مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

محنة بلدهم طالتهم بصورة أو بأخرى

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب
TT

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

تقدّر مصادر أن عدد المغتربين اللبنانيين يفوق عدد سكانه المقيمين بـ3 أضعاف، ثم إن الأرقام المتداولة للذين غادروا لبنان خلال العامين الماضيين وحده «مخيفة». ولعل الأخطر هو أن القسم الأكبر ممن ما زالوا يعيشون فيه يتحيّنون الفرصة لـ«الهرب» بعدما باتت هذه البقعة الصغيرة، التي لطالما كانت محط أنظار العالم واهتمامه وإعجابه وانبهاره، بقعة مظلمة غير قابلة للعيش... يرزح أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت فقر شديد.
وحقاً، لطالما شكّل المغتربون طوق النجاة الذي يتمسك به لبنانيو الداخل منذ مئات السنوات. وما زال هؤلاء من أبرز أعمدة الاقتصاد اللبناني؛ إذ كانوا وظلوا يرسلون إلى أهاليهم وعائلاتهم مليارات الدولارات سنوياً. لكنهم، وكحال كل اللبنانيين طالتهم كارثة الانهيار المالي، فجرى حجز أموالهم في المصارف اللبنانية باعتبار أن نسبة كبيرة منهم كان تضع كل مدّخراتها في هذه المصارف، وبخاصة في ظل الفوائد العالية التي كانت تقدّمها البنوك؛ ما أدى إلى فقدان العدد الأكبر منهم ثقته الباقية بالبلد.
ما كانت الجنسية اللبنانية في يوم من الأيام عاملاً مُسهِّلاً للمغتربين أينما حلوا، بل كانت تحدّياً إضافياً يواجهونه في بلدان الاغتراب... إذ لحقت لعنات السياسيين اللبنانيين بهم إلى أصقاع العالم. وراهناً، تبدو الأكثرية الساحقة من المغتربين في دول الخليج اليوم مستاءة إلى أبعد الحدود من الأزمات المفتعلة مع هذه الدول، وآخرها، تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي التي فجّرت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة يخشى هؤلاء أن تطالهم تداعياتها. وقد بات لسان حال هؤلاء يقول: «اتركونا وشأننا... لقد هربنا منكم، فلا تلاحقونا بلقمة عيشنا في بلدان الاغتراب!».
- حساب الأرقام
يبلغ عدد اللبنانيين المقيمين نحو 4 ملايين نسمة، يُضاف إليهم نحو مليون لاجئ ونازح سوري ونصف مليون لاجئ فلسطيني، وفي المقابل، يُراوح عدد المهاجرين اللبنانيين والمغتربين من أصل لبناني، المنتشرين خارج لبنان في بلدان العالم ما بين 8 ملايين و12 مليون نسمة، يحتفظ 1.3 مليون منهم بجنسيته اللبنانية، بحسب «الشركة الدولية للمعلومات».
لقد هاجر المغتربون اللبنانيون على مراحل وفي موجات متعددة، أبرزها خلال الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1992. إذ تتحدث «الدولية للمعلومات» عن هجرة 600 ألف لبناني، وتقول إنه منذ نهاية الحرب حتى عام 2019، هاجر 650 ألفاً آخرين. وأخيراً، كشف الأب طوني خضرا، رئيس مؤسسة «لابورا» (Labora) المعنية برصد مشكلة الفقر والبطالة، عن أن 230 ألف مواطن هاجروا من لبنان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي (2021).
أما أسباب الهجرة، فلم تختلف كثيراً عبر السنوات، فظلت النسبة الأكبر والتي تتخطى النصف تبحث عن عمل يليها مَن يغادرون لأسباب أمنية. ولقد أدى تدهور الوضعين المالي والاقتصادي بشكل دراماتيكي، إلى فقدان المقوّمات الأساسية للعيش. وجاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليدعم حسم الأكثرية العظمى من حاملي جنسيات أجنبية إلى جانب جنسيتهم اللبنانية أمرهم لجهة مغادرة البلاد. ووفق الأب خضرا، فإن 90 في المائة من اللبنانيين من حملة الجنسيات الأجنبية (لم يذكر إجمالي عددهم) غادروا لبنان في سبتمبر (أيلول) الماضي.
- الشريان الاقتصادي للبنان
بلغت تحويلات المغتربين ما بين عامي 2017 و2019 نحو 8 مليارات دولار أميركي سنوياً، في حين يؤكد مطلعون على الملف، أنها تجاوزت بكثير هذا الرقم، باعتبار أن الكثير منهم كان يحمل الأموال نقداً إلى البلد بعد الإجراءات الأخيرة للمصارف.
وحسب توفيق معوض، رئيس مجلس إدارة شركة تحويل الأموال «أو إم تي»، ازدادت التحاويل الواردة من الخارج بنسبة 50 في المائة في الأشهر الستة الأولى من عام 2021 بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2020. ويشير معوض في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في النصف الأول من عام 2021، تلقّى نحو 220.000 مستفيد شهرياً التحاويل الواردة من الخارج بالدولار الأميركي نقداً «fresh» عبر الشركة التي يرأس مجلس إدارتها. وأوضح، أن التحاويل وصلت من نحو 156 دولة، على رأسها أستراليا، والولايات المتحدة الأميركية، ودول الخليج، وكندا، وألمانيا.
- لبنانيو الخليج
للعلم، يتجاوز عدد اللبنانيين المقيمين في دول الخليج النصف مليون شخص. ويشير شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، إلى أن عدد اللبنانيين في دولة الإمارات يبلغ نحو 150 ألف نسمة. ولقد زار قسم كبير منهم بلدهم خلال الصيف الماضي؛ لأن الأكثرية لم تتمكن خلال صيف 2020 من مغادرة أماكن إقامتها بسبب إجراءات «كوفيد - 19».
ويوضح جحا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد الصفعات التي تلقاها المغتربون من دولتهم لديهم شعور بالأسى والمرارة، خاصة، أن هناك أشخاصاً موجودين في الاغتراب منذ 40 سنة، وقد وضعوا جنى عمرهم في المصارف اللبنانية... ليصار إلى إبلاغهم بين ليلة وضحاها بأنه ما عاد بمقدورهم الحصول على أموالهم. وأن عليهم أن ينتظروا فيما الدولة تتنصّل من واجباتها... هذا يخلق نفوراً لدى المغتربين الذين وصلت الأمور بالبعض منهم إلى القول: لم نعد نريد شيئاً من بلدنا... كانت ثقتنا عمياء، فأتت النتيجة مدمّرة».
