مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

محنة بلدهم طالتهم بصورة أو بأخرى

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب
TT

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

مغتربو لبنان... طوق النجاة المُتعب

تقدّر مصادر أن عدد المغتربين اللبنانيين يفوق عدد سكانه المقيمين بـ3 أضعاف، ثم إن الأرقام المتداولة للذين غادروا لبنان خلال العامين الماضيين وحده «مخيفة». ولعل الأخطر هو أن القسم الأكبر ممن ما زالوا يعيشون فيه يتحيّنون الفرصة لـ«الهرب» بعدما باتت هذه البقعة الصغيرة، التي لطالما كانت محط أنظار العالم واهتمامه وإعجابه وانبهاره، بقعة مظلمة غير قابلة للعيش... يرزح أكثر من 70 في المائة من سكانها تحت فقر شديد.
وحقاً، لطالما شكّل المغتربون طوق النجاة الذي يتمسك به لبنانيو الداخل منذ مئات السنوات. وما زال هؤلاء من أبرز أعمدة الاقتصاد اللبناني؛ إذ كانوا وظلوا يرسلون إلى أهاليهم وعائلاتهم مليارات الدولارات سنوياً. لكنهم، وكحال كل اللبنانيين طالتهم كارثة الانهيار المالي، فجرى حجز أموالهم في المصارف اللبنانية باعتبار أن نسبة كبيرة منهم كان تضع كل مدّخراتها في هذه المصارف، وبخاصة في ظل الفوائد العالية التي كانت تقدّمها البنوك؛ ما أدى إلى فقدان العدد الأكبر منهم ثقته الباقية بالبلد.
ما كانت الجنسية اللبنانية في يوم من الأيام عاملاً مُسهِّلاً للمغتربين أينما حلوا، بل كانت تحدّياً إضافياً يواجهونه في بلدان الاغتراب... إذ لحقت لعنات السياسيين اللبنانيين بهم إلى أصقاع العالم. وراهناً، تبدو الأكثرية الساحقة من المغتربين في دول الخليج اليوم مستاءة إلى أبعد الحدود من الأزمات المفتعلة مع هذه الدول، وآخرها، تصريحات وزير الإعلام جورج قرداحي التي فجّرت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة يخشى هؤلاء أن تطالهم تداعياتها. وقد بات لسان حال هؤلاء يقول: «اتركونا وشأننا... لقد هربنا منكم، فلا تلاحقونا بلقمة عيشنا في بلدان الاغتراب!».
- حساب الأرقام
يبلغ عدد اللبنانيين المقيمين نحو 4 ملايين نسمة، يُضاف إليهم نحو مليون لاجئ ونازح سوري ونصف مليون لاجئ فلسطيني، وفي المقابل، يُراوح عدد المهاجرين اللبنانيين والمغتربين من أصل لبناني، المنتشرين خارج لبنان في بلدان العالم ما بين 8 ملايين و12 مليون نسمة، يحتفظ 1.3 مليون منهم بجنسيته اللبنانية، بحسب «الشركة الدولية للمعلومات».
لقد هاجر المغتربون اللبنانيون على مراحل وفي موجات متعددة، أبرزها خلال الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1992. إذ تتحدث «الدولية للمعلومات» عن هجرة 600 ألف لبناني، وتقول إنه منذ نهاية الحرب حتى عام 2019، هاجر 650 ألفاً آخرين. وأخيراً، كشف الأب طوني خضرا، رئيس مؤسسة «لابورا» (Labora) المعنية برصد مشكلة الفقر والبطالة، عن أن 230 ألف مواطن هاجروا من لبنان خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي (2021).
أما أسباب الهجرة، فلم تختلف كثيراً عبر السنوات، فظلت النسبة الأكبر والتي تتخطى النصف تبحث عن عمل يليها مَن يغادرون لأسباب أمنية. ولقد أدى تدهور الوضعين المالي والاقتصادي بشكل دراماتيكي، إلى فقدان المقوّمات الأساسية للعيش. وجاء انفجار مرفأ بيروت عام 2020 ليدعم حسم الأكثرية العظمى من حاملي جنسيات أجنبية إلى جانب جنسيتهم اللبنانية أمرهم لجهة مغادرة البلاد. ووفق الأب خضرا، فإن 90 في المائة من اللبنانيين من حملة الجنسيات الأجنبية (لم يذكر إجمالي عددهم) غادروا لبنان في سبتمبر (أيلول) الماضي.
