البحث عن الألوان الطازجة في منابع الشمس ووهج الأنوثة الفائر

«نوا نوا» أو يوميات بول غوغان في تاهيتي

بول غوغان عام 1891
بول غوغان عام 1891
TT

البحث عن الألوان الطازجة في منابع الشمس ووهج الأنوثة الفائر

بول غوغان عام 1891
بول غوغان عام 1891

يشترك الرسامون والكتاب، بخاصة الشعراء منهم، في التقاط الإشارات التي ترسلها إليهم الحياة على شكل صور متناثرة أو احتدام عصبي، أو وميض غامض يحتاج إلى من يتقن تظهيره وينقله إلى طور التشكل. على أن الطرفين اللذين يغرفان من اللهب ذاته أو الينابيع إياها، يفترقان كما هو معلوم في طريقة تعبير كل منهما عن مكابداته، حيث الكتاب والشعراء يتخذون من اللغة أداة للإفصاح عن كشوفهم الرؤيوية، فيما يجعل الرسامون من الألوان والخطوط سبيلهم إلى الهدف نفسه. وقد تكون عبارة «الرسم بالكلمات»، التي وصف نزار قباني من خلالها فن الشعر، هي التجسيد الأمثل للعلاقة الوثيقة بين الكتابة وفن الرسم، حيث لا يحتاج توصيف هذا الأخير إلا إلى قلب العبارة القبانية لتصبح «الكلمات بالألوان». أما الشواهد الأبلغ على تفاعل كل من الوسيلتين التعبيريتين مع الأخرى، فتتمثل في العدد الهائل للقصائد التي استوحاها الشعراء من لوحات التشكيليين ومنحوتاتهم، ومن الأعداد المماثلة للوحات والمنحوتات التي تم استلهامها من قصائد الشعراء والنصوص النثرية العالية.
على أن التقاطعات العديدة بين الكتاب والتشكيليين لم تدفع كلاً من الطرفين إلى الالتزام النهائي بالفن الذي يتقنه إلى درجة الاحتراف، أو على وضع خطوط تماس صارمة بين الطرفين، بل عمد كل منهما إلى اختراق المجال الحيوي للآخر، من خلال الهوية المركبة التي مكنت بعض المبدعين من توزيع موهبتهم على غير حقل تعبيري، بحيث أظهر شعراء وكتاب كثر براعة حقيقية في الرسم، كما هو حال غارسيا لوركا وجبران خليل جبران وناظم حكمت وإيتيل عدنان، فيما أظهر رسامون وتشكيليون عديدون براعة موازية في مجال الكتابة، كما هو حال رامبرانت وفان غوخ وسلفادور دالي وكثر آخرين.
تكشف المذكرات التي كتبها الرسام الفرنسي الشهير بول غوغان، عن رحلته إلى تاهيتي، التي صدرت طبعتها الثانية مؤخراً عن دار «خطوط وظلال»، ونقلتها إلى العربية أبية حمزاوي تحت عنوان جديد هو «يوميات بول غوغان في تاهيتي»، عن قدرة الفنانين الكبار على المواءمة الناجحة بين الكتابة وفنون التشكيل، سواء من حيث الفضاء التخييلي الشاسع، أو من حيث القدرة على تحويل الحواس إلى منصة للتأمل والكشف والتبصر الروحي والرؤيوي. ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى أن الجانب الأهم في رحلة غوغان إلى الجزيرة الواقعة في الطرف الأخير للكوكب ليس المذكرات بحد ذاتها، بل هو الرحلة نفسها بوصفها مجازفة نادرة ومحفوفة بالمخاطر، لا يرتضي خوضها سوى كوكبة من المغامرين، الذين يديرون ظهرهم دون ندامة، لبهرج الحضارة المستجدة وقشورها الزائفة، دون أن ينتقص ذلك بالطبع من الجمالية العالية للغة المؤلف، أو من أسلوبه السردي المحكم والمشوق.
