مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية

السلطة الحاكمة تسعى دائماً إلى «صناعة» العاصمة كما تريدها وتفكر بها

خريطة بغداد
خريطة بغداد
TT

مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية

خريطة بغداد
خريطة بغداد

هل يختلف تخيل المكان في الشعر عنه في الرواية والقصة؟ ربما علينا أن نعيد صياغة السؤال بطريقة أخرى، فنسأل عن أمكنة الشعر فرقاً عن أمكنة السرد، هل الشاعر متحرر إزاء أمكنته فيخترع منها ما يشاء؛ يرفع منها ويحط غيرها، فيما الواضح أن كاتب السرد؛ الرواية والقصة القصيرة، ملزم بمكان ذي بعد تاريخي أو ثقافي أو سياسي؟ أفكر في بدر شاكر السياب وكيف حوَّل «قرية» بائسة ربما لم يسمع بها البصريون أنفسهم قبل ظهور السياب واشتهاره أيقونة علمية في الشعر العربي، والسؤال ذاته يُثار في أي محاولة لتفسير ترسّخ أيقونة النهر «بويب» حتى صار الناس يأتون من كل حدب وصوب ليصوروه أو يقفوا عند النهر الذي مات وشبع موتاً ربما حتى قبل أن يولد السياب نفسه؟ ما الذي حرر مخيلة السياب من «سلطة» المكان الشهير (البصرة مثلاً) ومنحه حرية «تصنيع» المكان المحلي غير المعروف، وتحويله إلى مكان عالمي؟ لا أظن الأمر يختلف في شعر البياتي أو نازك الملائكة أو شعراء مصر مثلاً. هذه الحرية والتداول الحر للأمكنة «التاريخية» أو «المحلية» غير المعروفة، هو النقيض المقابل لأمكنة الرواية؛ في الأقل نحن نتحدث عن الرواية في العراق. ولكن لماذا على المكان السردي أن يختلف عن أمكنة الشعر؟ هل هناك سلطة ما تلزم كاتب الرواية، مثلاً، اختيار مكان معين ليكون فضاءً لروايته؟

رواية المدينة... رواية بغداد
في حالة الرواية العراقية؛ فإن المتابع يلاحظ، ابتداءً، أمرين لم تحد عنهما نصوص الرواية العراقية إلا في حالات نادرة واستثنائية. والأمران اشتركا معاً في تأسيس نموذج مكاني اختصت به «مخيلة» بغداد التي سيجري اختصارها في «شوارع» بعينها وبضعة أمكنة بغدادية شهيرة وهي، من ثمّ، الخريطة الوحيدة المتداولة للمكان «الوطني» المعبر عن بلاد مثل العراق. الأول؛ قرره غائب طعمة فرمان في روايته الثانية «خمسة أصوات»، وهو الكاتب المؤسس. يكتب فرمان، وهو يُلاحق خمسة من مثقفي بغداد في خمسينات القرن الماضي: قال حميد وكأنه يقنع نفسه، سأكون في بلدي؛ فالعراق ليس بغداد وحدها. قال شريف: العراق بغداد فقط. والحديث يأتي تعقيباً على «نقل» حميد من بغداد للعمل في «الديوانية»، إحدى مدن الوسط العراقي. «ومثل هذا وجدناه في النخلة والجيران بكلام الشابة (تماضر) من مدينة العمارة - ميسان الجنوبية؛ إذ السخرية حاضرة من لهجة الجنوب ومن المدينة برمتها!». هكذا سيجري اختصار العراق في بغداد. الأمر الثاني؛ أن بغداد ستُختصر في صورة واحدة تمثلها ثلاثة شوارع وما يتصل بها من أحياء وساحات. وبتراكم النصوص الروائية؛ سنجد أنفسنا إزاء بغداد «تاريخية» يجري تكرار صورتها وتداولها بين الكتاب. سيُقال إن هناك روايات عراقية «مهمة» اتخذت من أجزاء ونواحٍ أخرى من بغداد عالماً لها، كما فعل الكاتبان المؤسسان فرمان والتكرلي في «ظلال على النافذة» و«المسرات والأوجاع». كما أن هناك روايات عراقية كثيرة اتخذت من مدن عراقية أخرى، غير بغداد، مكاناً لها: الناصرية كما في روايات وقصص عبد الرحمن مجيد الربيعي، البصرة في قصص محمد خضير، وفي «الشاهدة والزنجي: الصقر»، وأغلب روايات البصري جنان جاسم حلاوي، وروايات نجم والي لا سيما الأولى منها، وكركوك في رواية فاضل العزاوي. وهناك كثير غير ما ذكرنا ولا شك. غير أن هذه الكثرة، وهذا التنوع والاختلاف المتميز نصاً، لم يغير من صورة «المكان» الوطني العراقي، ولا تقاطع مع مخيلة بغداد «التاريخية». وهذا ليس استنتاجاً نتفرد به، أو ندعيه، إنما هو «قراءة» لأطلس المكان العراقي الذي تهيمن عليه مخيلة بغداد التاريخية كما تقدمها الرواية العراقية؛ إذ لم تستطع تلك الروايات أن تُحدث تغيراً في نمطية المكان البغدادي الأثير.

