عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية

وسط مخاوف من الانزلاق مجدداً إلى حافة حرب أهلية

عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية
TT

عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية

عقبات قانونية وخلافات سياسية تهدد الانتخابات الليبية

يعترض الغموض بمستقبل العملية السياسية في ليبيا، على الرغم من اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المقرر أن تُجرى يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. إذ بينما يعلّق الشعب الليبي آماله على صناديق الاقتراع؛ رغبة في أن تخرج البلاد من نفق الفوضى الأمنية والسياسية الذي تعيش فيه منذ أكثر من عشر سنوات، تبدو الصورة على الأرض قليلة الوضوح في ظل انقسامات وخلافات سياسية حول المرشحين، وطعون قانونية التي قد تمنع بعض المرشحين من المنافسة. ويتزامن هذا الحال مع أوضاع أمنية غير مستقرة تنذر بمزيد من الفوضى، وتلقي بظلال مقلقة على العملية السياسية ككل، وتهدد بتأجيل الانتخابات؛ ما يهدّد بزج ليبيا مرة أخرى في مستنقع الحرب الأهلية.
تشير التقارير اليومية الواردة من المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا إلى جاهزية ليبيا للانتخابات من الناحية النظرية؛ إذ اعتمدت المفوضية القائمة الأولية للمرشحين للانتخابات الرئاسية، التي تضمنت 73 مرشحاً، بينما بلغ إجمالي عدد المُرشحين لانتخابات مجلس النواب في كل الدوائر الانتخابية 3173 مُرشحاً ومُرشحة، وفقاً لإحصائية الثلاثاء 30 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ولقد وزعت المفوضية بطاقات الاقتراع على الناخبين، وباشرت تلقي وفحص الطعون الانتخابية، وسط تأكيدات بأن «البلاد مستعدة لإجراء الانتخابات في موعدها».
لكن على الأرض تبدو الصورة مختلفة وغامضة؛ ما دفع ويرفع كثرة من المراقبين إلى توقع تأجيل الانتخابات، من منطلق أن الأوضاع السياسية والأمنية غير مواتية لإتمام العملية السياسية بالصورة المرجوة. كذلك يرى بعض هؤلاء، أن ليبيا «تسير في حقل ألغام قد ينفجر في أي لحظة»، وبذا تعود البلاد إلى المربع صفر في ظل انقسامات سياسية حادة حول المرشحين للانتخابات الرئاسية، وتوترات أمنية وعراقيل قانونية.
- مخاوف مُبرّرة
وحقاً، يبدو أن لهذه المخاوف ما يبرّرها، وأن ثمة من يؤيدها في مستويات عليا داخل أروقة المؤسسات الدولية؛ ذلك أنه قبل شهر من إجراء الانتخابات المرتقبة استقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا يان كوبيش، من منصبه بشكل مفاجئ، وقُبلت استقالته ليسري مفعولها رسمياً من 10 ديسمبر الحالي.
وبالتزامن مع الاستقالة، قال كوبيش – وهو سياسي ودبلوماسي سلوفاكي – في إحاطته أمام مجلس الأمن في الرابع والعشرين من نوفمبر الماضي، إن «المناخ السياسي في ليبيا حول الانتخابات لا يزال شديد الاستقطاب»، ومن ثم حذّر من أن «يؤدي تأخير الانتخابات عن موعدها إلى مزيد من الانقسام والصراع داخل ليبيا».
هذه الاستقالة وصفها مراقبون بأنها «مفاجئة»، ونقلت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية عن توماس هيل، الخبير في شؤون شمال أفريقيا بـ«المعهد الأميركي للسلام» قوله، إن «المجتمع الدولي يدفع بكل قوته لإجراء الانتخابات الليبية في موعدها. إلا أن استقالة كوبيش الآن تشير إلى أن الأمور لا تسير كما هو مأمول، وأن هناك مشاكل في الكواليس».
