قادة العالم يبحثون في غلاسكو سبل «إنقاذ البشرية»

غوتيريش حذر من «كارثة مناخية»... وبايدن بدا متفائلاً وتحدث عن «وجود فرصة»

بايدن يلقي كلمته في اليوم الأول من مؤتمر «كوب 26» بغلاسكو أمس (أ.ب)
بايدن يلقي كلمته في اليوم الأول من مؤتمر «كوب 26» بغلاسكو أمس (أ.ب)
TT

قادة العالم يبحثون في غلاسكو سبل «إنقاذ البشرية»

بايدن يلقي كلمته في اليوم الأول من مؤتمر «كوب 26» بغلاسكو أمس (أ.ب)
بايدن يلقي كلمته في اليوم الأول من مؤتمر «كوب 26» بغلاسكو أمس (أ.ب)

قبل قرابة 250 عاماً، وضع العالم البريطاني جيمس وات من غلاسكو أُسس الثورة الصناعية، عبر اختراعه آلة تكثيف البخار باستخدام الفحم. وها هم قادة العالم يجتمعون اليوم في المدينة نفسها، لبحث سبل تخفيض الانبعاثات الدفيئة ومنع تجاوز ارتفاع درجة حرارة الأرض 1.5 درجة بالمقارنة مع عصر ما قبل الصناعي.
بهذه الصورة دشن رئيس الوزراء البريطاني أعمال «قمة القادة» في مؤتمر المناخ، وحث قرابة 120 زعيماً وقائداً مجتمعين في غلاسكو إلى اغتنام «الفرصة الأخيرة».
ودعا بوريس جونسون إلى وضع أسس «ثورة صناعية خضراء، تخلق بالفعل ملايين الوظائف، ذات الأجور والمهارات العالية (...) وتدفع اقتصاداتنا إلى الأمام»، وشدد: «دعونا نفعل ما يكفي لإنقاذ كوكبنا وطريقة حياتنا». وفيما قال جونسون إن «القمم وحدها لا تحل مشكلة تغير المناخ»، إلا أنه دعا إلى أن يكون مؤتمر «كوب 26» «بداية نهاية» هذه الظاهرة.
وتُعد قمة «كوب 26» حاسمة لحصر ارتفاع درجات الحرارة العالمية بحدود 1.5 درجة، وتطبيق ما التزم به العالم في اتفاق باريس الذي أُبرم عام 2015.
وقال رئيس الوزراء البريطاني بلغة تتخللها المقارنات الطريفة، إنه «في السنوات التي تلت قمة باريس، بنى العالم بجهد وألم كبيرين قارب نجاة للبشرية، والآن حان الوقت لإعطاء قارب النجاة دفعة قوية، مثل بعض السفن الكبرى التي تسير في ممرات نهر كلايد»، في إشارة إلى ثاني أطول نهر في اسكوتلندا.
ولم يُخف جونسون قلقه من تداعيات فشل القمة، وحذر من غضب شعبي «لا يمكن احتواؤه» في حال فشل مؤتمر «كوب 26». وحذر قادة العالم من مواجهة «حكم قاسٍ» من الأجيال القادمة في حال لم يتحركوا بشكل «حازم». ورجح أن «غضب ونفاد صبر العالم لن يكون من الممكن احتواؤه، إلا إذا جعلنا مؤتمر «كوب 26» في غلاسكو اللحظة التي ننتقل فيها إلى (العمل الجدي) بشأن التغير المناخي»، مشيراً إلى القطاعات الأربعة التي تركز عليها حكومته، وهي «الفحم والسيارات والمال والأشجار».
- السيناريو الأسوأ
وانعكس طقس غلاسكو الغائم على الكلمات الافتتاحية للقمة، إذ اعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أنه رغم الالتزامات المناخية التي قدمتها الدول، فإن العالم يتجه نحو «كارثة مناخية». ودعا غوتيريش عشرات القادة المجتمعين في «المنطقة الزرقاء» بغلاسكو إلى «إنقاذ البشرية» عبر مواجهة التغير المناخي، و«وقف حفر قبورنا بأيدينا». وقال: «لقد آن الأوان للقول كفى»، واختيار «إنقاذ مستقبلنا وإنقاذ البشرية». وأضاف «كفى لانتهاك التنوع البيولوجي. كفى لقتل أنفسنا بالكربون. كفى للتعامل مع الطبيعة كمكب قمامة. كفى للحرق والحفر والاستخراج على أعماق أكبر. إننا نحفر قبورنا بأنفسنا». ورأى غوتيريش أنه رغم الالتزامات الوطنية بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، فإن العالم يتجه نحو كارثة. وأوضح «حتى في أفضل السيناريوهات، سترتفع درجات حرارة الأرض فوق درجتين».
- «فرصة رائعة»
لم يكن كل القادة بالإحباط نفسه، بل إن بعضهم بدا متفائلاً، وإن كان بحذر، بالفرص الاقتصادية «الرائعة» التي تتيحها مكافحة التغير المناخي، كما ذكر الرئيس الأميركي. وقال جو بايدن: «وسط الكارثة المتنامية، أرى أن هناك فرصة رائعة، ليس فقط للولايات المتحدة وإنما لنا جميعاً». واعتبر أن اعتماد الطاقة الكهربائية للنقل ونصب ألواح للطاقة الشمسية وتوربينات لطاقة الرياح «يولد وظائف جيدة وعالية الدخل، للعمال الأميركيين».
