«عاصفة الحزم».. تعيد التوازن الإقليمي

شكلت حلفًا بدأ يتشكل لملء الفراغ الذي أحدثته الصراعات في المنطقة

«عاصفة الحزم».. تعيد التوازن الإقليمي
TT

«عاصفة الحزم».. تعيد التوازن الإقليمي

«عاصفة الحزم».. تعيد التوازن الإقليمي

حينما أطلق المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن مقولته الشهيرة «الحزم أبو اللزم أبو الظفرات.. والترك أبو الفرك أبو الحسرات».. كان يدرك جيدا معنى اتخاذ القرار السياسي والعسكري بحزم وسرعة، إلى أن أتم خريطة الدولة السعودية الثالثة عام 1933 خاض خلالها 18 معركة حربية بتوازن عجيب بين المكون الداخلي والخارجي، مرتكزا خلالها على الحزم في القرار وسرعة تنفيذه.
اليوم الملك سلمان بن عبد العزيز يرتكز على ذات الأسس المنطلقة من الحزم في القرار السياسي والعسكري ليوجد اثنين للعمل السياسي هما الحفاظ على تراب الوطن ووحدته، وخلق توازنات سياسية وتحالفات إقليمية ودولية موزونة. وقبل بدء عمليات «عاصفة الحزم» منتصف ليل 25 مارس (آذار) 2015. مهد الملك سلمان للعملية بتماه فائق الدقة، مع جيرانه وحلفائه في المنطقة، وشهد قصر «العوجاء» في مدينة الدرعية التاريخية التي شكلت منطلق الحكم السعودي، قبل بدء العملية مراحل سرية وواضحة الاتجاه معلنة انطلاق مرحلة سياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط.

