هل تجسّر «نقابة المحررين» اللبنانية الهوة مع الصحافيين الشباب؟

أُسست عام 1944... وحقبة النقيب ملحم كرم كانت الأطول

أعضاء النقابة الفائزون في الانتخابات الأخيرة
أعضاء النقابة الفائزون في الانتخابات الأخيرة
TT

هل تجسّر «نقابة المحررين» اللبنانية الهوة مع الصحافيين الشباب؟

أعضاء النقابة الفائزون في الانتخابات الأخيرة
أعضاء النقابة الفائزون في الانتخابات الأخيرة

في خضم عملية الانتخابات التي شهدتها نقابة محرري الصحافة في لبنان يوم الأربعاء الفائت، وقف أحد الصحافيين الشباب متأملاً عدداً كبيراً من زملائه الذين لا يعرفهم، وسأل مستغرباً: «مَن هؤلاء؟».
برأيه أن هوة كبيرة تفصل بين الصحافيين من الجيل الجديد والمخضرمين. ويتابع الصحافي الشاب لـ«الشرق الأوسط» معلقاً: «شعرت وكثير من زملائي بالغربة في تلك اللحظة، لا سيما أن هناك فارقاً كبيراً في العمر بيننا. قد نكون نحن الجيل الشاب على معرفة بعضنا ببعض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، لكننا لا نعرف الذين يكبروننا سناً، وهم يشكلون الأكثرية في نقابة المحررين، على عكس نقابات أخرى تعتز بالدم الشبابي».
وحقاً، يرى الجيل الشاب أن معايير الانتساب إلى النقابة تحد من دخولهم إليها، فثمة نحو ألف صحافي اليوم غير منضوين تحت لوائها، وهو ما يوجب إعادة النظر بجدول الانتساب الذي يعيق التوازن بين الجيلين. وهذه واحدة من الانتقادات التي وُجهت إلى لائحة «الوحدة النقابية» الفائزة في الانتخابات الأخيرة لنقابة المحررين.

