تأكيدات بتزايد الحاجة المستقبلية لمزيج الطاقة عالمياً

عبد العزيز بن سلمان: السعودية ستكون أنموذجاً لإنتاج جميع مصادر الطاقة الأفضل كفاءة بحلول 2030

وزيرا الطاقة السعودي والإماراتي خلال مشاركة في جلسة منتدى مبادرة «السعودية الخضراء» أمس (الشرق الأوسط)
وزيرا الطاقة السعودي والإماراتي خلال مشاركة في جلسة منتدى مبادرة «السعودية الخضراء» أمس (الشرق الأوسط)
TT

تأكيدات بتزايد الحاجة المستقبلية لمزيج الطاقة عالمياً

وزيرا الطاقة السعودي والإماراتي خلال مشاركة في جلسة منتدى مبادرة «السعودية الخضراء» أمس (الشرق الأوسط)
وزيرا الطاقة السعودي والإماراتي خلال مشاركة في جلسة منتدى مبادرة «السعودية الخضراء» أمس (الشرق الأوسط)

قال مسؤولون خليجيون إن العالم سيحتاج لكل أنواع الطاقة مستقبلاً، ولا يمكن أن يعمل من دون الهيدروكربون أو الوقود الأحفوري أو الطاقة المتجددة، رافضين في الوقت نفسه أن تكون الإجراءات المناخية عبئاً على الدول النامية.
وأوضح الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، في رده على سؤال خلال فعاليات انطلاق النسخة الأولى من مبادرة «السعودية الخضراء» أمس، حول مطالبة الدول النفطية بزيادة إنتاج النفط وتقليل الانبعاثات الكربونية في آن واحد، أن ما يعرفه هو أن «العالم يحتاج كل شيء؛ نحتاج لكل أنواع الطاقة».
وأضاف خلال إحدى الجلسات الحوارية: «نريد تخفيف كل الغازات التي تسهم في التغير المناخي، وعلينا الأخذ في الحسبان كل الحلول المتاحة التي تقدم نظام طاقة يمكننا من الانتقال إلى مستقبل جميعنا نتفق عليه، وهو تقليل الانبعاثات».
ولفت وزير الطاقة السعودي إلى أن «الشيطان يكمن في التفاصيل»، وتابع: «يمكننا أن نجعل الغاز نظيفاً، لذلك لدينا مبادرة الميثان وغاز الكربون، والسعودية تود أن تكون المثال المحتذى في التخلص من الغازات الدفيئة، ومواصلة النمو الاقتصادي».
وأفاد الأمير عبد العزيز بأن «السعودية منتج للغاز والنفط والنفط الصخري وطاقة الشمس والرياح، ولدينا طموح هائل فيما يتعلق بالطاقة الهيدروجينية، سواء الأخضر أو الأزرق؛ أروني دولة تنتج ذلك».
وأشار وزير الطاقة إلى أن «العالم لا يمكنه أن يعمل من دون الهيدروكربون والوقود الأحفوري، أو من دون الطاقة المتجددة... لا يمكن أن يشكل أحدها مصدر خطر أو منقذ؛ جميعها ستكون حلاً شاملاً»، مستطرداً: «إذا قمنا بالاجتماع في مؤتمر الدول الأطراف في 2026، يجب أن نكون شاملين منفتحين لما سيقوم به الجميع، ما دام أنه يسهم في تقليل الانبعاثات».
ولفت الأمير عبد العزيز إلى أنه بحلول 2030، ستكون السعودية أنموذجاً لإنتاج جميع مصادر الطاقة الأفضل من حيث كفاءة الطاقة، مبيناً أن ذلك يأتي في إطار أهداف مبادرة «السعودية الخضراء» لتوسيع نطاق العمل المناخي في المملكة، إذ سيسهم خفض انبعاثات الميثان في تعزيز الصحة العامة والإنتاجية الزراعية.
وأفاد وزير الطاقة بأن برنامج العدادات الذكية في المملكة عمل على تركيب 127 ألف وحدة في اليوم، وسيتم الانتهاء من المشروع بأكمله في غضون شهرين. وتابع: «المملكة لديها برامج لكفاءة الطاقة ناجحة لأكثر من 10 سنوات. وحتى الآن، تم تقليل 48 مليون طن من انبعاثات الكربون سنوياً، إلى جانب التخطيط لتقليل 9 ملايين طن إضافية، بالتركيز على 3 قطاعات: الصناعة والنقل والبناء، لأنها تشكل 90 في المائة من استهلاك الطاقة لدى المملكة».
وأكد الأمير عبد العزيز الحاجة إلى التخفيف من جميع الغازات التي تسهم في تغير المناخ، والنظر في جميع القطاعات، وبحث جميع الحلول، والاهتمام بمجال إعادة التطوير من خلال التقنيات المتاحة، وكيفية حماية البيئة وإدارة المياه، بمشاركة القطاعات الحكومية والخاصة، وإيجاد ممكنات تساعد على ذلك.
