اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

تدخل ملك السويد وسعي رئيس الحكومة لتوضيح موقفه ساهم في قرار إعادة السفير السعودي إلى استوكهولم

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض
TT

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

اعتذار سويدي أنهى أزمة 16 يوما مع الرياض

أثمرت جهود اللحظات الأخيرة التي سعت فيها السويد إلى استعادة علاقاتها الطبيعية مع السعودية بكل السبل والوسائل المتاحة والاستثنائية، في إعادة المياه إلى مجاريها بين الرياض واستوكهولم لتنهي أزمة 16 يوما زلزلت أركان العلاقات الثنائية. تدخل ملك السويد غوستاف السادس عشر ورئيس وزرائه، في الأزمة بإرسالهما مندوبا رفيع المستوى يمثل الدولة والحكومة الائتلافية إلى الرياض، لتدارك الظروف غير الطبيعية التي سادت بين البلدين في الفترة الأخيرة، وقد تكللت الزيارة والرسائل التي حملها إلى القيادة السعودية، بنتائج إيجابية قررت بعدها الرياض وفي ضوئها إعادة سفيرها المعتمد إلى العاصمة السويدية وإتاحة الفرصة مجددا لاستمرار العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين البلدين.

كان واضحا خلال أسابيع، التوتر الشديد داخل المؤسسات الرسمية والدستورية السويدية طوال أيام الأزمة، وذلك من خلال تضارب التصريحات وسط عجز حكومي عن أية مبادرة للحل، كما أسهمت وسائل الإعلام السويدية المرئية والمقروءة ومواقع الرأي والصحف المتخصصة بالقضايا التجارية والصناعية في الحوار المفتوح حول الأزمة ونتائجها السلبية الكبيرة على الاقتصاد السويدي وذلك إثر التصريحات التي تعرضت فيها وزيرة الخارجية مارغوت فالستروم للقضاء السعودي والنظم الاجتماعية السائدة خارج الأطر الدبلوماسية المعهودة والتي اعتبرت السعودية فيها تلك التصريحات مسيئة وغير ودّية.
وكانت التسريبات التي أحاطت بجهود الملك السويدي خلال فترة الأزمة تشير إلى اتصالاته الشخصية بعدد من الاستشاريين والخبراء العرب والسويديين لتدارك الأزمة وإيجاد الحلول الضرورية لها، حيث اختار الملك أخيرا إرسال شخصية رفيعة المستوى ممثلة في وزير الدفاع السويدي السابق البارون بيورن فون سيدو ممثلا فوق العادة يحمل رسالة الملك الشخصية ورسالة رئيس الحكومة استيفان لوفين تتضمن اعتذار الحكومة وتوضيحا من لوفين لموقف حكومته الإيجابي من الإسلام، مشيرا إلى أن السعودية تبذل كل جهد للحفاظ على قيم الإسلام الرفيعة والسمحة.
وقد أبدت المملكة العربية السعودية خلال استقبال خادم الحرمين الشريفين لمندوب الملك السويدي تفهما واضحا لموقف الحكومة السويدية الساعي إلى توضيح ملابسات الأزمة الدبلوماسية بين البلدين كما اتضحت مواقف المملكة أيضا خلال استقبال الأمير محمد بن سلمان وزير الدفاع السعودي للموفد السويدي خلال جلسة مباحثات تمهيدية أوضح من خلالها مبعوث ملك السويد رغبة السويد باستعادة العلاقات الطبيعية بين البلدين.