شكلت عاصفة الحزم حلفا بدأ يتشكل في المنطقة العربية وهو الذي تكون في الأصل لملء الفراغ الذي أحدثته الصراعات التي تعيشها المنطقة العربية وخاصة ما يحدث من تدهور في العراق وسوريا، بجانب التمدد الإيراني والإسرائيلي، وقد وجدت الدعوة الاستجابة من الحكومات وشعوب المنطقة، بعد أن بدأت 10 دول تقودها السعودية تحالفا ليلقى فيما بعد ترحيبا دوليا واسع التأييد من دول دائمة العضوية في مجلس الأمن كأميركا وفرنسا وبريطانيا، ودول إسلامية وأخرى لها تأثير دولي وأعضاء في الناتو كتركيا وألمانيا.
الحلف جاء لتعديل الميزان الجيوسياسي في المنطقة المهتز كثيرا بسبب حالة الاستقطاب الحاد في منطقة شمال الجزيرة العربية وتحديدا بعد ما يسمى بالربيع العربي، وجاءت هذه العملية لتثبيت أركان الشرعية للحكم السياسي ومنع استقواء طرف على آخر تحت تأثير التدخلات الخارجية لتقطع الطريق لتحويل اليمن إلى دولة تحت الوصاية الإيرانية.
وأوجدت العملية جدارا منيعا لتمدد إيران في منطقة الشرق الأوسط، ليكون التحالف عامل ردع للمواقف الإيرانية المبنية على نشر القلاقل في المحيط العربي، وأظهرت السعودية ومن معها وجها شديد البأس سيعطي للشعوب العربية مستقبلا أكثر أمنا واستقرار.
ويقول مراقبون وعسكريون إن ما جعل «عاصفة الحزم» ذات تأثير مختلف ونفوذ واضح هو تجاوزها لكل المواقف السياسية المترددة لبعض الدول سواء على الصعيد الخليجي الخليجي أو العربي الخليجي أو العربي الإقليمي ووقوفها إلى جانب بعضها البعض بعيدا عن تفاعلات المواقف السياسية ذات النفس الحزبي كما بين مصر وتركيا، لتأخذ الرياض كل غير المتفاهمين إلى مرحلة الصف الواحد ورمي كل الاختلافات خلف الظهور، كون المرحلة السياسية تتطلب موقفا يتجاوز كل المشاغبات السياسية ويسكت حطب اللمز والغمز.
وحظيت عاصفة الحزم بتأييد أغلب الدول العربية، في الوقت الذي دفعت فيه مصر والأردن والمغرب والسودان ودول الخليج العربي ما عدا عمان للمشاركة الفعلية لخوض غمار الحرب لإعادة الشرعية اليمنية التي سلبت من قبل ميليشيات تتبع لإيران، إضافة إلى ما أشار إليه السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير «من أن دولا أخرى عبرت عن رغبتها في المشاركة في التحالف وتجري الآن محادثات بهذا الخصوص معهم ومن أهمها السودان وتركيا، إضافة للدعم الذي قدمته الولايات المتحدة الأميركية».
وأدركت دول التحالف الجديد خطورة «الثيوقراطية» التي تقودها إيران عبر ميليشيات الحوثيين في اليمن، حيث كانت إيران ولا تزال تقدم الدعم المالي والسياسي والإعلامي للحوثيين، وأن مجرد حضورها في اليمن يعتبر تطويقا للعدو التقليدي وهو السعودية، في محاولة للتمدد الإيراني بالتأثير في العمق الاستراتيجي لدول الخليج وذلك من خلال العمل على السيطرة على مضيق باب المندب، ومن ثم تهديد الملاحة البحرية التي تعتمد عليها دول الخليج لصادرتها من النفط.
عاصفة الحزم تجاوزت كل الخلافات العربية - العربية وأيضا الخلافات الإقليمية والتي كان من أهمها الخلافات التي نشبت بين دول الخليج وخاصة فيما يتعلق في الملف القطري، إذ اشتعل الخلاف بين دول الخليج والذي نتج عنه سحب السعودية والإمارات والبحرين سحب السفراء من قطر في بيان ثلاثي والذي يعد الأول من نوعه في إطار العلاقات الخليجية، إلا أنه ما لبث أن تمت المصالحة قبل نهاية العام الماضي، لتكون قطر اليوم ضمن التحالف في عملية «عاصفة الحزم»، التي تشرف عليها السعودية.
دخول السودان لهذا التحالف الجديد يعتبر أمرا مهما وإيجابيا خاصة أن العلاقات بين الرياض والخرطوم لم تكن في أفضل أحوالها خلال السنوات الماضية، بل كانت العلاقات بين السودان وإيران تفوقها بمراحل، حتى حدث تحول نوعي مفاجئ عندما طردت السودان الملحق الثقافي الإيراني، وزار الرئيس عمر البشير الرياض الأسبوع الماضي وقال في تصرح له إن المباحثات التي أجراها مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تركزت على تعزيز التعاون الثنائي، والعمل على تبادل زيارات الوفود على المستوى الرسمي والشعبي، وقال في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط» إن زيارته عمقت العلاقات بين البلدين إلى مستوى متقدم جدا جدا، إلى درجة أنه قال: «أقول إن العلاقات السودانية السعودية في أفضل حالاتها على مر التاريخ والحقب».
الرئيس السوداني أنهى العلاقات الإيرانية حينما صرح بقوله «ليست لدينا أي علاقات استراتيجية مع طهران، بل علاقات عادية للغاية»، بعد أن أصدر تعليماته بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية على أرضها التي تأسست منذ عام 1984. ليأتي قرار البشير بالمشاركة في العملية العسكرية التي أطلقتها السعودية، متماشيا مع الرؤية الاستراتيجية التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط والوضع العربي الحالي، بعد أن أصبح الخطر الإيراني يعمل على خنق كافة الدول العربية عبر الاستيلاء على مضيقي هرمز وباب المندب باستخدام الحوثيين كمخلب قِط.
