الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

معركة البحث عن الصفقات وسط هيمنة السلاح

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»
TT

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

الانتخابات الليبية... مفتوحة الأبواب «على المجهول»

قطعت ليبيا شوطاً كبيراً باتجاه انتخاب أول رئيس للبلاد في تاريخها المعاصر؛ لكن ما تبقى من خطوات على تحقيق هذا الهدف المُرتقب بات محفوفاً بالمخاطر والتربص والتهديد بقوة السلاح أيضاً. فالبلد، الذي يتأهب لمرحلة مهمة بعد عِقد من الصراع والاقتتال يعاني راهناً حالة من التشظّي والتقسيم الجهوي، وبالخصوص مع تزايد أعداد الطامحين لمقعد الرئيس المقبل؛ إذ إنه كلما اقترب الموعد المُحدد لهذا السباق، فإن الأوضاع السياسية والأمنية تزداد توتراً.
ثمة جانب من مخاوف الليبيين أرجعه ساسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إلى افتقار ليبيا إلى «المرشح التوافقي»، فضلاً عن تصاعد نبرة «التحزب الإقليمي، ورفض الآخر». وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كل جبهة تتمسك بممثلها في هذا الاستحقاق، وما عداه لا يُعتد بترشحه؛ ما قد يفتح الباب لسيناريوهات عدة، أقلها التشكيك في نتائجه، ومن ثمّ الدخول إلى عالم مجهول، إذا ما انعقدت تلك الانتخابات في موعدها بالفعل قبل نهاية العام. وهو ما قد يسمح بتكرار ما حدث قبل 7 سنوات من الانقسام.
يلاحظ أنه مع بدء العد التنازلي في ليبيا لإجراء انتخابات رئاسية ونيابية متزامنة يوم 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، تبدّد «التوافق النسبي» الذي عاشته ليبيا طوال الأشهر العشرة منذ انتخاب السلطة التنفيذية المؤقتة بطرابلس العاصمة في فبراير (شباط) الماضي. وبالتالي، سادت حالة من التحفز والكراهية، وما عاد معلوماً، حتى الآن، إذا ما كان سيصار إلى تعديل قانون الانتخابات الرئاسية ليتمكن عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، من المشاركة في هذا الماراثون المحموم... أم أن الوضع سيبقى على ما هو عليه وتتجه الأمور إلى مزيد من التعقيد...
- «فبراير» بمواجهة «سبتمبر»
بداية، أحدث ظهور سيف الإسلام، النجل الثاني للرئيس الراحل معمر القذافي، وتقدمه بملف ترشحه للانتخابات الرئاسية إرباكاً كبيراً في الأوساط السياسية الليبية. إذ عدّه البعض فشلاً لـ«ثورة 17 فبراير عام 2011»، وانتصاراً لنظام «الفاتح من سبتمبر» الذي حكم ليبيا قرابة 42 سنة بقبضة حديدية، ويريد العودة ثانية للحُكم من باب صناديق الاقتراع. وهذا ما دفع جمعة القماطي، رئيس حزب «التغيير»، إلى القول بأن «ثورة فبراير هي من أتت بحق الانتخاب والترشّح والاحتكام إلى الصناديق وحق التداول السلمي للسلطة وفق نظام ديمقراطي؛ ولكن هذا لا يعني السماح لمجرمي حرب، ومنهم من أدانته محاكم ليبية، ومطلوب لدى الجنائية الدولية، ولا يؤمن بهذه الطرق الديمقراطية أصلاً، بأن يستغلها لإعادة حكم الفرد والديكتاتورية»، حسب تعبيره.
وتحدث ساسة آخرون عن «حالة الغضب» التي ظهرت عليها الميليشيات والمجموعات المسلحة في مدن مثل الزاوية وتاجوراء والخُمس وزليتن وعين زارة ومصراتة بغرب ليبيا، فور تقدم سيف بأوراق ترشحه. وأسفرت عن إغلاق مقار المفوضية العليا للانتخابات هناك مرشحة للتصعيد، بل والصدام، وذلك إذا لم تتدخل القوى الدولية لتسوية الأمر، ومنع نجل القذافي من الترشح. مع هذا، يرى أحمد علي لنقي، عضو المجلس الأعلى للدولة، أن ليبيا «في طريقها إلى الاستقرار السياسي رغم أنف الكارهين الماكرين... ولا عودة مطلقاً للماضي المظلم التعيس ولا لحكم الاستبداد».