المعركة الانتخابية
في أجواء لم تخلُ من سخونة، أجريت انتخابات مجلس نقابة محرري الصحافة في لبنان، وتنافست فيها 3 لوائح: «الوحدة النقابية»، و«صحافيون لنقابة حرة»، و«صحافيون طامحون للتغيير»، إضافة إلى منفردين، من بينهم أليسار قبيسي من «تجمع نقابة الصحافة البديلة»، وقاسم متيرك وريميال نعمة وحبيب الشلوق. ولكن في النهاية فازت اللائحة المكتملة «الوحدة النقابية» التي يرأسها النقيب الحالي جوزف القصيفي، ومعه 11 عضواً يؤلفون مجلس النقابة، بينهم: يمنى الشكر، وصلاح تقي الدين، ونافذ قواص، وجورج شاهين، ووليد عبود، وغسان ريفي.
وإثر إعلان النتيجة، حصلت مشادات كلامية بين النقيب القصيفي وآخرين من لوائح لم يحالفها الحظ، وعلت أصوات تندد بفوز لائحة السلطة في هذه الانتخابات، وكانت أليسار قبيسي (من تجمع نقابة الصحافة البديلة) في مقدم المحتجين.
أليسار أوضحت في حديث لـ«الشرق الأوسط» موقفها بالقول: «سميتها معركة الانتساب، لأنه من حق كل صحافي أن ينتسب إلى النقابة؛ لا يمكن للقيمين عليها اليوم أن يتخذوا قراراتهم في هذا الموضوع بشكل عشوائي، بل يجب أن تحصل إصلاحات. كما أن العملية الانتخابية هي مجرد تحرك بسيط شاركنا فيه ليس أكثر، أردناه ضد أزلام السلطة التي اجتمعت في اللائحة الفائزة. وعندما قلت (لتسقط لائحة السلطة)، كان ذلك من أجل الإشارة إلى التمادي الكبير الذي تمارسه السلطة على اللبنانيين عامة، وعلينا نحن الصحافيين. المطلوب إصلاحات سريعة، وتغيير قانون الإعلام ليصبح عادلاً».
هذا الرأس نقلناه إلى النقيب الفائز القصيفي الذي رد في حديث لـ«الشرق الأوسط»، فقال: «للمعارك الانتخابية عدتها وأدواتها، ولبنان بلد متنوع فيه تيارات سياسية مختلفة؛ لا أحد في لبنان من دون صبغة سياسية، أو لنقل مستقلاً مائة في المائة. نحن في لائحة (الوحدة النقابية) نمثل لبنان المتنوع، فقد اجتمع فيها نخبة من الزملاء المعروفين في مجال الصحافة، ولهم مكانتهم وحضورهم. وما يردده بعضهم غير منطقي. ونعرف تماماً أن بعض تلك الأصوات المنددة لديها هي نفسها ارتباطات عمل مع أجهزة السلطة».
وأردف القصيفي: «الانتخابات ديمقراطية، والإعلام كان منحازاً مع هؤلاء، وخصص لهم مساحات واسعة، وعلى الرغم من ذلك فشلوا. بينهم مَن ينتسب إلى النقابة، وغيرهم لا نعرفهم، ونجهل طبيعة أعمالهم. فالحري بالجميع أن ينضووا تحت سقف نقابة المحررين التي تفتح أبوابها أمام الجميع».
النقيب شكا من أن أحداً من المعترضين لا يلبي الدعوة، أو يشارك عندما تعقد جمعيات عمومية دورية، ليطالب بإصلاح من داخل النقابة. وأضاف: «يقولون إن هناك بعض الثغرات في النظام الداخلي لنقابة المحررين، ولقد تعهدنا بتصحيحها. ومشروع تعديل قانون الإعلام الذي يشمل الجميع سلك طريقه إلى مجلس النواب كذلك بالنسبة لمشروع الضمان الاجتماعي الذي نضع كل جهودنا لإقراره». وحول تهمة «التجاوزات»، تساءل النقيب: «عن أي تجاوزات يتحدثون، وقد وجد مراقبون للعملية بعد تعاوننا مع جمعية (لاد) إثر بروتوكول وقعناه معها. فإذا كان هناك من ثغرات في النظام الداخلي للنقابة، فهذا لا يعني أنه حصلت تجاوزات».
أيضاً دافع النقيب عن تلكؤ النقابة في لم شمل المحررين الصحافيين، قائلاً: «كل شخص يمارس مهنة حرة يجب أن ينتسب إلى نقابته. لم نقفل أبوابنا أمام أحد، بل جددنا في الجدول النقابي، وجمعنا تحت راية الانتساب إعلاميين يعملون في المرئي والمسموع والمكتوب والمواقع الإلكترونية؛ كل ذلك كان معلقاً في الماضي. مارسنا سياسة الانفتاح، وتحركنا في حالات كثيرة: أوقات الجائحة، وانفجار بيروت. ونعمل على قانون الضمان الاجتماعي للصحافي غير المضمون. إن نقابتنا هي الأكثر فقراً بين باقي النقابات، ومع ذلك نبذل الجهد دائماً لمساعدة أهل الإعلام من دون تفرقة». وأضاف: «هذا الأمر ترجمناه خلال أزمة الوقود، عندما سهلنا الحصول عليه. وفي فترة حظر التجول، استثنينا منه الإعلاميين. وبرأيي، ليس هناك من معارضة حقيقية؛ يوجد فقط نوع من المنافسة. ومَن يرغب في التغيير وإجراء الإصلاحات من المنتسبين إلى النقابة، باستطاعتهم أن يناضلوا من داخلها».

كثافة اقتراع
انتخابات الأربعاء الفائت سجلت كثافة ملحوظة بنسبة المقترعين تجاوزت 72 في المائة من مجمل الأعضاء المسددين لاشتراكاتهم (900 من أصل 1400 صحافي). أما الانقسام الذي شهدته اللوائح المنافسة لـ«الوحدة النقابية»، فجاء نتيجة تباين بين مرشحيها. ولكن ما الذي يدفع ببعض الصحافيين الشباب إلى الانتساب لنقابة المحررين، على الرغم من معارضتهم لنظامها وكيفية إدارتها؟ يرد الصحافي خضر حسان: «النقابات تلعب دوراً مهماً في الدفاع عن العاملين في نطاق مهنتها؛ ما دفعني للتفكير في الانتساب هو هذا الدم الجديد الذي دخل المهنة، فـ(تجمع الصحافة البديلة) زودني ببادرة أمل، ودفعني لممارسة حقي في الانتخاب. إن هدفنا نحن الصحافيين الشباب لا ينحصر فقط في الحصول على حقوقنا، بل أيضاً تطوير العمل النقابي. وإذا ما انتسبت إلى النقابة، سأسهم من دون شك، ومن داخلها، في إجراء التغيير».

