البحث عن الألوان الطازجة في منابع الشمس ووهج الأنوثة الفائر

«نوا نوا» أو يوميات بول غوغان في تاهيتي

بول غوغان عام 1891
بول غوغان عام 1891
TT

البحث عن الألوان الطازجة في منابع الشمس ووهج الأنوثة الفائر

بول غوغان عام 1891
بول غوغان عام 1891

يشترك الرسامون والكتاب، بخاصة الشعراء منهم، في التقاط الإشارات التي ترسلها إليهم الحياة على شكل صور متناثرة أو احتدام عصبي، أو وميض غامض يحتاج إلى من يتقن تظهيره وينقله إلى طور التشكل. على أن الطرفين اللذين يغرفان من اللهب ذاته أو الينابيع إياها، يفترقان كما هو معلوم في طريقة تعبير كل منهما عن مكابداته، حيث الكتاب والشعراء يتخذون من اللغة أداة للإفصاح عن كشوفهم الرؤيوية، فيما يجعل الرسامون من الألوان والخطوط سبيلهم إلى الهدف نفسه. وقد تكون عبارة «الرسم بالكلمات»، التي وصف نزار قباني من خلالها فن الشعر، هي التجسيد الأمثل للعلاقة الوثيقة بين الكتابة وفن الرسم، حيث لا يحتاج توصيف هذا الأخير إلا إلى قلب العبارة القبانية لتصبح «الكلمات بالألوان». أما الشواهد الأبلغ على تفاعل كل من الوسيلتين التعبيريتين مع الأخرى، فتتمثل في العدد الهائل للقصائد التي استوحاها الشعراء من لوحات التشكيليين ومنحوتاتهم، ومن الأعداد المماثلة للوحات والمنحوتات التي تم استلهامها من قصائد الشعراء والنصوص النثرية العالية.
على أن التقاطعات العديدة بين الكتاب والتشكيليين لم تدفع كلاً من الطرفين إلى الالتزام النهائي بالفن الذي يتقنه إلى درجة الاحتراف، أو على وضع خطوط تماس صارمة بين الطرفين، بل عمد كل منهما إلى اختراق المجال الحيوي للآخر، من خلال الهوية المركبة التي مكنت بعض المبدعين من توزيع موهبتهم على غير حقل تعبيري، بحيث أظهر شعراء وكتاب كثر براعة حقيقية في الرسم، كما هو حال غارسيا لوركا وجبران خليل جبران وناظم حكمت وإيتيل عدنان، فيما أظهر رسامون وتشكيليون عديدون براعة موازية في مجال الكتابة، كما هو حال رامبرانت وفان غوخ وسلفادور دالي وكثر آخرين.
تكشف المذكرات التي كتبها الرسام الفرنسي الشهير بول غوغان، عن رحلته إلى تاهيتي، التي صدرت طبعتها الثانية مؤخراً عن دار «خطوط وظلال»، ونقلتها إلى العربية أبية حمزاوي تحت عنوان جديد هو «يوميات بول غوغان في تاهيتي»، عن قدرة الفنانين الكبار على المواءمة الناجحة بين الكتابة وفنون التشكيل، سواء من حيث الفضاء التخييلي الشاسع، أو من حيث القدرة على تحويل الحواس إلى منصة للتأمل والكشف والتبصر الروحي والرؤيوي. ومع ذلك فلا بد من الإشارة إلى أن الجانب الأهم في رحلة غوغان إلى الجزيرة الواقعة في الطرف الأخير للكوكب ليس المذكرات بحد ذاتها، بل هو الرحلة نفسها بوصفها مجازفة نادرة ومحفوفة بالمخاطر، لا يرتضي خوضها سوى كوكبة من المغامرين، الذين يديرون ظهرهم دون ندامة، لبهرج الحضارة المستجدة وقشورها الزائفة، دون أن ينتقص ذلك بالطبع من الجمالية العالية للغة المؤلف، أو من أسلوبه السردي المحكم والمشوق.