وكانت الأزمة الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والسويد، قد نشبت إثر تصريحات مسيئة للوزيرة السويدية، فالستروم حينما تحدثت في جلسة برلمانية مفتوحة يوم السادس من مارس (آذار) الماضي، طالبة عدم تجديد الاتفاق الثنائي مع السعودية وبخاصة الجوانب المتعلقة بالصناعة والإنتاج المشترك، كما تعرضت للنظم القضائية في المملكة بشكل كشف عن تفاوت في الفهم للخصوصية الثقافية والقانونية وقيم المجتمع في السعودية. لكن تداعيات الأزمة حدثت في التاسع من مارس، بمنعها من التحدث في الجامعة العربية، ثم تلا ذلك سحب الرياض لسفيرها المعتمد لدى السويد يوم 11 مارس، ثم قرار الرياض إيقاف منح وتأشيرات الدخول لرجال الأعمال السويديين، مما أضر بالمصالح السويدية التجارية والتي تبلغ وارداتها السنوية من السعودية قرابة 13 مليار دولار سنويا، ومن ثم إعلان السعودية أنها «تأمل ألا تضطر إلى إجراء مراجعة لجدوى الاستمرار في العديد من أوجه العلاقات التي تربطها» مع السويد. قبل أن تنتهي فصول الأزمة بقرار إعادة السفير السعودي في 26 مارس.
وكشفت تطورات الأزمة جوانب مثيرة للاهتمام في تداعياتها السياسية والاقتصادية داخل السويد وعلى مستوى رجال الأعمال والأوساط الدبلوماسية خصوصا. وكانت مجموعة من الشركات السويدية الكبرى العاملة في السعودية قد أصدرت بيانا عارضت فيه تصريحات وزيرة الخارجية كما طالبت تلك الشركات الحكومة السويدية بتجديد الاتفاقية الثنائية بين البلدين.
وشهدت استوكهولم تحركات داخلية بين وزارتي الخارجية والصناعة ومجموعة الشركات الصناعية الكبرى العاملة في السعودية، وتشكلت مجموعة لإدارة الأزمة في وزارة الصناعة مثلما شكل تجمع الشركات الكبرى النافذة مجموعة اتصال من أجل تسهيل عملية التواصل مع الأطراف الرسمية السعودية.
كما شهدت أروقة وسائل الإعلام ومعاهد الدراسات والبحوث المتخصصة بالسياسة الخارجية نشاطا مكثفا، شارك فيه صحافيون وخبراء ودبلوماسيون وأكاديميون سويديون متخصصون، تحدثوا عن الأزمة التي أضفت توترا غير مسبوق على العلاقات بين السويد والسعودية.
وقد أشار كثيرون إلى العلاقات التاريخية التي أسست ثوابت التعامل والعمل المشتركين. ومع تعدد الأصوات التي ناقشت الأزمة والأصوات الداعية إلى تطبيع العلاقات ظهرت أصوات منصفة حاولت أيضا أن تضع الحوارات والآراء في حالة من التوازن الضروري وبخاصة الدكتورة ماريانا لاناتزا الأستاذة في جامعة لوند المتخصصة بشؤون دول الشرق الأوسط والعلاقات السياسية التي شاركت في الحوارات حين كتبت دراسة في هذا الشأن وكتبت تقول: «نحن هنا في السويد نطلق أحكاما ونحدد شكل علاقاتنا بالآخر بينما الآخر غائب يتلقى أحكامنا المسبقة. إن غياب الصوت السعودي الذي يمثل موقف الطرف الآخر في الحوار هو الذي يجعل قراءاتنا وأفكارنا مسبقة وربما مرتجلة وبخاصة حين تتم الدعوة لإيقاف اتفاقيات مشتركة أو وصف قوانين وإجراءات الآخر بأنها مدعاة للنقد وإني أرى أن مواقفنا وآراءنا في غياب الطرف الآخر غير محقة».
وكانت الدكتورة ماريانا لانتزا قد تحدثت عن التحولات الكبيرة في السعودية ومسيرة الإصلاح والتنمية في مجالات التعليم والتشريعات وبناء الجامعات وإشراك المرأة في المؤسسات التشريعية والتعليم حتى بلغت النسبة التي تمثلها المرأة في التعليم نسبة 30 في المائة من المشمولين بالتعليم في السعودية وطالبت الباحثة والأستاذة الأكاديمية بأن تمنح فرصة أوسع في الحوارات مع الآخرين قبل أن يتخذ أي قرار مرتجل.