وانتهى لنقي، إلى أن «الشعب عايش حرية التعبير وذاق طعم الحرية. وبالتالي لا يمكن أن يرضى بمن يسلبه مكاسبه التي جناها من ثورة 17 فبراير... ومَن سيحافظ على هذه المكاسب هو الرئيس القادم».
من جانبه، قال الإعلامي الليبي محمود شمّام، معلّقاً على ترشّح سيف، فور تقدمه بأوراقه، عبر إدراج سابق له قائلاً «بعد عقود من حكم الفرد المطلق والإرهاب والعنف ضد الخصوم، ابن حاكم ليبيا المُطلق يحتكم إلى صندوق الاقتراع». وأردف «إنصافاً لإقدام الملايين التي خرجت تهتف الشعب يريد إسقاط النظام، مرحباً بالصندوق قاضياً لاختلافاتنا، ونعم للقانون في الفصل بحقه في الترشح، ولنرَ بعدها مَن المستفيد ومَن المتضرّر».
- الدبيبة وحفتر و«القانون»
اللافت هنا، قبل 33 يوماً من الاستحقاق المُنتظر، أن خطاب الكراهية عاد إلى الظهور، ولغة الاتهامات والتخوين التي كانت قد خمدت طوال الأشهر الماضية، طفت على السطح مجدداً وأظهرتها الاستعدادات الجارية للانتخابات. ذلك أن جانباً من الرافضين لترشّح سيف، يرفضون أيضاً ترشّح المشير خليفة حفتر، الذي تقاعد مؤقّتاً من منصبه قائداً عاماً لـ«الجيش الوطني الليبي» المتمركز في شرق البلاد. وهؤلاء يرون أن قانون الرئاسة الذي أصدره مجلس النواب «منفرداً»، من دون الرجوع إلى المجلس الأعلى للدولة بطرابلس برئاسة خالد المشري، يكرّس الديكتاتورية ويسمح بعودة حكم الفرد، في حين تعهد الأخير المحسوب على تنظيم الإخوان بمقاطعة الانتخابات، والامتناع عن حمايتها أو الاعتراف بنتائجها... بل إنه دعا إلى الاعتصام أمام مقر المفوضية التي يترأسها عماد السائح، تنديداً بما وصفه بـ«القوانين المعيبة» التي أصدرها البرلمان.
أيضاً، دخل الصادق الغرياني، مفتي ليبيا المعزول من قبل برلمان طبرق، على الخط، محرّضاً من سماهم «القوى الفاعلة والثوار» على الخروج بقوة السلاح لمنع ترشّح حفتر، الذي تقدّم بأوراقه وتحدّث وسط استغراب خصومه بغرب ليبيا، عنه أنه «لا يبتغي السلطة، وطالب الليبيين بالاختيار الصحيح الذي لا يندمون عليه مرة ثانية».
- اعتراضات الغرب الليبي
تتمحور جُل اعتراضات جبهة غرب ليبيا على المادة (12) من قانون الانتخابات الرئاسية، وهي التي تقف حائلاً دون ترشح الدبيبة. إذ إنها تنص على التالي «في حال كان المترشح يشغل وظيفة قيادية عامة، ينبغي عليه التوقف رسمياً عن ممارسة عمله قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات وتقديم ما يثبت ذلك من وثائق». لكن الأخير ما زال يمارس عمله حتى الآن؛ لذا يطالب مناصروه بتعديل القانون ويهتفون في فعاليات مختلفة «لا انتخابات من دون الدبيبة».
وهنا قال سعيد امغيب، عضو مجلس النواب وأحد مؤيدي حفتر «بعد تقدم حفتر بملف ترشحه أستطيع القول إن صفحة جديدة من تاريخ الوطن فتحت وإن أخرى استمرت لعقد كامل من الزمان قد طويت»، ورأى أنه «من الواجب علينا جميعاً اليوم الاستماع لصوت العقل والمنطق». وتابع «يتوجب علينا الآن النظر إلى من يستطيع قيادة هذه المرحلة الصعبة بكل اقتدار وبأخف الأضرار؛ لأن الأخطار كبيرة والمتربصون بنا وبالوطن كُثر يختلفون باختلاف أجنداتهم ومصالحهم، نحن اليوم في حاجة إلى من يستطيع إفشال كل المؤامرات التي تحاك للوطن والوقوف بقوة في وجه كل الطامعين بخيرات أرضنا ومقدراتنا».
