أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»

خيار إلزامية التلقيح مطروح... رغم مخاطر اضطرابات الشارع

أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»
TT

أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»

أوروبا في مواجهة مع الموجة الجديدة من جائحة «كوفيد ـ 19»

«في نهاية فصل الشتاء، سيكون معظم الألمان قد تلقوا اللقاح أو تعافوا أو توفوا». كان هذا تحذير وزير الصحة الألماني يانس شبان قبل أيام، الذي قد يكون أثار الكثير من الاستغراب لصراحته الفاضحة، إلا أنه نجح في لفت الأنظار لمدى خطورة عودة تفشي جائحة «كوفيد - 19» في أوروبا. إذ إن «القارة العجوز» تجد نفسها الآن مرة جديدة «بؤرة» لتفشي فيروس الجائحة، مع أنها كانت الأولى على صعيد بدء حملات التلقيح قبل سنة تقريباً. ومع هذا، فإن نسبة عدد الملقّحين من سكانها لا تتجاوز الـ65 في المائة، وهي نسبة غير كافية بحسب الخبراء الصحيين لتحقيق مناعة جماعية.
وهكذا، عادت الدول الأوروبية لتجد نفسها أمام شبح الإغلاق من جديد، بعدما كان معظمها قد وصف القيود تلك بأنها أصبحت من الماضي. بل، حتى منظمة الصحة العالمية حذرت أخيراً من أن أوروبا قد تشهد وفاة قرابة 700 ألف شخص إضافي بالفيروس بحلول مارس (آذار) المقبل، لتضاف إلى المليون ونصف المليون وفاة سجلتها القارة حتى الآن.
في حين اختارت دول أوروبية فرض الإغلاق الكامل مثل النمسا، أو الجزئي مثل هولندا؛ بهدف السيطرة على الموجة الرابعة من جائحة «كوفيد - 19»، حاولت دول أخرى، مثل ألمانيا، عزل غير الملحقين في محاولة للضغط عليهم لأخذ اللقاح.
كذلك، عاد الجدل حول إلزامية فرض اللقاح على السكان بعدما قرّرت النمسا العمل بذلك ابتداءً من فبراير (شباط) المقبل ومعاقبة كل مَن لم يرفض أخذ اللقاح بغرامات مالية تصل إلى 3 آلاف يورو وإبقائهم في العزل الدائم. بل إن في ألمانيا، حيث كان مجرّد الكلام على «إلزامية اللقاح» يُعدّ من المُحرَّمات، بات الموضوع يناقش بشكل شبه يومي على أنه الحل وحيد لتفادي موجة خامسة من الفيروس.
فهل تتجه أوروبا إلى فرض إلزامية التلقيح للتخلصّ للمرة الأخيرة من جائحة «كوفيد - 19»... أم أنها ستبقى تواجه الإغلاقات والإجراءات التقييدية ريثما يختفي الفيروس من تلقاء نفسه؟
العاصمة السويدية استوكهولم، لا تبدو حالياً على الأقل، في «حالة طوارئ» صحية.
هنا ارتداء الكمامات ليس إجبارياً الآن، ولم يكن كذلك يوماً منذ بداية تفشي فيروس جائحة «كوفيد - 19». ثم إن السويد لم تشهد الإغلاقات التي شهدتها الدول الأوروبية الأخرى حتى في عز موجات التفشي السابقة. وحتى الآن لا تبدو استوكهولم وكأنها مقتنعة بأن «الموجة الرابعة» التي أعادت الفوضى من جديد إلى عدد كبير من الدول الأوروبية، قد وصلتها بعد أو هي على أبوابها الآن.
مع ذلك، فإن الطرقات والأسواق هنا لا تبدو شديدة الازدحام.