- الشريان الاقتصادي للبنان
بلغت تحويلات المغتربين ما بين عامي 2017 و2019 نحو 8 مليارات دولار أميركي سنوياً، في حين يؤكد مطلعون على الملف، أنها تجاوزت بكثير هذا الرقم، باعتبار أن الكثير منهم كان يحمل الأموال نقداً إلى البلد بعد الإجراءات الأخيرة للمصارف.
وحسب توفيق معوض، رئيس مجلس إدارة شركة تحويل الأموال «أو إم تي»، ازدادت التحاويل الواردة من الخارج بنسبة 50 في المائة في الأشهر الستة الأولى من عام 2021 بالمقارنة مع الفترة نفسها من عام 2020. ويشير معوض في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه في النصف الأول من عام 2021، تلقّى نحو 220.000 مستفيد شهرياً التحاويل الواردة من الخارج بالدولار الأميركي نقداً «fresh» عبر الشركة التي يرأس مجلس إدارتها. وأوضح، أن التحاويل وصلت من نحو 156 دولة، على رأسها أستراليا، والولايات المتحدة الأميركية، ودول الخليج، وكندا، وألمانيا.
- لبنانيو الخليج
للعلم، يتجاوز عدد اللبنانيين المقيمين في دول الخليج النصف مليون شخص. ويشير شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، إلى أن عدد اللبنانيين في دولة الإمارات يبلغ نحو 150 ألف نسمة. ولقد زار قسم كبير منهم بلدهم خلال الصيف الماضي؛ لأن الأكثرية لم تتمكن خلال صيف 2020 من مغادرة أماكن إقامتها بسبب إجراءات «كوفيد - 19».
ويوضح جحا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «بعد الصفعات التي تلقاها المغتربون من دولتهم لديهم شعور بالأسى والمرارة، خاصة، أن هناك أشخاصاً موجودين في الاغتراب منذ 40 سنة، وقد وضعوا جنى عمرهم في المصارف اللبنانية... ليصار إلى إبلاغهم بين ليلة وضحاها بأنه ما عاد بمقدورهم الحصول على أموالهم. وأن عليهم أن ينتظروا فيما الدولة تتنصّل من واجباتها... هذا يخلق نفوراً لدى المغتربين الذين وصلت الأمور بالبعض منهم إلى القول: لم نعد نريد شيئاً من بلدنا... كانت ثقتنا عمياء، فأتت النتيجة مدمّرة».
ويتابع جحا، أنه على الرغم من الإحباط المسيطر على قسم كبير من هؤلاء المغتربين، فإنهم لا يمكن أن يتخلوا عن عائلاتهم وأهلهم في لبنان. وهذا، مع العلم أن قسماً لا بأس به منهم يحاول أن يأتي بهم بعد الأزمات الأخيرة إلى الدول التي يعيشون بها. ثم يلفت إلى أن تحويلات اللبنانيين من الخارج بلغت عام 2020 نحو 7 مليارات دولار ما بين 25 و30 في المائة منها من دول الخليج.
من جهته، يوضح الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة، أن المغتربين «اعتادوا أن يساهموا سنوياً بـ15 مليار دولار بالاقتصاد اللبناني، 8 مليارات كتحاويل مباشرة عبر المصارف اللبنانية، وما تبقى على شكل إنفاق حين يزورون لبنان»، لافتاً إلى أنه «بسبب الأزمة الحالية كما بسبب أزمة (كوفيد – 19) خسرنا هذه الأموال. ففي العام 2020 انخفضت التحاويل المباشرة عبر البنوك وشركات التحاويل كثيراً، حتى أنني لا أعتقد أنها تخطت الـ4 مليارات دولار رغم الحديث عن أرقام أعلى، إضافة إلى مليارَي صرفت على شكل إنفاق هذا الصيف».