ويتابع جحا، أنه على الرغم من الإحباط المسيطر على قسم كبير من هؤلاء المغتربين، فإنهم لا يمكن أن يتخلوا عن عائلاتهم وأهلهم في لبنان. وهذا، مع العلم أن قسماً لا بأس به منهم يحاول أن يأتي بهم بعد الأزمات الأخيرة إلى الدول التي يعيشون بها. ثم يلفت إلى أن تحويلات اللبنانيين من الخارج بلغت عام 2020 نحو 7 مليارات دولار ما بين 25 و30 في المائة منها من دول الخليج.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، أن المغتربين «اعتادوا أن يساهموا سنوياً بـ15 مليار دولار بالاقتصاد اللبناني، 8 مليارات كتحاويل مباشرة عبر المصارف اللبنانية، وما تبقى على شكل إنفاق حين يزورون لبنان»، لافتاً إلى أنه «بسبب الأزمة الحالية كما بسبب أزمة (كوفيد – 19) خسرنا هذه الأموال. ففي العام 2020 انخفضت التحاويل المباشرة عبر البنوك وشركات التحاويل كثيراً، حتى أنني لا أعتقد أنها تخطت الـ4 مليارات دولار رغم الحديث عن أرقام أعلى، إضافة إلى مليارَي صرفت على شكل إنفاق هذا الصيف».
ويشدد عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «رغم انخفاض كمية الأموال المرسلة من قبل المغتربين، فإن تأثير الـ6 مليارات كان كبيراً نتيجة الوضع المالي والاقتصادي وعوز اللبنانيين، وبالأخص نتيجة انهيار سعر صرف الليرة... ما جعل تأثير المائة دولار أكبر بكثير مما كان عليه في السنوات الماضية».
ويشرح عجاقة، أنه «بعد إعلان وقف دفع سندات اليورويوند، والعرقلة التي أصابت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي نتيجة الخلاف اللبناني الداخلي على تحديد الخسائر، وانفجار مرفأ بيروت... كل ذلك أفقد المغترب اللبناني ثقته ببلده، وأصبح همه الأساسي سحب أمواله من المصارف». ثم يضيف «للأسف تخلت الدولة عن مبلغ الـ15 ملياراً سنوياً الذي كان يساهم فيه المغتربون للاستحصال على 3 أو 4 مليارات دولار من صندوق النقد. وهذا يدل على سوء تقدير أوصل البلد إلى ما وصل إليه. وبالتالي، فأي خطة ستلحظ الجسم الاغترابي لن تنجح حالياً لأن ثقة المغترب ببلده مفقودة».
- دور المغترب بالانتخابات
من ناحية ثانية، ينقسم الرأي العام اللبناني بين مَن يعتبر أن استياء المغتربين سينعكس إقبالاً كبيراً من قِبلهم للمشاركة في الانتخابات النيابية من أجل المساهمة بتغيير السلطة الحاكمة، وبين مَن يرى أن إحباطهم سيترجم انعدام الحماسة للمشاركة بالاستحقاق النيابي في شهر مارس (آذار) المقبل.
الفريق الثاني يدعم وجهة نظره بالأرقام التي سُجّلت في الانتخابات الأخيرة عام 2018؛ إذ بلغ عدد الناخبين المسجلين للاقتراع في الخارج 82.965 ناخباً فقط، اقترع منهم 46.799 مقترعاً، أي بنسبة 56.4 في المائة، وشكّل هؤلاء نسبة 2.5 في المائة فقط من إجمالي المقترعين.
حول الموضوع الانتخابي، ارتأى المجلس النيابي أخيراً تعديل قانون الانتخاب الذي كان قد أشار إلى انتخاب المغتربين 6 نواب يمثلونهم في الندوة البرلمانية، وأعاد العمل بما كان معتمداً عام 2018 لجهة إشراك المغتربين بانتخاب 128 نائباً. ومن المرتقب أن يكون هناك إقبال أكبر من قبل اللبنانيين الموجودين في الخارج على تسجيل أسمائهم للمشاركة في الانتخابات بعد حسم الجدل الذي كان قائماً حول الموضوع.
هنا، يتحدث شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، عن «حماسة لدى المغتربين للانتخاب في هذه الدورة، باعتبار أن الوضع في لبنان خطير ويحتاج إلى الإنقاذ. ونظراً لتمتع المغتربين بحرية رأي واستقلالية في خياراتهم؛ فهم قادرون على أن يكونوا شركاء فاعلين بهذا الإنقاذ».
في المقابل، لا يعوّل رئيس «المركز اللبناني لحقوق الإنسان» والناشط السياسي وديع الأسمر، الذي يعيش منذ 4 سنوات في قطر – كثيراً على دور المغترب في الانتخابات، معتبراً أن «المراهنة على المغتربين ليست بمكانها الصحيح، وهي يفترض أن تكون على الناشطين الذين لديهم أمل في البلد سواءً في الداخل أو الخارج». ويتحدث الأسمر لـ«الشرق الأوسط» عن «الوهم بأن التصويت الاغترابي قد يغير الأمور، وهو ما لمسناه في العام 2018 التي أتت نتائج مشاركة المغترب فيها معبرة»، واستطرد، أنه «يمكن تقسيم الانتشار اللبناني إلى نوعين: المغتربون الذين تركوا البلد بإرادتهم إلى المهجر منذ سنوات، والمهجّرون الجدد الذين اضطروا إلى المغادرة بحثاً عن عمل، وبالأخص في العامين الأخيرين، وهؤلاء هم الذين نعتقد أنهم سيصوتون بكثافة».
من جهتها، لا تبدو ناتالي غندور (31 سنة) - وهي تعمل في نيجيريا منذ سنوات - متحمسة على الإطلاق للمشاركة بالانتخابات. إذ قالت غندور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بشيء من الألم «إذا كانوا نفس المرشحين لن أشارك بالتصويت... عندما يتركون كراسيهم جميعهم، دون استثناء، عندها أفكّر بالاقتراع لوجوه جديد». إلا أنه رغم كل الخيبات التي أصيب بها المغترب اللبناني، فهو يظل، حسب غندور «جاهزاً لإعادة النهوض بلبنان... ولكن شرط أن يقترن ذلك مع اقتلاع الفاسدين من السلطة، علماً بأنه... للأسف، قسم كبير من الشعب اللبناني هو بدوره فاسد، وهنا المعضلة الكبيرة».
قصص نجاح اللبنانيين في الخارج لا تُحصى
- فيليب سالم على جبهتي السرطان والدفاع عن سيادة لبنان
قصة فيليب سالم هي إحدى الروايات الجميلة التي تتجدد فصولاً مع شخصية لا تكلّ ولا تملّ العمل والنضال والقتال على جبهتين؛ إذ اختارت أن تتصدر صفوف المقاتلين فيهما؛ جبهة محاربة مرض السرطان وجبهة استعادة سيادة لبنان.