في المقابل، حذر الرئيس الأميركي الذي يسعى لتأكيد التزام أميركا بمكافحة التغير المناخي، واستعادة دورها القيادي في الساحة الدولية، من أن الاستمرار في الطريق الذي يسلكه العالم يضر بالاقتصاد. وقال إن دول العالم تقف اليوم عند «نقطة تحول»، مضيفاً «لدينا القدرة على الاستثمار في أنفسنا وبناء مستقبل عادل، مستقبل من الطاقة النظيفة، واستحداث ملايين الوظائف جيدة الدخل». واستطرد قائلاً: «نجتمع والتاريخ يراقبنا. كل يوم نماطل فيه، تزداد كلفة التقاعس. فلتكن إذاً هذه اللحظة التي نستجيب فيها لنداء التاريخ، هنا في غلاسكو».
وأكد الرئيس الأميركي، الذي انسحبت بلاده في السابق من بروتوكول كيوتو واتفاق باريس للمناخ، إنه ملتزم بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 50 في المائة بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات عام 2005، وقال إنه مصمم «ليثبت للعالم أن الولايات المتحدة لم تعد إلى طاولة المفاوضات فحسب، بل نأمل في أن تقود بقوة نموذجنا». وتابع قائلاً: «أعلم أن الأمر لم يكن كذلك، ولهذا السبب تعمل إدارتي لإظهار أن التزامنا بالمناخ يقوم على الأفعال لا الأقوال».
- تكلفة التقاعس
ضم ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز صوته إلى صوت بايدن، وحث المجتمعين في غلاسكو على تجاوز خلافاتهم والعمل معاً، لأن «الوقت قد نفد بالفعل». وقال الأمير تشارلز إن حجم الكارثة التي يواجهها العالم سيُكلف «تريليونات، وليس مليارات الدولارات»، محذراً من أن تكلفة التقاعس في اتخاذ القرارات اللازمة «أكبر بكثير» من تكلفة الوقاية.
وشدد الأمير تشارلز على ضرورة تعاون دول العالم في مواجهة تغير المناخ، وانخراط جميع قطاعات الصناعة في هذه الجهود، وقال: «في الوقت الذي نتعامل فيه مع هذه الأزمة، لا يمكن أن تكون جهودنا سلسلة من المبادرات المستقلة التي تعمل بالتوازي. يستدعي حجم ونطاق التهديد الذي نواجهه حلاً عالمياً على مستوى الأنظمة، يعتمد على التحويل الجذري لاقتصادنا الحالي القائم على الوقود الأحفوري إلى اقتصاد متجدد ومستدام حقاً». وتابع: «أناشد اليوم دول العالم لتعمل معاً على تهيئة بيئة تمكن كل قطاع من قطاعات الصناعة من اتخاذ الإجراءات المطلوبة».
- 100 مليار سنوياً
تواجه الحكومات ضغوطاً لمضاعفة التزاماتها بخفض الانبعاثات لجعلها تتماشى مع أهداف اتفاق باريس، وتوفير الأموال التي وعدت بها منذ فترة طويلة لمساعدة الدول النامية على تخضير اقتصاداتها وحماية نفسها من الكوارث المستقبلية. ودعا الرئيس الفرنسي في هذا السياق، الدول التي تسجل أكبر انبعاثات لثاني أكسيد الكربون والمتأخرة في التزاماتها
«برفع طموحاتها خلال الأيام الخمسة عشر» لمؤتمر «كوب 26».
وطالب إيمانويل ماكرون في خطابه أغنى الدول وأكثرها تسبباً في التلوث، بالمزيد من الطموح، معتبراً أن هذه هي الطريقة الوحيدة «لإعادة المصداقية لاستراتيجيتنا» والتمكن من إبقاء الاحترار العالمي في إطار المستويات المستهدفة. كما دعا ماكرون الدول الغنية التي تأخرت في المساهمة بحصتها في دعم الدول النامية بـ100 مليار دولار سنوياً، إلى التحرك وتقدم التمويل على الفور.
- غياب الصين
وخيم غياب الرئيس الصيني شي جينبيغ، الذي تتسبب بلاده في قرابة 28 في المائة من إجمالي الانبعاثات، على حظوظ نجاح قمة غلاسكو. واكتفى الرئيس الصيني بإرسال خطاب مكتوب إلى القمة، إلا أن مشاركته حضورياً لم تكن متوقعة في ظل ظروف الجائحة. واستبعد مصدر بريطاني مطلع أن يؤثر غياب كل من شي ونظيره الروسي فلاديمير بوتين عن قمة غلاسكو، وقال إن الدولتين أرسلتا وفوداً رفيعة المستوى، وأن العمل باتجاه تحقيق أهداف «كوب 26» انطلق منذ عدة أشهر وسيستمر بعد انتهائها.