ويشدد عجاقة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «رغم انخفاض كمية الأموال المرسلة من قبل المغتربين، فإن تأثير الـ6 مليارات كان كبيراً نتيجة الوضع المالي والاقتصادي وعوز اللبنانيين، وبالأخص نتيجة انهيار سعر صرف الليرة... ما جعل تأثير المائة دولار أكبر بكثير مما كان عليه في السنوات الماضية».
ويشرح عجاقة، أنه «بعد إعلان وقف دفع سندات اليورويوند، والعرقلة التي أصابت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي نتيجة الخلاف اللبناني الداخلي على تحديد الخسائر، وانفجار مرفأ بيروت... كل ذلك أفقد المغترب اللبناني ثقته ببلده، وأصبح همه الأساسي سحب أمواله من المصارف». ثم يضيف «للأسف تخلت الدولة عن مبلغ الـ15 ملياراً سنوياً الذي كان يساهم فيه المغتربون للاستحصال على 3 أو 4 مليارات دولار من صندوق النقد. وهذا يدل على سوء تقدير أوصل البلد إلى ما وصل إليه. وبالتالي، فأي خطة ستلحظ الجسم الاغترابي لن تنجح حالياً لأن ثقة المغترب ببلده مفقودة».
- دور المغترب بالانتخابات
من ناحية ثانية، ينقسم الرأي العام اللبناني بين مَن يعتبر أن استياء المغتربين سينعكس إقبالاً كبيراً من قِبلهم للمشاركة في الانتخابات النيابية من أجل المساهمة بتغيير السلطة الحاكمة، وبين مَن يرى أن إحباطهم سيترجم انعدام الحماسة للمشاركة بالاستحقاق النيابي في شهر مارس (آذار) المقبل.
الفريق الثاني يدعم وجهة نظره بالأرقام التي سُجّلت في الانتخابات الأخيرة عام 2018؛ إذ بلغ عدد الناخبين المسجلين للاقتراع في الخارج 82.965 ناخباً فقط، اقترع منهم 46.799 مقترعاً، أي بنسبة 56.4 في المائة، وشكّل هؤلاء نسبة 2.5 في المائة فقط من إجمالي المقترعين.
حول الموضوع الانتخابي، ارتأى المجلس النيابي أخيراً تعديل قانون الانتخاب الذي كان قد أشار إلى انتخاب المغتربين 6 نواب يمثلونهم في الندوة البرلمانية، وأعاد العمل بما كان معتمداً عام 2018 لجهة إشراك المغتربين بانتخاب 128 نائباً. ومن المرتقب أن يكون هناك إقبال أكبر من قبل اللبنانيين الموجودين في الخارج على تسجيل أسمائهم للمشاركة في الانتخابات بعد حسم الجدل الذي كان قائماً حول الموضوع.
هنا، يتحدث شارل جحا، رئيس مجلس العمل اللبناني في دبي والإمارات الشمالية، عن «حماسة لدى المغتربين للانتخاب في هذه الدورة، باعتبار أن الوضع في لبنان خطير ويحتاج إلى الإنقاذ. ونظراً لتمتع المغتربين بحرية رأي واستقلالية في خياراتهم؛ فهم قادرون على أن يكونوا شركاء فاعلين بهذا الإنقاذ».
في المقابل، لا يعوّل رئيس «المركز اللبناني لحقوق الإنسان» والناشط السياسي وديع الأسمر، الذي يعيش منذ 4 سنوات في قطر – كثيراً على دور المغترب في الانتخابات، معتبراً أن «المراهنة على المغتربين ليست بمكانها الصحيح، وهي يفترض أن تكون على الناشطين الذين لديهم أمل في البلد سواءً في الداخل أو الخارج». ويتحدث الأسمر لـ«الشرق الأوسط» عن «الوهم بأن التصويت الاغترابي قد يغير الأمور، وهو ما لمسناه في العام 2018 التي أتت نتائج مشاركة المغترب فيها معبرة»، واستطرد، أنه «يمكن تقسيم الانتشار اللبناني إلى نوعين: المغتربون الذين تركوا البلد بإرادتهم إلى المهجر منذ سنوات، والمهجّرون الجدد الذين اضطروا إلى المغادرة بحثاً عن عمل، وبالأخص في العامين الأخيرين، وهؤلاء هم الذين نعتقد أنهم سيصوتون بكثافة».