البروفسور فيليب سالم، رئيس مركز سالم للسرطان ‏في مدينة هيوستن الأميركية، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1987 نتيجة ظروف الحرب الصعبة، طوّر أخيراً استراتيجية جديدة لمعالجة الأمراض السرطانية، وذلك بواسطة المعالجة بالمزيج الثلاثي: العلاج الكيميائي، والعلاج المناعي، والعلاج المستهدف. وسجل هذا العلاج تحت اسم ICTriplex.
يقول سالم، إنه لم يكن هناك أي إمكانية له لتحقيق النجاح الذي حققه في مجال الطب في الولايات المتحدة الأميركية، فيما لو بقي في لبنان. ويشير في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أبحاث أجراها ما بين عامي 1971 و1986 تمحوَرت حول العلاقة بين الالتهابات الجرثومية والسرطان، وأثبت فيها أن الالتهابات الجرثومية المتكررة في الأمعاء قد تتطور لأمراض سرطانية إن لم تعالج في بدايتها. هذه النظرية التي كانت تعتبر يومها «هرطقة طبية»، حصلت على جائزة نوبل في الطب لعام 2005. في ذلك العام منحت الجائزة إلى العالمين الأستراليين Barry Marshall and Robin Warren بسبب أبحاثهما عن علاقة البكتيريا H.pylori، وهي جرثومة موجودة بشكل واسع في المعدة، وسرطان المعدة. وحسب سالم، فإن المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي تفتقر إلى الأبحاث العلمية، وهناك خلل كبير بمفهوم معنى الجامعة. ويشدد على أن «دور الجامعة لا يقتصر على نقل المعرفة من الأستاذ إلى الطالب، بل يتعداه إلى ما هو أهم وهو صنع المعرفة وتدريب العقل».
سالم، على صعيد آخر، يتابع أخبار لبنان ساعة بساعة، فلا تعنيه آلاف الكيلومترات التي تبعده عن بلده الأم. وهو يقول بغصة «سقط شعار لبنان مستشفى الشرق، نحن في أزمة كبيرة في كل القطاعات، بما فيها القطاع الصحي. كل الطاقات باتت خارج البلد! الأطباء هاجروا والمؤسسات والمستشفيات تقفل أبوابها. الوضع مأساوي وليس مؤسفاً فحسب. لكن إمكانية عودة لبنان للعب دوره متاحة، وهي مرتبطة بعودة الدولة ودورها واستعادة لبنان الحقيقي».
قبل اقتراح الحلول، يحدد الدكتور سالم سبب المشكلة والمرض، معتبراً أن «ما أوصل البلد إلى ما هو عليه اليوم هي القيادات السياسية التي أفرزناها نتيجة وجود خلل بالثقافة السياسية والعقل السياسي التقليدي اللبناني». ثم يضيف «من دون شك نحن نريد تغيير الطبقة السياسية الفاسدة، إلا أننا إن لم نغيّر الثقافة السياسية... سنعود ونفرز طبقة جديدة لا تختلف كثيراً عن هذه الطبقة. نحن في قعر عميق لم يكن أحد يتوقع أن يصل اللبناني للذل الذي يتخبط فيه اليوم، ولكن لبنان لن يموت. ولن نسمح بذلك، وهناك الكثير من العمل الذي يتوجب علينا القيام به. الشعب اللبناني قادر على أن يعيد بلده أفضل مما كان بحيث إنه سيبني دولة لا تنهار كلما هبّت عليها عاصفة من هنا أو هناك». حسب رأيه «ليس هناك أي دولة في العالم تمتلك مقومات تخوّلها أن تكون بلداً عظيماً كلبنان. فلبنان يمتلك الطبيعة ويمتلك الإنسان ويمتلك الانتشار اللبناني العظيم. لقد قلنا مراراً ونعيد، إن الانتشار اللبناني هو أهم نفط يمتلكه لبنان. فبينما يكون النفط قوة مالية فقط فالانتشار هو قوة سياسية، قوة علمية، وقوة ثقافية، بالإضافة إلى القوة المالية. وكذلك، فالانتشار اللبناني يربط لبنان بالعالم. لذا؛ يكون لبنان ليس موجوداً فقط في الشرق، بل هو حاضر وموجود أيضاً في العالم كله. ولكن، يؤسفني القول، إن القيادات السياسية المتعاقبة في لبنان لم تستثمر هذه القوة، بل حاربتها. في بناء لبنان الجديد سنبني الجسور التي تربط بين لبنان المنتشر ولبنان المقيم».
ورغم الإحباط المسيطر على قسم كبير من اللبنانيين، يبدو سالم متسلحاً بالأمل، متحدثاً عن «فرصة تاريخية عبر الانتخابات النيابية المقبلة لتأمين أكثرية تغييرية في البرلمان»، ويضيف «هذه الفرصة يتوجب استغلالها، لكنها تحتاج إلى دعم وإحياء الثورة وخلق مناخ يسمح بانتخاب أشخاص قادرين على عملية التغيير».
وهنا، يقر الدكتور سالم بأن «اللوبي اللبناني» في الخارج لا يزال ضعيفاً «ولكن هناك نواة من المستقلين الذين يحبون لبنان، إضافة إلى مؤسسات فكرية وعلمية وأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية تعنى بمشاكل الشرق الأوسط. كلها تعمل مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن لتغيير السياسة الأميركية بما يتعلق بالملفات المرتبطة بلبنان. فمثلاً بعدما كانت مفاوضات فيينا تتركز حصراً على الملف النووي الإيراني، نجح ضغط اللوبي الداعم للبنان بإقناع مسؤولين في الإدارة الأميركية أن ما هو أخطر من البرنامج النووي هو التمدد الإيراني الحاصل في الشرق العربي، وبأن هذا الخطر يطال المنطقة ككل ومن ضمنها لبنان كما يطال المصالح الأميركية». ويعتبر سالم أن «لبنان يشكل اليوم أهم رهينة لطهران نظراً لموقعه على البحر الأبيض المتوسط وعلى الحدود مع إسرائيل، ونظراً للقوة العسكرية التي تمتلكها فيه والمتمثلة بـ(حزب الله)»، لكنه يشدد على أنه رغم ذلك كله «فلا قوة على الأرض تستطيع أن تفرض الهيمنة الإيرانية على لبنان طالما هناك أصوات مرتفعة داخل وخارج البلد رافضة لهذه الهيمنة».
ويختم البروفسور اللبناني - الأميركي، واصفاً علاقته ببلده الأم بـ«العضوية»، قائلاً «أنا أعيش في لبنان كما أعيش في أميركا. في الولايات المتحدة، أصارع من أجل الإنسان، كل إنسان، بوجه المرض وهو ما لم أكن لأتمكن من القيام به في بلدي الأم. كما أنني في الوقت عينه أخوض معركة كبيرة من أجل لبنان، وأخصص وقتاً طويلاً للدفاع عن القضية اللبنانية من خلال السعي لتوحيد الانتشار وتقوية اللوبي اللبناني».



لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

لبنان وإسرائيل... اتفاق إطاري تراه واشنطن ممهداً لـ «سلام دائم»

الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

انتهت الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، الجمعة، بتوقيع اتفاق إطار قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إنه يمهد «لسلام دائم» بين البلدين. وقال روبيو خلال حفل التوقيع الذي رفعت فيه أعلام الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل جنباً الى جنب «يسرنا الاعلان عن اتفاق إطار بين الحكومة اللبنانية ذات السيادة وبالطبع حكومة إسرائيل، بوساطة ودعم من الولايات المتحدة»، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية». وأشار الى أن هذا الاتفاق يمّهد الطريق «لإطار من أجل سلام دائم وأمن».وتناولت جولة المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة، الانتقال من البحث في وقف النار إلى مناقشة نموذج ميداني يفترض أن تنسحب بموجبه إسرائيل تدريجياً من أراضٍ تحتلها في جنوب لبنان، ليتولى الجيش اللبناني السيطرة عليها ويمنع عودة الوجود العسكري لـ«حزب الله».

الفريق الأميركي في المفاوضات ممثلاً بوزير الخارجية روبيو يحط به السفير الأميركي لدى لدى ميشال عيسى (يمين الصورة) والمسؤول في الخارجية مايكل نيدهام (غيتي/آ ف ب)

وخلف الأبواب وقبيل توقيع الاتفاق وفي غمرة الضجيج الإعلامي الصادر من طهران وأذرعها حول «الانتصارات والمقاومة»، تكشف التفاصيل المسرّبة من غرف التفاوض المغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن وسويسرا عن مشهد مغاير تماماً. إنه مشهد تتقاطع فيه الضغوط الأميركية الحازمة مع رغبة إسرائيلية في انتزاع مكاسب أمنية جوهرية، وتنازلات إيرانية هيكلية تعيد صياغة نفوذها الإقليمي من بيروت إلى بغداد.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال إن الطرفين الإسرائيلي واللبناني أحرزا تقدماً وباتا قريبين جداً من «التزام نيات» (كلامه هذا جاء قبل إعلان الاتفاق الإطاري الجمعة). في حين أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن المفاوضات تتناول الإجراءات الأمنية اللازمة لإعادة الاستقرار وبسط سلطة الدولة حتى الحدود المعترف بها دولياً. غير أن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين نفوا كلاماً أميركياً عن انسحاب من جزء من «المنطقة العازلة» باعتباره «بادرة حسن نية».

هذه الفجوة لا تلغي أهمية الجولة، لكنها تحدد طبيعتها؛ فما تحقق هو تفاهم أوّلي على الاتجاه، لا اتفاق على التنفيذ. لذا تبدو الجولة بداية مسار سياسي وأمني جديد أكثر منها خاتمة لمسار عسكري قائم.

والأهم أن المفاوضات اللبنانية باتت متصلة، من دون أن تكون مندمجة بالكامل، بالتفاوض الأميركي مع إيران؛ إذ تصر واشنطن على أن مستقبل لبنان يناقش مع حكومته، لكنها تحمّل طهران في الوقت نفسه مسؤولية ضبط «حزب الله» ووقف تمويله وتسليحه، بما يجعل الجولة جزءاً من اختبار أوسع لترتيب إقليمي مختلف عمّا ساد قبل الحرب.

من «التزام النيات» إلى اختبار الانسحاب

أبرز ما خرجت به الجولة هو قبول مبدئي بفكرة «المناطق النموذجية» أو «التجريبية». وتقوم الخطة على اختيار مساحة محدّدة تنسحب منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من إزالة البنية العسكرية لـ«حزب الله»، ثم تدخلها وحدات من الجيش اللبناني وتتولّى تأمينها، قبل تكرار النموذج في مناطق أخرى. وهذه صيغة تجمع بين المطلب اللبناني بالانسحاب واستعادة السيادة، والمطلب الإسرائيلي بضمان ألا تتحوّل الأرض المُخلاة إلى منصّة يعيد الحزب منها بناء قدراته.

لكن عبارة «التزام نيات» التي استخدمها روبيو تكشف عن حدود الإنجاز بقدر ما تعكسه؛ فهي تشير إلى توافق على الهدف العام، من دون أن تعني اتفاقاً على الخرائط والجداول الزمنية وقواعد المراقبة.

كذلك، لا يزال الخلاف قائماً حول موقع المنطقة الأولى: هل تبدأ من مساحة تقع شمال الليطاني، كما أفادت معلومات لبنانية، أم من داخل «المنطقة العازلة» التي أقامتها إسرائيل؟

وهل يكون الانسحاب خطوة نحو خريطة شاملة، أم قراراً منفصلاً يخضع في كل مرة إلى تقييم أمني إسرائيلي؟

لقد جاء الالتباس حول الانسحاب ليؤكد أن هذه الأسئلة لم تحسم بعد؛ فالمسؤول الأميركي قال إن إسرائيل «سحبت قوات من جزء من المنطقة»، من دون تحديد مساحته أو موقعه. وفي المقابل، بينما قال مسؤول أمني إسرائيلي إن الجيش لم ينسحب، أفاد مسؤول لبناني كبير بأن بيروت لا تعلم شيئاً عن الخطوة. وقد يعني ذلك أن واشنطن أعلنت عن موافقة سياسية إسرائيلية قبل تنفيذها، أو أن ما جرى إعادة انتشار محدودة لا تعدّها إسرائيل انسحاباً ولا تملك بيروت معلومات عملياتية عنها.

