لماذا تغيب «الرواية الرشيقة» في الكتابة الروائية العربية؟

كتاب معروفون أعطوا أعمالهم حجوماً كبيرة أكثر من انهماكهم في فنيتها

الطيب صالح
الطيب صالح
TT

لماذا تغيب «الرواية الرشيقة» في الكتابة الروائية العربية؟

الطيب صالح
الطيب صالح

تحظى الرواية اليوم بمكانة خاصة بين الأجناس الأدبية كالقصة القصيرة وقصيدة النثر والمقالة، وتتعدد أسباب امتلاك الرواية هذه الحظوة بيد أن تلك الأسباب بالمجموع لا تتعدى مسائل التلقي التي فيها تُلبي الرواية رغبات القراء في فهم العصر وفهم متغيرات ظروفه. ولو كانت الرواية معقدة اللغة ومركبة البناء وكانت منطوية على رؤى فلسفية جامدة وعويصة لتعسرت قراءتها، ولكان حالها حال أي مادة علمية أو فكرية تلقى اهتماماً من لدن المتخصصين حسب.
ولا خلاف في أن شمولية الرواية في رصدها الواقع بكل ما فيه من صور وممارسات وكذلك تلاؤمية لغتها وأسلوبها لمختلف الأذواق والمستويات، قد جعلتاها تقف على رأس الهرم القرائي الذي قوامه أجناس الأدب الأخرى بكل ما فيها من أنواع وأنماط وأشكال وصيغ.
وكلما كانت الرواية يسيرة وممتنعة، بدت أكثر نجاحاً من غيرها، ملبية ما يريده القراء منها، أياً كانت درجات اليسر وطبيعة التمنع. ولقد طغى سوق الرواية طغياناً واضحاً وازداد الإقبال عليها وكثُر عدد كتابها الموصوفين بأنهم روائيون. وقد يبدو هذا الازدياد في إنتاج الرواية تأليفاً ونشراً أمراً طبيعياً. وإذا ما علمنا أن غالبية المنتج الروائي يتسم بإطار واقعي، فإننا سنفهم سبب اللااكتراث لدى عدد من روائيينا العرب بتجريب أساليب جديدة في الكتابة السردية تخرق النسقية الحداثية، بل إن الغالب عليهم هو الاكتراث بمسايرة المعتاد السردي بلا تجريب ولا ابتداع، باستثناء الكتاب الذين يضعون تطلعاتهم الفنية في كفٍ، ورغباتهم الموضوعية في كف أخرى موازنين بين الفن والموضوع واضعين الشكل إزاء المضمون.
ومن مؤشرات عدم الاكتراث بفنية الرواية العربية الراهنة الاعتقاد بأنه كلما ازداد عدد صفحاتها، ظُن أن لها مستوى يؤكد ما بذله كاتبها من جهدٍ ومشقة في تأليفها. وقد لا نخالف جادة الصواب إذا قلنا إن عدداً من كتابنا المعروفين انهمكوا في إعطاء رواياتهم حجوماً كبيرة أكثر من انهماكهم في فنية ما تعكسه تلك الحجوم. فغالباً لا تتوفر فيها النوعية الفنية المميزة، وإنما هو حشو وتطويل لا يُراد منه سوى التباهي، وكأن قيمة الأشياء تكمن في ظاهرها الخارجي، وليس في نوعية ما تحويه داخلها من جمال.
عَن لي هذا الموضوع عندما أُحيلت إلي دراسة للتقييم من إحدى المجلات الأكاديمية التابعة لجامعة عربية عريقة، وكانت المادة المبحوثة رواية عربية معاصرة وصاحبها ما انفك النقد العربي يُغني رواياته بالدراسة والاهتمام أكثر من سواه. وكان الوقت المحدد لي ضيقاً والرواية موضوع البحث من بين الروايات التي لم أقرأها للكاتب، وحين حصلتُ عليها فاجأني كُبر حجمها بالقياس إلى المدة المحددة لي لإنجاز مهمة تقويم الرواية. فوجدتني أستغرق في قراءتها أكثر مما استغرق مني تقييم الدراسة النقدية نفسها. ليس ذلك حسب، بل هو ما اكتشفته من الحشو والإطالة والإغراق الذي ما كان لهذا الروائي أن يقع فيه لو أنه تقصد ترشيق جمله السردية، فجعل روايته في مائتي صفحة بدل أن تكون في خمسمائة إلا نيفاً من الصفحات.