من جهتها، لا تبدو ناتالي غندور (31 سنة) - وهي تعمل في نيجيريا منذ سنوات - متحمسة على الإطلاق للمشاركة بالانتخابات. إذ قالت غندور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بشيء من الألم «إذا كانوا نفس المرشحين لن أشارك بالتصويت... عندما يتركون كراسيهم جميعهم، دون استثناء، عندها أفكّر بالاقتراع لوجوه جديد». إلا أنه رغم كل الخيبات التي أصيب بها المغترب اللبناني، فهو يظل، حسب غندور «جاهزاً لإعادة النهوض بلبنان... ولكن شرط أن يقترن ذلك مع اقتلاع الفاسدين من السلطة، علماً بأنه... للأسف، قسم كبير من الشعب اللبناني هو بدوره فاسد، وهنا المعضلة الكبيرة».
قصص نجاح اللبنانيين في الخارج لا تُحصى
- فيليب سالم على جبهتي السرطان والدفاع عن سيادة لبنان
قصة فيليب سالم هي إحدى الروايات الجميلة التي تتجدد فصولاً مع شخصية لا تكلّ ولا تملّ العمل والنضال والقتال على جبهتين؛ إذ اختارت أن تتصدر صفوف المقاتلين فيهما؛ جبهة محاربة مرض السرطان وجبهة استعادة سيادة لبنان.
البروفسور فيليب سالم، رئيس مركز سالم للسرطان ‏في مدينة هيوستن الأميركية، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1987 نتيجة ظروف الحرب الصعبة، طوّر أخيراً استراتيجية جديدة لمعالجة الأمراض السرطانية، وذلك بواسطة المعالجة بالمزيج الثلاثي: العلاج الكيميائي، والعلاج المناعي، والعلاج المستهدف. وسجل هذا العلاج تحت اسم ICTriplex.
يقول سالم، إنه لم يكن هناك أي إمكانية له لتحقيق النجاح الذي حققه في مجال الطب في الولايات المتحدة الأميركية، فيما لو بقي في لبنان. ويشير في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أبحاث أجراها ما بين عامي 1971 و1986 تمحوَرت حول العلاقة بين الالتهابات الجرثومية والسرطان، وأثبت فيها أن الالتهابات الجرثومية المتكررة في الأمعاء قد تتطور لأمراض سرطانية إن لم تعالج في بدايتها. هذه النظرية التي كانت تعتبر يومها «هرطقة طبية»، حصلت على جائزة نوبل في الطب لعام 2005. في ذلك العام منحت الجائزة إلى العالمين الأستراليين Barry Marshall and Robin Warren بسبب أبحاثهما عن علاقة البكتيريا H.pylori، وهي جرثومة موجودة بشكل واسع في المعدة، وسرطان المعدة. وحسب سالم، فإن المؤسسات الأكاديمية في العالم العربي تفتقر إلى الأبحاث العلمية، وهناك خلل كبير بمفهوم معنى الجامعة. ويشدد على أن «دور الجامعة لا يقتصر على نقل المعرفة من الأستاذ إلى الطالب، بل يتعداه إلى ما هو أهم وهو صنع المعرفة وتدريب العقل».
سالم، على صعيد آخر، يتابع أخبار لبنان ساعة بساعة، فلا تعنيه آلاف الكيلومترات التي تبعده عن بلده الأم. وهو يقول بغصة «سقط شعار لبنان مستشفى الشرق، نحن في أزمة كبيرة في كل القطاعات، بما فيها القطاع الصحي. كل الطاقات باتت خارج البلد! الأطباء هاجروا والمؤسسات والمستشفيات تقفل أبوابها. الوضع مأساوي وليس مؤسفاً فحسب. لكن إمكانية عودة لبنان للعب دوره متاحة، وهي مرتبطة بعودة الدولة ودورها واستعادة لبنان الحقيقي».