في الحالتين، تحاول الإدارة الأميركية، على ما يبدو، منع انهيار المفاوضات تحت ضغط المناوشات والضربات. فالجنوب لا يزال منطقة حرب فعلية بالنسبة إلى عشرات آلاف النازحين الذين لا يستطيعون العودة، إما بسبب بقاء القوات الإسرائيلية وإما بسبب الدمار الواسع، ولذلك تقاس قيمة الجولة بقدرتها على إنتاج أول تسليم واضح وموثق للأرض إلى الجيش.

«المناطق النموذجية»

تختلف دلالة الخطة باختلاف الطرف الذي ينظر إليها؛ فبالنسبة إلى لبنان، ينبغي أن تكون «المنطقة النموذجية» أول حلقة في مسار ينتهي بانسحاب إسرائيلي كامل، ووقف الغارات والاغتيالات، وعودة السكان، وانتشار الدولة حتى الحدود الدولية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فهي «اختبار لقدرة» الجيش اللبناني على إزالة منشآت «حزب الله»، وضبط طرق الإمداد، ومنع عودة عناصر الحزب بصفة مدنية أو عبر هياكل محلية.

لذلك تتمسك إسرائيل بمقاربة «منطقة بعد أخرى»؛ لأنها لا تريد الالتزام سلفاً بخريطة انسحاب شاملة قبل أن ترى نتائج المرحلة الأولى. كما أنها تربط أي تراجع بنزع سلاح الحزب أو، في الحد الأدنى، بتجريد المنطقة المعنية من البنية العسكرية والأسلحة القادرة على تهديد مستوطنات الشمال. في المقابل، تخشى بيروت أن تتحوّل الخطة إلى «إعادة تنظيم للاحتلال»، بانسحاب من نقاط ثانوية والإبقاء على شريط أمني أضيق.

هذا الخلاف يترك سؤالاً أساسياً بلا جواب: ما المقصود حقاً بنزع سلاح «حزب الله»؟ هل يقتصر في المرحلة الأولى على إبعاد السلاح والمقاتلين عن المناطق التي ستنتشر فيها الدولة؟ أم يشمل ترسانة الحزب على مستوى لبنان؟

وما الأولوية بين الصواريخ الدقيقة والبعيدة، والطائرات المسيّرة، والدفاعات الجوية، والصواريخ المضادة للدروع، والأنفاق ومراكز القيادة؟

المُعلن حتى الآن لا يثبت اتفاقاً نهائياً على نوع السلاح أو جدول جمعه. والأرجح أن واشنطن تحاول «تفكيك» المشكلة إلى مراحل: تثبيت مناطق خالية من الوجود العسكري أولاً، ثم الانتقال إلى السلاح الثقيل والاستراتيجي، مع ترك ملف السلاح الفردي والبنية التنظيمية إلى عملية لبنانية أطول. لكن بينما تقول إسرائيل إنها تخشى أن يمنح التدرّج الحزب وقتاً لإعادة التموضع، يخشى لبنان صداماً داخلياً يعجز الجيش عن احتوائه.

«الضمانة الأميركية»

هنا تبرز أهمية الضمانة الأميركية؛ فنجاح النموذج يتطلب آلية تحقق تحدّد من يقرّر أن المنطقة أصبحت خالية من السلاح، وكيف ترصد الخروق، وما الذي يحدث إذا حاول الحزب العودة إليها، وما حدود الحق الإسرائيلي في التحرك. ذلك أنه من دون اتفاق على هذه القواعد، قد يصبح كل خرق ذريعة لاستئناف الغارات، وكل غارة سبباً لعودة لقتال.

فصل مسار لبنان ومسؤولية إيران

للوهلة الأولى، تبدو السياسة الأميركية حيال لبنان «مزدوجة».

وزير الخارجية روبيو يؤكد أن المفاوضات بين لبنان وإسرائيل «منفصلة» عن المباحثات مع إيران؛ لأن لبنان دولة ذات سيادة، ولديه حكومة تتعامل واشنطن معها مباشرة. لكن نائب الرئيس جي دي فانس يقود في موازاة ذلك مساراً تفاوضياً مع طهران يتضمّن وقف القتال في لبنان، وبين هذا وذاك، يهدد الرئيس دونالد ترمب بضرب إيران مجدداً إذا لم تمنع «حزب الله» من «إثارة المتاعب».

غير أن هذا «التعدّد» قد يكون توزيعاً للأدوار أكثر منه تناقضاً. فمسار روبيو يحدد صاحب الحق في القرار... أي الحكومة اللبنانية، لا إيران ولا «حزب الله». أما مسار فانس فيتعامل مع الطرف القادر على تعطيل القرار عبر التمويل والتسليح والتوجيه السياسي. وبهذا المعنى، تحاول واشنطن الفصل بين «شرعية» التفاوض و«مسؤولية» التخريب: إنها تتفاوض على مستقبل لبنان مع بيروت، لكنها تتفاوض مع طهران على وقف دعم القوة التي تستطيع إفشال أي ترتيب. ومن ثم، تستخدم الإدارة حاجة طهران إلى تثبيت وقف الحرب وتخفيف العقوبات للضغط عليها في ملف «حزب الله»، من دون منحها وصاية على لبنان.

لذلك تبدو تصريحات ترمب أكثر من تهديد عابر؛ فهي تنقل المسؤولية عن عمليات الحزب من مستوى التنظيم المحلي إلى الدولة الراعية، وتقول عملياً إن استمرار العنف في لبنان قد تكون له كلفة مباشرة على إيران.