وفي نفس السياق كتب الدكتور محمود الآغا رئيس تحرير جريدة «الكومبس» الصادرة في استوكهولم ونشرت أيضا على موقع الجريدة افتتاحية بعنوان «الأزمة بين السويد والسعودية أزمة في ثقافة معرفة الآخر»، يقول فيها: «التعرف على ثقافة الآخر وتفهم خصوصياته الاجتماعية والفكرية، من خلال الاطلاع على الحقائق التاريخية ومتابعة ما ينتجه حاليا ضمن المجالات الأدبية والفكرية والفنية وغيرها، يسهل ويساعد على تقوية بقية الجوانب ذات الطابع الاقتصادي ويضمن استمرارية العلاقات السياسية المبنية على الاحترام المتبادل. ومع أن الخلاف بين السعودية والسويد الذي بدأ يتسع ويكبر بعد أن تدحرجت عجلته ككرة الثلج، هو خلاف بين حكومتين لدولتين مستقلتين، فإن له أيضا جوانب قد تمتد إلى طبيعة الاختلاف بين الثقافات».
وتابع الكاتب يقول: «الاختلاف، وهو شيء واقعي، بل ضروري ومنطقي في الطبيعة البشرية، ظهر بين البلدين حول تفسير مفاهيم عديدة منها، الرأي السويدي في القضاء في السعودية وطريقة تنفيذ الأحكام فيها. هذا الانتقاد وصفته الرياض بالتدخل السافر بالشأن الداخلي، واعتبرت ربط هذا (التدخل) بمسائل حقوق الإنسان أكثر من تصريح (ساذج) لوزيرة تماهت بين مسؤوليات منصبها السياسي الحالي ومبادئ موقعها كناشطة نسوية في السابق».
من جهته، قدم الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط ودول الخليج والسعودية ثورد يانسون من جامعة يوتبرغ تحليلا مميزا للغة الخطاب التي عالجت بها وسائل الإعلام السعودية أزمة الخلاف بين السويد والسعودية في مقالة تعيد قراءة الافتتاحيات والمقالات المتخصصة التي نشرتها الصحف اليومية الصادرة في الرياض.
وقال كاتب المقالة ثورد يانسون: «بعد قراءة متفحصة لما تنشره وسائل الإعلام السعودية لاحظت نبرة هادئة ومعتدلة في خطاب الصحافة السعودية اليومية التي تصدر في الرياض، خلال المقالات التي تنشرها الصحافة حول الأزمة الدبلوماسية ورأيت أن الاعتدال في لغة الصحافة اليومية السعودية التي تحدثت عن عمق العلاقة بين البلدين وعن إمكانيات حل إشكالات الأزمة عبر الحوار بين البلدين لا يأتي من مجرد تعبير عن تمنيات الصحافيين والكتاب، بل هي صورة لأجواء العلاقات الخارجية التي تشيعها الدبلوماسية الهادئة إزاء المشكلة والمشاكل المشابهة التي اختطتها وزارة الخارجية السعودية لزمن طويل».
وتحدث لـ«الشرق الأوسط» الخبير العسكري والسياسي السويدي ستيلان بويرود الذي سبق أن عمل ميدانيا مراسلا ومحللا مع راديو السويد خلال حرب الخليج عام 1991 السابقة قائلا: «كنت دائما أشير على الحكومة السويدية في حواراتي ومقالاتي إلى ضرورة الاستماع إلى الرأي السعودي قبل اتخاذ أي قرار يبدو وكأنه من طرف موجه إلى طرف آخر شريك دون درايته أو حضوره. وكنت قد أكدت بعد تطور الأحداث في اليمن ودور السعودية القيادي فيه إلى أن هناك 3 حقائق لا تستطيع التداعيات الإقليمية في المنطقة إخفاءها وهي، القلق الدولي على التوازنات السياسية، وتدفق النفط من الدول المصدرة إلى أوروبا وأميركا وكندا، واستمرار التجارة الدولية عبر الممرات البحرية، باب المندب والخليج وقناة السويس. وهذه الممرات هي رمز من رموز التفاهمات التاريخية الأساسية بين دول العالم حول العلاقات والمصالح والاحترام المتبادل للاتفاقات والتعاون المشترك. وأن أي تهديد لهذه الدلالة الرمزية للتفاهم الدولي إنما يعني تخريب أسس العلاقات الدولية واستقلالها. وأجد أن القرار السعودي بإعادة العلاقات السويدية السعودية إلى سياقها الطبيعي قرار حكيم».
