فيرا تولياكوفا وناظم حكمت... علاقة متوهجة نمت في كنف السباق مع الموت

في سيرتها عنه حرصت على الوفاء له شاعراً وإنساناً وزوجاً

ناظم حكمت
ناظم حكمت
TT

فيرا تولياكوفا وناظم حكمت... علاقة متوهجة نمت في كنف السباق مع الموت

ناظم حكمت
ناظم حكمت

قل أن حظي شاعر معاصر بما حظي به الشاعر التركي ناظم حكمت من شهرة واهتمام نقدي وتعاطف واسع، على المستويين الوطني والعالمي. لا بل إن ما لقيه الشاعر من حفاوة وتقدير على الصعيد العالمي، يفوق بأضعاف ما لقيه في بلاده، التي لم يجد حكامها العسكريون طريقة ملائمة لتكريمه، كشيوعي بالغ الخطورة، سوى ملاحقته الدائمة ومصادرة كتبه، وصولاً إلى إيداعه السجون لسنوات طويلة. ومع أن الشاعر كان يمتلك بوسامته البادية وعينيه الزرقاوين الصافتين وقامته الفارعة، فضلاً عن موهبته العالية، كل ما يوفر له أسباب السعادة والطمأنينة، إلا أن انتماءه العقائدي لم يكن ليوضع من قبَل سلطات بلاده في خانة الآيديولوجيا المناهضة وحدها، بل يُنظر إليه من زاوية العداء التاريخي المستحكم مع الروس، في الآن ذاته. وإذ لمح حكمت غير مرة إلى أن السلطة الحاكمة كانت تدبر مكيدة لاغتياله خارج السجن، بطريقة لا تثير الشبهات، تمكن في غفلة من العسس، من الفرار بأعجوبة عبر البحر، ليصل بعد ذلك إلى موسكو، حيث ستأخذ حياته اللاحقة مساراً آخر.
إلا أن الحديث عن الحقبة الموسكوبية التي سبقت وفاة ناظم حكمت، والتي نقلتها زوجته الأخيرة فيرا تولياكوفا إلى القراء، بقدر عال من البراعة السردية والدفء الحميم، لا يستقيم بأي حال دون التوقف قليلاً عند حياة ناظم العاطفية السابقة، حيث ارتبط الشاعر الشغوف بالحياة بغير قصة حب، وغير علاقة زوجية. ولا نستطيع في هذا السياق أن نغفل العلاقة الملتبسة التي ربطت حكمت بزوجته بيراييه، حيث لم يتح لهما أن يعيشا تحت سقف واحد لأكثر من سنوات ثلاث، فيما ظل الشاعر خلال السنين المتبقية قابعاً خلف ظلمة السجون. على أن الزوجة المثقفة التي حرصت على الوفاء للشاعر طيلة سنوات سجنه الطويلة، لم تستطع أن تغفر له خيانته لها مع امرأة أخرى يختزلها ناظم اسمها بالحرف «س»، معترفاً بفعلته تلك، كما بإلحاح زوجته في طلب الطلاق. وهو ما حدث بالفعل قبل خروج الشاعر من السجن، ليتزوج دون إبطاء من امرأة أخرى هي منور، التي ظهر اسمها في الكثير من قصائده العاطفية. وإذا كان حنا مينة قد اعتبر في كتابه «ناظم حكمت\ السجن، المرأة، الحياة»، أن بيراييه ومنور هما المرأة عينها، عاد في كتابه اللاحق «ناظم حكمت ثائراً» ليتراجع عن رأيه السابق، مؤكداً أنهما امرأتان مختلفتان. كما أن مينة الذي كان قد أشار إلى عجز حكمت عن الإنجاب، بناء لاعتراف شخصي من الشاعر لصديقه الكاتب كمال طاهر، عاد لاحقاً ليؤكد أن ولده محمد هو ابنه البيولوجي، الذي كان قد تنبأ بولادته في قصيدة استشرافية يقول فيها:
سيولد منا، يا منور، أكمل من ولد من التراب
ومن النار والبحار
ودون خوف ولا تفكير
سيترك الناس أيدي الناس
ناظرين إلى النجوم قائلين: الحياة شيء جميل
أما البرود العاطفي الذي أظهره حكمت إزاء الزوجة السابقة التي هدرت سنوات شبابها في سبيل حبها له، فيعيده صاحب «المصابيح الزرق» إلى التكوين النفسي للشعراء والفنانين، الذين يشكل النأي والابتعاد جزءاً لا يتجزأ من افتتانهم بالمرأة، كما بسائر الموجودات. لكن التحقق الفعلي للمرأة المحبوبة يتسبب بإبطال الجانب الأكبر من هذا السحر، ويعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي. كما يرى مينة أن حكمت الذي وجد نفسه حائراً بين خياري الوفاء لزوجته والوفاء لقصيدته، لم يملك كشاعر مبدع سوى أن ينتصر للخيار الثاني، وهو الأمر البديهي في رأيه. لكن اللافت في الوقت ذاته أن العلاقة الجديدة مع منور لم تثبت طويلاً إزاء الزمن، كما ظلت محاطة بالكثير من الغموض واللبس، قبل أن تخلي مكانها لعلاقة جديدة كان مقدراً لها أن تتم في ظروف مغايرة وفوق مسرح آخر.