ولعل هذا الترهل في الرواية مقصود كطريق به يُغالط الروائي نفسه ما بين التماس مع موضوع سياسي، وبين النأي عن أن يكون في موضع اتخاذ قرار يوصله إلى الاحتكاك أو التصادم مع المنظومة الثقافية التي لها الفضل أصلاً في التعريف باسمه والترويج لأعماله الروائية. ولعل كثيرين سقطوا في هذه القصدية فكانوا في دوامة التباري من الذين فهموا اللعبة الروائية، وظنوا أن قيمة الرواية هي في مدى تمطيط كاتبها الموضوع مطاً ليستطيل من دون أن يكون وراء الاستطالة أي جدوى أو ضرورة فنيتين.
ومن مؤكدات هذا التباري في التطويل، أننا لم نعد نُصادف رواية عربية عدد صفحاتها يقل عن مائة أو حتى مائتي صفحة، وكأن هناك عدوى استشرت بين الروائيين العرب وجعلتهم يرون أن من تقاليد الرواية أن تكثر صفحاتها، فتتعدى المائتين، وبغض النظر عن طبيعة الموضوعات والأساليب التي يطرقونها.
لو أمعنا النظر في الرواية العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين وقبيل نهايته - أي قبل أن تستشري حمى المسابقات الأدبية - لوجدنا أن الغالب عليها حجومها التي تناسب مقتضيات محتواها الموضوعي ومتطلبات بنائها الفني، خذ مثلاً روايات نجيب محفوظ كـ«زقاق المدق» و«بداية ونهاية» و«ثرثرة فوق النيل»... إلخ، وروايات الطيب صالح، منها رواية «موسم الهجرة إلى الشمال»، وروايات إسماعيل فهد إسماعيل مثل «كانت السماء زرقاء»، وروايات جمال الغيطاني وغائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وغيرهم ممن تقع صفحات رواياتهم بين 150 إلى 300 صفحة، وهي مساحة كافية لكي يلعب فيها الروائي الحاذق مبتغياً الوصول إلى غاياته من دون إثقال مغالٍ ولا تحشيدٍ مسرف.
وما كان للروايات الكلاسيكية العالمية أن تكون بحجوم قياسية تتجاوز مئات الصفحات مثل رواية «الحرب والسلم» لتولستوي، و«الإخوة كرامازوف» لديستويفيسكي، وكذلك روايات كُتبت في القرن العشرين كـ«الدون الهادئ» لشولوخوف، لولا أن القارئ آنذاك ما كان يضايقه طول الرواية، بل كان يجد في قراءة مئات الصفحات سلوى له في وقت متسع لا وسائل تجذب وعيه فتلهيه عن التلقي المعرفي والمتعة الفنية، مما يجده القارئ اليوم الذي هو مشتت ومشغول في ظل الإنترنت، ومحاط ومحاصر بمختلف الوسائط الرقمية المتيسرة بالعموم والمتاحة والقريبة من واقعه المادي.
وليس من أمرٍ على الروائي أن يضعه في باله مثل أمر أن يؤلف رواية بها يجذب القراء، ويستقطب اهتمامهم، من خلال عدم ادخار أي جهد في سبيل ترشيق روايته ترشيقاً به تتمكن من أن تنافس ما في عالم الإنترنت من وسائط رقمية وتطبيقات حاسوبية صارت تنافس الأدب - هذا إذا كان الروائي واضعاً في حسابه القراء مطوعاً خبراته كي يظفر بأكبر قدر منهم - ومن المهم اليوم لكتاب الرواية التفكير في أيسر السبل وأرشقها، فلا يستغرقون استغراقاً ينفر القراء من أعمالهم بدل أن يجذبهم إليها.