ومن جانبه، بيَّن الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعات المتقدمة الإماراتي الرئيس التنفيذي لشركة «أدنوك»، أن 80 في المائة من متطلبات الطاقة اليوم تأتي من الوقود الأحفوري، وقال: «لا يمكننا تجاهل ذلك؛ عملية الانتقال تحتاج وقتاً، وعلينا مواصلة تقليل التكاليف وانبعاثات الكربون بشكل مستمر، والأمر سيستغرق وقتاً».
وأضاف: «العالم يتطلب مزيجاً من الطاقة؛ هذا أمر حتمي لا يمكن المجادلة فيه. ونحن نستثمر في ذلك. ففي السنوات السبع الماضية، كانت هناك قلة في الاستثمار بالموارد، خاصة الهيدروكربون، وهذا درس مهم؛ علينا أن نغير المحركات، وأن نعود للقيادة، ونتقبل الطموحات القاسية لمستقبل أنظف».
وأضاف المسؤول الإماراتي: «النفط والغاز يجب أن نشمله؛ إنه العمود الفقري لتلبية متطلبات الطاقة العالمية في المستقبل»، وزاد: «يجب أن نتقبل حقيقة أن العالم النامي والمتطور يتطلب مجموعة مختلفة تماماً من السياسات والمحفزات، ولا يمكن أن نسمح بأن تكون الإجراءات المناخية عبئاً على الدول النامية؛ نحتاج عقلية تقدمية منفتحة شاملة».
إلى ذلك، تحدث المهندس عبد الرحمن الفضلي، وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، عن أن هنالك توافقاً بين التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، وأنه لا تعارض بينهما، مفصحاً عن أن استراتيجية المبادرة تضمنت 64 مبادرة، بتكلفة إجمالية تتجاوز 52 مليار ريال، شاملة جميع جوانب المجال البيئي.
ولفت إلى أن أبرز توصيات الاستراتيجية هي إعادة هيكلة الإطار المؤسسي عبر إنشاء صندوق بيئي وطني في المنطقة، و5 مراكز بيئية وطنية لتعزيز الامتثال البيئي، ومكافحة التصحر وحماية الحياة الفطرية، وتعزيز إعادة تدوير النفايات، وتوفير خدمات الأرصاد الجوية والدراسات المناخية. كما أصدرت حكومة المملكة نظام البيئة الوطني، ونظام إدارة النفايات، ونظام الأرصاد الجوية، لإرساء الإطار التنظيمي للقطاع.
وأضاف أن «زراعة 10 مليارات شجرة في بلد بطبيعة مناخية كالسعودية لا شك يمثل تحدياً كبيراً جداً، لكن سننفذ هذه المبادرة من خلال الاستفادة من المياه المتجددة المعالجة، أو المتجددة بصفة عامة، وسيكون التركيز عامة على النباتات المحلية ذات القدرة على التعامل مع المناخ، مع الاستفادة من التجارب العالمية والأبحاث».
وأشار الفضلي إلى أن مبادرة «السعودية الخضراء» تسهم في حماية التنوع البيولوجي، وتسعى للإعلان عن 30 في المائة من مساحة أراضي المملكة مناطق محمية، مبيناً أن المملكة حققت إنجازات كبيرة في هذا المسار على مدار السنوات الثلاث الماضية، حيث جرى زيادة المناطق المحمية بأربعة أضعاف، لتصل إلى ما يقارب 16 في المائة من إجمالي مساحة المملكة، بعد أن كانت تمثل نسبة 4.3 في المائة فقط قبل 3 سنوات. كما قامت وزارة البيئة والمياه والزراعة بزيادة عدد المتنزهات الوطنية من 19 متنزهاً قبل 3 سنوات إلى أكثر من 300 متنزه حالياً، مع بناء كثير من مراكز تكاثر أنواع الحياة الفطرية المحلية المهددة بالانقراض، لافتاً الانتباه إلى أن نظام البيئة الذي أُصدر مؤخراً يركز بشكل كبير على التنوع البيولوجي، وحماية وترميم الموائل الساحلية والبحرية، مثل غابات المانغروف والشعاب المرجانية.
ومن جهتها، أكدت مريم المهيري، وزيرة التغير المناخي والبيئة بالإمارات، أنهم قاموا بجهود في مجال حماية البيئة، والتنوع البيئي والمحافظة عليه، تحتاج إلى تعاون دولي، منوهة بما تشكله الطبيعة من أهمية، بصفتها رأس مال مهم للعالم، مشددة على أن الحفاظ على التنوع البيئي أمر مهم جداً يتطلب جهوداً جبارة من الجميع.
وشارك في الجلسة لي وايت، وزير المياه والغابات بالغابون، والرئيس التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر إبراهيم ثياو، اللذين تناوبا على الحديث عن الهموم والمشكلات التي تواجه البيئة، وتأثيرات المساعي العالمية لاستعادة النظم البيئية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، والطموحات والمبادرات على الصعيدين الوطني والإقليمي في هذا الخصوص.


