب المفاوضات «بواقعية»، وأنه «لا يمكن الحديث عن تفاؤل أو تشاؤم»؛ لأن «المهمة صعبة للغاية والفروقات التي نسعى لردمها كبيرة».
وكان الوفد الإيراني برئاسة علي باقري كني، نائب وزير الخارجية للشؤون السياسية، قد قدم الأسبوع الماضي مقترحات للتفاوض على أساسها، وصفتها الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) وواشنطن بأنها غير جادة ولا يمكن أن تكون أساساً للتفاوض. وحذرت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس عشية استئناف الجولة السابعة، من أن الوقت يمر للتوصل لاتفاق وأنها «الفرصة الأخيرة» للقيام بذلك.
وتوقفت المفاوضات الجمعة الماضي، بطلب من الدبلوماسيين الأوروبيين الذين غادروا إلى العواصم للتشاور. وعقدت بعد ظهر أمس اجتماعات ثنائية لمناقشة المقترحات الإيرانية وتقديم مقترحات بديلة أو مقابلة لها، ومن المقرر أن تعقد اليوم اجتماعات للجنتي الخبراء المعنيتين ببحث الالتزامات النووية ورفع العقوبات الأميركية. ويأمل الوسطاء الأوروبيون أن يرسموا صورة أكثر وضوحاً للموقف الإيراني الجديد بهدف إكمال المفاوضات أو وقفها.
ورغم أن الطرف الإيراني رفض القبول بإكمال التفاوض من حيث توقفت المفاوضات في الجولات الست الماضية مع الفريق الإيراني السابق برئاسة عباس عراقجي، إلا أن مورا بقي يتحدث، أمس، عن ضرورة أن تشكل تلك المسودة «أرضية مشتركة» للتفاوض. ولكن باقري كني خرج بعد الاجتماع ليتحدث عن ضرورة البحث «عن أرضية ضرورية» لإكمال التفاوض بنجاح؛ ما يشير إلى استمرار رفض الطرف الإيراني التفاوض على أساس ما تم الاتفاق عليه سابقا خلال ثلاثة أشهر من جولات مكثفة من التفاوض بين مطلع أبريل و20 يونيو الماضي.
وقال باقري كني كذلك، إن إيران ستفاوض «بناءً على موافقها السابقة»، في موقف يشير بصراحة إلى عدم استعداد الوفد الإيراني تقديم أي تنازلات تطالب بها الأطراف الغربية. وبدورها، نقلت «رويترز» عن مسؤول إيراني، قالت، إنه مطلع على المحادثات، إن «إيران ستتمسك بمطالبها، وإنه لا بد من رفع كامل العقوبات دفعة واحدة في عملية يمكن التحقق منها»، مضيفاً أن اتخاذ «قرار سياسي» لإحياء الاتفاق أمر في أيدي الأميركيين.
في المقابل، بدا المنسق الأوروبي للمحادثات غير واثق مما إذا كان الوفد الإيراني قد عاد بمواقف أكثر ليناً ومقترحات تكون مقبولة لدى الأطراف الغربية، وكرر أكثر من مرة أنه «علينا الانتظار لنرى ما الذي سيحصل في الأيام المقبلة». وحتى عندما حاول أن يبدو متفائلاً، أعقب ذلك بتوضيح أعاد الواقعية لكلامه. وقال «بعد مشاورات في العواصم، ما شعرت به هذا الصباح هو شعور متجدد بوجود هدف يتم العمل عليه لدى كل الوفود. ما إذا كان هذا الأمر سيتم تأكيده، يجب أن ننتظر الأيام المقبلة لنرى».
وشدد مورا في حديثه للصحافيين على عامل الوقت الذي يعطي شعوراً «بالإلحاح»، لاستكمال لمفاوضات بسرعة، وقال، إنه «من المهم العمل بجدية» لمحاولة التقدم إلى الأمام. ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول ما إذا كانت هذه الجولة قد تكون الأخيرة في حال لم يتم تحقيق أي تقدم فيها، قال مورا إنه «يجب تحديد ما نعنيه بتقدم»، وبأنه لذلك لا يمكن الرد على السؤال.