مخيلة بغداد
ما بين قصة جلال خالد ورواية «النخلة والجيران» ثمة مفارقة وخرائط أهملها «السيد» أو لم ينتبه إليها، فيما كان فرمان أحد مؤسسيها الكبار. تبدأ قصة «السيد» من لحظة السفر في باخرة ستتجه بـ«جلال خالد» إلى الهند - مومباي. لا مكان عراقياً سوى إشارة يتيمة للبصرة وفرضتها أمام المعقل هناك. ثم نمضي مع «خالد» إلى أماكن «هندية» مثل «بومباي» و«كلكته»، وفي طريق العودة نعثر على إشارات للبصرة وشرق بغداد أو جوامعها بلا توصيف مكاني أو حتى ذكر اسم لها. ونجد في القسم الثاني من القصة ذكراً لحديقة «الصالحية» بكرخ بغداد. تأتي المدن وأمكنتها القليلة شاحبة بلا اسم أو صفة. فهي محض «ديكور» متقشف يصلنا عبر عين المسافر المشغول بيأسه بعد فشل «الثورة». ذلك الاقتصاد المكاني يفسره، ولا شك، أن المكان «الوطني» ذاته لم يأخذ شكله وأوصافه بعد. وكان على القصة العراقية أن تنتظر إلى نهاية الأربعينات لنكون إزاء طوبغرافيا عراقية للمكان البغدادي. وربما الأدق أن نكتب أن تلك الحقبة قد شهدت ترسخ المكان البغدادي بصفته المكان «الوطني» المتخيل. نتحدث عن قصص الجيل الخمسيني ممثلاً في الرائدين الكبيرين فؤاد التكرلي وعبد الملك نوري ومجايلهما مهدي عيسى الصقر. وقد يتصل كلامنا بقصص سابقيهم، وأبرزهم نزار سليم (أشياء تافهة - 1950) و(زقاق الفئران – 1972)، ثم استقر ذلك المعجم المكاني في «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» و«المخاض» و«الرجع البعيد»، ثم تحولت بغداد التاريخية إلى مرجع ونستولوجيا في أغلب روايات ما بعد 2003.

خريطة المدينة
وطبوغرافيا السلطة

تشمل مخيلة بغداد ثلاثة شوارع، هي: «الرشيد» و«الجمهورية» و«الكفاح». هذه الشوارع الثلاثة تؤلف ما يشبه المثلث داخل بغداد. «شارع الرشيد»، مثلاً، يمتد أربعة كيلومترات داخل بغداد، ابتداءً من «الباب المعظم» وانتهاءً بالباب الشرقي «الشرجي» - الشورجة، ذهاباً وإياباً. والشارع يمثل ذاكرة سياسية ثقافية لبغداد والعراق برمته؛ إذ يشكل مبنى وزارة الدفاع القديمة (مقر حكومة قاسم بعد 1958) مدخله من «الباب المعظم». تقابله محلة الصابونجية التي تتصل بـ«الرشيد» وشارع «الجمهورية». تنفتح الصورة على ما تبقى من فنادق «الرشيد» ومقاهيه ومحاله على جانبيه، لا سيما اليمين منه، فيما يشغل «جامع الحيدرخانة» الجهة المقابلة لـ«مقهى حسن عجمي»، ثم شارع «المتنبي» المتفرع من «الرشيد» نفسه، وهي التسمية الأحدث لأحد مداخل سوق السراي المفضي للقشلة، حيث السراي الحكومي. يسير الشارع بمحاذاة «دجلة» وينفتح على مناطق بغداد التاريخية، كما يخترق أربعة ميادين ويتصل بأربعة جسور، وتتفرع منه شوارع فرعية اكتسبت شهرة عراقية كشارع «النهر». طول الشارع وتفرعاته ثمّ ما تضمنه من مؤسسات وأسواق ودور سينما ومقاهٍ وشركات كبرى، جعله المحرك السياسي والثقافي لبغداد، لا سيما في عهد الحكم الملكي. فهل هذا مسوِّغ كاف ليكون الشارع سردية بغداد الكبرى في القصة الخمسينية وما يتصل بها من نصوص روائية عراقية رائدة؟
لا يبدو الكتاب المعنيون مهتمين بتقديم إجابات مكتوبة ومقنعة؛ كانت حياتهم وقد عاشوها وكتبوا عنها، وعن البغدادي الذي يخرج من بيته في المربعة أو الحيدرخانة أو باب الشيخ أو راس القرية ويذهب إلى «الرشيد» كأنه النصف المتمم لحياته. هكذا يفتتح فؤاد التكرلي عالم قصته الطويلة «نوفيلا: الوجه الآخر» بتسمية المكان وتوصيفه: «خطر له حين مرَّ أمام مقهى حسن عجمي، أنه سيعود للجلوس (فيها) عصر هذا اليوم»، ثمّ قوله في فقرة ثانية: «كان شارع الرشيد مليئاً بحركة مستمرة والشمس البيضاء تملأه وتملأ نفس محمد جعفر... ص9». تنطوي هذه النصوص على أمرين: تسمية المكان بوصفه، ثم امتلاكه. ثمة «بغدادي» يمتلك حكاية، حكايته غالباً. ولا حكاية خارج أسوار المكان العتيق الضيق، والقذر غالباً. في «النخلة والجيران»، مثلاً، يستعيد (ربما الأصح أن نكتب: يعود!) صورة المكان الزائل الذي جرى محوه في أزمنة سابقة: الصولة وبيت سليمة الخبازة حيث النخلة القميئة والخان وأزقة أخرى في «الصبابيغ الآل - حي الصافن كما يسميها فرمان». في رواية «المخاض» نتحول إلى مشهد آخر للمكان البغدادي: شارع الجمهورية وشارع الكفاح والخلاني، فرقاً عن «خمسة أصوات» التي تبدأ بمتاهة الأزقة التي لا تنتهي بـ«الكفاح».