- بارزون ومغمورون
كثيرون من المتابعين للشأن الليبي يرون أن البلاد راهناً غير مهيأة للانتخابات من ناحية تصاعد حالة الاحتقان المجتمعي، وسط احتكام البعض إلى قوة السلاح، لكن مقتضى لسان حال القوى الدولية والإقليمية يؤكد أن إجراء الاستحقاق على أي وضع وبأي شكل أفضل كثيراً من إلغائه أو تأجيله. لذا؛ تسارع شخصيات - بعضها بارز وبعضها الآخر مغمور – إلى التقدم بأوراقها قبل إغلاق باب الترشح الاثنين المقبل (22 من الشهر الحالي) بينما يستمر قبول طلبات الترشح للانتخابات النيابة التي تقدم إليها مئات الشخصيات حتى 7 ديسمبر (كانون الأول) (المقبل.
عشرات الشخصيات أعلنت عبر مواقع التواصل الاجتماعي اعتزامها الترشح للانتخابات الرئاسية، لكن الذين تقدموا فعلياً حتى الآن بملف ترشحهم بجانب سيف الإسلام، وحفتر، المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، والدكتور محمد أحمد الشريف، أمين عام «جمعية الدعوة الإسلامية» في عهد القذافي، ورئيس الوزراء الأسبق علي زيدان، وعضو المجلس الرئاسي السابق أحمد معيتيق (المنتمي إلى مدينة مصراتة)، ورئيس تكتل «إحياء ليبيا» عارف النايض، (المنتمي إلى شرق ليبيا). كذلك، تقدم رئيس الأركان العامة بحكومة «الوفاق» السابقة الفريق محمد علي محمد المهدي، والوزير الأسبق فتحي بن شتوان، ورئيس حزب القمة عبد الله ناكر ومحمد المزوغي، وأمين عام «التجمع الوطني» الليبي أسعد زهيو، ورئيس حزب «الوحدة» السنوسي الزوي وفيضان عيد حمزة.
ويتوقع أن يتقدّم آخرون خلال اليومين الباقيين، وسيتعين عليهم جميعاً الانتظار لحين الفصل في ملفاتهم من قبل المفوضية قبل الإعلان النهائي عن قائمة المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاق الرئاسي. وهو ما لفتت إليه المفوضية، بقولها «إن تسلم طلبات الترشح المرفقة بالمستندات ذات العلاقة بالاشتراطات القانونية المقدمة إليها لا يعني بالضرورة أن طلب المترشح قد قُبل».
ونص قانون الانتخابات الرئاسية على أن ليبيا دائرة انتخابية واحدة يتنافس فيها كل المرشحين، على أن يحصل الفائز على 50 في المائة + 1 من الأصوات خلال الجولة الأولى، وإذا لم يتحصّل أي مرشح على هذه النسبة، يُلجأ للجولة الثانية ويتنافس فيها المرشحان الحاصلان على أكثر الأصوات في الجولة الأولى. وتعتمد الانتخابات النيابية على النظام الفردي، حيث تُقسم البلاد إلى 75 دائرة، ويفوز المرشح الحاصل على أكثر الأصوات بدائرته.
- البدائل... و«التربيطات»
السباق الانتخابي شهد مزيداً من التفاعل والسخونة على خلفية دخول عقيلة صالح حلبة المنافسة في ظل وجود حفتر، مع توقع بعض السياسيين الاتجاه لـ«التربيطات» وعقد «الصفقات» بين بعض المرشحين المحتملين، وخصوصاً بشرق ليبيا من جهة، وآخرون بغربها للالتفاف حول شخصية بعينها في إطار «تحالفات» يجري التوافق حولها تجنباً لتشتت الأصوات، بغض النظر عن «العداءات القديمة».
وتمثل عودة الشريف من الخارج إلى ليبيا متغيراً دراماتيكياً آخر. ويذكر أنه كان قد غادر البلاد بعدما أمضى في سجون طرابلس 6 سنوات، قبل أن تُطلق الميليشيات المسلحة سراحه عام 2016 إثر إلغاء المحكمة العليا الحكم الصادر ضد بـ12 سنة. ويومها توجه إلى العاصمة الأردنية عمّان.
