قلق غربي من احتمال عزوف ميقاتي وسلام والحريري عن خوض الانتخابات اللبنانية

عودة جلسات الحكومة تصطدم بربط استقالة قرداحي بالملف القضائي

TT

قلق غربي من احتمال عزوف ميقاتي وسلام والحريري عن خوض الانتخابات اللبنانية

ينشغل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بتهيئة الأجواء لدعوة مجلس الوزراء للانعقاد الأسبوع المقبل لتفعيل العمل الحكومي، حسبما اتفق عليه مع رئيس الجمهورية ميشال عون في اجتماعهما أول من أمس على أن يسبقه حسم استقالة وزير الإعلام جورج قرداحي التي أصبحت سالكة إلا في حال دخول «حزب الله» على خط تأخيرها بربطها بالاستجابة لمطلب «الثنائي الشيعي» بشأن صلاحية المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار وحصر تحقيقاته مع المتهمين والموقوفين باستثناء رئيس الحكومة السابق حسان دياب والوزراء السابقين والنواب الحاليين علي حسن خليل ونهاد المشنوق وغازي زعيتر لملاحقتهم من قبل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
ومع أن «حزب الله» كان أوكل إلى رئيس المجلس النيابي نبيه بري التفاوض لتحقيق ذلك، فإنه يحتفظ لنفسه بتأخير إعطاء «الضوء الأخضر» لاستقالة قرداحي التي تعطي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورقة يُدرجها على جدول أعمال محادثاته مع كبار المسؤولين في المملكة العربية السعودية لفتح ثغرة تتيح البحث في كيفية إنهاء الأزمة التي تحاصر العلاقات اللبنانية - الخليجية.
ويعزو مرجع حكومي سابق أن «حزب الله» يتوخى للإفراج عن استقالة قرداحي، الوصول إلى مقايضتها بتحقيق فك الاشتباك في الملف القضائي كشرط لمعاودة جلسات مجلس الوزراء، ويؤكد أن هذه المسألة متروكة للقضاء اللبناني لأن ميقاتي ليس في وارد التدخل في شؤونه التزاماً منه بمبدأ فصل السلطات، شرط أن يبادر القضاء إلى تصويب مسار التحقيق في انفجار المرفأ والعودة عن الاستنسابية والانتقائية التي يتهم «الثنائي الشيعي» البيطار باتباعها في ادعائه على دياب والوزراء الثلاثة السابقين بخلاف ما نص عليه الدستور الذي يحصر ملاحقتهم بالمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
ويؤكد المرجع الحكومي السابق الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ«الشرق الأوسط» أن وكلاء الدفاع عن دياب والنواب الثلاثة سيتقدمون قريباً بدفوع شكلية على خلفية أن لا صلاحية للقضاء العدلي في ملاحقتهم، ويسأل إذا كان ميقاتي باتفاقه مع عون سيوجه الدعوة لعقد جلسة لمجلس الوزراء الأسبوع المقبل في حال استمر الوزراء المحسوبون على «الثنائي الشيعي» على موقفهم بامتناعهم عن حضورها بسبب عدم أخذه بالأسباب التي دفعتهم إلى مقاطعة الجلسات، وبالتالي دخوله في نزاع مع بري و«حزب الله»؟ علماً بأن ميقاتي يؤكد أمام زواره أن لا مشكلة بينه وبين رئيس المجلس النيابي ولا مجال لأي طرف للرهان على اصطدامه به؟
ويعتبر المرجع الحكومي نفسه بأن القضاء يبقى المسلك الوحيد لابتداع الصيغة القضائية التي من شأنها أن تحقق الفصل بين صلاحية البيطار وبين صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، ويرى أن ميقاتي يلوح باستعداده لدعوة مجلس الوزراء للانعقاد في محاولة للضغط على الأطراف المعنية لتسريع الاتفاق على حصر مهمة المحقق العدلي بملاحقة المتهمين والموقوفين من غير المشمولين بملاحقتهم أمام المجلس الأعلى.
ويلفت إلى أن دعوة مجلس الوزراء للانعقاد بمن حضر تأتي في إطار الضغط لإخراج تعطيل الحكومة من التأزم، ويقول إن ميقاتي الذي يُحسن تدوير الزوايا بات على قناعة بأن الاستعاضة عن عدم انعقاد مجلس الوزراء بتكثيف اجتماعات اللجان الوزارية لا يفي بالغرض المطلوب لأن هناك ضرورة لاتخاذ القرارات في مجلس الوزراء بدلاً من الاعتماد على إصدار المراسيم الاستثنائية أو اتباع وسيلة أخرى تتعلق بتدبير أمور الدولة وشؤون المواطنين من خلال التوقيع على المراسيم الجوالة التي قد تصلح لملء الفراغ لكنها ليست قابلة للاستمرار.
فلبنان الذي يمر حالياً في ظروف صعبة للغاية مع ارتفاع معدلات الفقر وتدهور القدرة الشرائية للعملة الوطنية لم يعد يحتمل، كما يقول المرجع نفسه، معالجة الأزمات المتراكمة بجرعات من التخدير التي تدفع باتجاه انفجار شامل يصعب السيطرة عليه.