مقالات ذات صلة

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

العالم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (رويترز)

رئيس الوزراء الكندي يقر بأن بلاده لن تحقق أهدافها المناخية

أقر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مقابلة بثتها «راديو-كندا» العامة الثلاثاء، بأن البلاد لن تتمكن من تحقيق أهدافها المناخية لعامي 2030 و2050.

«الشرق الأوسط» (مونتريال)
الاقتصاد جانب من الجلسات في اليوم الختامي لمؤتمر المناخ «كوب 30» المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية (أ.ب)

مؤتمر المناخ يصل إلى محطته الأخيرة دون توافق في نسخة «كوب 30»

دخل مؤتمر المناخ «كوب 30»، المنعقد في مدينة بيليم البرازيلية وسط غابات الأمازون، يومه الأخير على وقع توتر غير مسبوق.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية انتشر الدخان داخل وخارج المكان الذي يستضيف مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (أ.ف.ب)

علاج 13 شخصاً بعد استنشاق الدخان إثر حريق بمقر مؤتمر المناخ «كوب 30»

قال منظمون، في بيان، إن 13 شخصاً تلقوا العلاج من استنشاق الدخان الناجم عن حريق اندلع في المقر الذي ينعقد فيه مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ (كوب 30).

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
تحليل إخباري الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا يصافح نائب رئيس الوزراء الصيني دينغ شيويه شيانغ قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في بيليم (رويترز)

تحليل إخباري الصين تتربع على عرش «كوب 30» وتملأ الفراغ الأميركي

لأول مرة منذ 3 عقود، تغيب أميركا عن قمة الأمم المتحدة للمناخ، تاركة الباب مفتوحاً أمام الصين لتتصدر المشهد قائدةً جديدة في مكافحة الاحتباس الحراري.

«الشرق الأوسط» (بيليم (البرازيل))
أميركا اللاتينية قارب مهجور يرقد في خزان مائي جفّ بفعل الجفاف على مشارف صنعاء (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة: أزمة المناخ أكبر تهديد في عصرنا

رغم الحروب والنزاعات الكثيرة في أنحاء العالم، عدّت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، أنالينا بيربوك، أزمة المناخ «أكبر تهديد في عصرنا».

«الشرق الأوسط» (بيلم (البرازيل))

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