بيد أن هذه الاستراتيجية تنطوي على مخاطرة واضحة؛ فإدراج لبنان في «مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية» يمنح طهران ورقة للقول إن انسحاب إسرائيل تحقق نتيجة ضغطها ومفاوضاتها، لا نتيجة المسار اللبناني. وأيضاً، يثير خشية في بيروت وتل أبيب من أن تصبح تفاصيل الأمن اللبناني جزءاً من مساومات تتعلق بالنووي والعقوبات ومضيق هرمز. ولهذا يصرّ روبيو على الفصل العلني، حتى وهو يقرّ بأنه لا يمكن تجاهل البُعد الإيراني بسبب علاقة طهران بـ«حزب الله».

من هنا، يرى البعض أن واشنطن لا تستطيع الفصل الكامل بين المسارين، لكنها تمنع دمجهما سياسياً، وأن نجاحها يتوقّف على قدرتها على استخدام النفوذ الإيراني لضبط الحزب من دون تحويل إيران إلى شريك في تقرير شكل الدولة اللبنانية أو حدود الترتيبات مع إسرائيل.

من افتتاح جلسة المفاوضات الخامسة في واشنطن (الوكالة الوطنية للأنباء - لبنان)

مخاوف إسرائيل وامتحان الجيش اللبناني

ينطلق القلق الإسرائيلي من أن التفاهم الأميركي مع إيران قد ينقذ «حزب الله» من نتائج الحرب؛ فمسؤولون إسرائيليون يخشون أن تنتقل الأولوية الأميركية من تفكيك الحزب وإخراج النفوذ الإيراني إلى مجرد وقف النار ومنع الاحتكاك، وأن تضغط واشنطن على إسرائيل للانسحاب قبل قيام ضمانات أمنية قادرة على الصمود.

ولهذا تتمسّك إسرائيل بحرية العمل ضد ما تعتبره إعادة تسلح أو تهديداً وشيكاً، وترفض حتى الآن تقديم التزام غير مشروط بالعودة إلى الحدود. وبالفعل، باتت «المنطقة العازلة» ورقة تفاوض وضمانة أمنية؛ وبالتالي، فإن التخلي عنها بلا نزع للسلاح يعرّض نتنياهو لانتقادات داخلية.

في المقابل، يواجه الجيش اللبناني امتحاناً يتجاوز دخول الأرض التي تنسحب منها إسرائيل؛ إذ عليه أن يثبت قدرته على البقاء فيها وضبطها، وأيضاً منع عودة الحزب، والتعامل مع مخازن السلاح والأنفاق، من دون الانجرار إلى مواجهة أهلية. يضاف إلى ذلك أنه يحتاج إلى عديد وتجهيز وتمويل وغطاء سياسي، لا تزال كلها موضع سؤال، خصوصاً مع اتساع الدمار والحاجة إلى حماية عودة السكان وتأمين الحدود.

في هذه الأثناء، تبحث الولايات المتحدة تدريب الوحدات اللبنانية والتحقق من جاهزيتها وموثوقيتها. ولقد تداولت تقارير دوراً محتملاً للقيادة الوسطى الأميركية (سينتكوم) في الإشراف أو المراقبة، لكن لم يصدر حتى الآن أي إعلان نهائي يحدّد ما إذا كانت الـ«سينتكوم» ستتولى تدقيقاً مباشراً في العناصر... أم ستكتفي بالدعم والتنسيق.

محللون يرون أن المشكلة الأعمق هي أن انتشار الجيش ليس مرادفاً لنزع السلاح؛ إذ يمكن للجيش أن يتولى الإشراف على منطقة محدّدة إذا انسحبت إسرائيل منها وتوافرت له المساعدة، لكن تفكيك منظومة «حزب الله» في أنحاء لبنان يحتاج إلى قرار سياسي وطني وآلية تدريجية وضمانات للطائفة الشيعية، إضافة إلى منع إيران من إعادة بناء قنوات التمويل والتسليح.

وإذا حمّلت واشنطن الجيش وحده أكثر مما يستطيع تحمّله، فقد يتحول النموذج من اختبار لسيادة الدولة إلى اختبار يكشف عن حدودها.


عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)
TT

عبر لبنان... هل يتشكّل ترتيب إقليمي جديد؟

إسماعيل قاآني (آ ب)
إسماعيل قاآني (آ ب)

تضع إيران نتائج الحرب الحالية في إطار «انتصار» أجبر إسرائيل على بحث الانسحاب. وجاء تهديد قائد «فيلق القدس» إسماعيل قاآني بأن إسرائيل ستنسحب طوعاً أو «تفرّ مهزومة»؛ في محاولة واضحة لتقديم المسار التفاوضي باعتباره ثمرة صمود محور طهران.

ومع أن تصريح قاآني لا يخفي بأنه خطاب تعبوي موجّه إلى الداخل ولأذرع إيران في المنطقة، لا يمكن تجاهل حقيقة أن إيران نجحت في إدراج وقف القتال في لبنان ضمن تفاهماتها مع واشنطن، وأنها حافظت على النظام وعلى ورقة تفاوض إقليمية رغم الضربات.

في المقابل، صورة القوة الإيرانية تبدو مختلفة عند قياسها بما اضطرت طهران إلى قبوله. فلبنان يخوض «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل حول انتشار الجيش ونزع سلاح أبرز حلفائها. وواشنطن تحمّل إيران علناً مسؤولية سلوك «حزب الله»، في حين تواجه الفصائل الموالية لطهران في العراق ضغوطاً للاندماج في مؤسسات الدولة أو تقليص مظاهر سلاحها المستقل. وهذا، بجانب أن التفاوض على العقوبات والملف النووي بات مرتبطاً بدرجة ما بقدرة إيران على ضبط شبكتها الإقليمية.

هنا، يرى السفير الأميركي السابق جيمس جيفري في «فورين أفيرز» أن الإخفاق في تحقيق الأهداف القصوى لا يعني انتصار إيران؛ لأن المواجهات منذ 2023 أضعفت قدراتها وشبكة وكلائها وعززت موقع واشنطن. غير أن هذا التقييم يظل موضع نقاش، خصوصاً أن «حزب الله» لم يختف، والفصائل العراقية لم تُنزع أسلحتها، وإيران أظهرت قدرة على استخدام هرمز وملفات المنطقة لفرض تفاوض مباشر.

بناءً عليه، قد يكون من الأدق القول إن المنطقة تدخل «مرحلة انتقال»، لا نهاية مكتملة لمحور إيران. إذ تنتقل طهران من الاعتماد على تنظيمات كبيرة ومعلنة تملك ترسانات واسعة إلى شبكات أصغر وأكثر سرّيّة، أو تقبل بدمج شكلي لبعض الفصائل مع احتفاظها بنفوذ داخل مؤسسات الدولة.