هذا، وتزامن وصول الشريف إلى ليبيا مع قدوم بشير صالح، مدير مكتب القذافي السابق من الخارج؛ وهو ما فتح الباب لمزيد من الاجتهاد والتكهّن؛ إذ زعمت بعض الأصوات الإخوانية أن سيف القذافي «ربما يعلن دعم الشريف في اللحظات الأخيرة إذا لم يتمكن من استكمال المشوار»، ضمن ما سمته «استراتيجية الدفع بأكثر من مرشح لتفتيت الأصوات وإخفاء المرشح المقصود»، وزعمت أيضاً أن هذا المخطط «وضعه اختصاصيون من دولة كبرى التقت سيف غير مرة».
وفسّر الدكتور مصطفى الزائدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية الليبية» عودة الشريف وبشير صالح، بالإضافة إلى ظهور سيف الإسلام، بأنها «رسالة قوية لمن شارك في المؤامرة (حسب تعبيره)، إن الشعب الليبي واعٍ ومدرك طبيعة ما جرى من حوله، وإنه لو تمكن من انتزاع حقه في فرض إرادته فسيكون له قول آخر».
- هواجس «الانقلاب الثاني»
يتبقى أن جُل المعضلة الليبية ومخاطرها، كما يرصدها كثير من المراقبين، يتمثل في أن كل جبهة لا ترى غير مرشحها في السباق، وهو ما يطرح مزيداً من التساؤل عن أهمية صندوق الانتخاب للاحتكام بين فرقاء متشاكسين، طالما بقي صندوق الذخيرة حاضراً بين يديهم ويلوحون به مراراً للإفساح الطريق أمام ممثلهم؟
وعليه، فإن الأجواء المشحونة بالتحفز المحيطة بالعملية الانتخابية حالياً، تفرض ضرورة النظر للشكل الذي ستبدو عليه ليبيا في اليوم التالي لإجراء الاستحقاق، سواء في مرحله الأولى أو الثانية... ومدى قبول الطرف الخاسر بما قد يسفر عنه. لكن المخاوف من تكرار ما وصف بـ«الانقلاب» الذي شهدته ليبيا عام 2014 وأدى إلى انقسام بين شرق ليبيا وغربها وتدشين حكومتين لا تزال ماثلة في الأذهان، لا سيما مع نزوع البعض باتجاه الاحتكام لقوة السلاح بقصد تعطيل الانتخابات.
هذه المخاوف في مجملها ليست بعيدة عما ذهب إليه المبعوث الأممي الأسبق إلى ليبيا الدكتور طارق متري، التي تداولتها وسائل إعلام محلية، بقول إن «الكل يريد انتخابات في ليبيا أو يدعي ذلك، لكن التسويات حول تقاسم السلطة وإجراء الانتخابات لا تضمن بقوة ذاتها صيانة وحدة البلاد وسلامتها».
وأمام هذه الحالة، فإن الجهود الدولية والإقليمية تتواصل للحث على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي الجهود التي بات ينظر إليها كثير من الليبيين على أنها تسعى لرسم خريطة البلاد على نحو ما تم في مؤتمر جنيف الذي أثمر السلطة التنفيذية المؤقتة الحالية. وللطمأنة، أكد المبعوث الأميركي لدى ليبيا وسفيرها ريتشارد نورلاند، خلال لقائه رئيس السائح، بأن بلاده «ستواصل دعم جهود مفوضية الوطنية لضمان أمن ونزاهة عملية التصويت».
- ليبيا... 70 سنة في انتظار «عودة الدولة»
> خضعت ليبيا للحكم الأجنبي قروناً عدة، حتى نالت استقلالها بعدما ظلت أقاليمها الثلاثة طرابلس وبرقة وفزّان تحت الوصاية الإيطالية والفرنسية والبريطانية سنين طوال. ومنذ تلك الحقبة وهي تكافح عبر مسارات ومحطات مختلفة للوصل إلى حكم ذاتي يعبر عن جموع الليبيين، ويعيد «الدولة الغائبة». وهنا محطات لتطور الأزمة منذ أكثر من 70 سنة، مروراً بحكم الملك إدريس السنوسي ومعمر القذافي، ووصولاً إلى الأحداث التي شهدتها ليبيا خلال عِقد كامل.
* 24 ديسمبر (كانون الأول) عام 1951، أعلن محمد إدريس السنوسي، «استقلال ليبيا» بعد تغلبها على الإيطاليين. ومن شرفة قصر المنارة في العام ذاته بمدينة بنغازي (شرق ليبيا) قال السنوسي، إن ليبيا أصبحت دولة ذات سيادة عقب إصدار الدستور لتنضم إلى جامعة الدول العربية في 1953، وظلت تحت تاج الملكية الذي أطلق عليه «الحكم الباهي».