مقالات ذات صلة

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

الاقتصاد أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي في السعودية نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجلسة الوزارية (الشرق الأوسط)

«السيادي» السعودي يرسم ملامح المرحلة الثالثة لـ«رؤية 2030»

في منعطفٍ استراتيجي، عرض محافظ «صندوق الاستثمارات العامة» (السيادي السعودي) ياسر الرميان، ملامح المرحلة الثالثة لـ«رؤية المملكة 2030». وتأتي هذه المرحلة لتنقل

زينب علي (الرياض)
الخليج وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف يشهد توقيع مذكرة تعاون بين المركز الوطني للتنمية الصناعية وشركة «إيرباص» (الشرق الأوسط)

«معرض الدفاع العالمي» يشهد زخماً متصاعداً من الاتفاقيات والشراكات

شهد اليوم الثاني من أعمال النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي 2026 المنعقد في العاصمة السعودية الرياض زخماً متصاعداً في توقيع الاتفاقيات، والشراكات.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد جانب من الدورة التدريبية لرفع كفاءة الإعلام المالي (الشرق الأوسط)

«الأكاديمية المالية» توسّع برامجها لرفع كفاءة الإعلام الاقتصادي

تواصل «الأكاديمية المالية»، بالتعاون مع أكاديمية «SRMG»، تنفيذ برنامج «صناعة مستقبل الإعلام المالي السعودي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

«مؤتمر العلا» يهيئ الاقتصادات الناشئة لرسم مسارها الخاص في الساحة العالمية

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية، جاء مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة، ليؤكد النقلة النوعية التي تشهدها هذه الاقتصادات في الساحة العالمية.

هلا صغبيني (العلا)

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
TT

الإنتاج الصناعي السعودي يختتم 2025 بنمو قوي نسبته 8.9 %

أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)
أحد المصانع التابعة لـ«أرامكو» (الشركة)

كشفت الهيئة العامة للإحصاء عن أداء استثنائي للقطاع الصناعي السعودي في نهاية عام 2025، حيث حقق الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي نمواً سنوياً بلغت نسبته 8.9 في المائة مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول) من العام السابق.

ويعكس هذا الارتفاع حالة الانتعاش في الأنشطة الاقتصادية الرئيسة، وعلى رأسها التعدين، والصناعة التحويلية، مما يعزز من مكانة القطاع باعتبار أنه رافد أساسي للاقتصاد الوطني.