كان من الطبيعي أن يُستقبل ناظم حكمت في موسكو استقبال الفاتحين، خصوصاً أن حملة تضامنٍ واسعة قد سبقت إطلاق سراحه، محولة إياه إلى واحد من الرموز الشعرية والنضالية الأكثر شهرة على الصعيد العالمي. على أن الهالة التي أحاطت به والأدوار المتعددة التي أسندت إليه، لم تستطع أن تردم في أعماقه شعوراً داهماً بالوحشة واقتراب الكهولة، وصولاً إلى توجسه من الموت المفاجئ، بفعل مرض في القلب والأوعية الدموية يصعب شفاؤه. ولأن المرأة وحدها هي القادرة، في رأيه، على منحه الدفء الذي يحتاجه، فلم يكد بصره يقع على الشابة الجميلة فيرا تولياكوفا، التي قصدت منزله طلباً للمساعدة في مجال الأفلام المتحركة، حتى أدرك حكمت، وهو المحاط بعشرات المعجبات المماثلات، أن لهذه المرأة سحرها المختلف، وأنها وحدها القادرة على بعث الحياة في أوصاله اليابسة.
قد تكون السيرة التي تولت فيرا تولياكوفا كتابتها بنفسها تحت عنوان «الحديث الأخير مع ناظم»، هي إحدى أكثر السير المماثلة شفافية وصدقاً وغنى بالتفاصيل. والواضح أن تولياكوفا لا تظهر في كتابها بمظهر الكاتبة الهاوية التي تريد الاتكاء على مكانة زوجها الراحل لتحقيق الشهرة، بل هي عملت على تنويع أساليب السرد، متنقلة برشاقة بين الأزمنة، ودافعة عصب اللغة إلى مداه الأخير. ولعل ما أضفى على العمل تلك الشحنة الفائضة من العاطفة والبوح الحميم، هو كون الزوجة المفجوعة قد شرعت في كتابته بعد أسبوعين اثنين من رحيل زوجها، ومن ثم استمرت في الكتابة لعامين متتاليين. وهو ما أتاح لفيرا أن تطلق العنان للغتها الفوارة وحبها الجامح، في ظل الشعور الممض بالخسارة، والوطأة الثقيلة للفقدان. ولعل الغليان العاطفي الذي يقف وراء الكتاب، هو الذي جعل فيرا تستسلم تماماً لإغواء السرد، مدونة في البدء ما يزيد عن الصفحات الألف، قبل أن تعمد إلى حذف الكثير من التفاصيل الحميمة للعلاقة، كما تشير في مقدمة الكتاب.
«كنتَ منذ أن جئت إلى موسكو، أشبه بالأسطورة، وكنت بالنسبة لي بعيداً كأولئك الذين يعملون في الكرملين»، تقول تولياكوفا لحكمت بعد رحيله. وهي إذ تختار ضمير المخاطب كصيغة للكتابة، تبدو وكأنها ترفض بشكل قاطع فكرة غيابه عن العالم، وهو الماثل في وجدانها من خلال حضوره الأخاذ، كما من خلال إبداعه ومواقفه النضالية والإنسانية. على أن أكثر ما يلفت في السيرة، ليس فقط الوقوع السريع للشاعر في حب الشابة الشقراء التي تصغره بعقود، بل اكتشاف فيرا منذ لحظة اللقاء الأولى أن ناظم مصاب بمرض خطير في القلب والشرايين، وهو ما أكسب العلاقة طابعها الدرامي والرومانسي، بحيث راح الحب بين الطرفين ينمو في كنف القلق والخوف من المجهول والسباق مع الموت. ومع ذلك فقد احتاجت فيرا إلى وقت غير قليل، لتتأكد من مشاعرها الحقيقية إزاء الرجل الذي تمنت نساء كثيرات أن يحظين منه بأدنى التفاتة، فيما كان من جهته، ومنذ الأيام الأولى للقائها به، يعترف لها بحبه باكياً، كما تروي. ثم تضيف بأنها المرة الأولى التي قيض لها من خلالها أن تعرف كيف يبكي الرجال.
تحاول فيرا تولياكوفا من خلال سردها الشيق أن توائم قدر استطاعتها بين موجبات الوفاء للشاعر الذي أحبته، وبين الحرص المقابل على تقديمه كإنسان وكزوج، بقدر من الموضوعية والالتزام بالحقيقة، وبمعزل عن هالة التعظيم و«الأسطرة» التي أحاطت به. ففيرا التي وقعت بعد تردد في حب ناظم، مقررة الزواج منه والتخلي عن زوجها الأول، لا تتوانى في غير مناسبة عن الإشارة إلى الغيرة شبه «المرَضية» التي كان يبديها حكمت إزاءها. فقد كان، في فترة التعارف السابقة على الزواج، يحرص على الاتصال بمكتبها مرات عدة في اليوم الواحد. «كنت تفكر في نفسك فقط. أردت أن تضعني في مجال