- «مهندس» اللا إغلاق .. مصرّ على موقفه
قد يكون للبرد القارس والظلام، الذي يحل مبكراً في دول أقصى الشمال الأوروبي، دور في ذلك. ولكن السويديين اعتادوا منذ بداية محنة «كوفيد - 19» على الخطوات الفردية للحد من تحركاتهم عوضاً عن الاعتماد على القوانين المقيدة للحركة التي تجنبت الحكومة فرضها حتى الآن. فالتوجيهات الحكومية كانت كافية في الماضي لنهي عدد كبير منهم عن الخروج في تجمّعات كبيرة وتحويلهم إلى العمل من المنزل.
غير أن القيود التي رفضت السلطات السويدية فرضها جعلت من نسبة الوفيات بالفيروس في البلاد مرتفعة مقارنة بعدد سكانها. وكانت السويد قد فتحت أخيراً تحقيقاً من أجل تحديد ما إذا كانت السلطات الحكومية قد أخطأت في سياستها الصحية، وأعلنت نتيجته قبل أيام. وعلى الرغم أن من التحقيق توصل إلى استنتاج بأن الحكومة السويدية «تركت الفيروس ينتشر بصورة أسرع من الدول الشمالية الأخرى»، لم يُعط هذا التحقيق الحكم حيال صوابية أو خطأ قرار تفادي الإغلاق.
في هذا السياق، يصرّ أنديرس تيغنل، طبيب الأمراض الوبائية السويدي الذي يُعد «مهندس سياسة» رفض الإغلاق، على أن هذه السياسة لم تكن خاطئة. إذ قال تيغنل في مقابلة مع صحيفة «الفاينانشال تايمز» قبل أيام، إن السويد «بعد سنتين من جائحة (كوفيد – 19) لم تبرز من بين الدول الأخرى، فنحن لسنا الأفضل لكننا لسنا الأسوأ أيضاً. لذا؛ أسمع الآن السؤال حول ما الذي فعلته الإجراءات الصارمة التي اتخذت؟».
هذا السؤال هو بالفعل الذي يؤرق السياسيين في أوروبا اليوم. فالنقاش المحتدم حول جدوى الإغلاقات والإجراءات الصارمة في وقف تفشي الجائحة لا يتوقف.
- النمسا لها ريادة التلقيح الإلزامي
كثيرون توصلوا إلى استنتاج بأن اللقاحات وحدها هي التي ستوقف التفشي؛ وهو ما دفع بالنمسا لكي تصبح أول دولة أوروبية تعتمد إلزامية التلقيح «لأننا لا نريد موجة خامسة» كما جاء على لسان المستشار المساوي ألكسندر شلينغر. ولقد برّر المستشار هذه الخطوة بالقول أيضاً، إنه كان يعتقد أن عدداً أكبر من السكان سيتلقى اللقاح طوعاً، غير أن انخفاض نسبة الملقحين دفع بحكومته إلى اتخاذ قرار بجعل إلزامياً ابتداءً من فبراير المقبل.
لم يتردد شلينغر في إلقاء اللوم في ذلك، ليس فقط على مروّجي «نظريات المؤامرة»، بل أيضاً على حزب الحرية اليميني المتطرف الذي يرفض اللقاحات وإجراءات الوقاية، وهو موقف شبيه بمواقف معظم الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا.
والجدير بالذكر، أن الحكومة النمساوية تواجه الآن انتقادات شديدة... سياسياً من حزب الحرية اليميني المتطرف، وشعبياً من جماعات الرافضين للتلقيح الإلزامي. وقد شهدت العاصمة فيينا، بالفعل، غداة إعلان العودة إلى الإغلاق وفرض اللقاحات مظاهرة ضخمة شارك فيها ما يقارب الـ40 ألف شخص، حمل بعضهم لافتات تصف المستشار النمساوي بالديكتاتور.