الإنتاج النفطي

لعب نشاط التعدين واستغلال المحاجر دوراً محورياً في دفع المؤشر العام نحو الأعلى، حيث سجل نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 13.2 في المائة بحلول ديسمبر. ويُعزى هذا الزخم بشكل أساسي إلى ارتفاع مستويات الإنتاج النفطي في المملكة لتصل إلى 10.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 8.9 مليون برميل في الفترة المماثلة من العام الماضي. على أساس شهري، شهد المؤشر استقراراً نسبياً بزيادة طفيفة بلغت 0.3 في المائة فقط مقارنة بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) السابق.

الصناعة التحويلية

وفي سياق متصل، أظهر قطاع الصناعة التحويلية مرونة عالية بنمو سنوي قدره 3.2 في المائة، مدعوماً بقوة الأداء في الأنشطة الكيميائية والغذائية. وقد برز نشاط صنع المواد الكيميائية والمنتجات الكيميائية بوصفه من أقوى المحركات في هذا القطاع مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 13.4 في المائة، تلاه نشاط صنع المنتجات الغذائية الذي نما بنسبة 7.3 في المائة. أما على الصعيد الشهري، فقد حافظ المؤشر على وتيرة إيجابية بزيادة قدرها 0.3 في المائة، حيث قفز نشاط المنتجات الغذائية منفرداً بنسبة 9.6 في المائة، ونشاط المواد الكيميائية بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بنوفمبر 2025.

إمدادات المياه والخدمات العامة

أما بالنسبة للخدمات العامة، فقد سجل نشاط إمدادات المياه وأنشطة الصرف الصحي وإدارة النفايات ومعالجتها ارتفاعاً سنوياً قوياً بنسبة 9.4 في المائة. وفي المقابل، واجه نشاط إمدادات الكهرباء والغاز والبخار وتكييف الهواء انخفاضاً بنسبة 2.5 في المائة مقارنة بديسمبر 2024. ولوحظ انكماش شهري في هذين القطاعين بنسب بلغت 7.2 في المائة و13.1 في المائة على التوالي عند المقارنة بشهر نوفمبر 2025، مما يشير إلى تأثر الإنتاج بالتقلبات الموسمية، أو جداول الصيانة الدورية.

توازن الأنشطة النفطية وغير النفطية

ختاماً، تُظهر البيانات توزيعاً متوازناً للنمو بين الركائز الاقتصادية للمملكة، حيث حققت الأنشطة النفطية ارتفاعاً سنوياً بنسبة 10.1 في المائة، بينما سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً ثابتاً بنسبة 5.8 في المائة. وعند النظر إلى الأداء قصير المدى، يتبين أن الأنشطة غير النفطية حافظت على تفوقها الشهري بنمو قدره 0.4 في المائة، في حين سجلت الأنشطة النفطية انخفاضاً شهرياً طفيفاً بنسبة 0.3 في المائة، مما يعكس استراتيجية التنويع الاقتصادي المستمرة في المملكة.


ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
TT

ترمب يرفع سقف التوقعات ويراهن على وورش لتحقيق نمو بنسبة 15 %

مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)
مرشح ترمب لقيادة الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش (رويترز)

في واحدة من أكثر تصريحاته الاقتصادية إثارة للجدل، وضع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقفاً مرتفعاً جداً لمرشحه الجديد لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وورش، مؤكداً أنه قادر على دفع عجلة الاقتصاد الأميركي لتحقيق معدلات نمو تاريخية تصل إلى 15 في المائة.

هذه التصريحات لا تضع ضغطاً هائلاً على وورش فحسب، بل تعلن رسمياً بداية معركة ترمب لكسر التقاليد النقدية المتبعة في واشنطن منذ عقود.

ندم «تاريخي» واعتراف بالخطأ

خلال مقابلة مطولة مع شبكة «فوكس بيزنس»، عاد ترمب بالذاكرة إلى الوراء ليعرب عن ندمه الشديد على تعيين جيروم باول رئيساً للبنك المركزي في ولايته الأولى. ووصف هذا القرار بأنه كان «خطأً كبيراً جداً»، كاشفاً أن كيفن وورش كان هو «الوصيف» في ذلك الوقت.