سيطرتك، ولم تمنحني الفرصة لكي أتوقف ولو للحظة عن التفكير بك»، تقول له في أحد فصول السيرة. ثم تقول في مكان آخر بأن الحياة تمنحنا في بعض الأحيان شعراء إنسانيين وعظماء، ومع ذلك فيمكن لهؤلاء ببساطة «أن يلصقوك بالحائط، ويستجوبوك بإلحاح كما يفعل المحققون». ومع ذلك فإن الكاتبة نفسها ما تلبث أن تضع غيرة الشاعر ونزوعه المفرط للتملك في إطارهما الصحيح، حيث لم تكن الشهرة وحدها قادرة أن تدرأ عنه وطأة السجن والمنفى والمرض وشبح الموت المتربص، بل كانت روحه القلقة تحتاج إلى حب عميق يحميه من الصقيع. حتى إذا وجده، مشفوعاً بالحنان والجمال والذكاء، عند تولياكوفا بالذات، تشبث به كما يفعل الغريق بقشة النجاة الأخيرة. والأدل على ذلك هو قول حكمت لها في إحدى القصائد:
أحبكِ كما أحب الخبز المغمس بالملح
أحبك مثل كلمات «الحمد لله،
لا أزال أحيا»
بفضلكِ أنت تمنحني الأشجار ثمارها
بفضلكِ أجمع العسل من ورود الأمل
وبفضلكِ أيضاً لن أسمح للموت أن يصل إلي
وكما حرصت فرنسواز جيلو على أن تقدم في كتابها عن بيكاسو صورة بانورامية عن عصر بكامله، فعلت تولياكوفا الشيء نفسه، ولو بعاطفة أشد، وبنبرة من الرومانسية فرضتها الطبيعة المختلفة للعلاقتين. ففي سياق التركيز على التوتر السياسي والأمني الذي كان يسود العالم، زمن الحرب الباردة بين المعسكرين، تحدثت الكاتبة عن أسفار زوجها المتكررة إلى الخارج، وعن دوره البارز والطليعي في مختلف المهرجانات والمؤتمرات الثقافية التي حضرها، بخاصة مؤتمر القاهرة، حيث خصه عبد الناصر بلفتة تكريمية مؤثرة. كما تحدثت عن تحول موسكو، خلال تلك الحقبة، إلى قبلة أنظار رئيسية لكتاب العالم اليساريين. واللافت هنا أن الانطباعات التي قدمتها فيرا عن لقائها غير مرة بأراغون وإلسا تريوليه، كما بنيرودا وماتيلدا، لم تخل تماماً من الغمز واللمز والشعور الواضح بالمنافسة، إذ أشارت بشيء من السخرية إلى «جنون» أراغون بإلسا، كما إلى النزعة العدائية عند هذه الأخيرة، ولتشاوفها وثقل حضورها. فيما تعاملت مع ماتيلدا بوصفها زوجة نيرودا المضجرة وطليقته المحتملة.
ثمة أمر آخر ألحت فيرا تولياكوفا على إبرازه في السيرة، وهو يتعلق بإزالة الصورة النمطية المتعلقة بولاء ناظم حكمت «الأعمى» للنموذج الشيوعي السوفياتي، وغض بصره عن الفظاعات المروعة التي ارتكبت بحق ملايين المحتجين على الوضع السائد. فهي لا تُظهر أي تشكيك برواية ناظم المتعلقة بمرضه، التي يؤكد فيها أن السبب الحقيقي لتفاقم وضعه الصحي هو عجز قلبه المتعب عن تحمل ثقل المجنزرات السوفياتية التي قمعت انتفاضة المجر، بعيد رحيل ستالين بفترة وجيزة. كما تتحدث فيرا عن تبرم ناظم العلني من إخضاع الفن للفحوص المخبرية الآيديولوجية، ومن قمع الكتاب المعارضين للفساد البيروقراطي، وكيف عرضهما ذلك معاً للملاحقة الدائمة من قبل المخابرات وأجهزة الأمن. كما آلمها إلى حد بعيد موقف السخرية والاستهجان الذي أظهره سدنة السلطة السياسية وكتابها، إزاء ما كتبه عن زوجته من قصائد الشغف والتتيم، معتبرين أن مثل هذه الرقة المفرطة لا تليق بشاعر مثل ناظم، ينبغي أن يكرس نفسه، في رأيهم، لمجابهة الإمبريالية العالمية و«تخرصات» شعرائها ومثقفيها. غير أن حكمت المثقل بالأعباء، والمنهك جسداً وروحاً، لم يأبه بكل ذلك الابتزاز الدوغمائي، وهو الذي وجد في عشقه لتولياكوفا، ملاذه ومتكأه وضالته الأخيرة. حتى إذا استشرف نهايته الوشيكة، خاطب زوجته بالقول:
سيبقى هذا الفراق ورائي مثل شارع تحت المطر
سأذهب إلى اللامكان ولن يعيدني شيء
لا السفن ولا الطائرات ولا القطارات
لن أرسل الرسائل ولا البرقيات
لن تضحكي برقة عند سماع صوتي عبر الهاتف
وستبقين وحيدة



بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.


3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».