ولعل المآل المرير الذي انتهت إليه علاقة غوغان بصديقه فان غوخ في الجنوب الفرنسي، بعد فترة من الألفة والتناغم الشخصي والإبداعي، قد شكل العامل الحاسم في دفع غوغان إلى النأي بنفسه بعيداً عما يعرقل مسيرته من عوائق ومنغصات، باحثاً عن المنعطف الجذري الذي يضع حياته وفنه في مسار آخر.
وإذا كان البحث عن سحر الشرق، الممتد بجغرافيته الشاسعة من شواطئ المتوسط إلى جزر اليابان، قد شكل السمة المشتركة لعدد من كتاب الغرب وفنانيه، كما كان حال غوته ونوفاليس وأرنست رينان وغيرهم، فإن صاحب غوغان قد ذهب بعيداً في تعطشه إلى اكتشاف المجهول والبحث لضربات فرشاته عن الألوان الصارخة في توهجها، قاصداً الجزيرة الواقعة في الأحشاء الشرقية الجنوبية للمحيط الهادئ، التي كانت فرنسا قد ضمتها حديثاً إلى ما سمته مستعمرات ما وراء البحار.
«في ليلة الثامن من حزيران، وبعد ثلاثة وستين يوماً من السفر، ثلاثة وستين يوماً من التلهف والانتظار، لمحنا عن بُعد ناراً غريبة تتماوج على صفحة الماء، ومن السماء أفلتت قمة بركانية ذات أثلام». بهذه اللغة البصرية الباذخة يستهل غوغان انطباعاته عن تاهيتي، التي لا يصح في رأيي نعتها باليوميات لأنها لا تعتمد على التقسيم الزمني اليومي لتأريخ الرحلة، بل على التدوين التلقائي والحر لما علق في ذهن المؤلف من أحداث وانطباعات. فالكتاب الصغير الذي لا يكاد عدد صفحاته يبلغ المائة، لا يغطي سوى بعض وقائع المرحلة الأولى من إقامة غوغان في الجزيرة النائية، التي غادرها مؤقتاً لتسويق أعماله التشكيلية في باريس، قبل أن يعود إليها من جديد ليقضي بقية حياته في كنف عوالمها البدائية وأهلها البسطاء الذين تتأرجح أمزجتهم بين السكينة الوادعة والتماهي الكلي مع شراسة الطبيعة وتحولاتها المباغتة.
وإذا كانت الصدفة المجردة هي التي شاءت أن يترافق دخول غوغان إلى العاصمة التاهيتية بابيتي مع رحيل الملك المريض بوماري، فقد حرص غوغان على توثيق تلك اللحظة المفصلية في تاريخ الجزيرة، سواء من خلال انتقالها النهائي إلى عهدة الفرنسيين، أو من خلال الطقوس الجنائزية المحلية التي تتم في مثل هذه الحالات، والتي يشارك في إحيائها سكان الجزر الصغيرة المجاورة، قبل أن ينتهي كل شيء وتعاود عجلة الحياة دورانها الأبدي. فخلال أيام قليلة يستعيد الناس مرحهم الاعتيادي وحيويتهم الفائضة الممهورة بلهب الشموس، حيث الرجال الأشداء الذين يضربون الأرض بأقدام مثيرة للغبار، يمسكون بأيدي نساء مبرعمات الصدور لهن، كما يقول غوغان «وداعة وليونة حيوان صغير، قوي ومعافى، وتفوح منهن رائحة حيوانية ونباتبة، كما عطر دمائهن وأريج الغاردينيا المشكولة في شعرهن، ويهزجن بصوت واحد: (يني ميراهي نوا نوا)». ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن هذه العبارة التي تعني بالعربية «الآن نفوح شذى» هي العنوان الأصلي لمذكرات بول غوغان الذي عرف من خلال علاقاته العاطفية بنساء تاهيتي، كيف ينقل ذلك الشذى النفاذ إلى لوحاته اللاحقة.