ولعل المآل المرير الذي انتهت إليه علاقة غوغان بصديقه فان غوخ في الجنوب الفرنسي، بعد فترة من الألفة والتناغم الشخصي والإبداعي، قد شكل العامل الحاسم في دفع غوغان إلى النأي بنفسه بعيداً عما يعرقل مسيرته من عوائق ومنغصات، باحثاً عن المنعطف الجذري الذي يضع حياته وفنه في مسار آخر.
وإذا كان البحث عن سحر الشرق، الممتد بجغرافيته الشاسعة من شواطئ المتوسط إلى جزر اليابان، قد شكل السمة المشتركة لعدد من كتاب الغرب وفنانيه، كما كان حال غوته ونوفاليس وأرنست رينان وغيرهم، فإن صاحب غوغان قد ذهب بعيداً في تعطشه إلى اكتشاف المجهول والبحث لضربات فرشاته عن الألوان الصارخة في توهجها، قاصداً الجزيرة الواقعة في الأحشاء الشرقية الجنوبية للمحيط الهادئ، التي كانت فرنسا قد ضمتها حديثاً إلى ما سمته مستعمرات ما وراء البحار.
«في ليلة الثامن من حزيران، وبعد ثلاثة وستين يوماً من السفر، ثلاثة وستين يوماً من التلهف والانتظار، لمحنا عن بُعد ناراً غريبة تتماوج على صفحة الماء، ومن السماء أفلتت قمة بركانية ذات أثلام». بهذه اللغة البصرية الباذخة يستهل غوغان انطباعاته عن تاهيتي، التي لا يصح في رأيي نعتها باليوميات لأنها لا تعتمد على التقسيم الزمني اليومي لتأريخ الرحلة، بل على التدوين التلقائي والحر لما علق في ذهن المؤلف من أحداث وانطباعات. فالكتاب الصغير الذي لا يكاد عدد صفحاته يبلغ المائة، لا يغطي سوى بعض وقائع المرحلة الأولى من إقامة غوغان في الجزيرة النائية، التي غادرها مؤقتاً لتسويق أعماله التشكيلية في باريس، قبل أن يعود إليها من جديد ليقضي بقية حياته في كنف عوالمها البدائية وأهلها البسطاء الذين تتأرجح أمزجتهم بين السكينة الوادعة والتماهي الكلي مع شراسة الطبيعة وتحولاتها المباغتة.
وإذا كانت الصدفة المجردة هي التي شاءت أن يترافق دخول غوغان إلى العاصمة التاهيتية بابيتي مع رحيل الملك المريض بوماري، فقد حرص غوغان على توثيق تلك اللحظة المفصلية في تاريخ الجزيرة، سواء من خلال انتقالها النهائي إلى عهدة الفرنسيين، أو من خلال الطقوس الجنائزية المحلية التي تتم في مثل هذه الحالات، والتي يشارك في إحيائها سكان الجزر الصغيرة المجاورة، قبل أن ينتهي كل شيء وتعاود عجلة الحياة دورانها الأبدي. فخلال أيام قليلة يستعيد الناس مرحهم الاعتيادي وحيويتهم الفائضة الممهورة بلهب الشموس، حيث الرجال الأشداء الذين يضربون الأرض بأقدام مثيرة للغبار، يمسكون بأيدي نساء مبرعمات الصدور لهن، كما يقول غوغان «وداعة وليونة حيوان صغير، قوي ومعافى، وتفوح منهن رائحة حيوانية ونباتبة، كما عطر دمائهن وأريج الغاردينيا المشكولة في شعرهن، ويهزجن بصوت واحد: (يني ميراهي نوا نوا)». ولا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن هذه العبارة التي تعني بالعربية «الآن نفوح شذى» هي العنوان الأصلي لمذكرات بول غوغان الذي عرف من خلال علاقاته العاطفية بنساء تاهيتي، كيف ينقل ذلك الشذى النفاذ إلى لوحاته اللاحقة.
