بنيت يطلب وقفاً فورياً لمحادثات فيينا رداً على «الابتزاز النووي» الإيراني

مع بدء مداولات في واشنطن بين جنرالات إسرائيليين وأميركيين حول «عمليات حربية مشتركة»

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من تدريبات مشتركة بين وحدته البحرية والقوات الأميركية في إيلات الشهر الماضي
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من تدريبات مشتركة بين وحدته البحرية والقوات الأميركية في إيلات الشهر الماضي
TT

بنيت يطلب وقفاً فورياً لمحادثات فيينا رداً على «الابتزاز النووي» الإيراني

صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من تدريبات مشتركة بين وحدته البحرية والقوات الأميركية في إيلات الشهر الماضي
صورة نشرها الجيش الإسرائيلي من تدريبات مشتركة بين وحدته البحرية والقوات الأميركية في إيلات الشهر الماضي

مع الكشف عن مشاورات جنرالات إسرائيليين وأميركيين كبار حول «عمليات حربية مشتركة»، وقبل زيارة وزير الدفاع بيني غانتس إلى واشنطن لإجراء مشاورات بشأن إيران، توجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بنيت، أمس، برسالة مستعجلة إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، طالب فيها بوقف محادثات فيينا فوراً، متهماً إيران بـ«المماطلة» وممارسة «الابتزاز النووي» في المفاوضات.
وقال بنيت، خلال محادثة هاتفية طويلة بادر إليها مع بلينكن، ظهر أمس، إنه يعتمد على معلومات استخبارية، وأيضاً التقرير الأخير للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن بدء إيران بتخصيب «اليورانيوم» بمستوى 20 في المائة، بواسطة أجهزة الطرد المركزي المتقدمة في منشأة فوردو، تحت الجبال.
وحسب مسؤول سياسي رفيع في تل أبيب، فإن «المحادثة كانت طويلة وليست سهلة، وتمحورت حول إيران وخروقاتها المتواصلة والاستفزازية في المجال النووي». وقال بنيت إن «الردّ على ذلك يجب أن يكون بعدم الخضوع للابتزاز، وإنما بدفع ثمن فوري من الإيرانيين». وحسب بيان صادر عن مكتبه، عاد بنيت إلى تكرار معارضته لرفع العقوبات عن إيران، «وخاصة في إطار اتفاق مؤقت، ما يعني عملياً ضخ مبالغ كبيرة من المال إلى النظام في طهران».
وجاءت تصريحات رئيس الوزراء، جنباً إلى جنب مع تسريب الجيش الإسرائيلي لأنباء سمحت بنشرها الرقابة العسكرية، ووردت فيها معلومات عن عزمه «شراء كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة، بمبلغ 5 مليارات شيكل (1.6 مليار دولار)، وذلك ضمن الاستعدادات لهجوم حربي محتمل في إيران».
وذكرت مصادر أمنية أن اللجنة الوزارية لشؤون التسلح، صادقت على شراء 12 مروحية عملاقة لنقل الجنود من طراز «سي إتش 53 كيه»، وصواريخ اعتراضية لمنظومة «القبة الصاروخية، إضافة إلى كمية كبيرة من هذه الصواريخ، بمبلغ مليار دولار، صادقت الإدارة الأميركية على تمويلها، لكن الكونغرس لم يقر المصادقة النهائية عليها بعد». وقال مصدر عسكري إن إسرائيل أبرمت اتفاقاً جديداً من أجل شراء قنابل وذخيرة دقيقة، و«سرية» لسلاح الجو بكميات كبيرة، ومعظمها من صنع الصناعات الأمنية الإسرائيلية، والقسم الآخر من الولايات المتحدة، وبتمويل المساعدات الأمنية الأميركية السنوية. وحسب المصدر، فإن هذه الصفقات تشملها وثيقة مصنفة بأنها «سرية للغاية» بعنوان «الدائرة الثالثة»، في إشارة إلى إيران.
وبالمقابل، صرّح «قائد كبير جداً» في رئاسة هيئة الأركان العامة الإسرائيلية أن «العبرة استخلصت من تصرفات الإيرانيين»، وأنه «حتى لو نجحت الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق نووي جيد، فإنه لن يتم التراجع عن الاستعدادات لهجوم عسكري».
ولفت النظر إلى أن مسؤولين عسكريين تحدثوا إلى المراسل العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت، وأشاروا إلى الموقف الأميركي إزاء هجوم إسرائيلي على المنشآت النووية في إيران. فقالوا إن هناك سؤالين مطروحين في حال قررت إسرائيل شنّ هجوم عسكري؛ «هل الأميركيون معنا في الهجوم نفسه؟ وإذا كانت الإجابة لا، فهل سيدعموننا على شكل مساعدة أمنية وسياسية أثناء الحرب وبعدها؟». وأضافت الصحيفة أنه لا يتوقع مشاركة أميركية في هجوم إسرائيلي كهذا، بادعاء طبيعة أداء إدارة بايدن في المنطقة. لكن فيما يتعلق بتقديم دعم أميركي لإسرائيل أثناء الحرب، أشارت الصحيفة إلى تقديرات إيجابية في هذه المرحلة، «خاصة إذا اتضح بما لا يقبل الشك أن الإيرانيين تسببوا بذلك، ولم يكن خيار أمام إسرائيل».
وفي السياق، كشف الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي بياناً أن وفداً من كبار جنرالات الجيش الإسرائيلي يُجري منذ أول من أمس مباحثات مع قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأميركي في فلوريدا، حول شؤون حربية مشتركة. وشارك في الاجتماعات رئيس قسم العمليات في الجيش الإسرائيلي، عوديد بسيوك، ورئيس قسم الإستراتيجية والدائرة الثالثة (وهي تشمل دولاً مثل العراق واليمن وإيران) طال كلمان.
ومن جهة ثانية، أدلى وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، بتصريحات بمناسبة عزمه القيام بزيارة واشنطن، يوم الخميس المقبل؛ حيث سيعقد سلسلة لقاءات «أمنية - سياسية»، على رأسها، مع نظيره الأميركي، لويد أوستن، ووزير الخارجية، أنتوني بلينكن. وقال غانتس إنه «ينبغي إعداد بديل لاحتمال فشل المفاوضات النووية». وأضاف: «علينا إعداد أنفسنا لأي احتمال للدفاع عن دولة إسرائيل... ستكون القضية الإيرانية في مركز الأبحاث من أجل دعم الجهود الدولية وتمكين القدرات الإسرائيلية».
وتابع غانتس: «سوف نشرح للأميركيين المخاطر المتعالية، ونعكس لهم الواقع مثلما نفهمه. وفي نهاية الأمر توجد لديهم مصالح خاصة بهم أيضاً». وأشار إلى أن «إسرائيل ليست طرفاً في الاتفاق. وهي تدعم بالمعلومات الاستخباراتية، وبالحوار. وليس بإمكاني القول إذا كانت المفاوضات ستفشل. ومزيج من الضغوط السياسية، والضغوط الاقتصادية، واستعدادات عسكرية، ستدفع إيران إلى اتفاق جيد. وإذا لم يحدث هذا، فعلينا إعداد بديل لأنفسنا».
وفسّر غانتس الاتفاق الجيد بأنه يبعد الإيرانيين عن مجال الأبحاث والتطوير النووي، ويحد من تجميع مواد مخصبة. وأشار أيضاً إلى جوانب الأنشطة الإقليمية لإيران. وقال إن «الخيار العسكري يجب أن يكون مطروحاً دائماً. لكنه بالطبع هو الملجأ الأخير الذي نريد أن نستخدمه، لكن ليس لدينا الحق بألا نعد هذا الخيار لأنفسنا».
وسئل غانتس عن تنسيق هجوم محتمل ضد إيران مع واشنطن، فأجاب: «إسرائيل ليست ملزمة بأن تنسق الدفاع عن نفسها مع أي أحد، وأنا متأكد من أنهم سيدعموننا لاحقاً أيضاً».
وحول ما إذا كانت ذريعة شنّ هجوم هي رفع إيران مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 90 في المائة، قال غانتس: «لم أقل هذا، ولا أحب وضع خطوط حمراء، وأن أضطر بعد ذلك إلى الحضور إلى الأستوديو والبدء بالشرح من جديد. نحن نتابع يومياً الخطوات الإيرانية». وأضاف: «ستكون هناك نقطة زمنية ما، لن يكون فيها أمام العالم والمنطقة ودولة إسرائيل خيار سوى العمل. ونحن جاهزون اليوم، وهذه قدرة نحافظ عليها منذ فترة».



وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
TT

وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إلى باكستان التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن، في زيارة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب التي أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على «الانتصار» فيها.

وحلّ عراقجي في إسلام آباد للمرة الثانية خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي، وهذه المرة غداة إلغاء ترمب زيارة كان يتوقع أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وذلك في ظل عدم تحقيق اختراق ينهي الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على طهران في 28 فبراير (شباط).

واستضافت إسلام آباد في وقت سابق من أبريل (نيسان) جولة مفاوضات أولى مباشرة في إطار اتفاق هدنة بين المتحاربين، من دون التوصل إلى اتفاق على إنهاء الحرب التي طالت تداعيتها الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.

وبعد محطته الأولى في إسلام آباد، انتقل عراقجي إلى مسقط ضمن الجولة التي من المقرر أن تشمل روسيا كذلك.

وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) أن عراقجي وصل إلى إسلام آباد بعد ظهر الأحد، آتيا من عُمان حيث التقى السلطان هيثم بن طارق.

وقالت وكالة الأنباء العمانية إن الطرفين بحثا «مستجدّات الأوضاع في المنطقة، وجهود الوساطة والمساعي الرّامية إلى إنهاء النّزاعات».

وكان الوزير الإيراني التقى في باكستان رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحق دار، وقائد الجيش عاصم منير. وقال عراقجي إن طهران تنتظر لتبيان «ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

وكان ترمب قد أعلن، السبت، أن ويتكوف وكوشنر لن يزورا باكستان. وأضاف: «لدينا كل الأوراق. يمكنهم (الإيرانيون) الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس والتحدث عن لا شيء». ورأى أن واشنطن أهدرت «الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل!».

لكن ترمب شدد على أن عدم سفرهما لا يعني استئناف الحرب، مضيفاً أن الإيرانيين «قدموا إلينا وثيقة كان يجب أن تكون أفضل مما هي عليه»، وأنه بعد إلغاء الزيارة «قدموا وثيقة جديدة أفضل»، دون أن يدلي بتفاصيل.


إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.