كما أن استبعاد الرهان على دعوة مجلس النواب للانعقاد ليتولى بأكثريته النيابية فك الارتباط في ملف انفجار المرفأ يعود إلى جملة من الاعتبارات، أبرزها أن لا مشكلة في توفير النصاب القانوني للانعقاد وإنما تكمن في تأمين الأكثرية للتصويت على مبدأ فصل التحقيق وتوزيعه بين المحقق العدلي، وبين المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
وفي هذا السياق، يقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط» إنه لا مفر من التلازم بين استقالة قرداحي، مع أنها لم تعد مستعصية، وبين التحقيق في انفجار المرفأ، ويؤكد أن استعداد «تكتل لبنان القوي» برئاسة النائب جبران باسيل لحضور الجلسة لتأمين النصاب من دون التصويت على الاقتراح يبقى في حدود رفع العتب من دون أن تكون له مفاعيل سياسية.
ويسأل المصدر النيابي: هل أن باسيل على استعداد لحضور الجلسة في حال امتنع النواب الأعضاء في حزب «القوات اللبنانية» عن حضورها، وبالتالي هل سيتحمل تبعات ردود الفعل المناهضة له في الشارع المسيحي التي ستكون حاضرة في المنافسة الانتخابية؟
كما يسأل عن الصعوبات التي يمكن أن تحول دون تأمين الأكثرية للتصويت على مبدأ الفصل التزاماً بما نص عليه الدستور في هذا الخصوص لوضع حد لخرقه من قبل المجلس العدلي - كما يقول مصدر نيابي آخر مقرب من «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط» - سيما وأن رئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط كان أعرب عن خشيته من دفن التحقيق في انفجار المرفأ.
فرئيس «التقدمي» كان حدد موقفه في هذا الشأن والذي انسحب على اعتراض نواب «اللقاء الديمقراطي» على حصر محاكمة دياب والنواب الثلاثة أمام المجلس العدلي وأيدوا لاحقاً اقتراح رئيس الحكومة السابق سعد الحريري بتعليق بعض مواد الدستور لفترة انتقالية تسمح برفع الحصانة عن كل المسؤولين.
لذلك سيواجه نواب «اللقاء الديمقراطي» إحراجاً إذا بادروا إلى إعادة النظر في موقفهم، فيما يبدو أن وضع نواب كتلة «المستقبل» لن يكون أفضل حالاً ولن ينخرطوا في صف واحد للتصويت إلى جانب الاقتراح الرامي إلى فك الارتباط في ملف التحقيق، خصوصاً أن بعضهم كان امتنع عن التوقيع على العريضة النيابية المتعلقة بالدفاع عن صلاحيات المجلس الأعلى، فيما بعضهم الآخر اضطر إلى سحب توقيعه عليها.
وتبقى الأولوية لدور القضاء للفصل في ملف التحقيق بين المجلس العدلي والمجلس الأعلى، إلا إذا حصل تبدل في مواقف الكتل النيابية بالاحتكام إلى البرلمان لينوب عن القضاء في هذه المهمة، برغم أن هذا التبدل ليس، حتى إشعار آخر، في متناول اليد.
ولا بد من التوقف أمام تحرك السفيرة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا وزميلتها الفرنسية آن غريو بالتلازم مع تحرك عدد من سفراء الاتحاد الأوروبي على المستويين الرسمي والسياسي، الذي يراد منه توجيه رسالة لمن يعنيهم الأمر وحث ميقاتي على عدم الاستقالة ودعم صموده من جهة، وجهوده لإخراج الحكومة من التأزم، مع إصرارهم على إجراء الانتخابات النيابية في موعدها وتحذيرهم من التداعيات السلبية المترتبة على تأجيلها.
ويكمن الأهم في سؤالهم عن صحة ما يتردد من أن ميقاتي والرئيس تمام سلام اتخذا قرارهما بالعزوف عن خوض الانتخابات النيابية، فيما يميل الحريري إلى عدم الترشح رغم أنه لم يتخذ حتى الساعة قراره النهائي، وهذا ما يدعوهم للقلق، كما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، لما يترتب على قرار رؤساء الحكومات الـ3 من تداعيات في الشارع السني تؤدي إلى خلط الأوراق وتتجاوزه إلى مستقبل الوضع السياسي في البلد لوجود صعوبة في ملء الفراغ الذي يخلفه عزوفهم عن الترشح.
فغياب كبرى القيادات السنية عن المنافسة الانتخابية التي يراهن عليها المجتمع الدولي بدعمه للحراك المدني لإحداث بداية تغيير في إعادة تكوين السلطة سيُحدث خللاً في التوازنات السياسية، يستفيد منه محور «الممانعة» بقيادة إيران باعتماده على حليفه «حزب الله» لملء الفراغ بتركيبه لوائح انتخابية تضم مرشحين معظمهم من «المغمورين» بعد أن أُخليت الساحة له ولم يستجب رؤساء الحكومات للضغوط التي تطلب منهم إعادة النظر في قرارهم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.