وخلال الأزمة سعت الأحزاب المنضوية تحت خيمة تحالف يمين الوسط السويدي المعارض (وهي حزب الشعب والحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الوسط والحزب الأكبر حزب المحافظين) إلى توخي الحذر في معالجة القضايا الثنائية مع دول العالم واعتبروا النموذج الذي عكسه قرار إيقاف الاتفاق الثنائي مع السعودية بأنه قرار من طرف واحد يجعل مصداقية السويد ووضوح خطابها بعيدا عن متطلبات إدامة الحوار مع الشركاء الدوليين مهما بلغت الاختلافات في الرأي والمواقف.
وقد تحدثت إلى «الشرق الأوسط» رئيسة كتلة المعارضة في البرلمان جيسكا بولفييرد، ردا على سؤال حول رؤيتها للقرار السعودي بإعادة السفير المعتمد إلى استوكهولم وإتاحة الفرصة لمراجعة إيجابية للعلاقات الثنائية، وقالت: «لا شك أنني أجد أن تلك بادرة مهمة في علاقاتنا الثنائية وكنا مجموعة قد أشرنا إلى استدعاء وزيرة الخارجية السويدية للمثول أمام البرلمان لكي نوضح نقدنا لما سببته تصريحاتها من إرباك للسياسة السويدية القائمة على التعاون المشترك وأكدنا أن احترام الخصوصية على الحفاظ بين ما يقال بين الشركاء خلف أبواب مغلقة أو في العلن من أجل احترام الطبيعة الحساسة للعلاقات الثنائية وعواملها الداخلية وعناصرها المضافة.. وأجد أن عودة العلاقات الطبيعية بين السويد والسعودية هو نتيجة منطقية لجهود مشتركة داخل البرلمان وخارجه من أجل تصحيح الأخطاء وإعادة المياه إلى مجاريها بين البلدين السويد والسعودية».
ويبدو أن تداعيات الأزمة السياسية الداخلية جراء إيقاف الحكومة الاتفاقية الثنائية وتصريحات وزيرة الخارجية السويدية التي أحرجت السويد مع الرياض والقرارات الأخرى التي اتخذتها حكومة الأقلية البرلمانية الحاكمة من تحالف الحمر والخضر لا تزال مستمرة على الرغم من الجوانب الإيجابية التي انطوى عليها القرار السعودي بإعادة العلاقات الدبلوماسية وعودة السفير السعودي المعتمد إلى العاصمة السويدية استوكهولم واستئناف النشاط التجاري والاقتصادي المشترك بين البلدين، فقد أظهرت الأحداث طبيعة الانقسام العميق والواضح بين القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المجتمع السويدي. حيث كشفت وسائل الإعلام السويدية بعد استعراض العناصر الإيجابية في إعادة العلاقات بين البلدين، عن وجود استياء متزايد داخل حزب المحافظين وبعض أحزاب يمين الوسط المؤتلفة معه كمجموعة للأغلبية البرلمانية المعارضة عن رغبتها في فك تفاهمات أحزاب الأغلبية التي أنقذت الحكومة الحالية من السقوط في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2014. وكان ذلك قد حدث على خلفية التصويت ضد مشروع الميزانية الذي تقدمت به حكومة الاشتراكيين وحزب البيئة ذات الأقلية البرلمانية والذي عرض على الحكومة خيار الاستقالة وإجراء انتخابات تكميلية في 22 مارس 2015 ولكن مشروع التسوية الذي تقدمت به كتلة المعارضة من أجل إنقاذ البلاد من فوضى سياسية تتيح ربما للحزب العنصري فرصا لتسلق سلم الصعود وتوسيع نفوذه البرلماني إلى الاتفاق مع الحكومة الحالية على إدارة البلاد باعتماد مشروع ميزانية الظل التي اعتمدها البرلمان بالأغلبية حيث نظم الاتفاق العلاقة بين أحزاب تحالف يمين الوسط المعارض وحزبي الحكومة المؤلفة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي والبيئة. وأوضحت رئيسة كتلة المحافظين البرلمانية عن تزايد الرغبة في فك تلك التفاهمات مع أحزاب حكومة الأقلية مما يعرضها للسقوط والعودة إلى إجراء انتخابات تكميلية تكون خلالها هذه الحكومة حكومة تسيير أعمال، لأن اتفاق ديسمبر والتسوية بين الحكومة والأحزاب المعارضة، قد أضرا بحزب المحافظين.