ومن جهته، تحدث السفير الروسي لدى المنظمات الدولية، ميخائيل أوليانوف عن «أجواء بنّاءة». ولكن الولايات المتحدة التي لم يصل وفدها بعد إلى فيينا، بدأت بالاستعداد لتشديد العقوبات على إيران ابتداءً من الأسبوع الماضي، فيما يوحي بأنها لا تتوقع أي تقدم في هذه الجولة. وأفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن وفداً من الخزانة الأميركية مستعد لبدء جولة إلى الدول التي لديها تعاملات تجارية واقتصادية مع إيران، مثل الصين وماليزيا وغيرهما، لتحذير الشركات هناك من تعرضهم لعقوبات أميركية في حال عدم وقف التعامل التجاري مع إيران. ولكن المسؤولين الأميركيين حرصوا على التأكيد أن المسار الدبلوماسي سيبقى مفتوحا أمام إيران للعودة للاتفاق النووي.
وكان الوفد الأميركي برئاسة روبرت مالي قد تأخر في الوصول وهو لم يبلغ بعد الأطراف الأوروبية بموعد وصوله، إلا أنه من المتوقع أن ينضم للمفاوضات بشكل غير مباشر يومي السبت أو الأحد. وأكدت مصادر مشاركة في المفاوضات لـ«الشرق الأوسط»، أن تأخر الوفد الأميركي في الوصول ليس له «أسباب سياسية»، وأنه سينضم إلى المحادثات قريباً.
وفي محاولة إيرانية على ما يبدو لتخفيف التوتر وغضب الأطراف الغربية، أعلنت طهران أن وفداً من المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية سيتوجه إلى فيينا قريباً، لإجراء محادثات مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي لبحث التعاون بين الطرفين المتوقف تقريبا منذ فبراير (شباط) الماضي. وكان غروسي قد توجه إلى طهران قبل بضعة أيام لبحث خروقات إيران النووية المتزايدة، ولكن عاد خالي اليدين، وقال إنه لم يتمكن من الحصول من الإيرانيين على أي تعهدات.
وتلعب الوكالة الدولية للطاقة الذرية دوراً أساسياً في مراقبة امتثال إيران لالتزامات الاتفاق النووي. ويعقد المسؤول الأميركيون والأوروبيون المشاركون بالمفاوضات النووية اجتماعات دورية مع غروسي لبحث مدى تقدم برنامج إيران النووي ومدى عدم تعاونها. وعقد مورا اجتماعاً مع غروسي، عشية استئناف الجولة السابعة من المفاوضات، ووصف دور الوكالة أمس بأنه «أساسي»، مشدداً على ضرورة أن تكون هناك علاقة عمل «جيدة» بين الوكالة وإيران.
وكان مسؤول السياسية الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيف بوريل قد أجرى اتصالا عشية استئناف المفاوضات بوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان. وكتب بوريل على «تويتر» أنه تحدث مع عبد اللهيان «بناءً على طلبه»، وأنه أوصل إليه رسالة «ملحة بضرورة تحقيق تقدم بشكل أكبر بكثير في المفاوضات لإعادة العمل بالاتفاق النووي». ولكن وسائل إعلام إيرانية نقلت أن عبداللهيان انتقد في مكالمته مع بوريل، المواقف الأوروبية «المتشددة والسلبية وغير البنّاءة»، مضيفاً بأنه أبلغ بوريل أن «هذه البيانات تعقد الوضع وتبطء من عملية التوصل لاتفاق».
وبحسب بيان للخارجية الإيرانية، أنتقد عبداللهيان «عدم فاعلية» الغرب في محادثات فيينا. وقال «حتى الآن لم نتلق أي مقترحات بنّاءة، تدفع بالمحادثات إلى الأمام. وهذا يتعارض مع إعلان حضورهم في المفاوضات بفيينا».
وتحاول روسيا والصين لعب «دور الوسيط» مع إيران لإقناعها بتليين مواقفها، وقد عقد الوفد الإيراني قبل اجتماع اللجنة المشتركة الرسمية اجتماعا ثلاثيا مع الوفدين الصيني والروسي من دون أن يخرج منه شيء. وكان باقري كني قد زار موسكو عشية استئناف المحادثات وقبل سفره إلى فيينا، والتقى هناك بنائب وزير الخارجية الروسي الذي تحدث عقب اللقاء إلى مالي لإبلاغه بنتائج الزيارة.
وقدم الجانبان الإيراني والأميركي، روايات متباينة بشأن الموقف الروسي والصيني من مقترحات إيران. وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية، بأنه «رغم المعارضة الأوروبية - الأميركية، لكن روسيا أعلنت من الممكن أن تكون المقترحات أساس المفاوضات. على ما يبدو أن الصين لا تعارض رغم أنها قالت إنها تدرس المقترحات الإيرانية».



ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.