ولا خلاف أننا في تأكيدنا خطر الترهل في الكتابة الروائية لا ندعو إلى تخطي العفوية في الكتابة، ولا إلى التعسف جوراً على الفن وتضييقاً في الموضوع، إنما نسعى إلى مراعاة الاختصار في الكتابة، وعدم إرهاق الصفحة الواحدة بعشرات الأسطر التي يمكن اختزالها في سطرين اثنين، إن لم نقل في جملتين اثنتين فقط. إذ ليس في صالح الروائي أن تبدو روايته مترهلة بفكرة محدودة وفنية متواضعة فتكون كمثل «من يحضر دجاجة ويطبخها في قزان ما» ـــ والوصف لأحمد خالد توفيق في كتابه «توتيات من العصور الوسطى، 2013» (منقول بتحوير). فتخرج الرواية للقراء مترهلة بأربعمائة أو خمسمائة صفحة أو أكثر، وقد حُشيت سطورها حشواً وحُشدت صفحاتها تحشيداً، وبغلواء لا ترحم القراء ولا تراعي صبرهم في القراءة.
ولقد نأى الروائيون الكبار بأنفسهم عن الترهل، فعرفوا كيف يرشقون رواياتهم فتظهر للقراء مكتنزة وقد أخذ بعضها بأعطاف بعض، ولاءمت أشكالها طبيعة محتوياتها، فهذا إيتالو كالفينو يقول: «لست روائياً من أصحاب الروايات المطولة، إنني أركز على فكرة أو تجربة داخل نص توليفي قصير» (روايته «لو أن مسافراً في ليلة شتاء» ترجمة حسام إبراهيم، 2013. ص 5).
ولسنا نغفل أمر «النوفيلا» بوصفها نوعاً سردياً يُمكن للكاتب أن يعالج عبره موضوعاً من الموضوعات الواقعية بطريقة مناسبة لا تطويل فيها... لكن الرواية تظل متقدمة على النوفيلا بقالبها الأجناسي العابر للحدود. وهو ما يجعل التحبيك الروائي يتم بإيقاعية أكثر تعقيداً مما هو في النوفيلا أو في غيرها من الأنواع السردية.
ولا خلاف في أن الحشو والإغراق مسلكان من مسالك إخفاء العيوب والمداراة على ما لدى الكاتب من إمكانات متواضعة من ناحيتي الخبرة والموهبة. من هنا تغدو القصة القصيرة بقالبها السردي المختزل هي الأكثر قدرة على غربلة المواهب وكشف الحقيقي منها عن الطارئ بعكس الرواية التي ضاعت جمالياتها في المغالبة المحمومة في حشو صفحاتها تغطية على العيوب والنواقص والتفافاً على الرسالة المراد توصيلها إلى القارئ. وما تأشيري على هذه الظاهرة سوى توكيد لحقيقة أن مستقبل الأجناس السردية سيكون لصالح القصة القصيرة كجنس به تعرف إمكانيات الكاتب عدة وعتاداً حتى لا مجال معها للتزويغ الكتابي والتداري الخفي فلا يضيع النوع بالكم، ولا تتحدد القيمة بالحجم.
وإذا كانت قيمة الرواية الجمالية لا تتحدد بعدد صفحاتها، فإن من الأهمية بمكان ترشيق الرواية ترشيقاً تتجلى فيه قيمتها الحقيقية. وكثير من الروايات التي لا يشك أحد في قيمتها الفنية كانت رشيقة، وما زالت رشاقتها إلى اليوم تجلب لها نجاحاً فنياً لافتاً للنظر، خُذ مثلاً رواية «صخب البحر» لفوكنر، ورواية «المسخ» لكافكا، ورواية «ليس في رصيف الأزهار من يجيب» لمالك حداد، ورواية «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، ورواية «صورة الفنان في شبابه» لجيمس جويس.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».