* سبتمبر (أيلول) عام 1969 قاد معمر القذافي، ومجموعة من الضباط «ثورة» على النظام الملكي، وصفها أنصار السنوسي حينها بـ«انقلاب عسكري أطاح آمال الليبيين في حياة مستقرة». وبعد سيطرة القذافي على مقاليد الحكم، حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود بقبضة حديدية غابت عنها الديمقراطية، وأدار نظاماً فرض فيه أبناؤه وأقاربه سيطرتهم على البلاد، حتى أُسقط عام 2011 بـ«ثورة» شعبية ساندتها فصائل مسلحة، ودعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو).
* أدت الإطاحة بالقذافي ونظامه إلى فراغ كبير في السلطة واضطراب عمّ البلاد، وعجزت معه أي جهة عن فرض سيطرتها عليها.
* في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، أعلن «المجلس الوطني الانتقالي»، «تحرير» ليبيا وتولى إدارة شؤون البلاد، لكنه لم يتمكن من بسط سيطرته على الميليشيات المتعددة التي نشطت في الأشهر التي سبقت الإطاحة بالقذافي، وانتهكت فيها الحقوق وتفككت أواصر الدولة.
* في أغسطس (آب) 2012، سلم المجلس الانتقالي السلطة لـ«المؤتمر الوطني العام» الذي انتخب في الشهر السابق.
*في يونيو (حزيران) 2014، اختار الناخبون الليبيون برلماناً جديداً يخلف «المؤتمر الوطني العام» وعقد جلساته بمدينة طبرق شرقي البلاد، بينما ظلت العاصمة تحت سيطرة الميليشيات.
* استغل «داعش» حالة الفوضى والاقتتال بين القوات الموالية لـ«المؤتمر الوطني العام» المنحل من جهة ومجلس النواب من جهة أخرى لبسط سيطرته على سلسلة من المدن الساحلية منها درنة وسرت.
* في أواخر عام 2015، توسطت الأمم المتحدة لإبرام اتفاق تشكل بموجبه حكومة «الوفاق الوطني» ومجلس رئاسي يرأسه فائز السراج، ولكن السلطتين في طرابلس وطبرق لم تعترفا بهذه الحكومة.
* في مارس (آذار) 2016، وصل السراج وعدد من نوابه إلى طرابلس، حيث أسسوا مقراً لهم في قاعدة «أبو ستة» البحرية تتمتع بحراسة مشددة.
* في الثاني من فبراير (شباط) 2021، انتخب «ملتقى الحوار السياسي» الليبي سلطة تنفيذية جديدة ليصبح محمد يونس المنفّي رئيساً للمجلس الرئاسي، وعبد الحميد دبيبة رئيساً للحكومة وسط مساعٍ لاستعادة الدولة.
* 16 مارس (آذار) 2021، سلّم السراج السلطة للمنفّي والدبيبة، وقال المنفي حينها «إنهم سيعملون على ترسيخ مبداً التداول السلمي على السلطة وقيم الديمقراطية والدولة المدنية عبر الإيفاء بوعودهم في إجراء الانتخابات في موعدها في 24 ديسمبر (كانون الأول) المقبل».
* في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 وقبل 33 يوماً من إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المقررة وقفاً للخريطة الأممية، وصف رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، قانون الانتخابات بـ«المعيب»، وقال، إنه «لا يمكن أن نرضى به أبداً»، قبل أن يضيف أن «الشعب الليبي لا يمكن أن يختار قادته إلا بالانتخابات، ولا يمكن التنازل عن هذا الحق أبداً، لكن أرادوا خلق صعوبات في هذا الملف المهم الذي يريده الشعب الليبي، وخرجوا بقوانين مفصلة على بعض الجهات وبعض الأشخاص، ولا يمكن أن نرضى به أبداً».
وعلى الرغم مع مرور أكثر من سبعين عاماً على إصدار الدستور الملكي، فإن مؤيدين لنظام السنوسي يدعون للعودة إليه، كما يطالبون الأمير محمد الحسن الرضا المهدي السنوسي للعودة إلى ليبيا «لمباشرة مسؤولياته وسلطاته الدستورية كملك، وإعادة المملكة المفقودة»، طبقاً لنصوص الدستور الذي يرون بأنه «الدستور الساري المفعول والشرعي الوحيد».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.