أيام الأزمة بين السويد والسعودية

* 6 مارس 2015: وزيرة الخارجية السويدية تضمنت كلمتها في جلسة البرلمان السويدي تصريحات ضد القضاء السعودي والدعوة إلى إيقاف اتفاقية التعاون المشترك.
* 7 مارس: إصدار الشركات السويدية الكبرى المعروفة بمجموعة الثلاثين بيانا يعترضون فيه على التصريحات غير الدبلوماسية لوزيرة الخارجية ويطالبون الحكومة بتجديد الاتفاقية مع السعودية مدة 5 سنوات أخرى من أجل استكمال المشاريع والاتفاقات بين البلدين.
* 9 مارس 2015: الوزيرة ضيفة شرف على مجلس الجامعة العربية لكنها تبلغ برغبة المندوبين الممثلين للجامعة العربية بإلغاء الفقرة الخاصة بإلقاء خطابها.
* 10 مارس: إعلان الحكومة السويدية إلغاء اتفاقية التعاون المشترك بين السويد والسعودية من طرف واحد.
* 11 مارس: السعودية تستدعي سفيرها المعتمد السيد إبراهيم بن سعد الإبراهيم.
* 12 مارس: موجة اعتراضات رجال الأعمال السويديين واجتماعات متواصلة مع المسؤولين ومع رئيس الحكومة.
* 13 مارس: رئيسة كتلة الأغلبية المعارضة تقدم بلاغا برلمانيا تطلب فيه حضور وزيرة الخارجية لجلسة استجواب جراء الارتباك الذي تسببت فيه للسياسة الخارجية السويدية.
* 14 - 16 مارس: السفراء العرب المعتمدون في السويد يبلغون وزارة الخارجية السويدية اعتراضهم على تصريحات وزيرة الخارجية التي تسببت في الأزمة.
* 17 مارس: بلغ عدد الدول العربية والإسلامية التي اعترضت على تصريحات وزيرة الخارجية السويدية 60 دولة.
* 18 مارس: دولة الإمارات العربية تستدعي سفيرها السيد سلطان راشد الكيتوب النعيمي المعتمد في السويد.
* 19 مارس: الحكومة السعودية توقف منح تأشيرات الدخول لرجال الأعمال السويديين.
* 20 مارس: مثول وزيرة الخارجية أمام جلسة استجواب في البرلمان قالت فيها إن السعودية دولة محورية مهمة ودولة مانحة في إطار مواجهة الإرهاب واجتماع موسع لرجال الأعمال مع وزير الصناعة السويدي بحضور وزيرة الخارجية وتشكيل مجموعة لإدارة الأزمة.
* 21 مارس: ملك السويد يعرض على الحكومة المساعدة في حل الأزمة مع السعودية.
* 23 مارس: ملك السويد يلتقي مع وزيرة الخارجية في قلعة استوكهولم للبحث عن حلول للأزمة.
* 24 مارس: وزير خارجية السويد السابق يعلن عن خسارة السويد للآلاف من فرص العمل بسبب إيقاف اتفاقية العمل المشترك مع السعودية.
* 25 مارس: استمرار التنديدات العربية والدول الإسلامية والصديقة.
* 26 مارس: استقبال خادم الحرمين الشريفين لمندوب ملك السويد وتسلمه رسالتين من ملك السويد ورئيس الحكومة السويدية الذي استقبله وزير الدفاع مستشار الملك، من قبل، وقرار المملكة بعودة سفيرها إلى استوكهولم ووضع الأسس لمراجعة إيجابية للعلاقة ووضع حد للأزمة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.