للعلم، تسجّل النمسا، إلى جانب الدول الجرمانية بشكل عام، أدنى مستويات التلقيح ضد «كوفيد - 19» في الدول الغربية؛ إذ إن نسبة الملقحين فيها ما زالت دون 66 في المائة من السكان. كذلك، لا تزيد نسبة الذين تلقّوا اللقاح في سويسرا على نحو 66 في المائة من السكان. أما في ألمانيا فالوضع أفضل قليلاً؛ إذ ترتفع النسبة أكثر بقليل لتصل إلى قرابة 68 في المائة. وهكذا، تحولت هذه الدول الثلاث إلى أكبر بؤر للموجة الرابعة من الفيروس التي تضرب أوروبا حالياً. ويظهر الفارق جلياً لدى مقارنة أرقامها مع أرقام دول أخرى، ترتفع فيها نسبة التلقيح مثل البرتغال، حيث تلقى قرابة الـ87 في المائة من السكان اللقاح، وبالفعل ما زالت أعداد الإصابات فيها منخفضة.
على صعيد متصل، مع أن بعض مستشفيات ألمانيا في الولايات الأكثر تأثراً بدأت بنقل مرضاها إلى ولايات ألمانية أخرى وحتى إلى دول أخرى مثل إيطاليا، فإن ألمانيا تستقبل بنفسها مرضى «كوفيد - 19» من هولندا... التي دخلت موجة رابعة قاسية قبل أسابيع وفرضت إغلاقاً جزئياً تسبب في مظاهرات، تحولت إلى ليال من العنف في بعض المدن مثل روتردام.
لقد نقلت هولندا في الأيام الماضية 19 مريضاً إلى مستشفيات ألمانيا. ويشغل نصف أسرّة العناية المركزة في هولندا والبالغ عددها 1050 سريراً، مرضى يعانون من «كوفيد - 19».
بل لقد تحولت مستشفيات هولندا إلى العمل بـ«حالة الطوارئ»، وهي تلغي منذ أسابيع علاجات مرضى السرطان وعمليات القلب الجراحية لنقص أسرّة عناية مركزة قد يحتاجون إلى نقلهم إليها.
- الموجة الجديدة تدعم طرح إلزامية التلقيح
ولكن حتى في البرتغال، التي ترتفع فيه نسبة الملقحين عادت أعداد الإصابات لترتفع خلال الأيام الماضية؛ ما دفع برئيس الحكومة هناك إلى التحذير من إمكانية إعادة فرض بعض الإجراءات الوقائية الضرورية لاحتواء التفشي. وبطبيعة الحال، دفع هذا الواقع كثيرين إلى التساؤل عن جدوى تلقي اللقاحات التي لا تقي بنفسها من العدوى.
غير أن خبراء الصحة العامة، كانوا قد قالوا، وذكّروا مراراً خلال الأشهر الأخير بأن انخفاض نسبة الاجسام المضادة للفيروس بعد 6 أشهر من تلقي اللقاح يعني أن ثمة حاجة ماسّة إلى جرعات معزّزة ثالثة بعد تلك الفترة للحفاظ على أعداد الإصابات الخطرة منخفضاً.
وواقع أن اللقاحات الحالية لا تمنع العدوى، بل تؤمّن حماية ضد المرض الشديد، فتح نقاشاً حول ضرورة تطوير لقاحات تقي من انتقال الأوبئة في المستقبل. وقد دعا الملياردير الأميركي بيل غيتس، الذي يستثمر مبالغ طائلة في الأبحاث العلمية ودراسات تطوير اللقاحات، إلى زيادة الاستثمارات في هذا المجال والتفكير «بأسلوب جديد لتطوير اللقاحات». وقال غيتس في مقابلة مع منظمة «بوليسي إكستشاينج»، إنه من الضروري أن «تركز ميزانيات البحث والتطوير في المستقبل على نقاط الضعف التي كشفها فيروس (كوفيد – 19) في العالم». وأردف «إننا لم نتمكن من تطوير لقاحات تمنع العدوى، بل نجحنا فقط بتطوير لقاحات تساعد صحياً وتساعد بشكل طفيف في منع العدوى».