ثم أنه، حسب مراقبين متابعين، فإن الانتخابات التي طال انتظارها تواجه جملة تحديات، أبرزها الخلافات حول قانون الانتخابات نفسه، والنزاعات المتكرّرة بين الفصائل والجماعات المسلحة، والشقاق الكبير بين الشرق والغرب، إضافة إلى انتشار الجنود المرتزقة والسلاح في البلاد.
- عقبات قانونية وطعون انتخابية
واقع الأمر، أن الانتخابات المزمعة في ليبيا تواجه معارضة داخلية من بعض الفئات على أسس قانونية، تشكك في شرعية القوانين الانتخابية الصادرة عن مجلس النواب؛ وهو ما يهدد برفض قبول نتائج الانتخابات بعد إعلانها. ويأتي ذلك وسط خلافات واضحة وطعون ضد بعض المرشحين الأساسيين، على رأسهم رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة، الذي سحب اسمه من قائمة المرشحين الأولية بناءً على طعن من منافسه في منطقة الغرب الليبي فتحي باشاغا؛ بحجة أن رئيس الحكومة لم يقدّم ما يفيد بتوقّفه عن العمل قبل 3 أشهر من تاريخ الانتخابات، كما تنصّ المادة 12 من قانون الانتخابات. إلا أن محكمة الاستئناف في العاصمة الليبية طرابلس أعادت الدبيبة إلى السباق. ومن جهة ثانية، منع مسلحون محكمة سبها – كبرى مدن الجنوب – من الانعقاد أكثر من مرة لنظر الطعن المقدّم من سيف الإسلام القذافي، ضد استبعاده من الترشح. ثم إنه جرى استبعاد خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني الليبي» من قائمة المرشحين.
العقبات القانونية التي تواجه العملية الانتخابية ليست جديدة، فهي وفق مراقبين يتابعونها ويُلمّون بخلفياتها ظهرت منذ بداية الإعداد للعملية السياسية في ليبيا. وهنا يقول عبد الهادي ربيع، الباحث المتخصّص في الشأن الليبي، في تصريح أدلى به لـ«الشرق الأوسط»، إن «العملية الانتخابية واجهت منذ بدايتها العديد من العراقيل وتنازع الاختصاصات، خاصة في مسألة القاعدة التشريعية والقانونية للانتخابات. حيث يدّعي كل طرف لا شرعية القاعدة القانونية للانتخابات، ويهدد باستخدام السلاح للانقلاب على الانتخابات حال فوز مرشح من خارج تياره السياسي». ثم يضيف قائلاً «مع أن القوانين الانتخابية المنظمة للعملية الانتخابية كانت الحل الوحيد للوصول إلى الانتخابات في موعدها المحدد، إلا أنها جاءت مليئة بالثغرات القانونية وبأخطاء فادحة في الصياغة؛ ما زاد من حدة الاحتقان والصراعات عوضاً عن حلها. فهي فعلياً فتحت باب الطعون في العملية الانتخابية بكاملها، وهو ما يهدّد بتكرار تجربة انقلاب فجر ليبيا عام 2014 على الانتخابات النيابية، وإعادة النظر في العملية الانتخابية برُمّتها».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن قانون الانتخابات يثير خلافات داخل المجتمع الليبي؛ فهو وفق المراقبين «لا يحظى بدعم الجميع»؛ إذ ينصّ على إدارة البلاد وفقاً لنظام رئاسي يعتبر كثيرون أنه يمنح الرئيس سلطة كاملة في حين يبقى البرلمان ضعيفاً.
- شبح الحرب الأهلية
هذا، وبينما قد يوحي زيادة عدد المرشحين في الانتخابات الليبية، وإقبال المواطنين على الحصول على بطاقات الاقتراع، إلى تطلع الشعب الليبي لإجراء الانتخابات، فإن الأوضاع الأمنية السيئة تُعد أحد التهديدات الرئيسة التي تواجه العملية الانتخابية. إذ يخشى كثيرون من تحوّل الخلافات السياسية إلى نزاعات مسلحة. وللعلم، يقول كوبيش نفسه، إنه «مع اقتراب الانتخابات، ثمة مخاوف من أن تتحوّل الانقسامات السياسية والمؤسساتية الراسخة إلى مواجهة تغذيها المواقف المتشددة والخطاب التحريضي».