لم تُصب العاصمة بابيتي أي هوى في قلب غوغان. لا لافتقارها إلى الجمال، بل لأن الأوروبيين قد حولوها بفعل جشعهم المفرط وهوسهم بالتجارة والربح، إلى مدينة هجينة يتم بشكل ممنهج إبعاد سكانها عن نقائهم الأصلي وإدخالهم في شبكة أخرى من علاقات الانتفاع والرياء والتكاذب الاجتماعي. ولأن المرأة بالنسبة لغوغان هي المعيار الحساس والأكثر تعبيراً عن الحقيقة الإنسانية، فهو لم يستطع مواصلة علاقته بالأميرة فاييتوا التي كُلفت برعايته أثناء المرض، لأنها أجهدت نفسها بغية إرضائه في تقليد السلوكيات الغربية الوافدة، وفي استعراض ثقافتها الأوروبية، فيما كان هو يبحث على النقيض من كل ذلك، عما تتركه براكين البلاد في أعماق نسائها من وهج الأصالة وذهبِها المختزن.
ولم يتوان الرسام الأربعيني في إطار المقارنة بين التقاليد الاجتماعية الغربية والأخرى التاهيتية، عن الانتصار للثانية على الأولى، ليس فقط بما يخص براءة السلوك ونقاء السريرة، بل بما يخص العلاقات العاطفية بين الجنسين، وخلوها التام من العقَد والتابوهات. ففي تاهيتي «تمنح الغابة والنسيم الآتي من البحر، القوة للرئة فتتسع، وتنمو الأكتاف عريضة. رجالهم ونساؤهم يتعرضون بالقدر نفسه لأشعة الشمس ويدوسون الحصى والرمال. وهذا التقارب بين الجنسين جعل علاقاتهم شديدة السهولة، وحالة التعري الطبيعية الدائمة أبعدت أذهانهم عن مشاغل الجسد (الغامض) التي تولَد توتراً شديداً لدى الشعوب المتمدنة». أما في بيئتنا الأوروبية، يقول غوغان «فبفضل الأحزمة والمشدات، نجحنا في جعل المرأة كائناً كامل التشوه، وأبقيناها في حالة من الضعف العصبي والدونية الجسدية».
ومع أن غوغان يفرد صفحات شتى للحديث عن الحضارة الماوورية وما تحفل به من حكايا وأساطير متصلة بأصل الخليقة وآلهتها الكثيرة المنوط بها تنظيم شؤون الطبيعة والبشر، فإن الاسترسال في تعقب معتقدات السكان الأصليين، قبل وصول بعثات التبشير المسيحي، قد أسهم في إبطاء السرد وحشوه بفائض غير مبرر من الأسماء والتفاصيل من جهة، وفي حرمان القارئ من تعقب مسيرة المؤلف بكل ما يكتنفها من غرابة وقدرة على الإدهاش. أما زواج غوغان من الفتاة اليافعة تاهورا، فيعود الفضل فيه إلى الصدفة وحدها، حيث عرضت عليه امرأة أربعينية أن تزوجه من ابنتها الجميلة، فيما لو قطع لها وعداً صادقاً بإسعادها والاعتناء بها. وهو ما حدث بالفعل، حيث استطاعت هذه الفتاة، بما تمتلكه من فتنة وذكاء، أن تحرض زوجها على الرسم، وأن تجسد بالنسبة له الروح الماوورية المترعة بالاندفاع الشهواني والغموض الساحر. إلا أن تاهورا التي بدأت تتعلق شيئاً فشيئاً بزوجها القادم من وراء المحيط، ما لبثت أن شعرت بصدمة قاصمة وهو ينقل إليها خبر مغادرته للجزيرة وعودته إلى بلاده الأم، قبل أن يكتشف فيما بعد أنه لم يعد قادراً على تحمل العلاقات الرأسمالية المنفرة التي بدأت تلقي بظلالها على البشر في بلاد الغرب، ويعود أدراجه ثانية إلى الجزيرة الفردوسية التي شهدت ولادته الثانية، والتي أراد لها أن تكون مثواه الأخير. وحين لوحت له تاهورا بمنديل الوداع، لم يملك غوغان سوى أن يستعير لها من إحدى شاعرات تاهيتي هذه الأبيات المؤثرة:
إيه يا نسائم الجنوب والشرق اللطيفة
تحومين بعذوبة وتحلقين فوق رأسي
أسرعي إلى الجزيرة المجاورة
هناك ستجدين في ظل شجرته المفضلة
ذلك الذي هجرني
قولي له إنك رأيتِني أبكي



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».