- ألمانيا على خطى النمسا
وتحاول الدول الأوروبية التسريع ببرامج إعطاء الجرعات المعززة من جهة، والبدء بتلقيح الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الـ5 سنوات والـ12 سنة؛ بهدف توسيع دائرة الملقحين ورفع نسبة السكان المحصين بأجسام مضادة. ولكن على الرغم من ذلك، فإن المخاوف من تواضع نسب الإقبال على تلقي اللقاحات تحوّلت إلى كابوس يؤرق أوروبا.
وبعدما اتخذت النمسا القرار الأول بجعل التلقيح إلزامياً، بدأت ألمانيا تناقش الموضوع جدياً وبشكل يومي. وبعدما كانت المستشارة أنجيلا ميركل – وهي ذات خلفية تخصصية علمية معروفة – والوزراء والمسؤولون الصحيون في معهد روبرت كوخ للأمراض الوبائية، قد أكدوا مراراً بأن اللقاحات لن تصبح أبداً إلزامية في ألمانيا، بدأت النبرة تتغير في الأيام الماضية، وتوسّعت دائرة السياسيين والمسؤولين الصحيين المؤيدين لإلزامية التلقيح.
هذا، وصدرت دعوات تدعو إلى التمثل بالنمسا من رئيس حكومة ولاية بافاريا وزعيم حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الحزب الشقيق لحزب ميركل) ومن فريدريش ميرز المرشح لزعامة حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم الذي يتخبّط لإيجاد خليفة له بعد ميركل. أيضاً، صدرت دعوات مؤيدة لإلزامية اللقاح من السياسي البرليني الاشتراكي البارز مايكل مولر ومن النائب كارل لوترباخ المتحدث الصحي باسم الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) الذي سيشكّل الحكومة الألمانية المقبلة برئاسة أولاف شولتز.
ويبدو أن ألمانيا بدأت تفكر جدياً بفرض إلزامية اللقاح على جميع السكان؛ فهي بدأت بفرضه على بعض الفئات كما فعلت فرنسا وإيطاليا في السابق. وأعلن الجيش الألماني أن الجنود الألماني سيكون عليهم أخذ اللقاح إلزامياً أو يواجه الرافضون منهم التأديب. وحتى الآن، قبِل 80 في المائة من الجنود الألمان بتلقي اللقاح.
كذلك، يبدو أيضاً أن ألمانيا تتجه إلى جعل التلقيح إلزامياً للعاملين داخل دور المسنين الذين ينقلون العدوى إلى المسنّين... الذين غالباً ما تكون إصابتهم خطرة وفتاكة. وخلال الأسابيع الماضية لوحظت عودة الإصابات والوفيات إلى الارتفاع داخل دور المسنّين بسبب بطء عملية إعطائهم الجرعات المعزّزة، وانخفاض المضادات الحيوية لديهم لأن معظمهم تلقوا الجرعتين الأولى والثانية مطلع العام.
من ناحية أخرى، في ألمانيا مثل النمسا، يرفض حزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف الإجراءات الوقائية المتخذة والمخطط لها ضد «كوفيد - 19»، ويعارض نوابه التلقيح وهم أنفسهم لم يتلقوه. وهؤلاء باتوا حتى يرفضون إجراء الفحوص الدورية التي تكشف عن الفيروس قبل دخول مبنى مجلس النواب (البوندستاغ) أو حتى وضع الكمامات داخل المبنى؛ ما دفع إلى عزلهم إلى شرفة البرلمان، ومن ثم منع نواب هذه الكتلة المتطرفة بالجلوس في القاعة الرئيسة.
- ما هي توجّهات حكومة شولتز المقبلة؟
> حتى الآن، تبدو مواجهة تفشي الجائحة من أولويات الحكومة الألمانية المقبلة التي قد تتسلم مهامها خلال أسبوعين بعدما أعلنت الأحزاب الثلاث (الحزب الديمقراطي الاجتماعي «الاشتراكي» وحزب «الخضر» والحزب الديمقراطي الحر) عن التوصل إلى اتفاق بعد قرابة شهرين من المفاوضات. ولقد كشف الزعيم الاشتراكي أولاف شولتز – الذي هو حالياً نائب المستشارة ميركل - أثناء إعلانه عن الاتفاق على تشكيل الحكومة، عن تخصيص غرفة عمليات دائمة متخصصة لمواجهة «كوفيد - 19» مقرها مبنى المستشارية. ولكن، ثمة من يقول، إنه على الرغم من أن ميركل حاولت تدفع البلاد نحو إغلاق جديد بهدف السيطرة على تفشي الجائحة، فإن الحكومة الجديدة تبدو رافضة للفكرة... وإن كانت قد أعلنت عن اتخاذ خطوات إضافية لمحاولة احتواء الموجة الرابعة.