وحمّل ترمب وزير خزانته السابق، ستيفن منوشين، مسؤولية هذا الاختيار، قائلاً: «لقد أصرَّ وزيري حينها على باول بشكل لا يصدق... لم أكن مرتاحاً له في قلبي، لكن أحياناً تضطر للاستماع للآخرين، وكان ذلك خطأً جسيماً».

ترمب والسيناتور الأميركي تيم سكوت وباول خلال جولة في مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يونيو الماضي (رويترز)

أحلام النمو... هل هي واقعية؟

عند الحديث عن وورش، لم يتردد ترمب في رسم صورة «إعجازية» للمستقبل الاقتصادي، حيث صرح للشبكة: «إذا قام وورش بالعمل الذي أعلم أنه قادر عليه، فيمكننا أن ننمو بنسبة 15 في المائة، بل أعتقد أكثر من ذلك».

هذا الرقم أثار دهشة الأوساط الاقتصادية؛ فالاقتصاد الأميركي نما بمتوسط 2.8 في المائة سنوياً على مدار الخمسين عاماً الماضية، ولم يسبق للناتج المحلي الإجمالي أن لامس حاجز الـ 15 في المائة إلا في حالات استثنائية جداً، منها فترة التعافي من إغلاقات كورونا في 2020. ومع ذلك، يبدو ترمب مصمماً على أن وورش هو الشخص القادر على تحقيق هذه القفزة التي تتجاوز كل التوقعات التقليدية.

لا لرفع الفائدة

كشف ترمب بوضوح عن المعيار الذي اختار على أساسه وورش، وهو الرغبة في خفض أسعار الفائدة. وأكد أنه لم يكن ليختار وورش لو كان الأخير يدعو إلى رفع الفائدة، مشدداً على رغبته في مرشح يدفع بالنمو إلى أقصى حدوده.

ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس «مقامرة» اقتصادية كبرى؛ إذ إن تحقيق نمو يقترب من 15 في المائة قد يؤدي تقنياً إلى انفجار في معدلات التضخم التي لا تزال تكافح للوصول إلى مستهدفاتها، وهو أمر يبدو أن ترمب لا يراه عائقاً أمام طموحاته قبل الانتخابات النصفية.

رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمر صحافي (رويترز)

جدار الصد في «الكابيتول هيل»

على الرغم من حماس ترمب، فإن طريق وورش نحو رئاسة الفيدرالي مزروع بالألغام السياسية. فقد أعلن السيناتور الجمهوري البارز ثوم تيليس عزمه عرقلة أي عملية تصويت لتأكيد تعيين وورش في مجلس الشيوخ.

ويأتي تهديد تيليس احتجاجاً على سلوك إدارة ترمب تجاه جيروم باول، حيث تلاحق وزارة العدل باول في تحقيقات تتعلق بمشروع تجديد مبنى الفيدرالي، وتصريحاته حول التكاليف. ويرى تيليس أن هذه الملاحقات القضائية هي محاولة لترهيب رئيس البنك المركزي، وتقويض استقلاليته.

«إذا حدث التأجيل... فليحدث»

بدا ترمب غير مبالٍ بتهديدات التعطيل في مجلس الشيوخ، حيث سخر من معارضة تيليس قائلاً: «لقد حاربت تيليس لفترة طويلة، لدرجة أنه انتهى به الأمر بالاستقالة». وعندما سُئل عما إذا كان التحقيق مع باول يستحق تعطيل ترشيح وورش، أجاب ببرود: «لا أعلم، سنرى ما سيحدث... إذا حدث التأجيل، فليحدث»، في إشارة واضحة إلى أنه لن يتراجع عن ملاحقة باول قانونياً حتى لو كلّفه ذلك تأخير تعيين خليفته.