أزمنة السلطة... صور المدينة
هل اختلفت مخيلة بغداد باختلاف منظومات السلطة الحاكمة في العاصمة؟ هذا سؤال ربما لا معنى له؛ لأن السلطة كانت تسعى دائماً لـ«صناعة» بغداد كما تريد وتفكر فيها. ولا يختلف حال بغداد عن حال أي عاصمة عالمية. أفكر في باريس وتحولاتها، في برلين ولندن وغيرهما من مدن كبرى شهدت تحولات وتحولات جذرية. وفي حالة بغداد؛ فإن النصوص الروائية المؤسِّسة تضعني أمام ثلاث صور لبغداد التاريخية: صورة شارع الرشيد وما يتصل بها من أحياء وشوارع فرعية ومحال وسينمات وساحات، وهي الصورة الأثيرة في روايات الحقبة الملكية. أقصد هنا الروايات التي كتبت عن الحقبة الملكية. أذكر منها روايات فرمان الثلاث: «النخلة والجيران» و«خمسة أصوات» و«القربان» و«نوفيلا» التكرلي الوجه الآخر. وهناك روايات لكتاب عراقيين آخرين تتعرض لتلك المرحلة، لكنها لا تجعل منها عالماً كاملاً، نذكر منها روايتي علي بدر «بابا سارتر» و«صخب ونساء وكاتب مغمور». صورة شارع الجمهورية - الكفاح، وهي تمثل حقبة الجمهورية الأولى. نجد تلك الصورة في روايتين أساسيتين، هما: «المخاض» لفرمان و«الرجع البعيد» للتكرلي. نُشرت الأولى عام 1974، فيما انتهى التكرلي من روايته عام 1977 ونشرها عام 1980. «المخاض» قصة المنفي العائد إلى بلاده بعد «غربة» استغرقت سنوات جرى خلالها إزالة عالمه وذكرياته، فيضطر للسكن في فندق بشارع الرشيد «عالم الصورة الأولى»، ثم في «حمام المالح» بمنطقة الفضل. ولرواية «المخاض» يرجع الفضل في نقل عالم بغداد المتخيل من الرشيد إلى شارعي «الجمهورية» و«الكفاح»، حيث باب الفضل وباب الشيخ والخلاني والكيلاني. وهو الخيار الذي سيعتمده مؤرخ بغداد الآخر، فؤاد التكرلي، في روايته الشهيرة «الرجع البعيد»؛ في تلك الشوارع، كما في غيرها، احتدمت الأحداث واشتبك البغداديون مراراً. وعندما نصل إلى الصورة الثالثة؛ فإننا نستعيد مخيلة بغداد كلها، بصورتيها؛ الملكية والجمهورية. في روايات بغداد «المحتلة» سنكون إزاء سلسلة متصلة من نصوص بغداد بأزقتها المظلمة والضيقة التي ازدادت تلفاً ودماراً، لكنها، أيضاً، التي انفتحت على مواجع بغداد وضياعها؛ فحضرت مشرحة بغداد، وحضرت البتاوين، واستعاد «أبو نؤاس» حضوره وغيرها. وما زالت بغداد تستعيد أزمنتها وأمكنتها، هي نسخة أخرى عن كتابها، بل إن كتابها هم نسخ أخرى عنها. ولا بد من أنهم يتذكرون، مجتمعين أو فراداً، نصيحة «العم نوري»، سائق التاكسي الذي عاد «بكريم داود» من المطار، ثم أسكنه في بيته في «حمام المالح». قال له إجابة لطلبه أن يحدثه عن حياته: «كل ما أريده لك أن تكون مرتاحاً. والارتياح يأتي حين تعرف أي طريق تسلك، وإلا فستكون مثل بغداد اللي ما كانت تعرف وين تضع رجلها. (المخاض)».
أهذا كل بغداد: شارع الرشيد والقشلة والميدان والحيدرخانة والصدرية وباب الشيخ والبتاوين؟ أين الكاظمية والأعظمية والكرادة والدورة والمنصور؟ هل ستطردكم بغداد من جنتها لو كتبتم عن علي الصالح أو الصليخ أو الجادرية؟



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.