ووسط كل هذا الجدل، عادت المستشفيات في دول كثيرة إلى العمل بنظام الطوارئ، أي إلغاء العمليات غير الضرورية وتأجيل استقبال المرضى ذوي الحالات غير الطارئة.
- الحالة الهولندية... قد تكون مقدمة!
> مع عودة إجراءات الإغلاق، عادت معها أعمال الشغب المصاحبة لها. ففي هولندا والنمسا وبلجيكا وغيرها، خرجت مظاهرات غاضبة لآلاف المعارضين للقيود الجديدة. وفي مدينة دوتردام، مثلاً، بقيت أعمال الشغب تندلع لثلاثة أيام متتالية. وراح الشبان المشاركون في المظاهرات يشعلون المفرقعات والألعاب النارية ويرمون رجال الشرطة بها. وجاء هذا رداً على قرار الحكومة إلغاء السماح بإشعال الألعاب النارية ليلة رأس السنة لتفادي إصابات تستدعي دخول الطوارئ التي تفوق طاقتها الاستيعابية بسبب مرضى الجائحة. ووصف رئيس الحكومة الهولندية مارك روته مثيري أحداث الشغب بأنهم «أغبياء»، وأضاف أنه «لن يسمح أبداً بأن يستخدم أغبياء العنف فقط لأنهم ليسوا سعداء» بالإجراءات.
غير أن مراقبين يحذرون من أن أعمال الشغب هذه قد تتفاقم في حال توسع النقاش أكثر حول إلزامية اللقاح وارتفع عدد الدول التي تعتمده. وقال رئيس المركز الأوروبي لتفادي الأمراض المعدية أندريا أمون «إن إلزامية التلقيح قد تثير المزيد من المقاومة من معارضي التلقيح». وبالفعل، في مدن مثل برلين، التي تشهد أصلاً مظاهرات شبه أسبوعية معترضة على وضع الكمامات والقيود المتبقية، فإن «سيناريو» من هذا النوع محتمل جداً، خاصة بعد تطمينات السياسيين لأشهر بأن التلقيح لن يفرض فرضاً ولن يكون إلزامياً.
وفي المقابل، بينما تواصل أعداد الإصابات والوفيات ارتفاعها، بدأت دول أوروبية تحذر من موجة خامسة... قبل أن تنتهي بعد من الموجة الرابعة. وجاءت تصريحات مسؤولة في منظمة الصحة العالمية حول ضرورة مناقشة إلزامية اللقاح في أوروبا بشكل جدي، لتزيد من الضغوط على الدول الأوروبية للتحرك في هذا الاتجاه. ونقلت قناة «سكاي نيوز» عن روب باتلر، مسؤول المكتب الإقليمي في أوروبا في منظمة الصحة العالمية، إنه من المفيد أن مناقشة إلزامية اللقاح على ضوء تزايد الحالات. إلا أنه أضاف بأن جعله إلزامياً «يمكن ولكن ليس دائماً، أن يزيد عدد الملقحين». وبعكس موقفه، حذر أنطوني كاستيلو، وهو مدير سابق في منظمة الصحة العالمية، من اعتماد إلزامية اللقاح بحجة أن قرارا كهذا «من شأنه أن يصدم الكثير من الناس الذين لا يثقون بالحكومات ولا باللقاحات، وقد يؤدي إلى أعمال شغب أكبر» من التي حصلت حتى الآن.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.