لذلك؛ سيكون نجاح النموذج اللبناني مهماً أبعد من حدوده: فإذا انسحبت إسرائيل، وانتشر الجيش، ومُنع الحزب من استعادة وجوده، يصبح هذا الواقع سابقة لحصر السلاح بيد الدولة. وعندها فقط يمكن القول إن الجولة الخامسة دشّنت مرحلة مختلفة في لبنان والمنطقة. أما إذا بقي الانسحاب معلقاً أو عاد الحزب إلى المناطق المُخلاة، فستتحول الجولة الخامسة هدنة تفاوضية أخرى.


آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
TT

آبيلاردو دي لا اسبيريلّا... «نسخة ترمب» الكولومبية يعزّز هيمنة اليمين المتطرف على أميركا اللاتينية

كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!
كان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»!

أطلق على نفسه اللقب الذي بات يعرف به اليوم: El Tigre (أي النمر)، ويقول إنه يتوكّل على الله والشعب وإن الحقيقة العارية نبراسه في السياسة. وعندما فاجأ القاصي والداني بفوزه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية في كولومبيا قال إن انتصاره يعني «الهزيمة الكاملة لجميع السياسيين والأحزاب التي حكمت البلاد إلى اليوم». ولكن على الرغم من خطاب آبيلاردو دي لا اسبيريلّا، الذي أكّد فيه على امتداد حملة الانتخابات الرئاسية بأنه «نزل إلى الميدان» ليطوي صفحة الماضي إلى غير رجعة، جاء فوزه بفارق صغير جداً على منافسه اليساري، ليضع بلاده كولومبيا ضمن المعسكر اليميني المتطرف الذي انضمت إليه 12 دولة في أميركا اللاتينية خلال السنوات الثلاث الماضية.

عندما ظهرت النتائج النهائية للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، معلنة فوز المرشح اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا اسبيريلّا بنسبة 49.66 في المائة من الأصوات مقابل 48.70 في المائة لمنافسه اليساري إيفان سيبيدا المدعوم من الرئيس الحالي غوستافو بترو، خرج الرئيس المنتخب أمام أنصاره في مدينة بارّانكيّا، ليقول: «أرث بلداً صعباً، بلداً منقسماً على ذاته، مثقلاً بالديون وفي حاجة إلى إعادة الإعمار. لن أعدكم بالمعجزات ولن أخادع الشعب بحلول سحرية. النهوض من الهاوية يقتضي جهداً وتضحيات وانضباطاً ومثابرة». ثم أضاف: «أعرف أننا قد ورثنا كارثة، لكن ما إن أتولى السلطة في السابع من أغسطس (آب) المقبل، سأكشف النقاب عن تسعين مرسوماً في الأمن والاقتصاد والصحة والتعليم، من شأنها أن تغيّر ملامح البلاد إلى الأبد».

وبالمناسبة، فإن بارانكيّا، ميناء البلاد الأول، دارت فيه أحداث رائعة غابرييل غارسيّا ماركيز «وقائع موت معلن»، التي تروي قصة حقيقية بطلها مهاجر متحدر من أصول لبنانية يدعى سانتياغو نصّار.

سياسياً، على رغم التأييد الشعبي الواسع الذي ناله دي لا اسبيريلّا في هذه الانتخابات وناهز 13 مليوناً من الأصوات، أي ربع عدد السكان تقريباً، فإنه كان يعلم أن منافسه اليساري حصد هو أيضاً نسبة عالية من الأصوات تقارب ما حصل عليه هو. ومن ثم، فبرنامجه لتحقيق «المعجزة الكولومبية» الموعودة وتعهده بإحداث تغيير جذري في كل القطاعات، ستكون دونهما عقبات كثيرة ليس أقلّها أن نصف البلاد تقريباً يعارض سياسته بشدة.

البداية والمسيرة

ولد آبيلاردو دي لا اسبيريلّا في بوغوتا عاصمة كولومبيا قبل 47 سنة، وبعد نيله شهادة الحقوق من جامعة بوغوتا أسّس مكتباً للمحاماة سرعان ما اكتسب شهرة واسعة بعدما تولّى الدفاع في قضايا عدة عن متهمين بأعمال احتيال ضخمة واغتيالات تعرّض لها زعماء نقابيون وسياسيون. وكذلك تولّى أيضاً الدفاع عن رجل الأعمال المعروف أليكس صعب الذي كان الذراع المالية لنظام الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.

وإلى جانب نشاطه في المحاماة، خاض دي لا اسبيريلّا أيضاً مجال الأعمال، حيث أسس مؤسسات عدة للملابس الرجالية الفاخرة والمشروبات والمطاعم، إلا أنه بعد فشلها، قرّر إقفالها جميعاً مطالع العام الماضي في أعقاب تسجيلها خسائر تقدّر بملايين الدولارات. كذلك، سبق للرجل دخول مجال الغناء كمغنٍ يؤدي وصلات من الأغاني الشعبية الإيطالية المشهورة والأوبرا.

الترشّح للرئاسة

مطلع الصيف الماضي أعلن دي لا اسبيريلّا عن نيّته الترشّح للانتخابات الرئاسية، علماً بأنه لم يسبق أن تولّى أي وظيفة رسمية، ولم يشارك في أي نشاط سياسي. ولم يطل الوقت حتى أطلق حملة لجمع التواقيع دعماً للتيّار الذي ترشّح باسمه «المدافعون عن الوطن»، وتحالف مع الوزير السابق خوسيه مانويل رستريبو، الذي يحظى بتأييد واسع في الأوساط اليمينية، كمرشح لمنصب نائب الرئيس.

والواقع، أنه عندما أعلن دي لا اسبيريلّا ترشحه الرسمي وكشف عن برنامجه السياسي الذي يتضمّن مقترحات راديكالية لم يسبق أن طرحها أي حزب أو زعيم سياسي في كولومبيا، لم تكن شعبيته تتجاوز 10 في المائة من الناخبين وفق استطلاعات الرأي الأولى. وكان من مقترحات برنامجه: إنهاء جميع عمليات السلام مع الجماعات المسلحة وإلغاء الاتفاقات الموقّعة في إطارها، وترخيص حمل السلاح للمدنيين، وإلغاء عدد من الوزارات والانسحاب من منظمات دولية مثل محكمة البلدان الأميركية لحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة، وترميم العلاقات مع إسرائيل بعدما كان قرّر قطعها الرئيس الحالي غوستافو بترو... بل وفتح سفارة لكولومبيا في مدينة القدس.