ويقول المراقبون إن التحالف الجديد ضم بين أجنحته دولا لديها تباين سياسي مثل مصر وتركيا، بعد أن أعلنت القاهرة مشاركتها في عاصفة الحزم، ساندت أنقرة الضربات العسكرية التي تقودها السعودية ومعها مصر ضد الحوثيين في اليمن، وفقا للبيان الذي صدر عن وزارة الخارجية التركية، معلنة استعدادها عن تقديم الدعم اللوجستي للعمليات على الأرض، إذ صدر بعد انطلاق العملية العسكرية بساعات بيان وزارة الخارجية التركية الذي أعرب عن الدعم للعملية العسكرية التي أطلقتها قوات التحالف في مواجهة الحوثيين، والتي تمت بناء على طلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الرئيس المنتخب شرعيا، حيث قامت السعودية بإبلاغ تركيا مسبقا عن العملية العسكرية.
وأضاف البيان «نعرب عن ثـقتنا بأن هذه العملية ستساهم في الحد من مخاطر الاقتتال الداخلي والفوضى في البلاد، وفي إعادة سيطرة السلطات الشرعية على زمام الأمور فيها، كما ندعو الحركة الحوثية وداعميها من الخارج إلى الابتعاد عن التصرفات التي تهدد الأمن والسلام في اليمن والمنطقة»، وكانت رسالة واضحة من أنقرة لدعم التحالف الجديد والحفاظ على الشرعية، ولم تكتف الخارجية التركية بهذا البيان بل أعلن الرئيس التركي إردوغان في تصريحات صحافية أن بلاده مستعدة لتقديم الدعم اللوجستي في عملية عاصفة الحزم، وموجها رسالة إلى طهران بقوله «ينبغي على إيران والمجموعات الإرهابية الانسحاب من اليمن».
وشكلت مواقف التحالف العربي والإسلامي الجديد رؤية جديدة للعالم الغربي في ملف تفاوضها مع إيران حول الملف النووي الإيراني، وأعطت عاصفة الحزم أرضية قوية للولايات المتحدة في نفسها التفاوضي الطويل وتقضي أيضا على حالة التعنت المرتبطة بالشخصية الإيرانية. وبتمحيص الردود الغربية ومن أوروبا تحديدا، فإننا نجد اصطفافا بريطانيا ألمانيا فرنسيا خلف روح التحالف العربي الإسلامي الجديد ولم تفكر مطلقا في أي مواقف أخرى كونها تعلم مكانة وحجم السعودية وتأثيرها العربي والإسلامي، ولأن المصلحة الأوروبية تقتضي الاتساق مع القوة العربية الجديدة.
ونجحت السعودية ودول التحالف في إعادة العقيدة الإسلامية الصافية البعيدة عن الطائفية المقيتة ووجهت العالم الإسلامي نحو طريق السلام الروحي المخالف للتشنج والتقسيم، وسارعت المؤسسات الإسلامية والعلماء المعتبرون إلى مباركة عاصفة الحزم وأنها الطريق القويم للأمة الإسلامية وإعادة روحها المختطفة، لتصدر رابطة العالم الإسلامي بيانا تعلن فيه تأييد المسلمين في مختلف ديارهم لعمليات عاصفة الحزم، وجاء في البيان «تُعلن رابطة العالم الإسلامي سرورها وسرور المسلمين كافة بالتحالف العربي والإسلامي، الذي يفرضه الإسلام في نصرة المظلوم ورد البغي والعدوان، وإن الرابطة لتشكر الله ثم تشكر قادة الخليج والبلاد العربية والإسلامية المتعاونة في عملية عاصفة الحزم وفي مقدمتهم خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله -، الذي يحرص كل الحرص على ما يحقق الأمن والاستقرار في الوطن العربي والإسلامي والعالم أجمع»، مشيرا إلى أن المسلمين يأملون أن تحقق «عاصفة الحزم» أهدافها بما يُبعد اليمن عن كل فتن والتدخلات.
وأوجد التحالف الإقليمي إجماعا بين علماء المسلمين في أوروبا والقارة الأسترالية، إذ أعلن عدد من القيادات الإسلامية في أوروبا منهم الدكتور محمد البشاري أمين عام منظمة التعاون الإسلامي الأوروبي، الذي قال في تصريحات صحافية «إن إعلان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للقتال ضد الحوثيين، بمثابة جهاد دفع الاعتداء والبلاء لهذه المظلومية الواقعة على الشعب اليمني على وجه التحديد».
وفي القمة العربية في شرم الشيخ الأسبوع الماضي، كان خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز واضحا عبر كلمته «الواقع المؤلم الذي تعيشه عدد من بلداننا العربية، من إرهاب وصراعات داخلية وسفك للدماء، هو نتيجة حتمية للتحالف بين الإرهاب والطائفية، الذي تقوده قوى إقليمية أدت تدخلاتها السافرة في منطقتنا العربية إلى زعزعة الأمن والاستقرار في بعض دولنا»، وكان الملك سلمان واضحا في نهجه بتقوية الدور العربي الإسلامي في المنطقة حينما قال: «لا بد لنا من متابعة ما أسفرت عنه الجهود القائمة لإحداث نقلة نوعية في منهج وأسلوب العمل العربي المشترك، بما في ذلك إعادة هيكلة جامعة الدول العربية وتطويرها، وذلك على النحو الذي يمكنها من مواكبة المستجدات والمتغيرات وإزالة المعوقات ومواطن الخلل التي تعترض مسيرة عملنا المشترك».
ولا بد من العودة إلى شخصية الملك سلمان لدوره الرئيسي والأساسي في ميلاد عهد عربي مختلف أخذ في حسبانه التحديات المشتركة لدول الإقليم، فالملك سلمان رجل عميق الجذور في تربة قضايا أمته الإسلامية والعربية، ودؤوب في العمل وكتوم ويعرف حجم بلاده جيدا عبر فهمه الدقيق لإرثه السياسي ولا يتخذ موقفا بناء على محركات أو دوافع شخصية بل يوسع في عقله دائرة التفكير ويتخذ القرار حين تحين لحظته المناسبة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.