لم تُصب العاصمة بابيتي أي هوى في قلب غوغان. لا لافتقارها إلى الجمال، بل لأن الأوروبيين قد حولوها بفعل جشعهم المفرط وهوسهم بالتجارة والربح، إلى مدينة هجينة يتم بشكل ممنهج إبعاد سكانها عن نقائهم الأصلي وإدخالهم في شبكة أخرى من علاقات الانتفاع والرياء والتكاذب الاجتماعي. ولأن المرأة بالنسبة لغوغان هي المعيار الحساس والأكثر تعبيراً عن الحقيقة الإنسانية، فهو لم يستطع مواصلة علاقته بالأميرة فاييتوا التي كُلفت برعايته أثناء المرض، لأنها أجهدت نفسها بغية إرضائه في تقليد السلوكيات الغربية الوافدة، وفي استعراض ثقافتها الأوروبية، فيما كان هو يبحث على النقيض من كل ذلك، عما تتركه براكين البلاد في أعماق نسائها من وهج الأصالة وذهبِها المختزن.
ولم يتوان الرسام الأربعيني في إطار المقارنة بين التقاليد الاجتماعية الغربية والأخرى التاهيتية، عن الانتصار للثانية على الأولى، ليس فقط بما يخص براءة السلوك ونقاء السريرة، بل بما يخص العلاقات العاطفية بين الجنسين، وخلوها التام من العقَد والتابوهات. ففي تاهيتي «تمنح الغابة والنسيم الآتي من البحر، القوة للرئة فتتسع، وتنمو الأكتاف عريضة. رجالهم ونساؤهم يتعرضون بالقدر نفسه لأشعة الشمس ويدوسون الحصى والرمال. وهذا التقارب بين الجنسين جعل علاقاتهم شديدة السهولة، وحالة التعري الطبيعية الدائمة أبعدت أذهانهم عن مشاغل الجسد (الغامض) التي تولَد توتراً شديداً لدى الشعوب المتمدنة». أما في بيئتنا الأوروبية، يقول غوغان «فبفضل الأحزمة والمشدات، نجحنا في جعل المرأة كائناً كامل التشوه، وأبقيناها في حالة من الضعف العصبي والدونية الجسدية».
ومع أن غوغان يفرد صفحات شتى للحديث عن الحضارة الماوورية وما تحفل به من حكايا وأساطير متصلة بأصل الخليقة وآلهتها الكثيرة المنوط بها تنظيم شؤون الطبيعة والبشر، فإن الاسترسال في تعقب معتقدات السكان الأصليين، قبل وصول بعثات التبشير المسيحي، قد أسهم في إبطاء السرد وحشوه بفائض غير مبرر من الأسماء والتفاصيل من جهة، وفي حرمان القارئ من تعقب مسيرة المؤلف بكل ما يكتنفها من غرابة وقدرة على الإدهاش. أما زواج غوغان من الفتاة اليافعة تاهورا، فيعود الفضل فيه إلى الصدفة وحدها، حيث عرضت عليه امرأة أربعينية أن تزوجه من ابنتها الجميلة، فيما لو قطع لها وعداً صادقاً بإسعادها والاعتناء بها. وهو ما حدث بالفعل، حيث استطاعت هذه الفتاة، بما تمتلكه من فتنة وذكاء، أن تحرض زوجها على الرسم، وأن تجسد بالنسبة له الروح الماوورية المترعة بالاندفاع الشهواني والغموض الساحر. إلا أن تاهورا التي بدأت تتعلق شيئاً فشيئاً بزوجها القادم من وراء المحيط، ما لبثت أن شعرت بصدمة قاصمة وهو ينقل إليها خبر مغادرته للجزيرة وعودته إلى بلاده الأم، قبل أن يكتشف فيما بعد أنه لم يعد قادراً على تحمل العلاقات الرأسمالية المنفرة التي بدأت تلقي بظلالها على البشر في بلاد الغرب، ويعود أدراجه ثانية إلى الجزيرة الفردوسية التي شهدت ولادته الثانية، والتي أراد لها أن تكون مثواه الأخير. وحين لوحت له تاهورا بمنديل الوداع، لم يملك غوغان سوى أن يستعير لها من إحدى شاعرات تاهيتي هذه الأبيات المؤثرة:
إيه يا نسائم الجنوب والشرق اللطيفة
تحومين بعذوبة وتحلقين فوق رأسي
أسرعي إلى الجزيرة المجاورة
هناك ستجدين في ظل شجرته المفضلة
ذلك الذي هجرني
قولي له إنك رأيتِني أبكي



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.