ومن جانبهم، يعترف السياسيون في ليبيا بأن الظروف الأمنية غير مواتية لإجراء الانتخابات، وإن كانوا في الوقت نفسه يشدّدون على ضرورة إجرائها في موعدها باعتبارها «القنطرة الوحيدة للعبور من حالة الفوضى إلى حالة الاستقرار»، كما قال الدكتور محمد عامر العباني، عضو مجلس النواب الليبي، لـ«الشرق الأوسط». وتابع العباني، أن «ليبيا نجحت من قبل عام 2014 في إجراء انتخابات نيابية في ظروف أمنية أكثر سوءاً»، مشدداً على أنها «الآن مستعدة لإجراء الانتخابات في موعدها».
ولكن في المقابل، المخاوف من سقوط البلاد مرة أخرى في دائرة الحرب الأهلية ليست بعيدة عن توقعات المراقبين للأوضاع على الأرض، وهو ما يؤكده الباحث السابق في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» بين فيشمان، في مقاله المنشور نهاية الشهر الماضي، تحت عنوان «انتخابات ديسمبر في ليبيا تطرح خطر العودة إلى الحرب الأهلية».
فيشمان يرى، أن على «ليبيا التي قطعت شوطاً طويلاً منذ إنهاء حربها الأهلية الثالثة في منتصف عام 2020 ألا تخاطر باستئناف العنف أو تقسيم البلاد من خلال إجراء انتخابات مستعجلة. ونظراً للجو المشحون بالانقسامات وإلى احتمال اندلاع أعمال عنف كبيرة، من الحكمة إرجاء الانتخابات لفترة محددة إلى حين حلّ العديد من القضايا المهمة». وحقاً، دفعت الأوضاع الأمنية «الهشة» في ليبيا وزير الداخلية خالد مازن، إلى التلميح بإمكانية تأجيل الانتخابات، عندما قال، إن «اتساع الانتهاكات الأمنية في الأيام الأخيرة، بات يعرقل عملية تأمين ويهدد سلامة واستمرار العملية الانتخابية في البلاد».
- تأجيل الانتخابات
الراغبون في تأجيل الانتخابات يستندون في مطالبهم إلى «غياب» المرشح التوافقي، مقابل وجود أسماء على قائمة المرشحين قد تؤدي إلى انقسامات حادة داخل ليبيا، منهم سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس معمر القذافي، الذي ثار الشعب ضده في عام 2011. ويعتقد مراقبون، أن «قبول ترشح القذافي قد يدفع البعض لمقاطعة الانتخابات، كما أن رفض ترشحيه قد يدفع مؤيديه إلى حمل السلاح». يضاف إلى ذلك، وجود لاعبين بارزين على الساحة السياسية الليبية بين المرشحين، مثل خليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة، وهو ما يراه البعض «نذير خطر قد يؤدي إلى اندلاع أعمال عنف في البلاد».
وهنا يقول ريتشارد سبنسر، في مقال نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية، إن «نوعية المرشحين» واحدة من العوامل المنذرة بالخطر. إذ كتب في نوفمبر الماضي تحت عنوان «الانتخابات الرئاسية الليبية: اختيار بائس لمرشحين يدعمون الفوضى»، قائلاً «مساعي مجموعة يُتهم أفرادها بالفاسدين والمجرمين الباحثين عن السلطة، قد تدفع ليبيا التي مزّقتها الحرب إلى منعطف درامي في مسيرتها نحو تحقيق الاستقرار والسلام».