قبل اقتراح الحلول، يحدد الدكتور سالم سبب المشكلة والمرض، معتبراً أن «ما أوصل البلد إلى ما هو عليه اليوم هي القيادات السياسية التي أفرزناها نتيجة وجود خلل بالثقافة السياسية والعقل السياسي التقليدي اللبناني». ثم يضيف «من دون شك نحن نريد تغيير الطبقة السياسية الفاسدة، إلا أننا إن لم نغيّر الثقافة السياسية... سنعود ونفرز طبقة جديدة لا تختلف كثيراً عن هذه الطبقة. نحن في قعر عميق لم يكن أحد يتوقع أن يصل اللبناني للذل الذي يتخبط فيه اليوم، ولكن لبنان لن يموت. ولن نسمح بذلك، وهناك الكثير من العمل الذي يتوجب علينا القيام به. الشعب اللبناني قادر على أن يعيد بلده أفضل مما كان بحيث إنه سيبني دولة لا تنهار كلما هبّت عليها عاصفة من هنا أو هناك». حسب رأيه «ليس هناك أي دولة في العالم تمتلك مقومات تخوّلها أن تكون بلداً عظيماً كلبنان. فلبنان يمتلك الطبيعة ويمتلك الإنسان ويمتلك الانتشار اللبناني العظيم. لقد قلنا مراراً ونعيد، إن الانتشار اللبناني هو أهم نفط يمتلكه لبنان. فبينما يكون النفط قوة مالية فقط فالانتشار هو قوة سياسية، قوة علمية، وقوة ثقافية، بالإضافة إلى القوة المالية. وكذلك، فالانتشار اللبناني يربط لبنان بالعالم. لذا؛ يكون لبنان ليس موجوداً فقط في الشرق، بل هو حاضر وموجود أيضاً في العالم كله. ولكن، يؤسفني القول، إن القيادات السياسية المتعاقبة في لبنان لم تستثمر هذه القوة، بل حاربتها. في بناء لبنان الجديد سنبني الجسور التي تربط بين لبنان المنتشر ولبنان المقيم».
ورغم الإحباط المسيطر على قسم كبير من اللبنانيين، يبدو سالم متسلحاً بالأمل، متحدثاً عن «فرصة تاريخية عبر الانتخابات النيابية المقبلة لتأمين أكثرية تغييرية في البرلمان»، ويضيف «هذه الفرصة يتوجب استغلالها، لكنها تحتاج إلى دعم وإحياء الثورة وخلق مناخ يسمح بانتخاب أشخاص قادرين على عملية التغيير».
وهنا، يقر الدكتور سالم بأن «اللوبي اللبناني» في الخارج لا يزال ضعيفاً «ولكن هناك نواة من المستقلين الذين يحبون لبنان، إضافة إلى مؤسسات فكرية وعلمية وأكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية تعنى بمشاكل الشرق الأوسط. كلها تعمل مع إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن لتغيير السياسة الأميركية بما يتعلق بالملفات المرتبطة بلبنان. فمثلاً بعدما كانت مفاوضات فيينا تتركز حصراً على الملف النووي الإيراني، نجح ضغط اللوبي الداعم للبنان بإقناع مسؤولين في الإدارة الأميركية أن ما هو أخطر من البرنامج النووي هو التمدد الإيراني الحاصل في الشرق العربي، وبأن هذا الخطر يطال المنطقة ككل ومن ضمنها لبنان كما يطال المصالح الأميركية». ويعتبر سالم أن «لبنان يشكل اليوم أهم رهينة لطهران نظراً لموقعه على البحر الأبيض المتوسط وعلى الحدود مع إسرائيل، ونظراً للقوة العسكرية التي تمتلكها فيه والمتمثلة بـ(حزب الله)»، لكنه يشدد على أنه رغم ذلك كله «فلا قوة على الأرض تستطيع أن تفرض الهيمنة الإيرانية على لبنان طالما هناك أصوات مرتفعة داخل وخارج البلد رافضة لهذه الهيمنة».
ويختم البروفسور اللبناني - الأميركي، واصفاً علاقته ببلده الأم بـ«العضوية»، قائلاً «أنا أعيش في لبنان كما أعيش في أميركا. في الولايات المتحدة، أصارع من أجل الإنسان، كل إنسان، بوجه المرض وهو ما لم أكن لأتمكن من القيام به في بلدي الأم. كما أنني في الوقت عينه أخوض معركة كبيرة من أجل لبنان، وأخصص وقتاً طويلاً للدفاع عن القضية اللبنانية من خلال السعي لتوحيد الانتشار وتقوية اللوبي اللبناني».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.