«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
TT

«هروب هادئ»... بكين توجه مصارفها لتقليص انكشافها على سندات الخزانة الأميركية

زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)
زوار يمرون بجوار جناح بالقرب من أطلال القصر الصيفي القديم المعروف أيضاً باسم يوانمينغ يوان في بكين (أ.ب)

في خطوة تعكس فقدان «الراحة» والاطمئنان تجاه الأصول الأميركية، بدأت الصين مساراً استراتيجياً لتقليص تبعية نظامها المصرفي لديون واشنطن، في عملية وُصفت بـ«الهروب الهادئ»، لتفادي الصدمات العنيفة في الأسواق.

تعليمات صينية خلف الأبواب المغلقة

كشفت مصادر مطلعة لـ«بلومبرغ» أن السلطات التنظيمية في بكين، وعلى رأسها بنك الشعب الصيني، أصدرت توجيهات للمؤسسات المالية المحلية بضرورة كبح حيازاتها من الديون الأميركية. هذه التعليمات تضمنت حث البنوك ذات «التعرض العالي» على تقليص مراكزها فوراً، بذريعة حماية القطاع المصرفي من «مخاطر التركز»، والتقلبات الحادة.

ورغم أن القرار استثنى «الاحتياطيات السيادية» الرسمية، فإن الأسواق استقبلته بوصفه إشارة حمراء، مما رفع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات فوراً إلى 4.2359 في المائة.

لغة الأرقام

تُظهر البيانات الدقيقة الواردة من وزارة الخزانة الأميركية أن الصين بدأت بالفعل مساراً نزولياً في حيازاتها:

  • الصين: بعد أن كانت تمتلك 767 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، رفعت حيازتها لتتجاوز 900 مليار دولار في أغسطس (آب) 2025، لكنها عادت للتراجع السريع لتصل إلى 888.5 مليار دولار بحلول نوفمبر 2025، حيث باعت في شهر واحد ما قيمته 5.39 مليار دولار. ويرى مراقبون أن فقدان هذا المصدر للطلب سيشكل ضربة قوية لسوق سندات الخزانة الأميركية البالغ 30.3 تريليون دولار، لكن يبقى من الصعب قياس التأثير.
  • التكتل الصيني: تشير بيانات «آي إن جي» إلى أن إجمالي ما تمتلكه الصين وهونغ كونغ معاً بلغ 938 مليار دولار بنهاية نوفمبر الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة عالمياً باعتبارها أكبر حامل للدين الأميركي.
  • دول بريكس الأخرى: لم تكن الصين وحدها؛ فقد قلّصت البرازيل حيازتها من 229 مليار دولار إلى 168 ملياراً خلال عام واحد، كما تراجعت استثمارات الهند من 234 مليار دولار إلى 186.5 ملياراً.

توقيت «الاتصال الساخن» وظلال ترمب

ما يمنح هذا التحرك ثقلاً سياسياً استثنائياً هو صدوره قبيل اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب. ويأتي هذا الحذر الصيني وسط تزايد حالة عدم اليقين تجاه سياسات إدارة ترمب الثانية؛ حيث أدى نهجه الذي لا يمكن التنبؤ به في ملفات التجارة والدبلوماسية، وهجماته المتكررة على الاحتياطي الفيدرالي، وزيادة الإنفاق العام، إلى دفع المستثمرين الدوليين للتساؤل علانية: هل لا تزال الديون الأميركية مكاناً آمناً؟

وفي هذا الإطار، قال مصرف «يو بي إس» إن فكرة تراجع رغبة المستثمرين الدوليين في شراء الديون الأميركية باتت تستحوذ على اهتمام الأسواق فعلياً.

بين «سلاح الديون» واستراتيجية التحوط

بينما يقلل وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، من أهمية تحركات المستثمرين الأجانب، يرى خبراء أن هذه الضغوط تأتي في وقت «هش» للدولار.

الواقع الجديد يشير إلى أن المستثمرين العالميين لم يعودوا يرغبون في استخدام ديون واشنطن أداة «عقاب سياسي» فحسب، بل بدأوا استراتيجية «التحوط الكبرى» (Hedging). فهم يريدون البقاء في السوق الأميركية القوية بسبب طفرة الذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يقلصون مشتريات السندات، لحماية أنفسهم من انهيار محتمل في قيمة الدولار، أو تذبذب حاد في الفائدة.