أيضاً، يرى المطالبون بتأجيل الانتخابات ضرورة الاتفاق على أساسيات العملية السياسية، وتسلسلها، وقواعد الترشح قبل الشروع في تنفيذها... وأن تكون هذه القواعد نابعة من الشعب الليبي نفسه وليست مفروضة عليه من الخارج. وهنا يعلّق عبد الهادي ربيع بأن «المسار السياسي الحالي لم يكن خيار الليبيين، بل كان خيار الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الذي أقرّ ذلك في مخرجات مؤتمر برلين بشأن ليبيا، ولم يكن السياسيين الليبيين ليقبلوا بهذا المسار ما لم يجبرهم عليه المجتمع الدولي». ثم يتابع، أن «هذا المسار يبدو أنه الأنجح ظاهرياً، حيث أمكن توحيد الكثير من المؤسسات، وجرى حل مسألة تنازع الشرعية بشكل كبير، إلا أن إغفال ملفات دقيقة وحساسة كإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية وحل الميليشيات ونزع سلاحها زاد من تأجّج الجمر تحت الرماد؛ إذ يهدد انتشار السلاح في البلاد بنسف أي تقدم سياسي في ليبيا، والعودة إلى مربع الصراعات».
وفعلاً، تعد قضية المرتزقة من أهم التحديات التي تواجه ليبيا، حيث اجتمعت اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) في جنيف بسويسرا يوم 8 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ووضعت خطة عمل لانسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب بشكل متوازن ومرحلي وتدريجي، ونُشرت أول مجموعة من مراقبي وقف إطلاق النار التابعين الأمم المتحدة في 10 أكتوبر الماضي، ومع ذلك «ما زالت هذه القضية مثيرة للقلق داخل ليبيا وخارجها». وفي إحاطته أمام مجلس الأمن، شدد الطاهر السني، مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، على «ضرورة الاستجابة لمطلب الشعب الليبي السيادي، والمتمثل في إنهاء أي نوع من أنواع الوجود الأجنبي على الأراضي الليبية». وعلى الجانب الآخر، يرفض أنصار الانتخابات تأجيلها، ويؤكدون، أن «مخاطر التأجيل أكبر بكثير من مخاطر الاستمرار في العملية السياسية». وتبعاً للعباني، فإن «الانتخابات عرس يتمناه الليبيون، وتأجيلها ليس بالأمر السهل؛ كون المجتمع الدولي يضغط لإجرائها في موعدها... تنفيذ الاستحقاقات الانتخابية تم بروية وتأنٍ، ودعوات التأجيل لن يكون لها محل على أرض الواقع».
- دعم المجتمع الدولي
الانتخابات المقررة في نهاية الشهر الحالي تأتي نتيجة للتسوية السياسية التي قادتها الأمم المتحدة في فبراير (شباط) الماضي، وتضمنت وقف إطلاق النار، كما وضعت برنامجاً زمنياً للعملية السياسية الضامنة إجراء انتخابات. لكن «الاتفاق لم يتطرق إلى التفاصيل المتعلقة بصلاحيات المرشحين وأهليتهم، وشروط ترشحهم»، وهنا يقول سبنسر، إن «إلغاء الانتخابات، قد يؤدي إلى عودة العنف، بيد أن رفض المرشحين قبول النتيجة، وهو أمر غير مستبعد بالنظر إلى جيوشهم الخاصة ودعم المرتزقة الأجانب المتنافسين، يمكن أن يؤدي إلى سيناريو أسوأ». وهو ما يوافق رأي كوبيش بأن «الإحجام عن إجراء الانتخابات قد يؤدي إلى تدهور خطير للوضع في البلاد، كما يمكن أن يفضي إلى مزيد من الانقسام والصراع».