«إيمان» متأخر... وتقارب مع إسرائيل

أيضاً، أعلن المرشح اليميني المتطرف أنه سيقارب العلاقات مع «الجارة» فنزويلا، ولكن عن طريق وزارة الخارجية الأميركية لا عن طريق حكومة الرئيسة دلسي رودريغيز. وكان لافتاً في مضمون برنامجه قوله إنه إنما قرّر الترشح لرئاسة الجمهورية «لأن الله أظهر لي أن الساعة قد أزفت»، مع الإشارة إلى أنه كان ملحداً حتى عام 2021 عندما أعلن اعتناقه الكاثوليكية. وأيضاً، هناك توعّده الضرب بيد من حديد لمكافحة الجريمة، والدفاع عن الأسرة التقليدية والملكية الخاصة، ومنع الإجهاض والموت الرحيم والسماح للمثليين بالتبنّي، كما تعهد إقفال محكمة السلام التي أسّست لمحاكمة الثوار والعسكريين السابقين الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.

من ناحية ثانية، ملفّات كثيرة حول علاقات دي لا اسبيريلّا بأشخاص ضالعين في قضايا فساد وجرائم، أثارت جدلاً واسعاً حول أهليته للترشح في الانتخابات الرئاسية، وأيضاً حيازته الجنسية الأميركية التي نالها خلال فترة قصيرة عندما أقام في ميامي؛ ما أثار شبهات حول الأسباب وراء حصوله عليه بسرعة وسهولة. وتقدّمت جهات عدة بطعون في ترشيحه، لكن القضاء بتّ لصاح أهليته للترشح.

حليف طبيعي لترمب ... ولليمين التقليدي

النتائج النهائية بيّنت أن دي لا اسبيريلّا حصل على تأييد واسع بين الناخبين الذين كانوا دعموا المرشحة المحافظة بالوما فالنسيا في الدورة الأولى. والأخيرة كانت مدعومة بدورها من القيادات اليمينية التقليدية، وبخاصة، الرئيس الأسبق مانويل أوريبي، وأيضاً من مجتمع الأعمال والنخب الاقتصادية الذي كان يخشى ولاية يسارية ثانية بعد الرئيس الحالي بترو.

ولكن، بناءً على كل ما سبق ذكره، لم يكن مستغرباً أبداً أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان أول مهنئي الرئيس الكولومبي الجديد. وللعلم، غرّد ترمب على حسابه «تشرّفت كثيراً بدعم (النمر)، وأتطلع إلى العمل معه لبناء علاقة وطيدة بين كولومبيا والولايات المتحدة تعود بالخير والعظمة على البلدين». أيضاً الرئيس الأرجنتيني اليميني المتطرف خافيير ميلاي، الذي يطلق هو أيضاً على نفسه لقب «الأسد»، صرّح قائلاً: «الأسد والنمر يُسمع زئيرهما الآن في أرجاء أميركا اللاتينية».

أما الرئيس المنتخب نفسه، فقد عرض في تصريحاته الأولى بعد الفوز على منافسه اليساري إيفان سيبيدا توقيع «اتفاق وطني» عوضاً عن فتح جبهة سياسية واجتماعية بينهما، بيد أنه حذّر في الوقت نفسه من أنه لن يتهاون في التعاطي مع التعبئة الشعبية والاحتجاجات والإضرابات التي هددت بها النقابات العمالية والتنظيمات الاجتماعية.

وعود انتخابية ومصاعب معيشية

للتذكير، كان دي لا اسبيريلّا قد وعد بخفض الضرائب وتقديم محفّزات مالية للشركات المنتجة؛ بهدف تسريع وتيرة النمو الاقتصادي وخفض العجز المالي الذي سجّل ارتفاعاً ملحوظاً خلال ولاية بترو. كان العجز قد ارتفع خصوصاً بسبب المشاريع الاجتماعية التي أقرَّتها حكومة بترو دعماً للطبقات العاملة والفقيرة والمناطق الريفية التي يقطنها السكان الأصليون.

بالتوازي، كان بين التدابير التي وعد بها الرئيس الجديد في برنامجه الانتخابي، ولقيت ترحيباً واسعاً في الأوساط المحافظة، القضاء على زراعة الكوكايين بواسطة رشّ 330 ألف هكتار من المساحات الزراعية بالمبيدات. إلا أنه من المتوقع، في حال تنفيذه هذا الوعد، أن يواجه معارضة شديدة من سكان الريف الذين يعيشون بنسبة كبيرة على هذه الزراعة، ويطالبون بتحويلها إلى الاستهلاك الطبي.

أيضاً، تعهّد دي لا اسبيريلّا في برنامجه ببناء 10 سجون ضخمة في مناطق نائية عن المدن الكبرى، واعتقال 10 من كبار زعماء التنظيمات المسلحة في البلاد وإحالتهم إلى القضاء، واستعادة سيطرة الأجهزة الأمنية ومؤسّسات الدولة على ما أسماه «الأراضي الضائعة»، أي تلك التي تقع تحت سيطرة الجماعات المسلحة منذ عقود.

ومن الأزمات الأخرى المستعصية منذ سنوات في كولومبيا تراجع الخدمات الصحية، خاصة في الأرياف، ونقص الأدوية الأساسية في مرافق كثيرة، ناهيك من هجرة الأطباء سعياً وراء رواتب لائقة. ولقد تعهّد دي لا اسبيريلّا بـ«ضخ ما يلزم من أموال» في القطاع الصحي لإنهاضه، بل وقال إن لديه خطة لتحويل كولومبيا مركزاً إقليمياً لصناعة الأدوية.

المراقبون يرون أن دي لا اسبيريلّا نجح، كما فعل دونالد ترمب في الولايات المتحدة، في تسويق أسلوب عيشه الفاخر كعلامة للنجاح، لكنه سيصطدم قريباً - على الأرجح - بواقع اجتماعي مختلف جداً، وبنقابات عمالية في حال من التعبئة والجهوزية للدفاع عن المكتسبات التي حققتها خلال ولاية بترو.