بداية المسيرة
أسست نقابة محرري الصحافة عام 1944، وترأس أول مجلس لها المونسينيور لويس خليل. وبعده تسلمها روبير أبيلا، وتوالت مجالسها حتى عقد الستينات من القرن الماضي حين انتخب الصحافي الراحل ملحم كرم نقيباً لها. وتُعد حقبة كرم الأطول في المشوار النقابي لهذا المجلس، إذ استمر في مركزه نقيباً من الستينات حتى عام 2011، تاريخ رحيله. وعلى الأثر، عُين سعيد ناصر الدين نقيباً بالوكالة.
وفي عام 2012، أُجريت انتخابات جديدة، وفاز إلياس عون بمنصب النقيب. وجرى التجديد لعون بعد انتخابات حادة، واجه خلالها المرشح المنفرد أنطوان الشدياق. وعام 2018، ترشحت لائحتان لمجلس نقابة المحررين، كان على رأسها كل من جوزف القصيفي من ناحية، وأندريه قصاص وإلياس عون من ناحية ثانية، وفاز يومها القصيفي الذي أعيد انتخابه قبل أيام.
ممثل اتحاد الصحافيين العرب في الاتحاد الدولي للصحافيين، علي يوسف، الذي هو أحد الأعضاء الفائزين في الانتخابات الجديدة تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن مدى رضا الاتحاد عن أداء نقابة المحررين، وقال: «أخذت النقابة هذا الموقع نتيجة التقدير للطريقة التي تعمل بها في المرحلة الحالية. سابقاً، لم يكن هذا الزخم والاجتهاد حاضرين في النقابة، حتى أن الإعلام بشكل عام كان يسير بطريقة كلاسيكية عادية، ولكن مع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية دخل في عالم مختلف. اليوم، توجد يقظة جديدة إزاء دور الإعلام في العالم أجمع، وهو ما نحاول مواكبته في مجلس نقابة المحررين».
ويشير يوسف إلى أن الإعلام الجديد الذي تصبو إليه النقابة «يرتكز على صيغ جديدة تعنى بالالتزام بالشأن العام بطريقة مستقلة حرفية مهنية معاً. وهذا الأمر يأتي رداً على الانحراف الذي أصاب الإعلام ومؤسساته في العالم أجمع».
ويضيف: «انتقل الإعلام اليوم من صانع للرأي إلى صانع للحدث. كل شيء أصبح مبرراً اليوم في العمل الإعلامي لتحقيق الهدف المنشود». ويتابع يوسف: «أضحك عندما أسمع أصواتاً تطالب بأمور غير أساسية في إعلام اليوم. نحن ندخل على الرؤية المستقبلية للإعلام الذي هو سلاح فتاك يمكن أن يعمر أو يهدم بلداً».
ويؤكد يوسف أنه يجب فصل المهنة عن وسائل التواصل الاجتماعي «فليس كل من دون عبارة أصبح صحافياً، أو صور بتلفونه المحمول حادثة صار مصوراً صحافياً. هناك نقاشات جدية نخوضها، وليت هؤلاء المعترضين على فوزنا يتشاركون معنا الآراء. عقدنا جمعيات عمومية، ودعونا إليها أكثر من مرة، ولم يلبِّ أحد منهم الدعوة. أما بالنسبة للانتساب إلى النقابة، فأنا أتحدى صحافياً واحداً رُفض طلبه، وكان مستوفياً للشروط».
ويختتم: «نحن في مرحلة إعادة بناء بعد انهيار مؤسسات إعلامية كثيرة. عندما تقدمنا بمشروع قانون للإعلام نُوقش مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وكذلك مع الأمم المتحدة، تلقينا الثناء على مشروعنا، وعُد أحد المشاريع الإعلامية المتطورة في العالم العربي. الإعلام صناعة، ونحن نرغب في تحويله إلى صناعة صعبة تدخل في الدورة الاقتصادية للبلاد».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.