ربيع من جهته يتوقع أن «يدفع المجتمع الدولي لإجراء العملية الانتخابية في موعدها، لكن أطرافاً عديدة ستنقلب على النتيجة». ولذا؛ يرى أن «الأهم من إجراء الانتخابات في موعدها هو إجبار الجميع على القبول بنتيجتها. ولكن أحداً لا يملك ذلك، خاصة مع بوادر الانقسام والصراعات التي بدت بين أجهزة وزارة الداخلية في العديد من المناطق والصراع مع القوات المسلحة أو الاجتماعية في هذه المناطق». وبالفعل بدأ المجتمع الدولي يحذر من التداعيات الأمنية والسياسية على الانتخابات الليبية. وقال السفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، في تغريدة على «تويتر»، إن واشنطن تشارك الليبيين والمجتمع الدولي مخاوفهم، مطالباً «بالعمل على تهدئة الأوضاع واحترام العملية الانتخابية والقانونية في ليبيا، ورفض السماح للجماعات المسلحة بتهديد الانتخابات».
وبالتزامن مع الكلام الأميركي، بحثت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا مع سفير الاتحاد الأوروبي في ليبيا خوسيه ساباديل، والمبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيتش، سبل دعم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقبلة... وجرى التأكيد على استمرار الدعم الدولي لإجراء الانتخابات في موعدها، وحماية نزاهتها.
أخيراً، يترقب المجتمع الدولي ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، بينما يتابع العديد من المحللين المهتمين بالشأن الليبي الأوضاع في صمت. ويعتبر هؤلاء، أنه يستحيل التنبؤ بما ستسفر عنه الأيام المقبلة، وما إذا كانت ليبيا ستنجح في إتمام العملية السياسية والتقدم نحو مستقبل أكثر استقراراً عبر انتخابات يتوافق على نتيجتها الشعب الليبي، أم أن الانقسامات السياسية والتوترات الأمنية ستؤدي إلى تأجيل الانتخابات. كذلك، إزاء ما سيعنيه رفض تقبّل النتائج، وما إذا كان سيخلق حالة من الفوضى الأمنية والاضطراب السياسي.
- الطريق المُتعِبة إلى الانتخابات المتعثرة
> تُعدّ العملية السياسية الحالية التي ستكلل بانتخابات رئاسية وبرلمانية محاولة لإعادة صياغة البنية السياسية والمؤسساتية لليبيا، وإنهاء نزاعاتها المتعددة، والتي تفاقمت خلال السنوات الماضية مع اندلاع الصراع الجهوي بين منطقتي الشرق (برقة) والغرب (طرابلس)، والذي جاءت التسوية السياسية الحالية لوضع حد له، ولرسم المخطط الزمني للعملية السياسية الحالية لا بد أن نعود سنوات للوراء لندرك خلفياتها.
وكما هو معروف، أجج تشكيل حكومة «الوفاق الوطني» في ديسمبر (كانون الأول) 2015 الصراع بين الشرق بقيادة فايز السراج، والغرب بقيادة خليفة حفتر، وبخاصة أن برلمان الشرق لم يعترف بحكومة السراج. وعلى مدار عامي 2017 و2018، تواصلت اجتماعات باريس في العاصمة الفرنسية للوصول إلى تسوية سياسية بين الشرق والغرب، لكنها لم تنجح في وضع حد لهذا الصراع الدموي.
الاختراق المأمول حدث في الخامس من فبراير (شباط) 2021، وتمت الموافقة على تشكيل مجلس رئاسي وحكومة موحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة. وفي الشهر التالي، حصلت حكومة الدبيبة على ثقة البرلمان من أجل قيادة ليبيا في مرحلة انتقالية حتى إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية. وفي يونيو (حزيران) 2021 عقد «مؤتمر برلين 2» للتحضير للانتخابات واستكمال العملية السياسية. وبعد شهر، اجتمع مجلس الأمن لبحث الأزمة الليبية والمساعدة في الوصول إلى حل بشأن القضايا الخلافية التي تعرقل استكمال المسار السياسي. ثم في أكتوبر (تشرين الأول) صادق مجلس النواب الليبي على قانون الانتخابات التشريعية. وخلال 21 من الشهر الفائت استضافت باريس مؤتمراً لتقديم الدعم للانتخابات الليبية، مع العلم أن موعد الانتخابات الرئاسية هو 24 ديسمبر الحالي، والانتخابات التشريعية في يناير (كانون الثاني) المقبل.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.